الأدب الإلكتروني التفاعلي!: 4.مقالات:إضبارة أ.د.عبدالله الفـَيفي



الأدب الإلكتروني التفاعلي!
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

ــ 1 ــ
جاءت محاضرتي في (نادي جُدّة الأدبي الثقافي) ليلة الثلاثاء 19 مارس 2013، بعنوان «جماليّات الأدب الإلكتروني التفاعلي»، امتدادًا لاهتمام مبكِّر، منذ عام 2000، أي منذ أطلقتُ موقعي الشخصي- الأدبي النقدي- على شبكة الإنترنت(1). وهو موقعٌ شخصيٌّ، تصميمًا ومادّة. ثم نُشِر لي بحث محكَّم حول الموضوع في (مجلَّة آداب المستنصريّة، كليَّة الآداب، الجامعة المستنصريَّة، العراق)(2). وكذا قدَّمتُ ورقة بحثٍ في ملتقى مجلَّة «العربي»، عام 2010، بعنوان «الثقافة العربيَّة في ظلّ وسائط الاتصال الحديثة»، وكانت ورقتي تحت عنوان «مستقبل الثقافة العربيَّة في ظلّ الوسائط الاتصاليَّة الحديثة».(3)
وبذا فقد كان اقتراح موضوع المحاضرة في نادي جُدَّة- الذي بادرتْ به الدكتورة فاطمة إلياس- يوافق انشغالًا بهذا المجال، استشعارًا لأهميَّة التقنية المعاصرة في الخطاب الأدبي، وتواصُل النصّ مع الجمهور. فضلًا عن إثراء التقنية الحديثة لتقنياتٍ قارَّة في طبيعة الأدب، منذ أن كان. على أن شبكة «الإنترنت» العربيَّة، كسائر الحالة التقانيَّة العربيَّة، ما تزال من التردِّي بما يَحُول دون واقعٍ منشود. وفيما يلي تركيز على أهمّ الأفكار التي ناقشتها المحاضرة.
ــ 2 ــ
في مقارباتي السابقة كنتُ فرَّقتُ بين (النشر الإلكتروني للأدب)، و(الأدب الإلكتروني التفاعلي). فالأوّل لا يختلف عن النشر الورقي، إلَّا من حيث وسيلة النشر. أمّا النوع الأخير، فيصطنع شبكة تفاعليَّة، بالغة التركيب. وتكمن الصعوبة في التعاطي نقديًّا معه في كيفيّة وصفه، وتحليله، ومن ثَمَّ إيصال القراءة النقديّة إلى القارئ، بما أنه معتمد على التقنية. لأجل هذا فنحن بحاجة إلى (قراءة نقديَّة إلِكترونيَّة تفاعليَّة)، تضاهي طبيعة الأدب الإلِكترونيّ التفاعليّ، وإلَّا كانت القراءة تقليديَّة لنصٍّ غير تقليديٍّ ولا مألوف، ولا مهيّأ لمعظم القرّاء، وسيتعذَّر على القارئ متابعة ما نقدِّم إليه، إلَّا في نطاقٍ نخبويٍّ ضيِّق. يضاف إلى هذا عبثيَّة الواقع الإنترني العربي؛ فبعض ما نتطرَّق إليه بالدرس والتمثيل قد يختفي بعد حين من الشبكة العالميَّة، إمّا بحذفه من قِبَل صاحبه، أو بحجبه، أو بتعرُّضه للقرصنة. وهو ما واجهتُه في النماذج التي كنتُ أُزمِع تحليلها في محاضرة جُدَّة. وهذا يشير إلى أن مستقبل الأدب التفاعلي في عالمنا العربي معلّق في مهبّ العواصف التي لا يمكن التنبُّؤ بأحوالها. ولهذا لا مناص من أن تبقى المحاولة أقلّ من الطموح، وأن تدور في فلك التقييم العامّ للتجربة، دون تفاصيلها المتعدِّدة.
ولعلّ ما يجابهه المطَّلع- ولا أقول القارئ؛ لأن العمليَّة في تلقِّي الأدب الإلِكترونيّ التفاعليّ لم تَعُد قراءة نصٍّ فقط، بل هي تفاعل مع ضروب فنِّيَّة مختلفة، من: نصٍّ، وصورة، وموسيقى، فضلاً عن الإيقونات، والروابط التصفُّحيَّة، واللوحات الإلِكترونيَّة- هو ذلك الشتات بين: (متون)، و(حواشٍ)، و(هوامش)، و(تفرُّعات أخرى)، و(أشرطةٍ تَمُرُّ عجلَى). إنها غابات نصوصيَّة إلِكترونيَّة، تذكِّرنا- مع الفارق- بفنّ (التشجير الشِّعري) الذي عُرف في التراث العربي خلال القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي، أو بالشِّعر الهندسي، المختلَف في تأريخ ظهوره(4). ومع أن القارئ يفتقد في تفاعله مع الأدب الإلِكترونيّ التفاعليّ التجسُّد الواحديّ للنصّ، فإن ما يعايشه من شتات في تفرُّعات النصّ له جماليَّاته وجذبه، جمال شجرةٍ غنَّاء، ذات فروع، وأغصان، وزهور، وثمار، وأطيار.
ولطبيعة النصّ من ذلك النوع، فإني أستبدل كلمة «إلِكترونيَّة» بـ«رقميَّة»، في تسمية هذه التجارب، لأسمِّيها: «الأدب الإلِكترونيّ التفاعليّ»، بدل «الأدب الرقميّ التفاعليّ». ذلك لأن التعامل في النصّ هنا- إنشاءً وتلقِّيًا- هو مع التقنية الإلِكترونيَّة. فكلمة «إلِكترونيّة» ضروريّة لإشارتها إلى التقنية الوسيطة، التي من دونها لا قيام لهذا النصّ. ونحن نستعمل اليوم: «الصحيفة الإلِكترونية»، و«الموقع الإلِكتروني»، و«النشر الإلِكتروني»،،، إلخ.، فأَولَى أن يُسمّى النصّ من هذا النوع، إذن: «النص الإلِكتروني التفاعلي». ثم إن مصطلح «رقميّة» مصطلح مُلْبس، ومشوِّش على مفردة مستقرة قديمة مستعملة، تعلُّقها بالرّقم، بمعنى الكتابة من جهة، وبالأرقام، بمعنى الأعداد من جهة أخرى. وهناك ما يُسمّى حديثًا «العَروض الرقميّة»، مثلًا، وتتعلّق بوضع معادلات رقميّة لوزن الشِّعر عِوَض الأسباب والأوتاد والتفعيلات. وأمّا مفهوم (النص المترابط Hypertext)، الذي استعمله للمرة الأولى (تيد نيلسون)، 1965، فقد تخطّاه الزمن، فضلًا عن أن «الترابط» شرط مشترك بالضرورة- بمعنى أو بآخر- مع مختلف أضرب الكتابات والنصوص، فلا قيمة نوعيّة تحملها دلالة الكلمة هنا عن «النصّ الإلكتروني التفاعلي». كما أن مفهوم (النصّ الإنترنتّي Cyber text)، الذي كان أوّل من استعمله (آرسيت Espen J Aarseth)، لم يعد يدلّ على خصوصيّة «النصّ الإلِكتروني التفاعلي»؛ بما أن مختلف النصوص اليوم أضحت إنترنتيّة غالبًا. يضاف إلى هذا أن معظم ما نراه من تجارب- عربيّة على الأقلّ- هو في الأصل إنتاج ورقيّ، أو هو قابل لأن يكون إنتاجًا ورقيًّا، وله سوابق كانت تُجرَى، قبل وجود «الإنترنت»، بطرائق مختلفة للكتابة والتوزيع والدمج والإرفاق النصوصي أو التشكيلي. وليس العمل رقميًّا، إذن، بوهميّة ما توحي به الكلمة، بل هو يتعامل مع ضروب فنِّيَّة شتَّى، رقميَّة وغير رقميّة. على أنِّي لا أرى أن صفة «الإلِكترونيّ» تُغْني بحال عن صفة «التفاعليّ Interactive»، إذا أريد لتسمية هذا الشكل الكتابي أن تدلّ على طبيعته. وتبدو كلمة «تفاعليّ» أنسب، وأشمل، وأعمق من غيرها في إشاريَّتها إلى علاقات النصّ الداخلية وعلاقاته الخارجيّة: بنائيّة، وفي فضاء التلقّي. لهذا كله، أقترح: «النصّ الإلِكترونيّ التفاعليّ» مصطلحًا عربيًّا على هذا النوع من النصوص.
ــ3ــ
وقد أصدر ميشيل جويس Michael Joyce أول «رواية تفاعليَّة» في العالم، بعنوان «الظهيرة، قصة» Afternoon, a story، 1986، مستخدمًا برنامج المسرد Story space، وهو برنامج لكتابة هذا النوع من النصوص المتفرِّعة. ثم نَجَمَت برامج أخرى، كبرنامج اسمه: «الروائي الجديد». وهناك تجارب منذ مستهلّ هذا القرن للروائي الأردني محمد سناجلة، من خلال رواية بعنوان «ظلال الواحد»، 2001، و«شات»، 2005، ورواية أخرى بعنوان «صقيع». وكان قد أطلق موقعُ (اتِّحاد كُتاب الإنترنت العرب)، رواية «شات»، وغيرها. وهي توظِّف خصائص البرمجيَّات الإلكترونيَّة لإنتاج نصٍّ سرديٍّ متفرِّع، يسمح بالربط بين النصوص، والأعمال الفنِّيَّة، عبر وصلات وإيقونات، ترتبط بنصوص، أو بصور ثابتة أو متحرّكة، أو بأصوات حيَّة، أو بموسيقى، أو بأنماط جرافيكيَّة، أو بخرائط، أو برسوم إيضاحيَّة، إلى غير ذلك. في غابةٍ متداخلة بين المتون والحواشي، وما يرتبط بالموضوع، أو يضيئه. أمَّا على المستوى النقدي العربي، فيُعدّ كتاب (سعيد يقطين)، تحت عنوان «من النص إلى النص المترابط، مدخل إلى جماليَّات الإبداع التفاعلي»(5)، الكتاب العربي الأوّل، فيما نعلم، في هذا الموضوع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) http://khayma.com/faify
(2) العدد السابع والأربعون، 1429هـ= 2008م، ص ص 241- 250.
(3) نُشر البحث في (كتاب «العربي» 82، أكتوبر 2010، ج2: ص ص182- 223).
(4) انظر: أمين، بكري شيخ، (1979)، مطالعات في الشِّعر المملوكي والعثماني، (بيروت: دار الآفاق الجديدة)، 181، 209.
(5) (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005).


17/ 4/ 2013
p.alfaify@gmail.com
http://khayma.com/faify
 | 

....................................................................................................

* صحيفة «الراي» الكويتية، العدد 12336، الثلاثاء 16 أبريل 2013، ص22.
http://www.alraimedia.com/Resources/PdfPages/AlRAI/EFDD5C99-2A37-481D-9C8A-DDA6C289497B/P22.pdf
http://www.alraimedia.com/Article.aspx?id=428587&date=16042013




للتعليق على الموضوع: اذهب إلى ساحة نقاش الإضبارة!

شكرًا لاطّلاعك على هذه الصفحة!

جميع الحقوق محفوظة ©