موقع القدس


الصفحة الرئيسية لموقع القدس
تاريخ القدس القديم |  قبل الإسلام |  الرومان والقدس |  منذ الفتح الإسلامي |  عهد الأمويين |  عهد الفاطميين |  الإحتلال الصليبي
عهد الأيوبيين |  عهد المماليك |  عهد العثمانيين |  العهد العباسي |  عهد الطولونيين |  الإحتلال البريطاني |  الإحتلال الصهيوني
الصحابة |  علماء وزهاد |  مؤرخون ورحالة |  نساء |  أدباء |  شخصيات فلسطينية وعربية
القدس في التاريخ |  مكانة القدس |  الموقع الفلكي |  كنيسة القيامة |  موقف العرب |  المقاومة |  برنامج القدس
دعم أمريكا لإسرائيل |  القضية الفلسطينية في قرنين |  إحصائيات عن اليهود |  الصهيونية
العهدة العمرية واللورد بالمرستون ونابليون والبيع لليهود ورد الشريف حسن ووعد برلفور
صور القدس 1 |  صور القدس 2 |  صور القدس 3 |  صور القدس 4 |  صور القدس 5 |  مواقع

القدس في التاريخ

مقال 1

القدس في ضوء قرارات اللجان البريطانية والدولية

1917-1947

(1)

إعداد الدكتور محمد ماجد الجزماوي

أستاذ مساعد -قسم التاريخ- جامعة الخليل - فلسطين

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وإعلان الدولة العثمانية وقوفها إلى جانب ألمانيا، أخذت دول الحلفاء تتفق فيما بينها لتقاسم ممتلكات الدولة العثمانية كما بدأت بريطانيا بالتفكير في السيطرة على فلسطين، مستغلة في ذلك الضعف العسكري للجيش العثماني، وحتى تتمكن أيضا من تشتيت القوة العسكرية لألمانيا وإشغالها في عدة جبهات. وقد تمكن الجيش البريطاني بقيادة الجنرال إدموند أللنبي من احتلال كافة الأراضي الفلسطينية خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 1917 حتى سبتمبر 1918 فقد احتل بئر السبع في 21 أكتوبر 1917 وغزة في 9 أكتوبر 1917 ويافا في 16 نوفمبر 1917 والقدس في 9 ديسمبر 1917، أما القسم الشمالي من فلسطين فقد بقي تحت السيادة العثمانية حتى احتلت القوات العسكرية البريطانية نابلس في 20 أكتوبر 1918، وحيفا وعكا في 23 أكتوبر 1918 وهكذا انتهى الحكم العثماني لفلسطين بعد حكم امتد أربعمائة سنة.

وبنهاية عام 1918 وبانتهاء الحكم العثماني لفلسطين أصبحت البلاد تدار بإدارة عسكرية بريطانية أطلق عليها اسم "الإدارة الجنوبية لبلاد العدو المحتلة" واتخذت من مدينة القدس مقرا لها وعملت تحت سلطة حاكم إداري عام كان يتلقى أوامره من القائد العام الجنرال أللنبي، باعتباره المرجع الأعلى في المسائل الرئيسة، إذ أنه كان يعمل تحت إشراف وزارة الحربية البريطانية التي كانت تنفذ التعليمات وأوامر وزارة الخارجية.

وكانت الحكومة البريطانية قد تنكرت للوعود التي قطعتها للشريف حسين خلال مراسلات الحسين مكماهون (1915-1916) بشأن الاستقلال إذ قامت بإجراء مفاوضات سرية مع الحكومة الفرنسية حول مصير البلدان العربية التي كانت تحت الحكم العثماني وتمخضت هذه المفاوضات عن التوقيع على اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916 بين الحكومتين وبموجبها كانت العراق وشرق الأردن وسواحل الجزيرة العربية الشرقية الجنوبية من نصيب بريطانيا. بينما اختصت فرنسا بسورية ولبنان، أما فلسطين فقد نصت الاتفاقية على وضعها تحت إدارة خاصة وفاقا لاتفاقية تعقد بين روسيا وفرنسا وبريطانيا كما منحت الاتفاقية بريطانيا مينائي حيفا وعكا على أن يكون ميناء حيفا حرا لتجارة فرنسا ومستعمراتها.

أخذت الإدارة العسكرية تعمل على تهيئة فلسطين بشكل تدريجي حتى تصبح وطنا قوميا لليهود، فاتبعت سياسة علنية موالية للحركة الصهيونية إذ قامت بتضييق الخناق الاقتصادي على عرب فلسطين وخاصة الفلاحين منهم وتهويد الوظائف الحكومية، وفتح الأبواب أمام تدفق المهاجرين اليهود، وغير ذلك من الأساليب لإرساء الدعائم الأولى للوطن القومي اليهودي وتنفيذ وعد بلفور. ولم يكن عرب فلسطين بمنأى عن هذه السياسة، فقد أدركوا مدى تحيز ومحاباة الحكومة البريطانية تجاه اليهود ومساندتها لمطالبهم في الاستيطان والهجرة ونزع الأراضي من أصحابها العرب، فكان لا بد من أن يكون ردة فعل من عرب فلسطين إزاء هذه السياسة، وقد تمثل ذلك في الاضطرابات التي وقعت في مدينة القدس خلال الفترة ما بين 4-8 أبريل 1920 أثناء احتفال المسلمين بموسم النبي موسى، الذي تصادف مع الاحتفالات الدينية للمسيحيين واليهود، وخلال هذا الاحتفال وقعت الاشتباكات بين العرب واليهود أسفرت عن وقوع العديد من القتلى والجرحى من كلا الدانبين، وقد أظهرت هذه الأحداث مدى تحيز بريطانيا تجاه اليهود إذ قامت الشرطة البريطانية باستخدام كافة أساليب القمع والتنكيل بحق العرب، وقد اتهمت الحكومة كلا من موسى كاظم الحسيني والحاج أمين الحسيني وعارف العارف بإثارة تلك الاضطرابات، فحكمت على الأخيرين بالسجن غيابيا لمدة عشر سنوات مع الأشغال الشاقة غير أنهما تمكنا من الفرار إلى شرق الأردن.

وعزلت موسى كاظم الحسيني عن منصبه في رئاسة بلدية القدس وعينت راغب النشاشيبي بدلا منه.

قامت الحكومة البريطانية على إثر هذه الاضطرابات بتشكيل لجنة تحقيق عسكرية لدراسة الأسباب التي أدت إليها، وكانت هذه اللجنة برئاسة الجنرال بالين، وقد أصبحت تعرف باسمه. وقد جاء في التقرير النهائي للجنة أن أسباب الاضطرابات تعود إلى الأمور التالية:

1- خيبة أمل العربي لعدم تنفيذ وتحقيق وعود الاستقلال التي منحت لهم خلال الحرب العالمية الأولى.

2- اعتقاد العرب بأن وعد بلفور يتضمن إنكارا لحقهم في تقرير مصيرهم وخوفهم من أن إنشاء الوطن القومي يعني الزيادة الهائلة في الهجرة اليهودية التي ستؤدي إلى إخضاعهم للسيطرة اليهودية من الناحية الاقتصادية والسياسية.

3- ازدياد حدة الشعور بالقومية العربية نظرا لوجود الدولة العربية في دمشق والتي كانت موئلا للآمال العربية.

وفي مؤتمر سان ريمو عام 1920 قرر المجلس الأعلى للحلفاء منح بريطانيا حق الانتداب على فلسطين، وبناء على ذلك عينت الحكومة البريطانية السير هربرت صموئيل الصهيوني البريطاني مندوبا ساميا على فلسطين، وحولت الإدارة العسكرية إلى إدارة مدنية، وكان في بداية الأمر تحت رقابة وزارة الخارجية البريطانية ثم أصبحت تتبع مباشرة وزارة المستعمرات وأطلق عليها اسم "حكومة فلسطين" واتخذت من مدينة القدس مقرا لها.

استمرت ولاية صموئيل في فلسطين لمدة خمس سنوات قام خلالها بإصدار العديد من الأنظمة والتشريعات لصالح اليهود، وكان أكثر الأنظمة خطورة في تغيير الوضع القائم في فلسطين هي تلك المتعلقة بالأراضي والهجرة، وذلك لتسهيل الهجرة، وذلك لتسهيل الهجرة اليهودية وتمليك اليهود مساحات واسعة من الأراضي كما منح المؤسسات اليهودية العديد من الامتيازات والمشاريع الاقتصادية حتى يتمكنوا من السيطرة على الموارد الاقتصادية في فلسطين، منها امتياز العوجا الذي منح لبنحاس روتنبرج لاستخدام مياه العوجا لتوليد الطاقة الكهربائية عام 1921 وامتياز شركة الكهرباء الفلسطينية عام 1923 لاستخدام نهر الأردن واليرموك لتوليد الطاقة الكهربائية وتوريدها وامتياز استخراج الأملاح والمعادن من البحر الميت عام 1925.

وفي 22 يونيو عام 1922 أصدر وزير المستعمرات ونستون تشرشل بيانا بشأن السياسة البريطانية تجاه فلسطين عرف باسم الكتاب الأبيض، حيث أكد بأن وعد بلفور لا يعني تحويل فلسطين بجملتها وجعلها وطنا قوميا لليهود بل إنما تعني بأن وطنا كهذا يؤسس في فلسطين، غير أنه أكد أن هذا التصريح الذي حظي بتأييد دول الحلفاء في مؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر، غير قابل للتغيير، وأشار غلى أن ترقية الوطن القومي اليهودي في فلسطين لا يعني فرض الجنسية اليهودية على أهالي فلسطين بل زيادة رقي الطائفة اليهودية بمساعدة من جمع اليهود في مختلف أنحاء العالم. إلا أنه بين أن وجود الشعب اليهودي في فلسطين هو حق وليس منة مما جعل ضمان إنشاء الوطن القومي اليهودي ضمانا دوليا كما أنه يستند إلى صلة تاريخية قديمة، كما تضمن الكتاب استمرار الهجرة اليهودية مع مراعاة القدرة الاقتصادية للبلاد على استيعاب المهاجرين. ونص على تشكيل مجلس تشريعي للبحث مع الإدارة في الأمور المتعلقة بتنظيم المهاجرة، وأخيرا بين الكتاب استثناء فلسطين من الوعود التي قطعتها الحكومة البريطانية للشريف حسين بشأن الاستقلال.

وهكذا فقد جاء الكتاب الأبيض ليؤكد تصميم الحكومة البريطانية تنفيذ وعد بلفور وإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين دون الاكتراث بمطالب عرب فلسطين فيما يتعلق بإلغاء وعد بلفور ووقف الهجرة وإقامة الحكومة الوطنية فإذا كان القصد منه تطمين العرب وتهدئة مخاوفهم فقد زادهم قلقا وخيب آمالهم.

وفي 24 يونيو 1922 أقر صك الانتداب البريطاني على فلسطين من قبل عصبة الأمم وجاء الصك في مقدمة و28 مادة كان معظمها لصالح اليهود والوطن القومي اليهودي، فقد تضمنت المقدمة نص تصريح وعد بلفور ومصادقة عصبة الأمم على الانتداب البريطاني على فلسطين وتخويل بريطانيا بتنفيذ الوعد. وتضمن الصك موادا تتعلق بإنشاء الوطن القومي اليهودي والاعتراف بوكالة يهودية لتكون هيئة عامة لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطينية والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي، ويعترف  الصك بالجمعية الصهيونية كوكالة دائمة شريطة موافقة الدولة المنتدبة على دستورها (مادة 4) وحدد مسؤوليتين للانتداب البريطاني الأولى تتطلب أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي، والثانية ترقية مؤسسات الحكم الذاتي وتكون مسؤولة عن صيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بغض النظر عن الجنس والدين (مادة2). وطلب من إدارة فلسطين أن تعمل على تسهيل الهجرة اليهودية في أحوال ملائمة وتشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية الاستيطان اليهودي في الأراضي الأميرية والأراضي الموات غير المطلوبة للمقاصد العمومية (مادة 6).

وتضمن الصك اربع مواد تتعلق بالأماكن المقدسة والحفاظ عليها، فقد أنيط بالدولة المنتدبة جميع المسؤوليات المتعلقة بالأماكن والمباني والمواقع المقدسة في فلسطين وضمان الوصول إليها (مادة 13)، وتشكيل الدولية المنتدبة بموافقة من مجلس عصبة الأمم المتحدة لجنة لدراسة وتحديد وتقرير الحقوق والادعاءات المتعلقة بالأماكن المقدسة والطوائف الدينية المختلفة في فلسطين (مادة 4). ويترتب على الدولة ضمان الحرية الدينية لجميع الطوائف شريطة المحافظة على النظام العام والآداب العامة دون تمييز بين السكان على أساس الجنس او الدين أو اللغة (مادة 15)، وتكون مسؤولة عن ممارسة ما يقتضيه أمر المحافظة على النظام العام والحكم المنظم من الإشراف على الهيئات الدينية والجزائية التابعة لجميع الطوائف الدينية المذهبية في فلسطين، ولا يجوز اتخاذ أية تدابير من شانها أن تعمل على إعاقة أعمال هذه الهيئات أو التعرض لها أو إظهار التمييز ضد أي ممثل من ممثليها أو عضو من أعضائها بسبب دينه أو جنسه (مادة 16).

ويتضح من مواد الصك أنها صيغت بشكل يخدم السياسة الصهيونية ويكفل إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، فالانتداب جاء ليخدم مصالح الشعوب والدول التي تخضع له حتى تصل إلى مرحلة النضج السياسي والاستقلال التام وليس لتنفيذ وعود سياسية قطعتها على نفسها حكومة الدولة المنتدبة قبل إقرار مبدأ الانتداب من عصبة الأمم. وبالإضافة إلى ذلك فإن المادة الثانية من صك الانتداب تضمنت تعهدين متناقضين لا يمكن التوفيق بينهما إذ ليس من المعقول أن توضع فلسطين في ظروف خاصة لصالح اليهود وهم أقلية دون المساس بحقوق العرب الذين كانوا يشكلون أغلبية السكان.

كما تجاهلت مواد الصك مبادئ الرئيس الأمريكي ولسن بشأن حق الشعوب في تقرير مصيرها والتي أوفدت من أجلها لجنة كنج - كرين عام 1919 حيث كان من ضمن توصياتها رفض إقامة الوطن القومي اليهودي والعدول "عن الخطة" التي ترمي إلى جعل فلسطين حكومة يهودية، واستنتجت بأنه من المستحيل أن يوافق المسلمون والمسيحيون على وضع الأماكن المقدسة تحت رعاية اليهود وذلك لأن الأماكن الأكثر تقديسا عند المسيحيين هي ما له علاقة بالمسيح والأماكن المقدسة التي يقدسها المسلمون غير مقدسة عند اليهود بل مكروهة وبذلك اقترحت اللجنة وضع الأماكن المقدسة تحت إدارة لجنة دولية دينية تكون بإشراف الدولة الوصية وعصبة الأمم.

وبعد أسبوعين من موافقة عصبة الأمم على صك الانتداب البريطاني لفلسطين أصدرت الحكومة البريطانية دستورا لفلسطين في 10 أغسطس، وأصبح نافذ المفعول في 11 سبتمبر 1922 واشتملت مقدمته على نص تصريح وعد بلفور. وتضمن إنشاء مجلس تشريعي يكون برئاسة المندوب السامي لا تنفذ قوانينه إلى بموافقته، وأعطى المندوب السامي صلاحيات واسعة تتمثل في إصدار القوانين والإشراف على الأراضي العمومية وتعيين الموظفين وعزلهم ومنح العفو وإبعاد المجرمين السياسيين.

ومن الواضح أن السلطة العليا وفق الدستور كانت بيد المندوب السامي، بينما  لم يكن للعرب الفلسطينيين أية سلطة تذكر حتى أن المجلس التشريعي كانت صلاحياته مقيدة بإدارة المندوب السامي، وبالتالي فلم يكن لهذا المجلس سلطة تنفيذية على الإطلاق ولذلك كان من الطبيعي أن لا توافق اللجنة التنفيذية العربية على هذا الدستور.

ومهما يكن من أمر فإن حكومة الانتداب البريطاني استمرت في نهج السياسة الرامية لبناء الوطن القومي اليهودي وتمثلت هذه السياسة في تشجيع الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين، والعمل على تسخير القوانين لصالح اليهود وتضييق الخناق الاقتصادي على العرب بالإضافة إلى رفض مطالب عرب فلسطين بشأن التمثيل السياسي وإقامة حكومة وطنية، مما أدى إلى ازدياد حدة التوتر لدى العرب خاصة بعد محاولات اليهود الاعتداء على المقدسات الإسلامية وأراضي الأوقاف في مدينة القدس، الأمر الذي أدى إلى ازدياد نقمة الفلسطينيين على الحكومة.

ثورة البراق 1929

كان السبب الرئيسي في الصدامات التي وقعت بين العرب واليهود. عام 1929يعود للخلافات بين الطرفين حول حائط البراق الذي يعتبر مكانا مقدسا لدى المسلمين واليهود والبراق مكان صغير ملاصق لجدار الحرم الشريف في القدس وقد جرت التقاليد الإسلامية على اعتباره المكان الذي ربط فيه الرسول صلى الله عليه وسلم البراق ليلة الإسراء فاصبح يعرف عند المسلمين بالبراق كما أن الجهات الخارجية التي تحيط بالبراق هي أوقاف إسلامية منذ 700 سنة دون انقطاع ويعتبر أيضا الحرم الشريف مكانا مقدسا وملكا للأمة الإسلامية منذ ثلاثة عشر قرنا ونصف القرن.

أما بالنسبة ليهود فيشكل الحائط جزءا من الحائط الخارجي الغربي لهيكل اليهود القديم ويقدسونه باعتباره البقية الباقية من ذلك المكان المقدس، فقد اعتاد اليهود منذ العصور الوسطى على زيارة هذا المكان في المناسبات الدينية خاصة يوم الصيام المعروف بيوم (تسعة آب) والذي يحتفل به بذكرى خراب آخر هيكل لليهود من قبل هيرودس.

وقد جرت العادة أن يسمح لليهود بزيارة البراق والبكاء على خراب هيكل سليمان دون أية معارضة من قبل المسلمين وذلك من باب التسامح الديني ومن باب أنها مجرد شعائر يؤدونها دون أن يكون لهم أي حق مكتسب في هذا المكان.

وبعد وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني حاول اليهود خلال فترة العشرينات إجراء بعض التغييرات في الوضع القائم، ففي 24 أيلول 1928 وبمناسبة عيد الغفران قاموا بنصب المقاعد أمام الحائط وجلب الكراسي والمصابيح والحصر وتابوت العهد وكتب التوراة وإقامة الستار الخشبي الذي يفصل بين الرجال والنساء، وذلك تمهيدا لإقامة كنيس يهودي في هذا المكان، مما أدى إلى احتجاج المسلمين وتدخل الحكومة البريطانية التي قامت بإزالة الستار ورفع كافة الأغراض التي وضعها اليهود والتي تخالف ما كان معتادا عليه من قبل.

بعد أن أخذ الحاج أمين الحسيني يدعو لعقد مؤتمر إسلامي عام لإثارة الجو الإسلامي في فلسطين والبلاد العربية. وانعقد هذا المؤتمر في أول تشرين الثاني 1928 حيث اتخذ العديد من القرارات من أهمها:

الاحتجاج بكل قوة على أي عمل أو محاولة ترمي إلى إحداث أي حق لليهود في مكان البراق واستنكار ذلك والاحتجاج على كل تساهل أو تغاض أو تأجيل يمكن أن يبدو من الحكومة في هذا المجال.

منع اليهود منعا باتا من وضع أية أداة من أدوات الجلوس والإنارة والعبادة والقراءة وضعا مؤقتا أو دائما في ذلك المكان في أية حالة من الأحوال وأي رف من الظروف ومنعهم من رفع الأصوات وإظهار المقالات بحيث يكون المنع باتا حتى لا يضطر المسلمون إلى أن يباشروا منعه بأنفسهم مهما كلفهم الأمر دفاعا عن هذا المكان المقدس وعن حقوقهم الثابتة لهم فيه.

إبعاد المستر بنتويش الزعيم الصهيوني البريطاني عن منصبة كمدع عام والذي اشتهر بآرائه المتطرفة المعادية للإسلام والمسلمين.

كما قرر المؤتمرون إنشاء جمعية تعرف ب"جمعية حراسة الأماكن المقدسة" على أن يكون مركزها في مدينة القدس وأن تتعاون في مهامها مع "لجنة الدفاع عن البراق الشريف" وأنيط بهذه الجمعية مهام تنفيذ قرارات المؤتمر الإسلامي وإنشاء فروع لها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي والاتصال مع الجاليات الإسلامية في المهجر.

وفي أواخر تشرين الثاني 1928 أصدرت الحكومة كتابا أبيض رقم 2229عن أحداث البراق لعام 1928 تضمن مسؤولية الحكومة في الحفاظ على حقوق اليهود في أداء الصلاة في الحائط وأن يأخذوا معهم الأشياء الجوهرية التي كان مسموحا بها خلال الحكم العثماني، واقترحت الحكومة في هذا الكتاب على اللجنة التنفيذية الصهيونية والمجلس الإسلامي الأعلى لعقد بروتوكول بين الطائفتين الإسلامية واليهودية لتنظيم القيام بالخدمة الدينية عند الحائط دون إجحاف بحقوق المسلمين الشرعية وعلى منوال يتناسب مع مقتضيات الطقوس الدينية العادية ولياقتها فيما يتعلق بشؤون العبادة.

غير أن الحكومة البريطانية فشلت في التوفيق بين الطرفين لا سيما وأن الخلاف هنا خلاف على مكان مقدس لديهما مما يعني بأن الصدامات ستتجدد مرة أخرى وبشكل أعنف من قبل، ففي 15 آب 1929 وبمناسبة ذكرى إحياء هيكل سليمان قام اليهود بمظاهرة ضخمة في شوارع مدينة القدس واتجهوا إلى حائط البراق حيث رفعوا العلم الصهيوني وأنشدوا النشيد الوطني الصهيوني، الأمر الذي أدى إلى استفزاز مشاعر المسلمين فقاموا في اليوم التالي بمظاهرة مضادة حطموا خلالها منضدة لليهود على رصيف الحائط وأحرقوا أوراق الصلوات اليهودية الموجودة في ثقوب الحائط. فكان هذه الأحداث مقدمة للصدامات الكبيرة التي وقعت بين الطرفين في 23 آب 1929والتي ابتدأت من مدينة القدس وامتدت لتشمل كافة أنحاء فلسطين، وقد أسفرت تلك الصدامات عن وقوع العديد من الضحايا والجرحى من كلا الجانبين، ولم تهدأ إلا بعد تدخل القوات العسكرية البريطانية التي استخدمت كافة أساليب القمع والعنف بحق العرب.

لجنة شو للتحقيق

وعلى أثر هذه الأحداث أعلن اللورد باسفيلد وزير المستعمرات في الحكومة البريطانية في 13 أيلول 1929 تعيين لجنة للتحقيق عن الأسباب المباشرة التي أدت إلى وقوع الاضطرابات الأخيرة في فلسطين ولوضع التوصيات بشأن التدابير الواجب اتخاذها لمنع تكرارها. وتشكلت اللجنة من السير والتر شو قاضي قضاة ملقا سابقا رئيسا، والسير هنري بتريون من حزب المحافظين عضوا، والمستر هوبكن موريس من حزب الأحرار عضوا ثانيا، والمستر هنري سنل من حزب العمال عضوا ثالثا. وصلت اللجنة إلى فلسطين في 24 تشرين الأول 1929 ومكثت فيها 66 يوما معظمها في مدينة القدس عقدت خلالها سبعا وأربعين جلسة علنية وإحدى عشرة جلسة سرية استمعت فيها إلى العديد من الشهود من الأطراف الثلاثة والإنجليز العرب واليهود.

وفي 31 آذار 1930 قدمت اللجنة تقريرها إلى وزير المستعمرات اللورد باسفيلد وقد بينت في معرض تحليلها للاضطرابات التي وقعت في 23 آب 1929 أنها كانت نتيجة لخيبة الأماني القومية والسياسية للعرب وخوفهم على مستقبلهم الاقتصادي وأشارت إلى أن العلاقات بين العرب واليهود في فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى كانت جيدة فقد عاشوا جنبا إلى جنب بألفة ومحبة وتسامح وتساهل وهذا ما لم يعد متوفرا وموجودا في عام 1929 وترى اللجنة أن هذا التغيير في العلاقات بين الشعبين جاء نتيجة للسياسة المتناقضة للحكومة البريطانية فيما يتعلق بوعد بلفور والوعود التي قطعت للشريف حسين خلال الحرب العالمية الأولى، فكان إنشاء وطن قومي لليهود حسب المعنى الواسع الذي فهم به يخالف مطالب العرب بينما لو سلم بالمطالب القومية العربية لأصبح من المستحيل تحقيق العهد المقطوع لليهود.

وبينت اللجنة أن الأسباب المباشرة للاضطرابات تتمثل في سلسلة الحوادث الطويلة المتعلقة بحائط البراق التي ابتدأت يوم عيد الغفران في شهر أيلول 1928 وانتهت بالمظاهرة الإسلامية التي أقيمت بجانب الحائط في 15 آب 1929 كانت أكبر مساعدة في وقوع الاضطرابات، ثم يلي ذلك أهمية في سلسلة الحوادث أعمال جمعية حراسة الأماكن المقدسة وبدرجة أقل أعمال لجنة الدفاع عن حائط المبكى اليهودية، إذ أن كلا منهما كانت تدير حملة دعاية بشأن مسألة من شأنها أن تؤدي إلى اضطرابات كما أن الفرق بين لهجة صحافة هاتين الهيئتين يبين جليا الفرق بين مزاج وعقلية كل منهما، وحملت اللجنة الصحاف العربية واليهودية مسؤولية: إثارة الخلافات بين الشعبين نظرا للمقالات المهيجة الخارجية عن حد الاعتدال التي كانت تنشرها تلك الصحف.

وفندت اللجنة الشكاوي التي تقدمت بها اللجنة التنفيذية الصهيونية بحق الحاج محمد أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى ومفادها أن الاضطرابات كانت بتحريض من المفتي ومن اللجنة التنفيذية العربية إذ أن المفتي كان مدفوعا برغبة تأمين منصبة في رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى بعد ان أصبح مركزه مهددا وفقا لمشروع النظام الجديد الذي وضعته الحكومة عام 1928 بشأن تعديل نظم المجلس الإسلامي الأعلى الذي لو أقرته الحكومة لحدد فترة بقاء المفتي بمنصبه.

غير أن اللجنة لم تقبل هذا التفسير إذ أن مشروع النظام يسمح للمفتي الاستمرار في منصبه لمدة تسع سنوات يجدد تلقائيا ما لم تقرر الهيئة الإسلامية العامة بموافقة ثلثي مجموع أعضائها بتجديد انتخابه، ولذلك فلا يمكن "إدراكه حسب اعتقادنا أن بكون مشروع هذا النظام الذي يؤمن مركز المفتي تسع سنوات ويفتح أمامه باب الأمل بالبقاء في منصبه بعد انقضاء هذه المدة دافعا للمفتي للتحريض على الثورة أو تنظيمها".

أما بشأن الادعاء الآخر الذي قدمته اللجنة الصهيونية بحق المفتي من أنه ضرب على الوتر الديني فيما يتعلق بمطامع اليهود في الأماكن الإسلامية المقدسة في فلسطين والاستيلاء على المسجد الأقصى وعلى منطقة الهيكل القديم حتى يحرك شعور المسلمين ضد اليهود في فلسطين، أشارت لجنة شو إلى هذه الحملة ربما تكون دينية أو سياسية أو دينية وسياسية في آن واحد ، وإذا كانت دينية فما هي إلى سوى الإعراب عن شعور حقيقي وهي لهذا الحد مبررة، كما بينت اللجنة أن الدور الذي لعبه المفتي في تنظيم حملة البراق كان يرمي إلى إزعاج اليهود وتوجيه الرأي العام العربي إلى مسألة حائط البراق، ولم يكن يهدف إلى استغلال هذه الحملة لتكون وسيلة للتحريض على الاضطرابات، وقد دللت اللجنة أن الاضطرابات التي وقعت في مدن الخليل وحيفا ويافا وصفد كانت عنيفة جدا في حين كان نفوذ المفتي في هذه المدن ضعيفا بالمقارنة مع نفوذ الحزب المنافس له، كما أن المفتي كان خلال فترة الاضطرابات يقوم باستمرار بإلقاء الخطب لتهدئة الأهالي وتسكينهم كما كان يوجه النداءات يدعو فيها إلى التذرع بالحلم والحكمة الصبر، إضافة إلى أنه ساعد الحكومة في جهوده لتوطيد السلام والحيلولة دون امتداد الاضطرابات.

لجنة البراق الدولية

كان من ضمن توصيات لجنة شو تعيين لجنة دولية للفصل في الحقوق المطالب المتعلقة بحائط البراق. وتنفيذا لهذا التوصية شكلت الحكومة البريطانية لجنة من ثلاثة أشخاص عرفت باسم لجنة البراق الدولية، وقد أقر مجلس عصبة الأمم هذه اللجنة في 15 أيار 1930.

وفي 19 حزيران 1930 وصلت اللجنة إلى مدينة القدس وأقامت فيها شهرا عقدت خلاله 23 جلسة واستمعت إلى شهادات أدلى بها العديد من اليهود والعرب، وقد مثل الجانب العربي كل من عوني عبد الهادي وأحمد زكي باشا ومحمد علي باشا بينما مثل الجانب اليهودي كل من الدكتور مردخاي الياش والمستر دافيد يلين والحاخام موشي بلاد. كما أدلى بالشهادة أمام اللجنة العديد من الشخصيات الفلسطينية ممن كان لهم إطلاع واسع ومعرفة شاملة بالأماكن المقدسة من الناحية التاريخية القانونية إضافة إلى العديد من الشخصيات العربية والإسلامية البارزة من مختلف الدول العربية والإسلامية كمراكش والجزائر وليبيا ومصر والأردن والعراق وسوريا ولبان وبلاد فارس والهند وإندونيسيا.

أبرز فريق المسلمين للجنة مستندات ووثائق متعددة كسجلات المحاكم الشرعية والفرمانات التي أصدرها السلاطين العثمانيون المتعلقة بالحائط والمراسلات بين المجلس الإسلامي الأعلى من جهة وحكومة الانتداب وعصبة الأمم من جهة ثانية، وصور فوتوغرافية، بالإضافة إلى خلاصات لكتب الجغرافيين والسياح والرحالة والمؤرخين الغربيين.

وبين الجانب الإسلامي للجنة بأن البراق جزء لا يتجزأ من الحرم الشريف ولا يوجد فيه حجر واحد يعود إلى عهد الملك سليمان، كما أن الممر الكائن عند الحائط ليس طريقا عاما لأنه أنشئ لمرور سكان حارة المغاربة وغيرهم من المسلمين للذهاب إلى مسجد البراق والحرم الشريف، كما بين أيضا أن السماح لليهود بزيارة الحائط خلال أيام معينة لا يعني سوى أنه من قبيل التسامح الذي أبداه نحوهم المسلمون، وقد استند الجانب الإسلامي في ذلك إلى ما أورده السياح والمؤرخون والجغرافيون من أنه لما كان يسمح لليهود بالاقتراب من الحائط وما كان ليسمح بذلك دائما، ولم يكن ما يبدونه عند الحائط يتجاوز حد النواح ولم يحاولوا قط إقامة شعائر دينية بالفعل، وفضلا عن ذلك كان اليهود في بعض الأحيان لا ينوحون عند الحائط يل يذهبون خارج المدينة، وأشار الجانب الإسلامي إلى قدسية الرصيف الكائن عند الحائط ولمكان المجاور له، وقد جاءت هذه القدسية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم  نزل فيه ومر به ثم ربط براقه في الحائط ليلة الإسراء.

أما بشأن طلب اليهود بالسماح لهم بجلب أدوات إلى الحائط كالمقاعد والكراسي والستائر وغير ذلك، فقد بين الجانب الإسلامي أن هذا الطلب لا يستند إلى عادة سابقة، واستند في ذلك إلى المراسيم التي أصدرتها الدولة العثمانية عامي 1840، و1911 فقد منعت فيها إجراء مثل ذلك، كما استدعى العديد من الشهود ممن كانوا يزورون الحائط بانتظام خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى وشهدوا بأنهم لم يروا هنالك شيئا يشبه صلاة طقسية يقيمها اليهود ولا أدوات دينية.

ومهما يكن من أمر فقد أبدى وكلاء فريق المسلمين تحفظين اتخذهما الحجج التي أدلوا بها وهما:

أن الشعب العربي الفلسطيني لا يعترف بالانتداب البريطاني على فلسطين وبالتالي فهو لا يلتزم بأي نظام مستمد من الانتداب ولا الإقرار بأية نتيجة تؤي إلى إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، فالشعب الفلسطيني هو وحده صاحب الحق في تقرير مصيره.

أن النزاع على ملكية أماكن العبادة أو على حقوق مدعى بها على هذه الأماكن يجب أن يرفع إلى الهيئة المختصة دون غيرها بالفصل في أمر الوقف والأماكن الإسلامية.

أما فيما يتعلق بمطالب اليهود وادعاءاتهم، فتتلخص في عادة اليهود بالذهاب إلى حائط البراق للبكاء على خراب حائط سليمان، وادعوا أن هذه العادة تعود إلى أقدم الأزمنة أي إلى فترة ما بعد خراب الهيكل لأنهم اعتادوا الذهاب في يوم ذكرى خراب الهيكل وفي الأعياد الدينية وأيام السبت، وكانوا يؤدون الصلوات اليهودية والبكاء والنواح ووضع قصاصات من الأوراق في ثقوب جدران الحائط تتضمن استرحامات وتمنيات دينية كما ادعوا أن استعمال أدوات كالمقاعد والستائر وخزانة تتضمن أسفار التوراة وقناديل طقسية وطشت للغسيل وغير ذلك كان شائعا قبل الحرب العالمية الأولى. ونفى الجانب اليهودي اعتبار الحائط والرصيف الكائن أمامه حارة المغاربة أماكن إسلامية مقدسة، إذ أشار إلى أن مدى اتساع المنطقة التي يشملها الوقف غير واضح تمام الوضوح في سجلات المحاكم الشرعية كما أن حدودها غير واضحة، ويعتقد أن وقف أي عقار لا يؤثر في قيام اليهود بفروض العبادة عند الحائط لأن اليهود كانوا يقيمون دائما طقوس عبادتهم قبل إنشاء الوقف وبعده. واستنادا إلى هذه الحجج طالب اليهود من اللجنة الاعتراف بأن حائط البراق مكان مقدس لجميع اليهود في مختلف أنحاء العالم ومن حقهم الذهاب إليه للقيام بالطقوس الدينية دون معارضة كما طالبوا أن تقدم اللجنة اقتراحا لحكومة الانتداب حتى تقوم بالتنسيق مع دائرة الأوقاف الإسلامية لإنشاء مبان جديدة في بعض المواقع بمدينة القدس مقابل إخلاء أملاك وقف المغاربة.

وفي 14 كانون الثاني 1931 أصدرت اللجنة تقريرها ورفعت نسخة منه إلى وزير الشؤون الخارجية في الحكومة البريطانية ونسخة أخرى إلى عصبة الأمم، وقد بينت اللجنة في هذا التقرير أن حق ملكية الحائط وحق التصرف بعد عائد للمسلمين، فالحائط ملك للمسلمين نظرا لكونه جزءا لا يتجزأ من الحرم الشريف كما أن الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام حارة المغاربة حيث يقيم اليهود صلواتهم هو أيضا ملك للمسلمين لكونه موقوفا حسب أحكام الشرق الإسلامي لجهات البر والخير، وأشارت إلى أنه ثبت لديها أن المنطقة التي تكتنف الرصيف قد وفقها على المسلمين الملك الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي عام 1193م، وبينت أن أدوات العبادة التي يضعها اليهود بالقرب من الحائط لا تعتبر، أو أن يكون من شأنها إنشاء أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له.

وأوصت اللجنة بحرية وصول اليهود للحائط الغربي لإقامة الشعائر الدينية في جميع الأوقات ويسمح لهم بوضع الخزانة المحتوية على سفر أو أسفار التوراة والمائدة التي توضع عليها الأسفار عند القراءة فيها عند الحائط في المناسبات التالية:

أوقات الصيام أو اجتماع خلاص للصلاة العامة تدعو إليه رئاسة حاخامي القدس بسبب وقوع كارثة أو نكبة أو مصيبة عامة شريطة إبلاغ الحكومة بذلك.

في يومي عيد رأس السنة وعيد الغفران.

في أيام الأعياد المخصوصة الأخرى التي تعترف بها الحكومة التي جرت العادة فيها على جلب الخزانة المحتوية على الأسفار إلى الحائط.

وأوصت اللجنة بعدم وضع أي مقاعد أو كراسي أو خيمات على الرصيف الكائن أمام الحائط وعدم وضع أي حاجز أو ستار، وأنيط تعمير الحائط باعتباره من الآثار التاريخية بحكومة الانتداب بعد استشارة المجلس الإسلامي الأعلى والمجلس الرباني لفلسطين.

وبالرغم من اعتراف اللجنة بملكية المسلمين للحائط، فقد أبدى المجلس الإسلامي الأعلى احتجاجه على تقرير اللجنة ورفضه له، حيث رفع مذكرة لحكومة الانتداب بين فيه الأسباب التي دعته لرفض التقرير، وتتمثل في عدم اعتراف المسلمين بصلاحية بت اللجنة في مسألة حائط البراق لأنه لا حق لغير المسلم في الفصل في المسائل الشرعية، كما أن التقرير أعطى اليهود حقوقا في حائط البراق ليست لهم وفي ذلك مخالفة لقانون التملك لأنه يسلب المسلمين حق التصرف في ملكهم. كما بعث الحاج أمين الحسيني بمذكرة إلى عصبة الأمم بين فيها عدم اعتراف المسلمين بقرارات اللجنة وأشار في هذه المذكرة إلى المادة الثالثة عشرة من صك الانتداب والتي ضمنت بموجبها امتيازات المقامات الإسلامية المقدسة وحظر كل تعرض لجوهر أو إدارة هذه المقامات.

ومهما يكن من أمر فقد اعتقد العرب بأن الحكومة البريطانية ستعمل على تنفيذ التوصيات التي وردت في تقرير لجنة شو، فقررت اللجنة التنفيذية العربية إرسال وفد عربي إلى لندن لمفاوضة الحكومة بشأن المسألة الفلسطينية، حيث وصل إلى لندن في أواخر شهر آذار 1930 واجتمع مع رئيس الوزراء البريطاني رمزي ماكدونالد، ووزير المستعمرات اللورد باسفيلد حيث قدم مذكرة طالب فيها سن تشريع لمنع بيع الأراضي من العرب إلى اليهود ووقف الهجرة اليهودية وإعادة تأسيس البنك الزراعي العثماني وتأسيس حكومة وطنية نيابية وفقا للمادة 22 من نظام عصبة الأمم.

غير أن هذا الوفد فشل في مهمته إذ أن الحكومة البريطانية لم تستجب لطلباته، ففي 2 نيسان 1930 ألقى ماكدونالد خطابا أمام مجلس العموم البريطاني بين فيه أن الحكومة ستستمر بإدارة شؤون فلسطين وفقا لصك الانتداب، كما أشار إلى الالتزام المزدوج الواقع على عاتق الحكومة تجاه الشعب اليهودي والجماعات غير اليهودية.

بعد ذلك عينت الحكومة لجنة لبحث وتطوير البلاد برئاسة خبير الأراضي السير جون هوب سمبسون وقد مكثت اللجنة في فلسطين نحو خمسة شهور قدمت في نهايتها تقريرا إلى الحكومة في 20 تشرين الأول 1930 وتوصل سمبسون إلى نتيجة مفادها عدم وجود أراضي زائدة عن اللزوم لاستقرار المهاجرين اليهود، وذلك نظرا للطرق والأساليب الزراعية التي يتبعها المزارعون العرب، إذ أن حالة الفلاح الفلسطيني لم تتحسن إلا قليلا عما كانت عليه في العهد العثماني نظرا لعدم اهتمام الحكومة البريطانية بتحسين وتطوير الأساليب الزراعية لدى الفلاحين الفلسطينيين. وأشار إلى ازدياد عدد العرب الذي أصبحوا بلا أرض، فقد توصل إلى أن 29.4% من مجموع العائلات القروية أصبحت بلا أرض علما بأن العائلة الواحدة تحتاج إلى 130 دونما من الأراضي البعل "غير المسقية" للقيام بأود معيشتها، وإذا ما قسمت مساحة الأراضي الزراعية في فلسطين باستثناء بئر السبع والأراضي التي في حوزة اليهود فيكون نصيب العائلة الواحدة لا يزيد عن 90دونما. وبين سمبسون السياسية التي يتبعها الصندوق القومي اليهود الكيرين كايميت والصندوق التأسيسي اليهودي الكيرن هايسود في استخدام العمال حيث تضمنت عقود إيجار هاتين المؤسستين مع الذين يستأجرون أراضي منها عدم تشغيل عمالا من غير اليهود. وأشار إلى ازدياد البطالة بين العرب حتى أصبحت تشكل خطرا على حياة البلاد الاقتصادية حيث أدى ذلك إلى انخفاض جلي في مستوى المعيشة بين طبقة العمال.

الكتاب الأبيض 1930

بعد نشر تقرير شو وسمبسون أصدرت الحكومة البريطانية بيانا في 21 تشرين الأول 1930 أوضحت فيه واجباتها كدولة منتدبة والخطة السياسية التي تنوي اتباعها في إدارة فلسطين وفقا لصك الانتداب، وعرف هذا البيان باسم الكتاب الأبيض، وقد تضمن ضرورة تنظيم الهجرة اليهودية على أساس مقدرة البلاد الاقتصادية، إذ من الضروري ضمان عدم صيرورة المهاجرين عالة على أهالي فلسطين عموما وعدم حرمان أية فئة من السكان الحاليين من أشغالها، وأشار إلى أنه عند تقرير مقدرة البلاد الاقتصادية على استيعاد مهاجرين جدد يجب أن السماح بها، بين أنه نظرا للطرق الزراعية الحالية التي يتبعها العرب فلا يوجد في فلسطين أية أراض ميسورة لاستقرار المزارعين من المهاجرين الجدد كما أن مساحة الأراضي المحلولة التي تملكها الحكومة ليست مما يعتد لها.

أما بشأن التطورات الدستورية فقد بين الكتاب بأن الحكومة البريطانية ترى أن الوقت قد حان للسير في مسألة منح فلسطين نوعا من الحكم الذاتي، ولذلك فهي تنوي تشكيل مجلسا تشريعيا يتمكن العرب من خلاله إبداء آرائهم الاجتماعية والاقتصادية أمام الحكومة نظرا لحرمانهم من أية وسائل دستورية تمكنهم من إبداء تلك الآراء.

تمثل موقف العرب تجاه الكتاب الأبيض ببيان أصدرته اللجنة التنفيذية العربية في كانون الأول 1930 وقد لخصت موقفها بالقول "ليس في الكتاب الأبيض من جديد في حقوق العرب السياسية وأن النصوص والمبادئ الواردة فيه عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية لا تضمن للعرب حقوقهم القومية ومصالحهم الاقتصادية فالمهم ليس بالنصوص والمبادئ ولكن بتنفيذها.

لقد جاء موقف اللجنة التنفيذية العربية هذا من خلال إدراكها بأن الحكومة البريطانية لن تلتزم بتعهداتها إزاء العرب، وكان هذا الرأي في مكانه، إذ سرعان ما تراجعت الحكومة عن الكتاب الأبيض نتيجة لاحتجاجات الوكالة اليهودية والضغوط التي مارستها الحركة الصهيونية على الحكومة وتمثل هذا التراجع من خلال الرسالة التي بعثها رئيس الوزراء البريطاني ماكدونالد إلى حاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية في 13 شباط 1930 تضمنت تفسير الكتاب الأبيض حيث ذكر فيها ماكدونالد أن الالتزام بتسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان اليهودي يبقى التزاما إيجابيا للانتداب يمكن تحقيقه دون إلحاق الضرر بحقوق الفئات الأخرى من سكان فلسطين، وبين أن الكتاب الأبيض لم يتضمن منع شراء اليهود لأراض إضافية، وليس هناك أية نية من هذا القبيل بل المقصود فرض رقابة على تملك الأراضي وانتقالها على وجه يكفل عدم الإضرار بانتظام مشروع استعمار الأراضي الذي سيعمل به.

جاء هذا التراجع من قبل الحكومة ليبين مدى تحيزها لجانب اليهود ومدى التزامها بإقامة الوطن القومي اليهودي وبالتالي كان ذلك نقضا لكل ما صدر عن بريطانيا لإرضاء العرب، وقد أطلق العرب على رسالة ماكدونالد اسم الكتاب الأسود.

بعد ذلك أخذ الحاج أمين الحسيني يدعو لعقد مؤتمر إسلامي عام في مدينة القدس من أجل البحث في حالة المسلمين الحاضرة وصيانة الأماكن المقدسة الإسلامية من الأيدي الممتدة إليها الطامعة بها، وفي شؤون أخرى تهم المسلمين جميعا، وقد هدف الحسيني من ذلك توجيه أنظار الرأي العام الإسلامي إلى القضية الفلسطينية في أعقاب ثورة البراق وتعزيز موقف الفلسطينيين لمقاومة الأطماع الصهيونية والانتداب البريطاني.

شكلت لجنة تحضيرية للمؤتمر برئاسة الحاج أمين الحسيني وعضوية كل من عبد العزيز الثعالبي وأمين التميمي وعزة دروزة وأحمد حلمي عبد الباقي والشيخ محمود الداودي والشيخ حسن أبو السعود وعجاج نويهض، وافتتح المؤتمر في 27 رجب 1350 هـ الموافق 1 كانون الأول 1931 وذلك ذكرى ليلة الإسراء والمعراج، وقد حضره العديد من كبار الشخصيات والزعامات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم يمثلون 22 بلدا إسلاميا، واتخذ المؤتمر العديد من القرارات الهامة المتعلقة بالقدس منها:

إنشاء جامعة إسلامية عليا نفي بحاجة المسلمين في دينهم ودنياهم وتكفل للمتعلمين منهم تعليما ثانويا وأن يتغنوا أو يستغني بعضهم عن اللجوء إلى الجامعات غير الإسلامية وتكون ذات فروع عديدة تسمى جامعة المسجد الأقصى الإسلامية، ويكون مركزها في مدينة القدس.

إعلان استنكار قرار لجنة البراق الدولية.

تنبيه علماء المسلمين ورؤساء حكوماتهم بخطر الصهيونية على فلسطين والمقدسات الإسلامية فيها وعلى البلاد الإسلامية التي تجاورها حتى يكونوا على بينة من أمرها وحتى يبثوا بين مواطنيهم هذه الحركة، والكتابة إلى ملوك المسلمين وأمرائهم بشأن البراق الشريف.

غير أن هذه القرارات لم تخرج إلى حيز التنفيذ فقد تردد الأمراء المسلمون في مسألة التبرعات المادية بسبب ضغط الحكومة البريطانية عليهم في بلادهم، إذ لم يتم جمع التبرعات اللازمة لتنفيذ قرارات المؤتمر، كما أن بعض التبرعات التي تم جمعها بقيت بأيدي الأشخاص الذين جمعوها ولم ترسل للصندوق.

 

مقال 2

القدس في ضوء قرارات اللجان البريطانية والدولية

1917-1947

(2)

إعداد الدكتور محمد ماجد الجزماوي

أستاذ مساعد -قسم التاريخ- جامعة الخليل - فلسطين

ثورة 1936 ومشروع التقسيم

استمرت حكومة الانتداب البريطاني باتباع سياسة المحاباة تجاه اليهود واتخاذ الإجراءات اللازمة لتسهيل إقامة الوطن القومي اليهودي خاصة فيما يتعلق بقضيتي الأرض والهجرة فخلال الفترة ما بين 1932-1935 قفزت أعداد الهجرة اليهودية بشكل هائل، حيث دخل اكثر من نصف مجموع عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين منذ عام 1919 ففي عام 1932 بلغ عدد المهاجرين اليهود الذين دخلوا فلسطين 30.337 مهاجرا، ثم ارتفع في العام التالي ليصل إلى 42.356 مهاجرا مشكلا بذلك أعلى معدل سنوي منذ عام 1920. وقد اعتبر العرب أن الهجرة اليهودية بهذه الأعداد ما هي إلى تحقيقا لخطوة متقدمة في المسعى الصهيوني لقلب التوازن الديموغرافي في فلسطين لصالح اليهود، وكانت الهجرة غير المشروعة أكثر إزعاجا للعرب. فقد وصل عددها عام 1933 وفقا لتقدير الحومة 22.400 مهاجر دخل معظمهم فلسطين من خلال تـأشيرات زيارة إلا أنهم لم يغادروها بعد انتهاء مدة التأشيرة بينما تهرب آخرون من المرور كليا بإجراء مراقبة الحدود.

أما بالنسبة لمسألة الأراضي فقد استمرت حكومة الانتداب بمنح اليهود المزيد من الأراضي الأميرية، كما لم تطبق القوانين المتعلقة بانتقال الأراضي من العرب إلى اليهود، وقوانين حماية المزارعين المستأجرين مما أدى إلى ازدياد عدد العرب الذين أصبحوا بلا أرض، وعملت على زيادة قيمة الضرائب الحكومية كضريبة العشر والأغنام والمسقفات حتى أصبحت تلك الضرائب مجحفة بحقوق الفلاحين، فوفقا لتقديرات لجنة جونسون كروسبي التي جاءت إلى فلسطين عام 1930 شكلت تلك الضرائب حوالي 34% من مجمل الدخل الصافي للفلاح، كما أشارت اللجنة إلى أن الدخل الصافي للعائلة المتوسطة انخفض من 27.5 جنيه فلسطيني إلى 16.5 جنيه، وانخفض دخل المزارع المستأجر الصافي من 100 دونم من 20 جنيها فلسطينيا إلى 9 جنيهات تقريبا، بينما ارتفعت نسبة ضريبة العشر والأغنام من 19% إلى 32% ، وانخفضت أسعار المحاصيل الزراعية إلى نصف قيمتها تقريبا نظرا لإغراق السوق المحلية بالمحاصيل الأجنبية حتى أصبحت تلك الأسواق مكتظة بالمحصولات ولذا لم يعد في وسع المزارع أن يبيع الزائد من محصوله.

بالإضافة إلى ذلك لم تقم حكومة الانتداب بالعمل على تنفيذ توصيات لويس فرنش مدير التنمية في فلسطين بشأن مشروع التنمية والتحسين الزراعي، وإصدار قانون لتقييد انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود للحيلولة دون زيادة العرب الذين بلا أرض كما لم تأخذ بتوصيات الخبير الاقتصادي ستركلاند بشأن الواجب اتباعها لإنشاء جمعيات تعاونية للتسليف في القرى العربية لتقديم القروض للفلاحين بفوائد قليلة، وإنشاء بنك تعاوني مركزي إلى جانب تلك الجمعيات لقبول الودائع المالية من الناس والقروض من الحكومة أو البنوك التجارية، إضافة إلى تقديم القروض للجمعيات الابتدائية. وبالتالي فقد أدت هذه السياسة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية للفلاحين الفلسطينيين وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل.

كان رد عرب فلسطين على تلك السياسة التي اتبعتها الحكومة إعلان الإضراب عام 1936 والذي سرعان ما تحول إلى ثورة علنية مسلحة شاركت فيها جميع فئات وطبقات المجتمع الفلسطيني جنبا إلى جنب بقيادة اللجنة العربية العليا، وقد امتدت هذه الثورة لتشمل جميع أنحاء فلسطين.

ولامتصاص نقمة العرب أعلنت الحكومة عن تشكل لجنة ملكية للتثبت من الأسباب الأساسية للاضطرابات التي نشبت في فلسطين والتحقيق في كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين بالنسبة إلى التزاماتها نحو العرب ونحو اليهود والتثبت بعد تفسير نصوص الانتداب تفسيرا صحيحا مما إذا كان لدى العرب أو لدى اليهود أية ظلامات مشروعة ناجمة عن الطريقة التي اتبعت فيما مضى أو التي تتبع الآن في تنفيذ صك الانتداب وأن تقوم تلك اللجنة لدى اقتناعها باستناد أية ظلامة من هذه الظلامات إلى أساس صحيح برفع التواصي لإزالة تلك الظلامات ومنع تكرارها.

وفور وصول اللجنة الملكية "لجنة بيل" إلى فلسطين في 11 تشرين الثاني 1936 أعلنت اللجنة العربية العليا عن مقاطعة اللجنة الملكية من منطلق عدم ثقتها بلجان التحقيق، واقترحت كبديل لذلك تشكيل لجنة دولية بدلا من اللجنة الملكية لتقصي الحقائق غير أن اللجنة العربية العليا تراجعت عن هذا القرار نتيجة للوساطة العربية التي عام بها الملك عبد العزيز ابن سعود والملك غازي اللذان وجها نداء لعرب فلسطين جاء فيه، لقد تألمنا كثيرا للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع إخواننا وملوك العرب والأمير عبد الله ندعوكم للإخلاد للسكينة حقنا للدماء معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم.

وفي 7 تموز 1937 أصدرت لجنة بيل تقريرها، حيث تضمن تقسيم فلسطين إلى ثلاثة مناطق منطقة يهودية وتشمل على القسم الأعظم من السواحل العربية وتمتد حتى تستغرق جميع حدود فلسطين من الناحية الشمالية، ومنطقة عربية وتشتمل على مناطق غزة وبئر السبع وصحراء النقب والخليل ونابلس وأجزاء من مناطق طولكرم وجنين وبيسان ويافا وتضم إلى شرق الأردن، أما المنطقة الثالثة فكانت منطقة انتدابية وتضم القدس وبيت لحم وتمتد من "نقطة شمال القدس إلى نقطة جنوب بيت لحم" ويكون لها ممر من القدس إلى يافا مشتملا على اللد والرملة. وذكرت اللجنة أن تقسيم فلسطين يجب أن يخضع لشرط أساسي وهو المحافظة على قداسة مدينتي القدس وبيت لحم وتأمين الوصول إليهما بحرية واطمئنان لمن شاء من كافة أنحاء العالم، واقترحت أن يضم إلى هذه المنطقة مدينة الناصرة وبحيرة طبرية ويعهد للدولة المنتدبة إدارة الناصرة وتخول السلطة التامة للحفاظ على قداسة مياه بحيرة طبرية وشواطئها، وارتأت بأن لا ينتهي الانتداب في الأماكن المقدسة إلا إذا رغبت في ذلك عصبة الأمم والولايات المتحدة، كما يجب أن تضمن الحقوق المكتسبة في الأماكن المقدسة وطرق الوصول إليها وحق نقل البضائع عن طريق الترانسيت وعدم التحيز في الأمور المالية والاقتصادية وذكرت أن هذه المنطقة لا يسري عليها وعد بلفور، ويعامل كافة سكانها بمساواة تامة وتكون اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية فيها، كما يكون المبدأ الأساسي الذي تسير عليه الإدارة المنتدبة إقامة حكم عادل بغض النظر عن المصالح الطائفية.

وهكذا فقد أصبحت فلسطين بموجب مشروع بيل مقطعة الأوصال وسمح بإقامة الدولة اليهودية على الأرض العربية، كما نزع الإشراف على والمسؤولية العربية والإسلامية عن مدينة القدس والأماكن المقدس، وأنيطت بحكومة الانتداب علما بأن اللجنة اعترفت بالمكانة العلمية والدينية للمدينة المقدسة عندما أشارت إلى جهود العرب المسلمين بإعادة بناء القدس وإقامة جامعة فيها أصبحت مركزا محليا لطلاب العلوم العربية، وأشادت أيضا بالآثار العمرانية للعرب المسلمين في المدينة وبشكل خاص قبة الصخرة التي تعتبر الأثر الفني الرائع الوحيد الذي ظل قائما في فلسطين من عهد أيام استقلال العرب، وذكرت اللجنة أن مدينة القدس مدينة مقدسة للمسلمين لوجود الحرم الشريف فيها والذي يضاهي مكة والمدينة باعتباره أحد المقامات المقدسة عند المسلمين كما أن المسلمين اتخذوا القدس قبلة لهم في صلاتهم قبل أن يولوا وجوههم شطر مكة المكرمة.

ولذلك فقد كان من الطبيعي أن ترفض الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة باللجنة العربية العليا قرار اللجنة الملكية ففي 23 تموز 1937 أصدرت اللجنة العربية العليا مذكرة للرد على تواصي اللجنة الملكية وبيان الحكومة البريطانية وبيان الحكومة البريطانية بينت فيها رفضها القاطع لمشروع التقسيم لأنه أبعد من أن يكون وسيلة صالحة لتوطيد السلام وإقرار الطمأنينة العامة في هذه البلاد، ووضحت اللجنة العربية العليا انتقادها للتقرير فيما يتعلق بكل منطقة من المناطق الثلاث بما في ذلك منطقة الانتداب التي تشتمل على القدس وبيت لحم والناصرة ورواق ممتد من القدس إلى يافا حيث أشارت إلى أن هذه المنطقة ستحول فيما بعد دون بلوغ الوحدة العربية كما أن القرى العديدة في قضاء القدس ستفصل عن المدينة ويكون نصيبها العزلة التامة تقريبا فتخسر هذه القرى الروابط الحيوية المختلفة التي تربطها بالقدس من اقتصادية واجتماعية وإدارية، وأضافت اللجنة العربية العليا أنه "ولما كانت القدس متحكمة بموقعها في طرق المواصلات في البلاد فمخاوفنا من اقتراح اللجنة الملكية في صدد هذه المنطقة مخاوف بالغة ولا ريب لأن هذا الرواق يشطر المنطقة العربية شطرين فاصلا جنوبها عن شرقها وشمالها ثم تبقى القدس وقد فارقها مقامها الطبيعي الأول في البلاد.. فتستولي عليها المصالح اليهودية والنفوذ اليهودي استيلاء سريعا"، وأبدت اللجنة تشككها في أن منطقة الانتداب لا ينطبق عليها وعد بلفور وذلك لأن اليهود سيتخذون من الزيارة الدينية باب هجرة إلى منطقة الانتداب وخاصة إلى مدينة القدس الأمر الذي يؤدي فيما بعد إلى أن يعظم شأن اليهود لكثرتهم ونفوذ كلمتهم ويحقر شأن العرب حتى يأتي يوم يكون اليهود قد ابتلعوا العرب وتكون الأماكن المقدسة قد خرجت من أيديهم خروجا نهائيا.

غير أن الحكومة البريطانية حاولت تمرير سياستها الرامية إلى التقسيم بالرغم من معارضة العرب واستمرار غليان الثورة الفلسطينية بعد صدور قرارا اللجنة الملكية، وتمثلت تلك السياسة بإرسال لجنة وودهيد الفنية عام 1938 حيث كان من ضمن توصيات اللجنة الملكية تعيين خبراء فنيين لرسم الحدود التفصيلية للتقسيم.

وبناء على ذلك شكل وزير المستعمرات أورمسبي غور لجنة فنية برئاسة السير جو وودهيد والذي أصبحت اللجنة تعرف باسمه. وقد حددت مهام اللجنة كما جاء في الكتاب الأبيض رقم 5634 بتاريخ 4 كانون الثاني عام 1938 بما يلي:

التوصية بحدود فاصلة بين المنطقتين العربية واليهودية المقترحتين وحدود المناطق الخاصة الواجب الاحتفاظ بها بصورة دائمة أو مؤقتة تحت الانتداب البريطاني على أن يكون من شأن تلك الحدود:

أن تنطوي على أمل معقول في أن تنشأ في النهاية دولة عربية ودولة يهودية تستطيع كل منهما أن تسد نفقاتها بذاتها مع توفر أسباب الطمأنينة الوافية.

أن لا تستوجب إلا إدخال أقل عدد ممكن من العرب والمشاريع العربية في المنطقة اليهودية والعكس بالعكس.

أن تمكن الحكومة البريطانية من تحمل تبعات الانتداب التي أوصت اللجنة الملكية في تقريرها بوجوب اضطلاعها بها، بما في ذلك الالتزامات التي تفرضها المادة 28 من صك الانتداب فيما يتعلق بالأماكن المقدسة.

البحث في المسائل الاقتصادية والمالية التي ينطوي عليها التقسيم مما يترتب اتخاذ قرارات بشأنها وأن تقدم تقريرا بذلك.

وفور وصول اللجنة إلى القدس في 27 نيسان 1938 نشرت بلاغا أعلنت فيه أن الأشخاص الذين يودون الحضور أمامنا يملكون مطلق الحرية في أداء شهادتهم بصورة علنية أو سرية أو الإدلاء ببعضها بصورة سرية وبالبعض الآخر بصورة علنية، غير أنها لم تتسلم إلا طلبين فقط بين فيهما مقدماهما عن رغبتهما في أداء الشهادة أمام اللجنة بصورة علنية وعقدت اللجنة في مدينة القدس خمسا وخمسين جلسة لسماع الشهادات التي كانت جميعها سرية باستثناء جلستين كانتا علنيتين ولم يتقدم أي شاهد عربي لتأدية الشهادة أمام اللجنة، وذلك التزاما بموقف اللجنة العربية العليا التي اعتبرت أن هدف اللجنة هو تقسيم فلسطين وهي فكرة مرفوضة عند العرب لأنها تضر بالوطن العرب والحياة العربية، ولذلك قررت مقاطعة لجنة وودهيد وعدم الاتصال بها ودعت كل العرب في فلسطين وخارجها إلى تنفيذ ذلك، أما بالنسبة لليهود فقد فشل وايزمان وأنصاره في حصر الشهود باليهود المؤيدين للتقسيم، فتقدم للشهادة يهود متطرفون طالبوا بدولة يهودية في جميع أنحاء فلسطين وبعضهم طالب بدولة تضم فلسطين وشرق الأردن، بينما طالب وايزمان وأنصاره بتوسيع مساحة الدولة اليهودية وذلك بإدخال صحراء النقب والأحياء اليهودية في مدينة القدس وسهول بيسان.

غادرت اللجنة فلسطين في 3 آب 1938 عن طريق حيفا وتريستا حتى وصلت إلى لندن حيث استأنفت جلساتها هناك في 15 آب ، وفي 9 تشرين الثاني 1938 وضعت تقريرها حول مسألة تقسيم فلسطين مرفقا ببيان يتضمن الخطة السياسية الجديدة للحكومة البريطانية وفي هذا التقرير قدمت اللجنة ثلاثة مشاريع للتقسيم، المشروع الأول وأشير إليه بالحرف (أ)، ويكاد يكون نفس مشروع لجنة بيل الملكية مع حدود أكثر دقة ومراعاة لشؤون الدفاع، غير أن اللجنة رفضت هذا المشروع نظرا لسوء توزيع السكان والأرض في كل من الدولتين، ووجدت أن عدد العرب في منطقتي القدس والناصرة اللتين اعتبرتا مناطق انتدابية كان 221.400 نسمة في حين كان عدد اليهود 80.200 نسمة، كما أن ملكية العرب في هاتين المنطقتين أكثر من ملكية اليهود بسبعة عشر ضعفا، كما رفضت اللجنة المطالب اليهودية بضم جزء من مدينة القدس إلى الدولة اليهودية وذلك بسبب رفض المسلمين إقامة دولة يهودية جوار مدينة القدس.

حاولت اللجنة إدخال بعض التعديلات على مشروع (أ) حيث استثنيت المنطقة الواقعة في أقصى جنوب الدولة اليهودية من الدولة اليهودية وإدخالها في الدولة العربية، وإدخال الجليل في المنطقة الانتدابية على أن تدخل حيفا وميناؤها في الدولة اليهودية وتم تصنيف المشروع المعدل على أنه مشروع (ب)، غير أن هذا المشروع لم يحظ إلا بقبول عضوا واحدا من أعضاء اللجنة، وقد جاء رفض هذا المشروع نظرا لوجود عدد كبير من العرب يمتلكون مساحات واسعة من الأراضي في الدولة اليهودية وبالتالي فإن أي مشروع للتقسيم يقضي بوضع عدد كبير من العرب تحت سيطرة اليهود في منطقة ليس لليهود فيها أكثرية سيقاومه العرب بقوة ولن يؤدي إلى السلام.

بعد ذلك قررت اللجنة وضع مشروع جديد أشير له بحرف (ج) وقد حظي هذا المشروع بموافقة عضوين أحدهما رئيس اللجنة فاعتبرته اللجنة أفضل مشروع للتقسيم وبموجبه قسمت فلسطين إلى أربعة أقسام هي:

الدولة العربية وتشتمل على معظم المناطق الداخلية بالإضافة إلى الساحل ما بين غزة ويافا.

الدولة اليهودية وتشتمل على الساحل من شمال يافا إلى جنوب حيفا وميناؤها تل أبيب.

المنطقة الانتدابية وتشتمل على شمال فلسطين، الجليل وجبل الكرمل وحيفا على سفحه، وجنوب فلسطين النقب حتى حدود مصر، بالإضافة إلى القدس وبيت لحم.

غير أن اللجنة أشارت إلى أن فلسطين بلاد صغيرة ولا تصلح للتقسيم، وبالتالي فإن أيا من المشاريع الثلاث السابقة لن يكون عمليا لما سيواجهه من صعوبات سياسية واقتصادية وجغرافية وسكانية، ولذلك أصدرت الحكومة البريطانية بيانا في 9 تشرين الثاني 1938 عدلت فيه عن فكرة التقسيم. وقد جاء فيه "وقد قرر رأي حكومة جلالته بعد إمعان النظر والتدقيق في تقرير لجنة التقسيم أن هذا التحقيق الإضافي قد أظهر من الصعاب السياسية والإدارية والمالية التي ينطوي عليها الاقتراح القائل بإنشاء دولة عربية مستقلة وأخرى يهودية مستقلة هي عظيمة لدرجة يكون معها هذا الحل للمعضلة غير عملي، ولذلك فإن حكومة جلالته ستوصل الاضطلاع بمسؤوليتها في حكم فلسطين بأجمعها.

كما أشار البيان إلى أن الحكومة ستعمل جاهدة من أجل الوصول إلى تفاهم بين العرب واليهود الذي يعتبر من اثبت الأسس لإقامة دعائم السلام والتقدم في فلسطين، ولتحقيق هذا الهدف فإن الحكومة تنوي توجيه الدعوة إلى ممثلين عن العرب والوكالة اليهودية للاجتماع في لندن لبحث السياسة المقبلة بما فيها مسألة الهجرة إلى فلسطين"، إلا إن الحكومة أشارت إلى حقها في رفض الزعماء الفلسطينيين الذي تعتبرهم مسؤولين عن حملة الاغتيال والعنف.

وهكذا عدلت الحكومة البريطانية ن مشروع التقسيم وهذا ما كان يريده العرب الأمر الذي أدى إلى استمرار الثورة الفلسطينية ونشاط الثوار العرب، وازداد التضامن العربي الإسلامي الذي تمخض عن عقد المؤتمر البرلماني العالمي للبلاد العربية والإسلامية مما جعل الحكومة البريطانية تتحرك في إطار دبلوماسي جديد، ففي صيف عام 1938 تقدم الكولونيل نيوكمب عضو مجلس العموم البريطاني بمشروع جديد عرف باسمه جاء فيه:

لكل فلسطيني حق سياسي ومدني في الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة دون تفرقة في الجنس والدين.

تحدد الفترة الانتقالية التي يسمح فيها للعرب واليهود بالاشتراك التدريجي في الحكم بحوالي عشر سنوات.

تعطى للطوائف صلاحيات رعاية الأمور الطائفية.

تتوقف الهجرة اليهودية وذلك بأن يعتبر العدد الأكبر للسكان اليهود عددهم الحالي.

يكون للبلديات في المدن والقرى العربية واليهودية لا مركزية واسعة تمكنها من السيطرة  على التعليم والأمور الشخصية والمدنية والإدارية المحلية.

تضمن الحكومة البريطانية مصالح الطوائف المختلفة في بنود واضحة في دستور الدولة المقبلة.

تصان مصالح بريطانيا المشروعة.

أخذت الحكومة البريطانية من خلال هذا المشروع ومن خلال الاتصال مع بعض الزعماء العرب والحكومات العربية تعمل لتهيئة الأجواء لعقد مؤتمر المائدة المستديرة في لندن، ولإنجاح هذه الفكرة أخذت تعمل على تخفيف شكوك العرب واسترضائهم لضمان مشاركتهم في المؤتمر وقد نجحت في ذلك وافتتح المؤتمر في 7 شباط 1939 وحضره وفود من مختلف الدول العربية كالأردن ومصر والعراق والسعودية واليمن بالإضافة إلى وفد اللجنة العربية العليا، كما حضره الوفد اليهودي برئاسة حاييم وايزمان وفي نهاية المؤتمر قدمت الحكومة البريطانية للجانبين العربي واليهودي عدة مقترحات تشكل هيكل الكتاب الأبيض الذي أصدرته في 17 أيار 1939 والذي تضمن ثلاثة مواضيع رئيسة حول الدستور والمهاجرة والأراضي. وبموجبه اقترحت الحكومة قيام دولة فلسطينية مستقلة بعد مرور فترة انتقالية لمدة عشر سنوات يشترك فيها العرب واليهود في سلطات الحكم، وخلال هذه الفترة تنظم مسألتا الأراضي والهجرة وذلك على أساس أن تكون الهجرة خلال السنوات الخمس الأولى بمعدل يجعل عدد اليهود ثلث سكان فلسطين حيث حددها بـ 75000 مهاجر خلال خمس سنوات ثم وقف الهجرة وقفا تاما إلا إذا وافق العرب على ذلك، أما بالنسبة للأراضي فقد أكد الكتاب الأبيض ضرورة إصدار تشريعات وأنظمة بشأن انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود خلال الفترة الانتقالية وذلك حتى يتمكن العرب من الحفاظ على مستوى معيشتهم والحيلولة دون ازدياد فئة المزارعين ممن لا يمتلكون أرضا يعتاشون منها.

كان موقف عرب فلسطين تجاه الكتاب الأبيض متباينا، فقد أعلنت اللجنة العربية العليا رفضها له لأنه لا يحقق المطالب القومية لعرب فلسطين، وانتقدت الإبهام والغموض فيما يتعلق بمسألة الاستقلال وتعليق أمره على موافقة اليهود، ففي بيان أصدرته اللجنة من بيروت في أواخر عام 1939 طالبت فيه وقف الهجرة وقفا تاما ومنع انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود منعا باتا نهائيا، واستقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية، بينما أبدى حزب الدفاع الوطني استعداده للتعاون مع الحكومة البريطانية في تنفيذ السياسة الواردة في الكتاب الأبيض.

أما موقف الوكالة اليهودية فقد أصدرت بيانا في اليوم الذي صدر فيه الكتاب الأبيض بينت فيه رفضها القاطع لما ورد فيه لأنه يتناقض مع وعد بلفور وصك الانتداب ووصفته بأنه إنكار لحق الشعب اليهودي في إقامة وطنه القومي في فلسطين، وقد قام اليهود بسلسلة من العمليات التخريبية في المؤسسات الحكومية لعرقلة إذاعة بلاغ الحكومة.

وبالرغم من ذلك فقد حاولت الحكومة البريطانية الإثبات أمام العرب بأنها ستعمل على تطبيق سياستها الواردة في الكتاب الأبيض فأصدرت في 28 شباط 1940 قانون انتقال الراضي بأثر رجعي من تاريخ صدور الكتاب الأبيض في 17 أيار 1939، وبموجبه قسمت فلسطين إلى ثلاث مناطق حيث يمنع انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود في قسم منها، ويحدد في قسم ثان بموافقة المندوب السامي ويطلق في القسم الثالث، إلا أنها لم تضع هذا القانون موضع التنفيذ فقد تمكن اليهود وبمساعدة من الإدارة ومحاكم التسوية ودوائر الإجراء من الحصول على أراض في المناطق التي حظر فيها انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود، أما بشأن الهجرة فقد بقي باب الهجرة مفتوحا على مصراعيه دون أية قيود حتى ما بعد انقضاء السنوات الخمس. وهكذا فمن الواضح أن الحكومة البريطانية رضخت لمطالب الوكالة اليهودية خاصة خلال فترة الحرب العالمية الثانية والتي شهدت تنافسا ما بين بريطانيا والولايات المتحدة على كسب دعم اليهود.

ومهما يكن من أمر فقد تجاوزت الحكومة البريطانية جميع الأنظمة والقوانين التي نص عليها ميثاق عصبة الأمم، حتى وصل الأمر فيها إلى تسهيل سيطرة اليهود عل مدينة القدس والحكم البلدي فيها، فقد أخذت تتلاعب بحدود مسطح البلدية وبقوائم الناخبين بحيث كانت تستثني الأحياء العربية كالطور وسلوان والعيسوية وشعفاط وبيت صفافا، بينما كانت تدخل الأحياء اليهودية مهما بعدت ضمن حدود البلدية وذلك لتحقيق أكثرية يهودية في المدينة وإعطاء منصب رئاسة البلدية لليهود، ولتنفيذ هذا المخطط اقترحت الحكومة عام 1945اتباع نظام التناوب على رئاسة البلدية مرة كل سنتين بحيث يكون أول رئيس يهوديا والثاني عربيا والثالث بريطانيا إلا أن العرب رفضوا ذلك وقاطعوا جلسات المجلس البلدي فلجأت الحكومة إلى حله في 11 تموز 1945 وتعيين لجنة بلدية من ستة موظفين بريطانيين ثم عين المندوب السامي لجنة برئاسة وليم فتزجيرالد، للتحقيق في إدارة القدس المحلية وتقديم تقرير بشأنها ووضع التواصي فيما يتعلق بذلك وقد أوصى فتزجيرالد في تقريره بعدم اعتبار مدينة القدس بلدية بل يجب معاملتها كمقاطعة إدارية ووضعها تحت إدارة مجلس إداري على غرار مجلس مقاطعة لندن، وتقسم تلك المقاطعة إلى قطاعين تكون أكثرية سكان أحدهما من اليهود والأكثرية في القسم الآخر من العرب، ويكون لكل قطاع رئيس بلدية ومجلس منتخب مع إعطاء المندوب السامي صلاحية نقض انتخاب أي شخص لرئاسة البلدية. وتناط صلاحيات تنظيم المدينة بمجلس إداري يتكون من أربعة أعضاء عن كل قطاع ينتخبهم مجلس القطاع سنويا من بين أعضائهن ويعين المندوب السامي رئيس هذا المجلس ويطلق عليه لقب مدير أو محافظ القدس ويخول المجلس الإداري حق إقرار أو تعديل أو رفض المشاريع التي تعرض عليه بالإضافة إلى المسائل ذات الصلة المباشرة بالأماكن المقدسة الأثرية ووضعها تحت إشراف المندوب السامي مباشرة.

وهكذا فمن الواضح أن الحكومة كانت تنوي تهويد مدينة القدس وإضفاء الصبغة اليهودية عليها وإناطة رئاسة البلدية باليهود والتي كانت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر بيد العرب من أبناء مدينة القدس.

لجنة التحقيق الأنجلو - أمريكية

بعد ازدياد التدخل الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والمسألة الفلسطينية بشكل خاص خلال الحرب العالمية الثانية والذي كان ناجما بالدرجة الرئيسة عن السياسة الانتخابية الأمريكية أخذت الحكومة البريطانية تعتبر نفسها بأنها المسؤولة عن الوضع العام في فلسطين، وأنها وحدها تتحمل نتائج سياستها وليس الولايات المتحدة الأمريكية.

ولتفويت الفرصة أمام الولايات المتحدة في التدخل بالمسألة الفلسطينية، أصدرت بيانا على لسان وزير خارجيتها المستر إرنست بيفن تضمن الصعوبات التي واجهتها حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين نتيجة للالتزام المزدوج إزاء اليهود والعرب إذ أن صك الانتداب على فلسطين يتطلب من الدولة المنتدبة تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع اليهود على الاحتشاد في الأرض مع ضمان عدم إلحاق ضرر بحقوق ووضع الطوائف الأخرى من جراء ذلك . وبين أن الافتقار إلى تفسير واضح للالتزام المزدوج كان السبب الرئيس لما عانته فلسطين خلال السنوات الماضية، إذ فشلت حكومة الانتداب في ترسيخ التعاون والاتفاق بين العرب واليهود في فلسطين وإيجاد أسس مشتركة للتوفيق بين الشعبين نظرا للاختلاف في الدين واللغة والثقافة والعادات والتقاليد وطرق التفكير والسلوك.

وأضاف البيان أنه نظرا للاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية وبشكل خاص حكومتا الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيان فإن الحكومة البريطانية تدعو حكومة الولايات المتحدة للتعاون معها في تشكيل لجنة تحقيق أنجلو أمريكية مشتركة لفحص الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فلسطين بالنسبة لتأثيرها في مشكلة الهجرة اليهودية، وفحص أحوال اليهود في الدول الأوروبية الذين كانوا ضحية للاضطهاد النازي والفاشستي، وتقديم اقتراحات وتوصيات بذلك للحكومتين لمعالجتها وإيجاد حل دائم لها.

وفي 10 كانون الأول 1945 بعثت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية مذكرة للحكومة البريطانية بينت فقيها موافقتها على تشكيل لجنة التحقيق المشتركة من الحكومتين اقترحت فيها أن يكون عدد أعضاء اللجنة 12 عضوا من الطرفين بالتساوي يعملون تحت رئاسة دورية وتتكلف الحكومتان بدفع نفقات اللجنة.

وعلى أية حال تشكلت اللجنة من ستة أعضاء بريطانيين وستة أعضاء أمريكيين. وبدأت أعمالها في 4 كانون الثاني 1946 وقدمت تقريرها في 20 نيسان من العام نفسه، وقد تضمن عشر توصيات يظهر خلالها مدى التحيز والمحاباة تجاه اليهود، وتناولت هذه التوصيات مسألة الهجرة اليهودية ومبادئ الحكم والأراضي والتعليم والتطور الاقتصادي، فقد أوصت بإدخال مائة ألف مهاجر يهودي فورا إلى فلسطين وأن لا تكون سيدة لليهود على العرب ولا للعرب على اليهود، كما لا تكون فلسطين دولة يهودية ولا دولة عربية بل يجب أن تكون دولة ترعى وتحمي حقوق ومصالح الديانات الثلاث، واقترحت استمرار إدارة فلسطين من قبل الانتداب إلى أن يتم الاتفاق على تنفيذ وصاية الأمم المتحدة عليها ريثما يتلاشى العداء بين العرب واليهود، كما أوصت بإلغاء قوانين انتقال الأراضي لعام 1940 واستبدالها بقوانين أخرى تستند إلى سياسة حرة في بيع الأراضي وإيجارها والانتفاع منها، وبينت اللجنة أن أرض فلسطين هي أرض مقدسة للديانات الثلاث ولذلك لا يمكن أن تكون في يوم من الأيام أرضا يستطيع أي شعب أو أي دين أن يدعي ادعاء عادلا بأنها ملك له، بل يجب أن تكرس للمبادئ والتعاليم التي تقتضيها الأخوة البشرية لا التي تستلزمها القومية الضيقة.

مشروع موريسون

اتفقت الحكومتان الأمريكية والبريطانية لوضع توصيات لجنة التحقيق المشتركة موضع التنفيذ، على تشكيل لجنة من الخبراء من كلا الجانبين، وقد أطلقت الحكومة البريطانية على هذه اللجنة اسم وفد الخبراء، غير أنها أصبحت تعرف باسم مشروع موريسون أو مشروع جريدي - موريسون. وقد قدمت اللجنة تقريرها في 31تموز 1946 ويرتكز على أن فلسطين يجب أن لا تكون لا دولة عربية ولا دولة يهودية ولا دولة ثنائية نظرا لاستحالة التوفيق بين الأماني السياسية للعرب واليهود، وإنما يجب وضع نظام يكفل حكما ذاتيا لكل العرب واليهود تحت إدارة حكومة مركزية وبموجب هذا المشروع قسمت فلسطين إلى أربعة مناطق، منطقة يهودية وتضم معظم الأراضي التي استقر فيها اليهود مع إعطائهم مساحة كبيرة من الأراضي بين المستعمرات اليهودية وحولها، ومنطقة القدس وتشمل مدينة القدس وبيت لحم والأراضي القريبة منها، ومنطقة النقب وتضم المثلث الصحراوي وغير المسكون في جنوب فلسطين الواقع وراء المناطق المزروعة، وأخيرا منطقة عربية وتشمل ما تبقى من فلسطين وتكون صبغتها عربية تامة أرضا وسكانا، ونص المشروع على أن تكون حدود المناطق السابقة حدودا إدارية تبين الناحية التي يمكن للمشروع المحلي فيها من سن التشريع الموافق لبعض الأمور وتستطيع القوة التنفيذية المحلية فيها تنفيذها، أما أمور الدفاع والجمارك والضرائب والمواصلات والعلاقات الخارجية فتكون من صلاحيات الحكومة المركزية التي يترأسها المندوب السامي. ويقوم في كل من المنطقتين العربية واليهودية حكومة محلية ومجلس تشريعي ويكون لها استقلال ذاتي واسع ذو صبغة محلية كما تخول هذا السلطة تحديد عدد الأشخاص الراغبين في الإقامة الدائمة في أراضيها وتحديد مؤهلاتهم. ويجري في كل منطقة انتخاب مجلس تشريعي حيث يختار المندوب السامي من بين أعضائه وزيرا ومجلس وزراء وكل قانون تقره المجالس التشريعية يتطلب موافقة المندوب السامي. ونص المشروع على أن ينشأ في منطقة القدس مجلس له صلاحيات المجلس البلدي وينتخب معظم أعضائه انتخابا على أن يكون للمندوب السامي حق تعيين بعضهم.

ويتضح مدى تحيز المشروع للجانب اليهودي في مجال الهجرة، إذ قرر إدخال مائة ألف يهودي إلى المنطقة اليهودية، وترك السيطرة على الهجرة بيد الحكومة المركزية على أن تكون في نطاق الاستيعاب الاقتصادي للمقاطعات وعلى أن لا يجوز لحكومة المركزية الأذن بهجرة تزيد على الحدود التي تقترحها الحكومة المحلية، ويحق لحكومة المقاطعات العربية منع هجرة اليهود إليها، كما يحق لحكومة المقاطعة اليهودية إدخال أي عدد من المهاجرين ترى أن قدرتها الاقتصادية تتسع له.

وبالتالي فقد ترك باب الهجرة اليهودية إلى المنطقة اليهودية مفتوحا على مصراعيه.

غير أن الوفود العربية في مؤتمر لندن قررت رفض هذا المشروع وعدم صلاحياته لأن يكون أساسا لحل القضية الفلسطينية خاصة أنه يستند على أساس تقسيمي ويتناقض مع سياسة الكتاب الأبيض، فقدمت مشروعا في تشرين الأول 1946 عرف باسم "المشروع العرب المقابل"، حيث تضمن إنهاء الانتداب واستقلال دولة فلسطين وتشكيل حكومة ديمقراطية في فلسطين تحكم بمقتضى دستور تضعه جمعية تأسيسية، وإنشاء حكومة انتقالية برئاسة المندوب السامي تتكون من سبعة أعضاء من العرب وثلاثة من اليهود. أما بشأن الهجرة فقد منع المشروع الهجرة اليهودية إلى فلسطين منعا باتا وأبقى القيود المفروضة على انتقال الأراضي على ماي هي عليه دون تعديل حتى تصدر قوانين تنص على غير ذلك، واشترط أن ينص الدستور على ان لا يجري أي تغيير في هاتين المسألتين إلا بقانون يوافق عليه أكثرية أعضاء العرب في المجلس التشريعي، كما نص المشروع على أن تدخل ضمانة الأماكن المقدسة في تصريح عدلي به الدولة الفلسطينية المستقلة أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة وتتقيد به، وبأن لا تعدل هذه الضمانات إلا بموافقة هذه الهيئة.

غير أن الوفد البريطاني في لندن رفض المشروع العربي زاعما أن مشروع موريسون هو أفضل حل للمسألة الفلسطينية، لكن الوفود العربية في المؤتمر أصرت على عدم قبوله، مما حدا بالحكومة البريطانية لطرح مشروع جديد في 7 شباط 1947 من قبل وزير خارجيتها إرنست بيفن عرف باسم مشروع بيفن، وبموجبه سيستمر الانتداب لمدة خمس سنوات أخرى تنشأ خلالها حكومات ومجالس محلية عربية ويهودية تتمتع باستقلال ذاتي على ألا تؤدي هذه المرحلة الانتقالية إلى التقسيم، ويسعى المندوب السامي لإنشاء مجلس استشاري تمثيلي في المركز، وبعد أربع سنوات ينتخب مجلس تأسيسي، فإذا حصل اتفاق بين أكثرية ممثلي العرب واليهود ستقام دولة مستقلة دون تأخير، وإذا لم يحصل اتفاق فسيطلب إلى مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة أن يبدي رأيه فيما يجب اتخاذه من إجراءات وطالب المشروع السماح بإدخال مائة ألف مهاجر يهودي خلال سنتين وبعد ذلك تخضع الهجرة اليهودية لنظرية الاستيعاب الاقتصادي.

ويلاحظ أن هذا المشروع لا يختلف كثيرا عن مشروع موريسون مما جعل الوفود العربية تعلن رفضها له، كما رفضته أيضا الوكالة اليهودية ، وبالمقابل فإن الحكومة البريطانية لم تجبر أيا من الطرفين على تغيير موقفه مما أدى إلى فشل مؤتمر لندن.

لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين لجنة الأنسكوب

بعد ذلك أخذت الحكومة البريطانية تعمل على إحالة القضية إلى هيئة الأمم المتحدة، فطلبت من الأمين العام للأمم المتحدة في 2 نيسان 1947 أن يدعو لعقد دورة استثنائية للجمعية العام للأمم المتحدة لمناقشة القضية الفلسطينية وتشكيل لجنة خاصة تقوم بإعداد تقرير عن القضية وطرحه أمام الجمعية العامة. وبعد موافقة أعضاء الجمعية عقدت الدورة الاستثنائية في أواخر شهر نيسان 1947 وتم اختيار لجنة تحقيق دولية عرفت باسم لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين.

(UNSCOP) (United Nation Special Committee on Palestine) (أنسكوب).

وتألفت الجنة من ممثلين لإحدى عشرة دولة هي أستراليا وكندا وتشيكوسلوفاكيا وجواتيمالا والهند وإيران والبيرو وهولندا والسويد والأرجواي ويوغسلافيا، وعين القاضي السويدي إميل ساندستروم رئيسا لها. وخولت اللجنة البحث بجميع المسائل والشؤون المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وأن تقوم بأداء اهتماما بالغا بالمصالح الدينية الإسلامية واليهودية والمسيحية في فلسطين، كما طلب منها تقديم تقرير بذلك إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي بدورها سترفعه إلى السكرتير العام للأمم المتحدة في شهر أيلول 1947. وفور وصول اللجنة إلى فلسطين 14 حزيران 1947 قررت الهيئة العربية العليا مقاطعتها معللة ذلك بعدم إدراج مسألة إنهاء الانتداب وإعلان استقلال فلسطين من قبل هيئة الأمم المتحدة على جدول أعمالها في الدولة الاستثنائية. أما الحكومات العربية فقد قدم ممثلوها مذكرة جماعية خلال وجود اللجنة في بيروت بينوا فيها الحجج والبراهين التاريخية والطبيعية لتأكيد عروبة فلسطين وحقها في الاستقلال والسيادة، وبينوا أن الحل الوحيد لقضية هو قيام حكومة مستقلة يتمتع فيه كل من العرب واليهود بالحقوق والواجبات الدستورية.

وفي 31 آب 1947 قدمت اللجنة تقريرها للجمعية العامة للأمم المتحدة وقد تضمن توصيات عامة وافق عليها جميع الأعضاء، وتوصيات انقسم بشأنها أعضاء اللجنة إلى قسمين. أما التوصيات العامة فتتمثل في إنهاء الانتداب على فلسطين ومنحها الاستقلال على أن تسبقه مرحلة انتقالية تكون قصيرة بقدر ما يسمح به إتمام الشروط الضرورية للاستقلال، وتكون السلطة المكلفة بإدارة فلسطين خلال هذه المرحلة مسؤولة أمام الأمم المتحدة، ويبني النظام السياسي للدولة أو للدولتين الجديدتين على أساس ديمقراطي تمثيلي يضمن الحقوق الأساسية للإنسان ويحافظ على حقوق ومصالح الأقليات، ويسجل في الدستور المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة بما فيها واجب تسوية الخلافات الإقليمية بواسطة الوسائل السلمية دون اللجوء إلى التهديد والعنف، كما تضمن التوصيات قبول مبدأ المحافظة على الوحدة الاقتصادية في فلسطين لبناء أساسي وضروري لحياة وازدهار البلاد وسكانها.

أما بشأن الأماكن المقدسة والمصالح الدينية فقد أشار التقرير إلى أنه:

مهما كان الحل الذي سيتم إقراره وقبوله في فلسطين تبقى الصبغة المقدسة للأماكن المقدسة في القدس محتفظا بها، وبكون الوصول إليها من أجل العبادة والحج مؤمنا وفقا للحقوق الراهنة وذلك اعترافا بما للملايين المسيحيين والمسلمين واليهود الذين يقيمون خارج فلسطين أو داخلها من مصالح حقيقية فيما يتعلق بالمواقع والأبنية ذات الصلة لمنشأ دياناتهم وتاريخهم.

أن لا تغير القوانين وتنكر الحقوق التي تتمتع بها جميع الطوائف الدينية في فلسطين وذلك لأن الحفاظ عليها ضرورة لازمة للاحتفاظ بالسلم الديني في فلسطين في عهد الاستقلال.

أن يستنبط نظام واف لتسوية الخلافات الدينية دون تميز أو محاباة للحفاظ على السلم الديني خاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن تسوية هذه الخلافات خلال عهد الانتداب كانت تتم من قبل الحكومة والتي قامت بدور الحكم وتمتعت بالسلطات والصلاحيات التي مكنتها من تنفيذ قراراتها.

إدراج شروط خاصة بشأن الأماكن المقدسة والأبنية أو المواقع الدينية وحقوق الطوائف الدينية في دستور أو دساتير أية دولة فلسطينية قد تنشأ.

أما فيما يتعلق بالتواصي التي لم يتم الاتفاق عليها بالإجماع فقد قدمت كل مجموعة مشروعا يختلف عن الآخر، ومثل المشروع الأول أغلبية أعضاء اللجنة وعرف بمشروع الأكثرية حيث وافق عليه سبعة أعضاء وهم ممثلو كندا وتشيكوسلوفاكيا وجواتيمالا وهولندا وبيرو والسويد والأرجواي، ويتضمن هذا المشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين مع اتحاد اقتصادي بينهما، دولة عربية تضم الجليل الغربي ومنطقة نابلس والسهل الساحلي الممتد من أسدود حتى الحدود المصرية وتدخل فيها مناطق الخليل والقدس الجبلية وغور الأردن، أما الدولة اليهودية فتضم الجليل الشرقي ومرج ابن عامر والقسم الأكبر من السهل الساحلي وجميع قضاء بئر السبع المشتمل على النقب.

أما بشأن القدس فنص المشروع على وضعها تحت نظام الوصاية الدولية بمقتضى صك وصاية، وتشتمل حدودها على منطقة البلدية وتضاف إليها المدن والقرى المجاورة لها التي يصل حدها الشرقي الأقصى إلى قرية أبو ديس وحدها الجنوبي الأقصى إلى مدينة بيت لحم وحدها الغربي الأقصى إلى قرية عين كارم وحدها الشمالي الأقصى إلى قرية شعفاط وتكون الدينة مجردة من القوات العسكرية ويعلن حيادها ويحافظ عليه ويمنع قيام أيي تشكيلات أو تمرينات أو حركات شبه عسكرية ضمن حدودها، كما تؤمن الحماية للسكان المقيمين في المدينة بغض النظر عن أصلهم وجنسهم ولغتهم ودينهم وفقا لقوانينها المتعلقة بالتمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية ومن ضمنها حرية العبادة واللغة والخطابة والنشر والتعليم وعقد الاجتماعات وتشكيل الجمعيات، ويحق لهؤلاء السكان الاشتراك في انتخابات المدينة المحلية ويعين مجلس الوصاية حاكما للمدينة على أن لا يكون عربيا أو يهوديا أو من سكان الدولتين أو من سكان مدينة القدس عند تعيينه ويكون مسؤولا عن سير إدارة المدينة ويقرر مدى تطبيق واحترام أحكام الدستور المتعلقة بالأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية في كل من الدولتين العربية واليهودية في فلسطين، ويعهد إليه مسؤولية حماية جميع الأماكن المقدسة في مدينة القدس وحق الفصل في الخلافات والنزاعات التي تنشأ بين الطوائف المختلفة حول الأماكن المقدسة في أي قسم في فلسطين على أساس الحقوق الراهنة، كما يكون له صلاحية تعيين الميزانية اللازمة لقوة الشرطة التي تناط بها في مهمة حماية الأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية في مدينة القدس.

أما المشروع الثاني فقد عرف باسم مشروع الأقلية أو مشروع الدولة الاتحادية وقد أيده ممثلو الهند وإيران ويوغسلافيا، ويتلخص هذا المشروع بإنشاء دولة اتحادية مستقلة في فلسطين بعد فترة انتقال لمدة ثالث سنوات ، وتتكون هذه الدولة من حكومتين مستقلتين ذاتيا إحداهما عربية والأخرى يهودية، ويتم انتخاب مجلس تأسيسي للدولة بالتصويت العام يتولى وضع دستور الدولة وانتخاب الرئيس وتتناول سلطة الحكومة الاتحادية مسائل الدفاع الوطني والعلاقات الخارجية والمصالح المشتركة، ويضمن الدستور حرية المرور إلى الأماكن المقدسة ووقاية المصالح الدينية وتكون اللغتان العبرية والعربية اللغتين الرسميتين للدولة ولحكومتي الدولتين.

أما فيما يتعلق بالقدس والأماكن المقدسة والمصالح الدينية فقد نص المشروع على أن تكون مدينة القدس عاصمة الدولة الاتحادية، وتشتمل على بلديتين مستقلتين تضم الأولى القطاعات العربية بما في ذلك القسم من المدينة الذي يحيط به السور، وتضم الأخرى المناطق التي يكون معظمها من اليهود، وتتمتع كلتا البلديتين، كل في منطقتها، بالإدارة المحلية وفقا للدستور وقوانين الحكومة الاتحادية، كما تشتركان في الحكم الذاتي المحلي معا وفقا لما تقرره الحكومة الاتحادية أو تسمح به شريطة أن يكون التمثيل في هذه الهيئات مؤمنا للجميع دون تمييز، كما تقوم كلتا البلدتين معا بالعمل على توفير الخدمات العامة وصيانتها في المدينة، ونص المشروع على عدم إنكار الحقوق الراهنة المتعلقة بالأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية وصيانة تلك الأماكن والحفاظ على قدسيتها بإشراف لجنة دولية تعينها هيئة الأمم المتحدة.

وعلى أية حال فقد رفضت الهيئة العربية العليا، هذين المشروعين وبادرت إلى إعلان الاستنكار والاحتجاج ومقاومة تنفيذ هذه المقترحات، كما رفضت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية هذه المشاريع، وذلك من خلال الاجتماع الذي عقد في صوفر بلبنان خلال الفترة ما بين 16-19 أيلول 1947 لبحث تقرير اللجنة واتخذا موقف سياسي عربي موحد تجاه ذلك وفي نهاية الاجتماع اتخذت اللجنة السياسية العديد من القرارات حيث اعتبرت قرارات اللجنة الدولية (إهدار فاضح لحقوق عرب فلسطين الطبيعية في الاستقلال.. وخرق لجميع العهود التي قطعت للعرب ولذات المبادئ التي تقوم عليها منظمة الأمم المتحدة)، واعتبرت أن تنفيذ هذه الاقتراحات خطر محقق يهدد أمن فلسطين والأمن والسلام في البلاد العربية، ولذلك فإن جامعة الدول العربية ستعمل على مقاومة تنفيذ هذه الاقتراحات بكل الوسائل العملية الفعالة وتفنيد كل تدبير آخر لا يحقق استقلال فلسطين كدولة عربية، وأوصت اللجنة دول الجامعة بتقديم المساعدات العاجلة للشعب الفلسطيني من مال وعتاد ورجال، وتشكيل لجنة فنية لتقوم بتعريف حاجات فلسطين ووسائل دفاعها وتنظيم وتنسيق المعونة المادية التي يجب على الحكومات تقديمها، كما قررت اللجنة إرسال مذكرات إلى حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تعلمهما بأن كل قرار يتخذ بشأن القضية الفلسطينية دون أن يتضمن قيام دولة عربية مستقلة فيها يهدد بإثارة اضطرابات خطيرة في الشرق الأوسط، وأن الدول العربية مصممة على تأييد عرب فلسطين في كل ما يقومون به من أجل الدفاع عن عروبة فلسطين وحريتها واستقلالها.

غير أن هذه القرارات لم تنفذ وبقيت حبرا على ورق نظرا للخلافات الثنائية والمحورية بين الدول الأعضاء مقابل ذلك كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تسيران بخطوات حثيثة من أجل تقسيم فلسطين.

هيئة الأمم المتحدة وقرار التقسيم

في 23 أيلول 1947 شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة مؤقتة عرفت باسم لجنة أدهوك لدراسة مشروع لجنة (الأنسكوب) وقضية إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإعلان استقلالها، وقامت هذه اللجنة بتشكيل لجنتين فرعيتين لإعداد مشروعات مفصلة حول مشروع التقسيم وقد تشكلت اللجنة الفرعية الأولى من مندوبي كندا وتشيكوسلوفاكيا وجواتيمالا وبولندا وفنزويلا وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي والأرجواي، وقدمت مشروعا يتضمن إنهاء الانتداب البريطاني في وقت لا يتجاوز الأول من آب 1948 مع الجلاء الكامل للقوات البريطانية خلال هذه المدة، وتضمن المشروع إنشاء دولتين بعد الجلاء بشهرين بإشراف لجنة انتقال دولية تعين من قبل هيئة الأمم المتحدة يعهد إليها بتنفيذ التقسيم وإدارة فلسطين وقد قامت هذه اللجنة بإدخال بعض التعديلات على مشروع لجنة الأنسكوب لصالح الدولة العربية، حيث أدخلت مدينة يافا وقضاء بئر السبع ضمن حدود الدولة العربية. أما اللجنة الفرعية الثانية فتشكلت من مندوبي أفغانستان وكولومبيا ومصر والعراق والباكستان وسوريا ولبنان، وقدمت توصياتها على شكل مشاريع قرارات تكونت من ثلاثة مشاريع، حيث نص مشروع القرار الأول على الطلب من محكمة العد العليا تقديم رأي استشاري فيما يتعلق ببعض المسائل القانونية المتعلقة بصلاحية الأمم المتحدة في التوصية بحل القضية الفلسطينية. أما مشروع القرار الثاني فقد نص على معالجة مسألة اللاجئين اليهود على مستوى دولي، بينما نص مشروع القرار الثالث على تشكيل حكومة مؤقتة لإدارة فلسطين على أن تبدأ الدولة المنتدبة بالجلاء عن فلسطين فور قيام تلك الحكومة.

وفي 24 تشرين الثاني 1947 جرى التصويت من قبل لجنة أدهوك على قرار اللجنتين الفرعيتين، فسقط قرارا اللجنة الثانية بينما أقرت توصيات اللجنة الأولى بأغلبية 25 صوتا ضد 13 صوتا وامتناع 17 عضوا عن التصويت بعد ذلك أحيلت المسألة للجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت على تقرير أدهوك حيث عقدت اجتماعا في 29 تشرين الثاني 1947 فنال مشروع التقسيم 33 صوتا ضد 13 صوتا وامتناع عشرة أعضاء عن التصويت.

وهكذا تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين ويحمل رقم 181 وبموجبه تم تقسيم فلسطين إلى دولتين، دولة عربية ودولة يهودية مع اتحاد اقتصادي يربط بين هاتين الدولتين، وتضمن القرار إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين على أن لا يتأخر عن الأول من آب 1948 وسحب القوات العسكرية البريطانية من فلسطين بشكل تدريجي وفي أقرب وقت ممكن.

أما فيما يتعلق بمدينة القدس فقد نص الجزء الثالث من القرار على أن يجعل المدينة القدس كيان منفصل خاضع لنظام دولي خاص تديره الأمم المتحدة من خلال مجلس وصاية يقوم بأعمال السلطة الإدارية، وتشتمل حدود المدينة على بلدية القدس الحالية مضافا إليها القرى والبلدان المجاورة وأبعدها شرقا أبو ديس، وأبعدها جنوبا بيت لحم وأبعدها غربا عين كارم وأبعدها شمالا شعفاط، وأوصى القرار بأن يتضمن النظام الأساسي للمدينة الذي سيضعه مجلس الوصاية عدة شروط ، منها أن تقوم السلطة الإدارية بحماية المصالح الروحية والدينية للأديان الثلاثة الواقعة ضمن مدينة اقدس، ودعم روح التعاون بين سكان المدينة سواء في سبيل مصلحتهم الخاصة أو في سبيل تشجيع التطور السلمي للعلاقات المشتركة بين شعبي فلسطين في البلاد المقدسة بأسرها، والحفاظ على الأمن وتأمين الرفاهية واحترام العادات والتقاليد لجميع الفئات السكانية ويقوم جلس الوصاية بتعيين حام عام للقدس يكون مسؤولا أمامه على أن لا يكون مواطنا لأي من الدولتين في فلسطين ويمثل الحاكم الأمم المتحدة في مدينة القدس ويمارس عنها جميع السلطات الإدارية بما في ذلك إدارة الشؤون الخارجية ويساعده مجموعة من الموظفين والإداريين يتم اختيارهم من بين سكان المدينة وسائر فلسطين دون تمييز عنصري، كما تتمتع مدينة القدس ووحداتها " القرى والمراكز والبلديات" فيها سلطة شرطة خاصة من خارج فلسطين، وينتخب السكان مجلسا تشريعيا تكون بيده السلطة التشريعية والضرائبية، وينشأ نظام قضائي مستقل يشتمل على محكمة استئناف يخضع لسلطاتها سكان المدينة وتدخل المدينة ضمن الاتحاد الاقتصادي الفلسطيني، وتضمن حرية الوصول والإقامة في المدينة لسكان الدولتين، وتكون اللغتان العربية والعبرية لغتين رسميتين في المدينة، كما يصبح جميع سكان القدس مواطنين في المدنية بحكم الأمر الواقع ما لم يختاروا جنسية دولة أخرى، ويضمن لسكان المدينة حقوق الإنسان والحريات الأساسية دون تمييز لسبب الأصل أو الدين أو اللغة أو الجنس شريطة عدم الإخلال بمقتضيات النظام العام والآداب العامة، وتضمن القرار حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة وصيانتها وحرية العبادة فيها، وتكون حمايتها موضع اهتمام الحاكم بصورة خاصة. وحدد القرار المدة الزمنية لنظام الحكم الخاص بعشر سنوات يعين مجلس الوصاية النظر فيه في ضوء التجارب المكتسبة خلال هذه الفترة من العمل به، وعندئذ يكون للمقيمين في المدينة الحرية في الإعلان عن طريق الاستفتاء عن رغباتهم في التعديلات الممكن اتخاذها على نظام المدينة.

وهكذا تم تقسيم فلسطين إلى ثلاثة أجزاء وحصل اليهود على اعتراف دولي بدولتهم التي أقيمت حسب القرار على 56% من مجموع المساحة الكلية لفلسطين، ونفيت عروبة وإسلامية مدينة القدس ولذلك كان من الطبيعي أن يرفض عرب فلسطين هذا القرار رفضا قاطعا، واعتبر اليوم التاسع والعشرين من تشرين الثاني أسوأ يوم في تاريخ فلسطين منذ الاحتلال العسكري البريطاني لفلسطين عام 1917. وقد أصدرت الهيئة العربية بيانا بينت فيه رفض مشروع التقسيم والأسباب التي دعتها لذلك، حيث أشارت إلى أن قرار التقسيم أعطى اليهود الأجانب جزءا ثمينا من فلسطين، وأجلى عددا كبيرا من العرب عن موطنهم، ووضع بدلا منهم أمة غريبة تهدد الأمن في الشرق باعتدائها على البلاد العربية، كما أن هذا القرار ميز بين عرب فلسطين والبلدان العربية المجاورة، بالإضافة إلى أنه وضع عرب فلسطين من الناحية الاقتصادية تحت رحمة اليهود خاصة بعد استيلائهم على موانئ فلسطين ونفط العراق في حيفا واستيلائهم على أخصب وأجود الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى أن هذا القرار جعل مدينة القدس تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة وأخرجها من يد العرب.

أما على الصعيد العربي فقد قامت الجماهير العربية بمظاهر صاخبة في العديد من المدن العربية كدمشق وحماة وحمص والقاهرة وبغداد وبيروت وطرابلس وعمان والسلط احتجاجا على قرار التقسيم. وفي 8 كانون الأول 1947 عقدت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية اجتماعا لها في مبنى وزارة الخارجية بالقاهرة لبحث القضية على ضوء قرار التقسيم، حيث أصدرت في نهايته بيانا نددت فيه بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أوصى بتقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها وتكون بذلك قد هدرت حق كل شعب في اختيار مصيره وتقريره، وأخلت بمبادئ الحق والعدالة، كما أنها وضعت حدودا للتقسيم تجعله غير قابل للتنفيذ ومصدرا للاضطرابات والفتن فأدخلت أجود وأخصب الأراضي العربية وأوسعها رقعة وأكبر الموارد الاقتصادية في البلاد ضمن الدولة اليهودية، كما أشار البيان إلى أن حكومات دول الجامعة العربية تقف إلى جانب شعوبها في نضالها ضد الظلم الذي وقع على عرب فلسطين، كما تم الاتفاق على اتخاذ كافة التدابير لإحباط مشروع التقسيم ونصرة العرب.

وهكذا فقد أدت مؤامرة الدول الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى إقامة الدولة اليهودية التي أعلن عنها في 15 أيار 1948 ، وتم تشتيت الشعب العربي الفلسطيني في دول مختلفة عديدة وتدمير الكيان السياسي والاقتصادي للفلسطينيين، وظهرت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، أما بالنسبة لمدينة القدس فبالرغم من قرارات الأمم المتحدة التي أوصت بتدويلها إلا أن إسرائيل أصرت على أن تكون القدس الغربية جزءا من الدولة اليهودية، وفي 2 كانون الأول 1949 أعلنت إسرائيل بأن مدينة القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل.

ولا بد من القول في خاتمة هذا البحث أن قيام دولة إسرائيل يعود بالدرجة الأساسية للجهود التي بذلتها الحكومة البريطانية طوال فترة انتدابها على فلسطين، فقد سخرت معظم القوانين والأنظمة التي أصدرتها في فلسطين لصالح اليهود حتى تمكنهم من السيطرة على الأراضي الفلسطينية والتحكم بالموارد الاقتصادية في البلاد. وقد غدت هذه السياسة مبدءا أساسيا التزمت به حكومة الانتداب، وتكون بذلك قد خالفت ميثاق عصبة الأمم ومبدأ الانتداب.

وبالإضافة إلى ذلك، يلاحظ بأن حكومة الانتداب لم تعمل على تنفيذ التوصيات التي أوصت بها اللجان المتعددة التي كانت تعينها للتحقيق في مختلف الأمور المتعلقة بالقضية الفلسطينية، فكانت تلك التوصيات تذهب في أدراج الرياح، مما يؤكد أن حكومة الانتداب لم تكن تهدف من إرسال تلك اللجان سوى امتصاص نقمة العرب وتخدير أعصابهم.

 

 

مقال 3 الـقـدس.. الـيـوم وغــدا

الأهرام في 27/8/1999

لواء د. وجيه عفيفي حسن

مدير المركز القومي للدراسات الاستراتيجية

يخطئ الكثيرون حينما ينظرون إلى القدس على أنها محض موقع وعاصمة فهي ليست برلين يمكن أن تحل محلها بون في الضمير الألماني أو استنبول يمكن أن تحل محلها أنقرة في التوجهات والأيديولوجية التركية ولكنها القدس الشريفة بلا منازع أو بديل التي وطأتها أقدام الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم في رحلته المقدسة( الإسراء والمعراج).

إن القدس هي مركز التقاء العروبة والإسلام وهي قبلة المسلمين والمسيحيين يجمعهم رباط المحبة والوحدة الوطنية الصادقة ولقد سعت إسرائيل فور احتلالها في عام 1967م إلى تهويدها وطمس هويتها الإسلامية والعربية أصدرت قرارها الشهير في 7/6/1967م بفصل القدس نهائيا عن الضفة الغربية وسعت إلى تقليص الوجود الإسلامي داخل المدينة وتدمير منطقة اللطرون والاستيلاء على جميع الأراضي المجابهة وأجبرت السكان الفلسطينيين على الفرار والهجرة منها وإقامة سلسلة من المستوطنات الدفاعية أهمها بني يعقوب ورمات اشكول.. وغيرهم حتى يتم فصل القدس نهائيا عن الضفة، وإحكام السيطرة عليها ثم أصدرت قرارها الشهير من الكنيست عام 30/7/1980 بضم القدس واعتبر هذا القانون أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل مع إبقاء الأماكن المقدسة محفوظة من إلحاق أي ضرر بها وذلك لتخدير المسلمين وضمان حرية وصول أبناء الديانات السماوية إلى أماكنهم المقدسة مع الحرص التام على إنعاش وتطوير القدس عن طريق( منحة العاصمة) التي تقدم سنويا لبلدية القدس للعمل على إنعاشها اقتصاديا/... الخ وتحت أوهام الاستفزاز والمغالطات السياسية ناشدت الحكومة الإسرائيلية دول العالم أجمع إلى نقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس ولم يحظ هذا القرار بالاستجابة لهذا النداء رحمة بنا وإشفاقا علينا.

ولم تجب الولايات المتحدة إلى هذا النداء وأبقت على سفاراتها بتل أبيب بالرغم من محاولة إسرائيل المتكررة لإقناع الإدارة الأمريكية للعدول عن هذا القرار وجاء العدو الإسرائيلي بخطة محكمة ومدبرة لتهويد القدس وطمس عروبتها إلى الأبد من خلال الاستيطان اليهودي والحفريات المتكررة ومصادرتها للأراضي العربية وإقامة العديد من الأحياء السكنية الكاملة في القدس وإزالة الطابع العمراني والديموجرافي وقد سعت بلدية القدس منذ عام 1972 إلى وضع مخططات توسعية وإنشاء أكثر من180 ألف وحدة سكنية وتوالت الحكومات المتعاقبة اسحق رابين (74:1977) ثم (92:1995) ومناحم بيجين (77:1983) وإسحاق شامير (83:1985) ثم (87:1992) وشيمون بيريز (85:1987) ثم (1985:1987) ثم جاء نيتانياهو ( الصقر الأسود) وتم ربط المدينة بمجموعة من الأحياء والأحزمة الاستيطانية لتعزل المدينة تماما عن الضفة الغربية وتم إقامة مجموعة من الأطواق الأمنية لمحاصرة القدس شمالا، شرقا، وغربا، جنوبا والعمل على فصلها عن الأحياء العربية وتحقيق التحام المدينة بالقدس الغربية وتشمل مجموعة الأحياء السكنية التي تمت إقامتها حتى عام 1982 م تضم أكثر من 6319 وحدة سكنية وتسعي إسرائيل إلى توسيع حدود المدينة وتكريسها عاصمة موحدة لإسرائيل بإقامة سلسلة من المستوطنات وتحددت الفترة الزمنية حتى عام 2002 م ثم قدمت خطة أخري لتطوير القدس حتى (2010 م) وقـد أحيطت بالغموض التام والسرية وتضارب المعلومات وتكثيف الاستيطان وإقامة شبكة في الطرق ومضاعفة أعداد السكان إلى ما يقرب من 750.000 نسمة وتتمثل أهم أهداف المشروع في ضم جزء كبير من أراضي الضفة يبلغ أكثر من 30% إلى إسرائيل وفي النهاية عزل منطقة القدس الغربية وتجزئة الضفة جغرافيا وتفتيت التجمعات السكانية العربية وفي النهاية تغيير الحقائق الديموجرافية عما كان سائدا في1967 م ولقد صرح أريل شارون في نوفمبر1990 م أن هدفه الرئيسي هو استيطان مليون يهودي في القدس الكبرى إضافة إلى أن السلطات الإسرائيلية لم تكتف بتهويد المدينة بل قامت بمجموعة من الحفريات حول حرم بيت المقدس كان الغرض الرئيسي منها هو السعي إلى إقامة العديد من المشروعات الاستيطانية واستكمال تهويد المدينة وهكذا فقد عرضنا ما فعلته إسرائيل بالقدس الشريف حتى أصبحت تعج بالمستعمرات والمجتمعات وباتت غريبة تائهة في وسط أحزاننا ودموعنا ولقد أثبتت الأيام أن اليهود لا أخلاق لهم وليس لديهم أمانة أو شرف في احترام المعاهدات والمواثيق الدولية وأثبتت الأيام أن نيتانياهو ذلك الصقر الأسود قد جاء ليحكم قبضته على الضفة ويسعى لبناء إسرائيل الكبرى ويبث سما قاتلا بتحويل المشكلة إلى نظام. إداري يجيز للأردن إدارة الأماكن المقدسة الإسلامية مع رفضه التام لتقسيم المدينة تقسيما إداريا.

إن الأمة العربية اليوم مطالبة بعقد قمة عاجلة لبحث هذه الموضوعات والعمل على تخليص القدس من قبضة المحتل الغادر و السعي إلى السلام العادل مع تبني النقاط التالية:

1ـ ضرورة السعي إلى تعبئة الرأي العام العالمي بشأن القدس وفضح كافة المخططات والانتهاكات الإسرائيلية الرامية إلى السيطرة على المدينة المقدسة ويكمن ذلك في إصدار كتاب تحليلي توثيقي مدعم بالوثائق مع ضرورة البعد عن التشنجات والآهات واستخدام اللغة السهلة التي تخاطب عقل ووجدان المتلقي الأجنبي.

2ـ الوقوف بصلابة وشراسة أمام تقسيم القدس مع انتزاع القرارات الدورية على مستوي المحافل والمنظمات الدولية والرد الواضح على المزاعم اليهودية والخاصة بنظريات الأمن الإسرائيلي ولا شك أن سياسة المراوغة تتحطم أمام الحقائق والثوابت المؤكدة.

3ـ الوصول إلى اتفاق جماعي بشأن القدس والتي تسعي إسرائيل إلى ابتلاعها مع حث المنظمات الإسلامية على تكاتف جهودها لمقاومة المصلف والغرور الإسرائيلي ومؤازرة المفاوض الفلسطيني بإيجابية وفاعلية.

4ـ العمل على وضع خطة إيجابية لمقاومة نقل السفارات الأجنبية إلى القدس المحتلة ومخاطبة الشعوب المحبة للسلام العادل للامتناع عن ضم واغتصاب الأراضي المحتلة بالقوة مع المحافظة على المقدسات الإسلامية الموجودة بالمناطق المحتلة والعمل على إعادة ترميمها وصيانتها وتكثيف الجهود الدولية لتلقي الدعم المادي الكامل لمباشرة هذه الإجراءات العادلة.

5ـ تبني جامعة ا لدول العربية استراتيجية محددة لدعم المفاوض الفلسطيني والعمل على تقديم كافة المساعدات المادية والخبرات الفنية والمعاونة الاستشارية لأعمال التفاوض وحث المفاوض الفلسطيني على عدم تقديم أية تنازلات تضعف من موقفه التفاوضي وتغري المفاوض الإسرائيلي على المراوغة والتسويف مع ضرورة إنشاء صندوق دائم لشراء الأراضي الفلسطينية لمنع العدو الإسرائيلي من تقديم إغراءاته المادية لشراء المزيد من الأراضي الفلسطينية.

6ـ التعاون الدولي والضغط على إسرائيل لإزالة المعوقات التي تضعها أمام حقوق الفلسطينيين في مدينة القدس في الحصول على مسكن من أجل المحافظة على الهوية العربية للقدس وعلى ملامحها وآثارها العربية والتاريخية كما يؤكد الإعلام العربي أن التهجير القسري والاستيطان إسرائيل في الأراضي المحتلة هو عمل أقر المجتمع الدولي عدم شرعيته لكونه انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان ويهدد السلام الإقليمي.

7ـ ضرورة العمل على إجهاض أية محاولة إسرائيلية لعقد أي مؤتمر دولي في القدس المحتلة مع ممارسة الاتحادات المهنية والنقابية دورها الوطني والبناء في إجهاض أية محاولة لعقد مثل هذه المؤتمرات الدولية!!

8ـ المحافظة على التراث الثقافي والحضاري للمدينة المقدسة وعلى هويتها العربية والإسلامية من خلال التعاون الوثيق مع الهيئات العربية والإسلامية والدولية مع وضع خطة شاملة لمسح وتوثيق آثار القدس وتراثها الحضاري وصيانة وترميم آثارها مع توفير مصادر التمويل والدعم اللازم.

9ـ الوقوف بحزم أمام الإعلام الصهيوني وتوجيه الرسائل الإعلامية الذكية إلى دول العالم المختلفة وشرح وفضح كافة المخططات الإسرائيلية الرامية إلى ابتلاع القدس وأعمال التسويف والمراوغة في التفاوض مع المفاوض الفلسطيني وعدم احترام المواثيق والمعاهدات.

10ـ السعي من خلال منظمة الوحدة الإفريقية على شرح أبعاد الموقف للدول الافريقية وكسب تضامن الدول الإفريقية في مواجهة المخططات الإسرائيلية الرامية إلى استقطاب ونقل سفارات الدول الأجنبية إلى القدس الموحدة!!

11ـ اتخاذ موقف موحد تجاه رفض أي محاولة لتعديل القدس وجعلها مدينة مفتوحة ومواصلة الجهاد المقدس في سبيل تحريرها وصيانة مقدساتها والعمل على تحريرها مع مقاومة إجراءات التهويد الإسرائيلي على الصعيد الإسلامي والدولي.

12ـ صياغة وثيقة الدفاع عن القدس ومقدساتها بمختلف اللغات عن طريق اتحاد المحامين العرب مع توجيه الدعوة لفقهاء القانون العربي للمشاركة بجهودهم وحتى ينجلي الحق العربي لقضيتنا العادلة في القدس الشريفة.

13ـ يجب أن ينتهي مؤتمر القمة بعودة التضامن العربي المفقود مع إنهاء كافة المشاكل القائمة بين الدول العربية والبدء فورا في إنشاء السوق العربية المشتركة.

14ـ وضع خطة عربية لتحقيق الأمن القومي العربي ضد أية نوايا توسعية إسرائيلية والسعي إلى تطوير القدرات العسكرية العربية، ودعم الصناعات العسكرية عن طريق مشروعات الهيئة العربية للتصنيع مع تقديم الدعم المادي الكامل لتحديث وتطوير الأسلحة والصناعات العسكرية إيجاد قاعدة صناعية عسكرية قوية تعتمد عليها الدول العربية مستقبلا في أبحاث الفضاء ونظم إدارة الصواريخ إن قمة عربية لها مثل هذه القرارات الإيجابية سوف تكون مناصرة للمفاوض الفلسطيني في أصعب مفاوضات أمام الطرف الإسرائيلي المحتل.

 

مقال 4 (1) القدس قبل الاجتياح العسكري

الإسرائيلي في 5/6/1967

كان العرب الفلسطينيون قبل الانتداب البريطاني عام 1917 يملكون اكثر من 90% بينما كانت ملكية اليهود لا تكاد تذكر.

وكانت مساحة مدينة القدس عام 1945 في عهد الانتداب البريطاني:

868                                          دونم داخل السور

18463                      دونم خارج السور

الجملة 19331دونم – موزعة ملكيتها كالآتي:

11191 دونم                 يملكها العرب –              النسبة 58%

4835 دونم                 يملكها اليهود –              النسبة 25%

3305 دونم طرق، ميادين، أغراض أخرى                 17%

في 3/4/1949 – حسب اتفاقية الهدنة:

حدود القدس العربية كما جاء في اتفاق الهدنة العامة بين المملكة الأردنية الهاشمية في رودس بتاريخ 3/4/1949- المادة الخامسة – فقرة ب:

[في قطاع القدس تنطبق خطوط حدود الهدنة على الحدود المخططة في اتفاق وقف إطلاق النار بتاريخ 30 نوفمبر 1948 الخاص بمنطقة القدس].

وبالتالي أصبحت القدس قسمين:

القدس العربية ( الشرقية )                 مساحتها                2220                 دونم

مناطق محرمة ( أمم متحدة ) مساحتها      850                          دونم

إسرائيل ( القدس الغربية )                 مساحتها                16261                دونم

بعد عام 1967 وبعد إعلان ضم القدس استولت إسرائيل على مساحات شاسعة فأصبحت 108000 دونم ثم توسعت مرة أخرى على حساب أراضي الضفة الغربية أيضاً فأصبحت في عام 1994 123000 دونم.

تهويد القدس:

شرعت السلطات الإسرائيلية بتنفيذ مخططات تهويد القدس العربية منذ بداية اجتياح قواتها العسكرية للضفة الغربية في 5/6/67 حيث بدأت بإزالة بوابة مندلبوم وأصدر الكنيست الإسرائيلي أمراً بضم القدس إلي إسرائيل في 27/6/1967.

وفي 28/6/67 قامت السلطات بتجريف حي المغاربة في البلدة القديمة حيث صادرت 116 دونماً أقامت عليها الحي اليهودي ثم نسفت 24 منزلاً مجاوراً ومصنعاً للبلاستيك.

وفي 29/6/67 صدر أمر من جيش الدفاع الإسرائيلي بحل مجلس القدس البلدي العربي وطرد  رئيسه وأعضائه ودمجت السلطة محاكم البلدية والصلح العربية في المحاكم الإسرائيلية في القسم الغربي المحتل منذ عم 1948.

وقد أثارت المجموعة العربية في الأمم المتحدة هذه القضية وصدر بتاريخ 4/7/1967 قرار الجمعية العامة رقم 2253 التي اعتبرت التدابير الإسرائيلية غير صحيحة وطلبت إلغاءها والامتناع عن إجراء أي عمل يغير من وضع القدس ويسبب عدم امتثال إسرائيل هذا القرار صدر بعد عشرة أيام في 14/7/1967 القرار رقم 2254 لنفس الشأن ولم تستجب إسرائيل وفي 13/9/1967 صدر قرار مجلس جامعة الدول العربية رقم 2355 بشأن تغيير وضع مدينة القدس.

بينما واصلت إسرائيل تعدياتها وصادرت عقارات أربعة أحياء عربية داخل السور تضم 595 شقة سكنية و437 محلاً تجارياً ومدرسة بنات ومجدين وهدم 720 عقاراً عربياً من ضنها مدرسة ومسجدين.

إمعاناً في سياسة التوسع فقد قامت السلطات بنقل نشاطها الاستيطاني خارج أسوار البلدة القديمة وحول بلدية القدس قبل عادم 1967 حيث قامت منذ عام 68 بمصادرة أراضي من حي الشيخ جراح وأرض السمار ووادي الجوز وبدأت تقيم عليها المستوطنات والتي أصبحت خط طوقي حول القدس وقد تشكل هذا  الطوق من مستوطنة معالوت دفنا ورامات أشكول وجنعات همفتار والتلة الفرنسية وربطت هذه المستوطنات بما فيها الجامعة العبرية بالمستوطنات الغربية.

وتواصل خط الطوق الثاني بدءاً من المنطقة الشمالية الرقية من القدس حيث أنشأت نيفي يعقوب وعطردت مروراً بالمنطقة الغربية ( راموت ) وانتهاء المنطقة الجنوبية الشرقية ( تلبيوت الشرقية والجنوبية الغربية جيلو ).

رغم القرارات المتلاحقة للجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن واليونسكو والمؤسسات الإنسانية وجامعة الدول العربية واستنكار الهيئات الدولية والعالم أجمع نحو المطالبة بعدم تغيير وضع القدس الجغرافي والديموغرافي والتراثي إلاً أن إسرائيل لم تمتثل لهذه الصرخات العالمية واستمرت في سياسة التوسع الاستيطاني غير ملتفتة لشيء سوى التوجه لالتهام الأرض وإقامة المستوطنات لتكمل تنفيذ خطة التهويد.

وقد أصدر الكنيست الإسرائيلي في 30 يوليو 1980 القانون الأساسي يشأن القدس والذي يعتبر القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية.

وفي 5/3/1981 قرر وزير الطاقة الإسرائيلي تجزئة امتياز شركة كهرباء القدس وربطه بالشبكة الإسرائيلية.

في 8 أغسطس بدأت حكومة بيجن في تنفيذ إجراءات ضم مدينة القدس وبالتالي بدأت بعض الوزارات تنقل مكاتبها.

والآن وبإلقاء نظرة شمولية علي ما قامت به إسرائيل خلال الفترة من 67-1995 نجد إحكام الأطباق على القدس العربية بتكتلات استيطانية محيطة بها من جميع الجهات وقد باتت المدينة العربية المقدسة مجرد جيتو أو بقعة صغيرة وسط غابة من المباني المتشابكة:

ففي الشمال والشمال الغربي والشرقي حشد من المستوطنات مثل:

[كفيرا – جبعوت حداث – جبعات ئيف- محانية جبعوت – ليزمان – بسجات – نيفي يعقوب – شرفة شعفاط – ادام – عناتوت].

وفي الجنوب يقع تكتل غوش عتسيون مثل:

[إفرات – تكواع – كيدار – نيئوت – أدوميم – بيثارعيليت – تكواع ب – (معاليه عاموس) – تكواع ج (كوخفا) – نفي دانيل – رامات كدرون – روش تسوريم].

وفي الشرق يع تكتل أدوميم مثل:

معاليه أدوميم – ميشور أدوميم – معاليه أدوميم ب – كفار أدوميم – عين شمش – نفي يهودا -..  الخ].

ولم يبقى إلا سد الثغرات بين هذه المستوطنات وإقامة شبكة الطرق الجاري إنشائها.

إن إسرائيل تعتبر هذه الأحزمة من المستوطنات ضمن نطاق القدس الكبرى الموحدة.

إن المنطقة الواقعة بين رام الله شمالاً وبيت لحم جنوباً ومعاليه أدوميم شرقاً وميفسيريت غرباً هي منطقة بلدية واحدة.

أساليب التهجير ومصادرة الأرض:

حرصت إسرائيل منذ اليوم الأول الذي احتلت فيه القدس الشرقية على الشروع في إحداث التغيير الديموغرافي واتبعت عدة أساليب لتحقيق ذلك منها:

1– سياسة هدم المنازل العربية.

2– الطوق السياسي على مدينة القدس (له مردود سيئ علي جميع أنشطة الحياة).

3– تقليص مساحات أراضي البناء في القسم الشرقي بالنسبة للعرب.

4– عدم إعطاء تراخيص بناء للمواطنين العرب إلا في أضيق ا لحدود.

5– عدم السماح بارتفاع المباني العربية بأكثر من طابقين.

6– فرض ضرائب خيالية لا تتناسب مع تقديم الخدمات.

7– تمكين اليهود من أملاكهم في القدس الشرقية وعد إتاحة ذلك للعرب الذين لهم أملاك في القدس الغربية.

8– مصادرة الأرض:

وقد اتخذت إسرائيل أساليب متنوعة في مصادرة أراضى القدس نذكر منها:

أ– أسلوب الاستملاك بدعوى المصلحة العامة وبموجب هذا الأسلوب تمت مصادرة 33% من مساحة القدس الموسعة.

ب– المصادرة بطرق غير مباشرة ( أسلوب الخرائط الهيكلية ) المعلوم أن الخرائط الهيكلية توضع لتطوير القرى والمدن في المستقبل حسب الحاجة ولما كانت السلطة القائمة حالياً سلطة احتلال فقد جبرت فائدة هذا الأسلوب لمصلحتها فأصبحت المساحات لملونة باللون الخضر والمحظور على العرب إقامة مساكن عليها احتياطي لمستقبل عمليات التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يستقطع منها كيفما يحلو له.

ومثال ذلك:

فقد استقطعت السلطات الإسرائيلية عام 1970 من أراضي غرب قرية شعفاط 1398 دونما وزرعتها بأشجار الغاب وأطلقت عليها غابة راموت وفي عام 1991 قطعت أشجار هذه الغابة الخضراء وأقامت بدلاً منها مستوطنة ريخسر شعفاط.

وهذا ما يحدث اليوم على جبل أو غنيم الواقع في الجنوب الشرقي من القدس وهو من أراضي صور باهر وبيت ساحور وقد سبق تشجيره واعتباره محمية طبيعية محظور إقامة المباني عليه ولكننا نجد اليوم مشروع لإقامة مستوطنة جبل هارحوماه التي ستتسع لبناء 7500 وحدة سكنية.

بيان بعدد الوحدات السكنية الإسرائيلية وتعطيل إقامة مباني للفلسطينيين:

قامت السلطات الإسرائيلية منذ تشرين ثاني 1967 إلي شباط 1995 ببناء 65450 وحدة سكنية لليهود ضمن حدود بلدية القدس منها 38500 وحدة سكنية في القدس الشرقية أُقيمت على أرض عربية.

بينا لم تصدر السلطات الإسرائيلية للمواطنين الفلسطينيين في القدس الشركة إلا 8000 تصريح بناء فقط مع العلم بأن عدد الفلسطينيين قد تضاعف في الفترة المذكورة.

وتقوم السلطات تجاه العرب في القدس الشرقية بالآتي:

1– منع العرب من إقامة مباني في المجالات المفتوحة الواقعة بين الأحياء اليهودية.

2– تقليص إنشاءات البنية التحتية في المناطق التي يسكنها العرب الفلسطينيون.

فإن قسماً كبيراً من الأراضي المخصصة للبناء لصالح العرب في شرق القدس لا يوجد فيها بنى تحتية كالمياه والطرق ولكهرباء والمجاري وإن غياب هذه البنى يمنع إمكانية البناء.

3– أزالت السلطات البيوت التي تم بنائها دون الحصول على تصاريح بناء.

ونطرح الآن خطة 2000 ب المقدمة سنة 1983 من الجانب العربي كمثل لتعطيل ثم إجهاض مشروعات البناء العربية في القدس. فقد قدمت [ خطة 2000 ب] سنة 1983 وهى خطة بناء وحيدة للعرب في شرقي القدس في شمال المدينة (منطقة بيت حنينا – شعفاط) وقد وضعت هذه الخطة لإقامة 1800 وحدة سكنية.

وبسبب معارضة من وزارة الإسكان تقلصت الخطة إلى 7500 وحدة سكنية.

وبعد 12 سنة من تعطيل اللجان المحلية للتخطيط والبناء في منطقة القدس تصدق على إقامة الـ 7500 وحدة والآن يعارض رئيس البلدية إيهود أولمرت لتسويغ البناء غير المرخص في أرض خضراء.

وحتى لو تم التغلب علي هذه المعارضة فلن يجر البناء لأن هناك مبررات تعطيل كثيرة مثل: ضرورة تقديم ا لخطط التفصيلية إلي لجان التخطيط ثم إتباع نظام الفرز للإغراض العامة بمعدل 40% من مساحة الأرض التي تصدر لها خطة مفصلة.. الخ.

بهذا الأسلوب أصبح تحت سيطرة السلطات الإسرائيلية 40% من مساحة القدس العربية الموسعة.

ج– أسلوب شق الطرق:

تم باستخدام هذا الأسلوب استقطاع 6% من أراضي القدس العربية وبذلك تصبح جملة الأراضي الواقعة الآن تحت السيطرة الإسرائيلية 79% ولم يبقي من جملة أراضي القدس العربية (الشرقية) سوى 21% فقط وبيانها كما يلي:

10% مقام عليها مباني ومساكن وأملاك المواطنين الفلسطينيين.

 7% أراضي غير داخلة في التنظيم.

 4% أراضي واقعة في التنظيم.

وأن هذه الأراضي المتبقية مهددة الآن بالمصادرة إذا لم يتمكن الفلسطينيون من إقامة مباني أو أسوار أو ملاعب أو غير ذلك عليها لأن الأطماع اليهودية تتطلع إليها وهناك مشروع شارون القاضي ببناء 26 بوابة في المناطق الخالية حول القدس وهو الحاصل الآن في كرم المفتى، رأس العمود، جبل الزيتون، جبل المكبر.

محصلة هذا الإجراء أن أجبر 50 ألف مقدسي على نقل مكان سكنهم خارج حدود بلدية القدس و21 ألف عائلة تعاني الآن من عدم توفر مأوي مناسب وأصبح سكان القدس الشرقية:

155 ألف عربي – يقيمون على 10% من أراضى القدس الشرقية.

166 ألف يهودي – يسيطرون على 79% من أراضي القدس الشرقية.

الطرق: لقد أنشأت إسرائيل الطرق الواسعة لتصل بين المستوطنات على حساب الأرض  العربية.

ومنها:

الطريق رقم 1:

يمتد من حي المصرارة في اتجاهين، أحدهما باتجاه الشمال يصل للنبي يعقوب، والأخر يصل إلي طريق بيت لحم.

وهو يربط المستوطنات الغربية بالشمالية الشرقية دون المرور بالأحياء العربية، كما يتقاطع مع الطريق الذي يصل إلي معاليه أدوميم والطريق رقم 9 الذي يصل إلي راموت.

الطريق رقم 9:

تم الانتهاء من إنشاء هذا الطريق وهو جزء من الطريق الدائري حول القدس الذي يصل المستوطنات بعضها ببعض.

الطريق رقم 4:

هو جزء من الطريق الذي يربط بين المستوطنات الشمالية الغربية بالمستوطنات الجنوبية حتى منطقة كريات أربع.

الطريق رقم 21:

يصل بين مستوطنة زئيف وريخس شعفاط وراموت ويستمر بشكل دائري حتى يصل شارع رقم 1.

الطريق الدائري:

يحيط بمدينة القدس بحيث يربط جميع المستوطنات.

الطرق العرضية ومنها:

1 – طريق معلوت دفنا – جبل المشارف (فندق الأمبسادور).

2 – طريق مئة شعاريم – الأمريكان كولوني (عند محطة الديسي).

3 – طريق جامع سعد وسعيد (القنصلية الأمريكية).

خرق الاتفاق:

نص إعلان المبادئ في أوسلو في المادة رقم 5 (الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع الدائم) – وجاء في (ثالثاً) من هذه المادة:[من المفهوم أن هذه المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية بما فيها القدس واللاجئين والمستوطنات].

وجاء في (رابعاً) من هذه المادة [يتفق الطرفان علي أن لا تجحف أو تحل اتفاقيات المرحلة الانتقالية نتيجة مفاوضات الوضع الدائم].

فهذه المادة تقرر عد جواز الخروقات الإسرائيلية خلال المفاوضات في فرض إجراءات من جانب واحد.

وأن إسرائيل بعد التوقيع على اتفاق المبادئ في أوسلو قامت بإجراءات مصادرة الأرض وإقامة المستوطنات.

وبينما أوقف مؤتمر مدريد بناء مستوطنات جديدة إلا أننا نجد السياسة الإسرائيلية اليوم تقوم بإتباع أسلوب المحميات الطبيعية.

فقد صادرت إسرائيل 3500 دونم عام 1993 في منطقة النبي صموئيل وإعلانها محمية طبيعية وهي تقع في حدود القدس الكبرى واليوم تقام مستوطنة نيفي صموئيل قرب هذه المحمية.

كما يتم إنشاء مستوطنات جديدة بدعوى أنها مستوطنات قديمة جاري توسيعها فقط كما حدث لمستوطنات جنعات زئيف، نيغفي حاييم، ومعاليه أدوميم، والحي الجديد، خربة الصوانة.

إن هذا الفعل الإسرائيلي هو خرق للاتفاق وهو تعبير عن سوء النية وهو إجحاف بنتائج مفاوضات المرحلة النهائية خاصة فيما يتعلق بقضية القدس والاستيطان.

إن ما تم الاتفاق عليه في أوسلو شئ وما يجرى على ارض الواقع شئ آخر.

وعليه فإن الشعب الفلسطيني يرفض كل هذه الإجراءات ويصر على حقه الطبيعي والشرعي في القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة.

(2) الموقف الأمريكي وقضية القدس:

تميزت المواقف الرسمية الأمريكية من قضية القدس بإخضاع العوامل القانونية والتاريخية وغيرها للعوامل السياسية والإستراتيجية (طغيان البعد السياسي على البعد القانوني)

في ضوء هذه الخاصية في المواقف الأمريكية من القضايا الجوهرية الخاصة بالقضية الفلسطينية فإننا هنا نتتبع المواقف الرسمية الأمريكية من قضية القدس لنتعرف على الاتجاه العام لهذه المواقف وخصائصها وعناصر الثبات والتغيير فهيا، وذلك لنقف على معالم الكيفية التي سيتجه إلهيا الموقف الأمريكي من المفاوضات الراهنة.

أولاً:المواقف الأمريكية في المرحلة من 1947 – 1967:

أيدت الولايات المتحدة في 29/11/47 قرار التقسيم 181 الذي من بنوده النص على إنشاء نام خاص بالقدس [يجعل المدينة كياناً متصلاً خاضعاً لنظام دولي خاص وتتولى الأمم المتحدة إدارتها، ويعين مجس وصاية يقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الأمم المتحدة].

ووفقاً لهذا القرار تم تشكيل مجلس وصاية وقد بأشر عمله لأعداد نظام القدس المدولة وأصدر في 10/3/1948 قراره رقم 32 أعلن فيه عن إتمام مشروع نظام المدينة وعين هارولد إيفانز الأمريكي حاكماً للمدينة، ولكن اندلاع القتال وتطور الأحداث عطل أعمال مجس الوصاية وتسبب في انشطار المدينة إلي قسمين (عربي – ويهودي).

وفي 11/12/48 أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 194 الذي تمسك بالقرار رقم 181 فيما يتعلق بوحدة المدينة وتدويلها أيّدت الولايات المتحدة هذا القرار والذي تضمن نصاً على تشكيل لجنة التوفيق الدولية والتي عُهد إليها بوضع نظام خاص ثانِ لمدينة القدس (تشكلت اللجنة من عضوية كل من تركيا – فرنسا – الولايات المتحدة، ووضعت بروتوكول لوزان في 12/5/1949 وقد وافقت عليه الدول العربية وإسرائيل التي ما لبثت أن تنصلت منه، وتضمن هذا البروتوكول القبول بقرار التقسيم كأساس لحل ثلاثة مشاكل وهى: الأرض – اللاجئين – القدس).

خرجت لجنة التوفيق الدولية عن بعض القواعد الرئيسية التي حددها القراران الأمميان بتأثير أمريكي.

وقد جاء في تقرير لجنة التوفيق حول بروتوكول لوزان بشأن القدس ( الفقرة 36 ) أن إسرائيل :

أقامت خدمات وزارية وخدمات عامة أخرى في المنطقة التى سيقام فيها نظام

 دولي دائم، وأن اللجنة أولت بعض الاعتبار لمسألة إقامة الخدمات الوزارية في القدس وتبادلت الرسائل بشأنها مع رئيس وزراء إسرائيل.

2) بالنسبة للنظام الخاص بالقدس:

قدمت لجنة التوفيق مسودة النظام إلي الأمين العام للأمم المتحدة في 1/9/1949 جاء فيه:

(في الفقرة 7) إن الهدف الرئيسي من مسودة النظام هذه هو التوفيق بين الحد الأقصى للحكم الذاتي المحلي في القدس ومصالح المجتمع الدولي المتمثلة في وضع خص بالقدس.

ولهذا تنص مسودة النظام على أنه ينبغي تقسيم منطقة القدس الى قطاعين:عربي، ويهودي، تتمتع السلطات المحلية في كل منهما بسلطة علي كل ما ليس له علاقة بالاهتمامات الدولية.

وعليه تقدمت الولايات المتحدة باعتبارها عضواً في لجنة التوفيق الدولية في أيلول 1949 باقتراح بأسم اللجنة يقضي بإنشاء مجلس عربي – إسرائيلي مشترك لإدارة المدينة وتعيين مفوض عام من قبل الأمم المتحدة لإدارة الأماكن المقدسة.

إن هذا التغيير في السياسة الأمريكية يشكل إقراراً أمريكياً بسياسة الأمر الواقع (النابعة من واقع سيطرة كل من الأردن وإسرائيل على قسمي القدس سياسياً وعسكرياً وقصر علمية التدويل بإشراف الأمم المتحدة على الأماكن المقدسة).

وانسجاماً مع هذا الموقف صوتت الولايات المتحدة في 9/12/1949 ضد قرار الجمعية العامة للمم المتحدة رقم 303 الذي أكد:(وجوب وضع القدس في ظل نظام دولي دائم وإعادة التأكيد على ما ورد في قرار التقسيم 181 بشأن إقامة كيان منفصل تحت حكم دولي خاص تقوم علي إدارته المم المتحدة في القدس). هذا في الوقت الذي باشرت فيه إسرائيل نقل مؤسساتها إلي القدس الغربية مما يشير من جانب خفي علي وجود موافقة ضمنية من أمريكا، على الرغم من إعلانها الرفض لإجراءات نقل العاصمة الإسرائيلية للقدس الغربية.

وفيما بعد نري تعليق أعمال لجنة التوفيق الدولية.

* الموقف الأمريكي في الفترة من 47- 1967 بدأ بتأييد فكرة الكيان الدولي المنفصل الواردة في القرار 181 وتأييد فكرة إنشاء مجلس تشريعي واحد في إطار الحكم الإداري.

وما لبث أن تغير الموقف الأمريكي وظهر هذا التغيير جلياً حين صوتت ضد القرار رقم 303 وشرعت السياسة الأمريكية تتبنى فكرة إنشاء مجلس عربي – إسرائيلي مشترك مع التدويل وذلك بحصر دور الأمم المتحدة بتعيين مفوض يشرع علي الأماكن المقدسة فقط. وظل هذا الموقف قاماً حتى حرب 1967، مع ملاحظة التسليم بإجراءات الأمر الواقع للاحتلال الإسرائيلي في القدس العربية.

ثانياً:المواقف الأمريكية منذ حرب 1967:

بعد احتلال القدس عام 1967 قامت إسرائيل بإجراءات تغير من وضعها مثل ضم القدس العربية وتطبيق القوانين الإسرائيلية عليها. وفي تلك الآونة نشطت السياسة الأمريكية في أروقة الأمم المتحدة لمنع صدور كثير من مشاريع القرارات وأيدت البعض الآخر وكان السلوك الأمريكي نابعاً من مواقفها السياسية من مسألة القدس، ولهذا فقد امتنعت عن التصويت على القرارين 2253، 2254 الصادرين عن الجلسة الطارئة للجمعية العامة في 4/7/1967، 14/7/1967 واللذين طالبا إسرائيل بالتوقف عن أي إجراء يغير من وضع القدس وإلغاء جميع ما قامت به من إجراءات وللتخفيف من شدة النقد عليها فقد أدلي ممثلها في الأمم المتحدة جولد بيرنج يوم 14/7/1967 ببيان أشار فيه بأن الولايات المتحدة ترى أن القدس الشرقية منطقة محتلة تخضع لقانون الاحتلام العسكري ولا يجوز لإسرائيل إجراء أية تغييرات، ودعا إلى فرض رقابة دولية على الأماكن المقدسة.

- في 22/11/1967 أصدر مجلس الأمن القرار رقم 242 والذي لعبت الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في صياغته، هذا القرار خلا من أي إشارة إلى القدس.

- الفترة من 1968 إلي 1971 أصدر مجلس الأمن ستة قرارات، امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على اثنين منها وهي:

1 – القرار رقم 250 بتاريخ 27/4/1968 – ( صوتت إلي جانبه ) وهو يدعو إسرائيل للامتناع عن إقامة العرض العسكري في القدس.

2 – القرار رقم 251 بتاريخ 2/5/1968 – ( صوتت إلى جانبه ) يتعلق بإبداء الأسف العميق لإقامة العرض العسكري في القدس.

3 – القرار رقم 252 بتاريخ 21/5/1968 – ( امتنعت عن التصويت ) وعناصر هذا القرار هي :

أ – عدم جواز الحصول على الأرض بالاستيلاء العسكري.

ب – اعتبار جميع الإجراءات التشريعية والإدارية والأعمال الأخرى بما فيها مصادرة الأراضي باطلة ولا يمكنها تغيير الوضع القانوني للقدس.

ج – دعوة إسرائيل لإبطال كل الإجراءات والامتناع مستقبلاً من اتخاذ أي إجراء يهدف إلي تغيير وضع القدس.

د – الطلب إلي الأمين العام تقديم تقرير إلي مجلس الأمن حول تنفيذ القرار.

4 – القرار رقم 367 بتاريخ 3/7/1969 – ( صوتت إلي جانبه ) يتمن جميع عناصر القرار السابق وكان أشد حزماً الا أنه خلا من كلمة قانوني ) في وصف القدس.

5 – القرار رقم 271 بتاريخ 21/8/1969- ( امتنعت عن التصويت ) وهو يتضمن جميع عناصر القرارين السابقين ويتعلق بإحراق المسجد الأقصى وأضيف إليه دعوة إسرائيل للالتزام باتفاقيات جنيف والقانون الدولي والنص على أن تدمير الأماكن المقدسة يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر.

6 – القرار رقم 298 بتاريخ 25/9/1971 – ( صوتت الولايات المتحدة إلي جانبه ) – وقد ذكر القرارات السابقة عدا الإشارة لاتفاقات جنيف والقانون الدولي وتهديد السلم والأمن الدولي.

ويلاحظ أن الولايات المتحدة منذ 1969 حرصت على تقليص دور الأمم المتحدة في قضية فلسطين والنزاع العربي – الإسرائيلي. وتدخلت الولايات المتحدة بنفسها في هذا المجال كما سنري فيما يلي – ولمي تصدر بعد عام 1971 أية قرارات لمجلس الأمن بشأن القدس حتى عام 1980.

ثالثاً: التحرك الأمريكي المباشر وتقليص دور الأمم المتحدة:

في أواخر 1969 تقدمت الولايات المتحدة بمبادرة تفصيلية (المعروفة بمبادرة روجرز) وتم التأكيد فيها علي مبدأين.

1) بقاء القدس موحدة، وهو مبدأ قديم كان مرتبط بفكرة التدويل.

2) تسوية مشكلة القدس من خلال المفاوضات بين الطرف العربي والإسرائيلي وهو مبدأ جديد يهدف إلي إنهاء دور الأمم المتحدة.

* القدس في مفاوضات كامب ديفيد.

لم ترد مسألة القدس في أى نص من نصوص كامب ديفيد.

قال موسى ديان:إن ورقة العمل الأمريكية المعدة في أكتوبر 1977 لم تحمل تأكيداً على المستوطنات أو القدس وقال:إن إدارة كارتر لم تورد ذكر للقدس في مشروعها المقدم في 9/9/1978 وأجاب سايروس فانس وزير خارجية أمريكا على ذلك بقوله إن الإسرائيليين حذفوا الفقرات المتعلقة بالقدس في ذلك المشروع.

وقد رد كارتر على رسالة للسادات بشأن القدس في 17/9/1978:أن موقف الولايات المتحدة بشأن القدس هو نفسه الموقف الذي أعلنه السفير جولد بيرج أمام الجمعية العامة في 14/7/1967.

ورد كارتر بمذكرة تجيب عن تساؤلات الأردن منها.

" نرى أن يتم التوصل إلى حل بواسطة المفاوضات حول الوضع النهائي للقدس – وأن مسألة القدس لم تحل في كامب ديفيد ويجب معالجتها في مفاوضات لاحقة وأن موقف أمريكا لا يزال كما أعلنه جولد بيرج.

وبالنسبة لمسألة علاقة السكان العرب في القدس الشرقية بسلطة الحكم الذاتي فقد بقيت على أن يبت فيها في المفاوضات حول الترتيبات الانتقالية وأن الولايات المتحدة ستؤيد في تلك المفاوضات الاقتراحات التي تسمح للسكان العرب في القدس الشرقية بالاشتراك في أعمال هذه السلطة نفسها.

وأن الوضع النهائي لمدينة القدس يجب أن يبت فيه في المفاوضات التي ستبدأ في وقت لا يتعدى السنة الثالثة بعد بدء الفترة الانتقالية.

وفي نهاية الفترة الرئاسية لكارتر صوتت الولايات المتحدة سنة 1980 إلي جانب قرار مجلس الإمن رقم 465 الذي يدعو إسرائيل إلى تفكيك المستوطنات بما في ذلك القدس الشرقية.

* القدس في عهد ريجان:

زاد الاهتمام بمسألة القدس في عهد إدارة ريجان وقد تدخل الكونجرس ومجلس الأمن 476 في 30/6/1980، 478 في 20/8/1980، اللذان انتقدا ما صدر عن الكنيست الإسرائيلي من تشريع للقانون الأساسي للقدس واعتباره باطلاً وطالبا إسرائيل بإلغائه.

في مبادرة ريجان في 1/9/1982 تمسك بالموقف الأمريكي المتشكل في أوائل السبعينات والذي يتضمن وجوب بقاء القدس موحدة – وأن وضع القدس النهائي يتقرر من خلال المفاوضات – وأن الولايات المتحدة ستؤيد المواقف التي تبدو منصفة خلال المفاوضات وستقدم اقتراحات مفصلة فيا بعد – وفي مشروعه التفصيلي المكون من 14 نقطة جاء:مشاركة السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية في انتخابات سلطة الضفة الغربية وغزة وأن وضع القدس سيتقرر عبد المفاوضات.

وفي 30/1/1986 استخدمت إدارة ريجان الفيتو ضد مشروع يدين الإجراءات الإسرائيلية بالقدس.

* في فترة رئاسة ريجان وخلال الحملة الانتخابية التي سبقت بوش، نشط تحرك اللوبي اليهودي عبر الكونجرس في محاولات لإحداث تغيير جذري في السياسة الأمريكية بشأن القدس.

وكان من نتيجة هذه المحاولات.

* حاول مؤيدو نقل السفارة الأمريكية إلي القدس تقديم لائحتين في عام 1984 (ولكن لم تعرضا للتصويت).

* نظرت لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس بقرار الكونجرس رقم 352 الذي يوصي بنقل السفارة الأمريكية للقدس (غير أن اللائحة جمدت).

* في عام 1985 أضاف مجلس الشيوخ مشروع تعديل علي لائحة الأمن الديبلوماسي ينص على أن بناء سفارة جديدة في إسرائيل يجب أن يكون فقط في القدس (لم يتم).

* في نهاية فترة رئاسة ريجان أستغل نقل السفارة في حلة صراع المترشحين للرئاسة في محاولة لكسب أصوات اليهود.

وقع ريجان يوم 18/1/1989 على اتفاقية بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل بشأن شراء أراضي في القدس، علي الرغم من اعتبار القدس أرض محتلة إذ تبيح هذه الاتفاقية بناء ونقل السفارة الأمريكية إلي القدس في عام 1996 مع العلم بأن الأراضي المشتراة يعود قسم منها إلي أراضي الوقف الإسلامي.

وقد أدان الخبير القانوني فرانسير بويل هذا الإجراء واعتبره غير قانوني لأنه من بائع لا يحق له بيع ما لا يملك وفسر بويل هذه الاتفاقية أـنها تهدف للتهيئة لانتخابات عام 1996 حيث سيقوم اللوبي باستغلال الانتخابات للضغط على المرشحين بنقل السفارة إلي القدس، وأن هذا سيلزم أى رئيس قادم بنقل السفارة الأمريكية إلي القدس.

* القدس في عهد إدارة بوش.

تابعت إدارة بوش مواقف الإدارات السابقة وإدارة ريجان بشكل خاص ولكنها تميزت عن سابقتها بالتأكيد المتكرر علي اعتبار القدس الشرقية أرضاً محتلة وقامت بالربط بين المساعدات التي قدمتها لإسرائيل من أجل الإسكان والمهاجرين بالتوقف عن الاستيطان في الأراضي المحلة بما في ذلك القدس.

بعد تقدم إسرائيل بطلب ضمانات قروض بقيمة 400 مليون دولار لإسكان المهاجرين السوفيت في أوائل 1990 أدلى بوش بتصريح في 23/3/1990 قال فيه:بأن الاعتراض الأمريكي على المستوطنات يشمل القدس الشرقية أن القدس الشرقية أرضاً محتلة.

ولكن ما حدث بعد هذا التصريح ؟!

1 – تراجعت إدارة بوش نتيجة احتجاجات اللوبي اليهودي وصرحت مارجريت تتوايلر الناطقة باسم وزارة الخارجية في 12/3/1990 نحن ندرك أن ذلك موضوع حساس ولقد أوضحنا بأن القدس يجب أن لا تقسم ثانية.

2 – بعث بوش برسالة في 13/3/1990 إلي رئيس بلدية القدس تيدي كوليك جاء فيها: (يجب أن لا تقسم القدس ثانية، هكذا كانت ومازالت سياسة الولايات المتحدة، وتلك سياستي).

أصدر مجلس الشيوخ في 22/3/1990 قراراً نص علي:بقاء القدس موحدة وعاصمة لإسرائيل مع حفظ حقوق الآخرين وفي 24/3/1990 أصدر الكونجرس قراراً مماثلاً:

في أيار 1990 استخدمت أمريكا الفيتو لإسقاط مشروع قرار في مجلس الأمن يعتبر المستوطنات في الأراضي المحتلة بما فيها لقدس غير شرعية.

في 2/10/1990 وافقت الإدارة على صرف قروض الإسكان البالغة 400 مليون دولار نظير رسالة من وزير خارجية إسرائيل تفيد بأنه ستستخدم قروض الإسكان في مناطق تحت إدارة إسرائيل قبل 5/6/1967.

* بعد انتهاء حرب الخليج ميزت الإدارة الأمريكية بين مسألة القدس ومسألة الأراضي المحلة الأخرى ورفضت إدراج مسألة القدس في المفاوضات الخاصة بالمرحلة الانتقالية.

وقد برزت المواقف الأمريكية من خلال:

خلو رسالة التطمينات الأمريكية لإسرائيل المقدمة في 18/10/1991 من ذكر للقدس، بينما تم ذكر الضفة الغربية وغزة في سياق تحديد شروط تشكيل الوفد المفاوض.

التأكيد في رسالة التطمينات الأمريكية المقدمة للجانب الفلسطيني على بقاء القدس موحدة وبأن وضعها لانهائي يجب أن يتحدد عبر المفاوضات، وبأن للمقدسين الحق في التصويت في انتخابات سلطة الحكم الذاتي الانتقالية.

وافقت إدارة بوش على ضمانات القرض الثاني ( 10 مليار دولار ) خلال لقاء رابين – بوش في واشنطن أب 1992.

وعلقت بعض الصحف الأمريكية في 10/8/92 بأن إدارة بوش وافقت ضماناً على الموضوع الشائك الخاص بنشاطات لبناء اليهودي في القدس الشرقية. فإسرائيل مصممة على استمرر البناء:

في مايو 1992 أصدر كل من الكونجرس ومجلس الشيوخ لائحتين تم فيهما تقديم التهنئة لإسرائيل بمرور 15 عاماً على توحيد القدس ونصت اللائحتان على وجوب أن تظل المدينة موحدة مع حماية حقوق جميع الأديان.

قال المعارضون لهاتين اللائحتين من النواب والشيخ:أن صدور هاتين اللائحتين يشكل تغييراً في السياسة الأمريكية ويسئ إلى دور أمريكا في عملية التسوية.

هكذا يبدو أن مسألة الاعتراف بالقدس الموحد عاصمة لإسرائيل قد حسمت في عهد إدارة بوش دونما إعلان وبأن مسألة نقل السفارة إليها هي مسألة وقت، وذلك على الرغم من الاستمرار في التأكيد بأن القدس الشرقية أرض محتلة وبأن مصيرها يجب أن يتحدد في المفاوضات.

وتركزت محاولات إدارة بوش في آخر عهدها نحو البحث على إيجاد صيغة خاصة بالأماكن المقدسة فقط.

القدس في عهد إدارة كلينتون:

حرص كلينتون أبان حملته الانتخابية للاستفادة من اليهود الأمريكيين وأموالهم فأعلن ولأول مرة في تاريخ المرشحين والرؤساء بأنه يعتبر القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل وقد انتقد إدارة بوش لربطها بين ضمانات القروض والاستيطان.

وبعد تسلم الحك في يناير 1993 اتجهت تصريحات كلينتون ومساعديه نحو التقليل ن التصريحات باعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل والتركيز على أن وضع القدس يجب أن يتقرر في المفاوضات.

* في إطار المفاوضات الجارية فقد تركت ورقتا إعلان المبادئ الأمريكتين الأبواب مشرعة لكل الخيارات بشأن القدس.

وأن – قرارات مجلس المن 242، 338- ستظل مفتوحة وعندما تبدأ المفاوضات حول الوضع النهائي يمكن للطرفين طرح " مسائل يريدونها بما في ذلك فضية القدس.

طبيعة السلطة الفلسطينية المنتخبة عندما يتم الاتفاق على إجراءات الانتخابات بين الجانبين فإن فلسطيني القدس سيدلون بأصواتهم في الانتخابات.

نطاق السلطة يتفق الطرفان:أن بحث مسألة نطاق السلطة في المرحلة الانتقالية ينطلق من الاعتراف بأن المسائل المتعلقة بالوضع النهائي هي خارج نطاق المفاوضات حول المرحلة الانتقالية.

وعليه فإن إدخال أو عدم إدخال مجالات محددة للسلطة ومناطق جغرافية معينة وفئات من الأشخاص في نطاق سلطة الحكومة الذاتية المؤقتة أن يؤثر على وضع أو ادعاءات أي طرف وأن يشكل أساساً لتأكيد أو نفى ادعاءات أي من الطرفين حول حق السيادة الإقليمية في المفاوضات التي ستجرى حول الوضع النهائي وعلى هذا الأساس فأن مسألة نطاق السلطة (حق السلطة) فيما يتعلق بالمنطق سيتم حلها في المفاوضات التي تحدد الوضع النهائي للمناطق.

ومن هذا السياق صمت الولايات المتحدة حيال الإجراءات الإسرائيلية المتكررة من جانب واحد مثل مصادرة الأرض أو إقامة المستوطنات في القدس الشرقية مع أن هذه الإجراءات الإسرائيلية تشكل في حد ذاتها انتهاكاً لمبدأ اعتبار القدس الشرقية أرضاً محتلة.

الاستنتاجات:

تراجعت المواقف الأمريكية حيال القدس خلال الفترة من 1947 – 1995 نتيجة قبول سياسة فرض الأمر الواقع التي انتهجتها إسرائيل خلال هذه المرحلة.

فانتقل التأييد الأمريكي لفكرة التدويل بين عام 1947، 1967 من التأييد للتدويل العميق للمدينة إلي تأييد التدويل للأماكن المقدسة حيث يتمتع الطرفان العربي والإسرائيلي بحكم ذاتي عميق تحت المظلة الأممية وذلك بعد احتلال إسرائيل للقسم الغربي من القدس عام 1948.

وبعد حرب حزيران 1967 أصبح الموقف الأمريكي متمسكاً بوحدة المدينة تلبية لسياسة الأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل باحتلالها للقسم الرقي وإعلان القدس عاصمة موحدة لها وأسقطت فكرة التدويل.

ومع انعدام وجود رادع أمريكي لسياسة فرض المر الواقع الإسرائيلي فإن إسرائيل لازالت تجري تغييرات في وضع لمدينة على المستوى الجغرافي والديموغرافي لتستكمل خطة التهويد.

خلاصة واستنتاجات:

أ) خلاصة:

في ضوء ما سبق، يمكن تلخيص التدرج التاريخي للمواقف الأمريكية الرسمية من قضية القدس بما يلي :

1– تأييد التدويل وفقاً للقرار 181 ( 1947 ) مدينة واحدة تخضع لحاكم أممي يتمتع بسلطات إدارية واسعة وفقاً لدستور تضعه الأمم المتحدة ويرأس مجلساً تشريعياً محلياً في إطار إداري يتم انتخابه بالاقتراع السري العام من قبل جميع السكان الذين يتمثلون فيه على قاعدة التمثيل النسبي تتمتع القرى والوحدات البلدية الخاصة بسلطات حكومية وإدارية واسعة ضمن النطاق المحلى.

2– التخلي عن فكرة التدويل العميق السابقة ( 1949 – 1967 ) والطالبة بتدويل الأماكن المقدسة فقط وإقامة مجلسين عربي وإسرائيلي في الجزأين اللذين خضعا لسيطرة إسرائيل والأردن نتيجة حرب 1948، يتمتع المجلسات بالسلطة على كل ما ليس له علاقة بالأماكن المقدسة يتشكل مجلس أعلى من ممثلين عن المجلسين ويرأسه مفوض أممي يكون مسؤولاً عن الأماكن المقدسة وحماية حقوق الإنسان وذو صفة استشارية بالنسبة للمجلسين.

3– انطلاقاً من الموقف الأخير تم بين 1949، 1967 رفض الاعتراف بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل أن نقل السافرة إليها كما تم رفض الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة ثانية وذلك انطلاقاً من أن المدينة يجب أن تبقى موحدة أن يتم الاتفاق على الحل بشكل أو بخر عبر الأمم المتحدة.

4– مع احتلال إسرائيل للقدس الشرقية في عام 1967 وإعلان القدس عاصمة موحدة لإسرائيل تمثل الموقف الأمريكي ببيان جولد بيرج الذي احتوى العناصر التالية :

تقرير المتقبل النهائي للقدس ككل يتم عبر الحل العام لمشكلة الشرق الأوسط.

الدعوة لفرض رقابة دولية على الأماكن المقدسة.

رفض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل أو نقل السافرة إليها.

5– أدخلت مبادرة روجرز تغييرات جديدة تمتثلت في:

الحكم المسبق على ضرورة بقاء المدينة موحدة مع إسقاط أى دور للأمم المتحدة وفكرة التدويل للمدينة أو للأماكن المقدسة.

حصر الحل في مفوضات عربية – إسرائيلية.

عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وعد نقل السفارة إليها.

عدم الإشارة إلي العناصر الواردة في بيان جولد بيرج.

6– تمسكت إدارة كارتر بالمبادئ السابق بما في ذلك القول بضرورة بقاء المدينة موحدة، على الرغم من إعلان التزامها ببيان جولد بيرج الذي لا ينص على وجوب بقاء المدينة موحدة ويطرح فكرة فرض رقابة دولية على الأماكن المقدسة ويرفض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل أو نقل السافة إليها غير أن كارتر وافق على :

عدم إدراج قضية القدس في اتفاقات كامب ديفيد وحصر ذلك في مراسلات ملحقة.

اعتبار أن للقدس وضعاً يختلف عن بقية الأراضي المحتلة وتعامل على نحو منفصل.

 تأييد اشتراك سكان القدس في أعمال سلطة الحكم الذاتي دون مد سلطة هذا الحكم إلي القدس وذلك في إطار الخطة المرحلية الواردة في اتفاقات كامب ديفيد للحل الفلسطيني والتي لم تشر في نصوصها إلى موضوع القدس.

تفكير كارتر لفترة قصيرة بإمكانية إعادة تقسيم المدينة.

7– تمسكت إدارة ريجان بالمبادئ العامة السابقة:بقاء المدينة موحدة، تقرير وضعها في المفاوضات النهائية – عدم الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل أو نقل السفارة إليها، مشاركة سكان القدس في الانتخاب وليس الترشيح خلال المرحلة الانتقالية مع إدخال تغييرات على أرض الواقع.

إدراج القدس كمدينة إسرائيلية في سجلات وزارة الخارجية.

شراء أراضى عربية من إسرائيل لبناء سفارة عليها.

8- تمسك إدارة بوش بالمبادئ العامة السابقة بقاء المدينة موحدة تقرير وضعها في المفاوضات النهائية مشاركة سكان القدس في الانتخاب وليس الترشيح في الفترة الانتقالية مع التأكيد مجدداً على أن القدس الشرقية أرض محتلة مع إدخال تغييرات على أرض الواقع:التغاضي عن الاستيطان في القدس الشرقية والإبقاء في سجلات وزارة الخارجية على اعتبار مدينة القدس مدينة إسرائيلية.

9– حدوث تغيير نوعى في عهد إدارة كلينتون: اعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل مع الامتناع عن نقل السافرة إليها إلى أن يتم التوصل إلي حل عبر المفاوضات النهائية والتمسك بمبدأ حق الانتخاب وليس الترشيح للسكان خلال المرحلة الانتقالية.