اليتـــــــــامى

 

اليتـــــــــامى

 

 - ويدوي صوت اللعينة، زوج أبيها في الغابة، بعد أن فشلت كل مساعيها ومكائدها، لتحطيمها والإستئثار بقبله، يدوي طاغيًا على صوت الفأس، وأنغام العصافير،وخشخشة الأوراق:

 - يا اللي تحطب في الغابة، وما تنتظر صابة. إذبح بقرة اليتامى تربح.

 - وسمع الصوت يا جدي؟ إحك. إحك.

لكنه ينساها .ويتجاهل إلحاحها الفضولي. ويستسلم إلى نفسه تبثه خواطرها..(قالوا تخرجون..تقرر أن تحرجوا..ويجب أن تخرجوا..إنتهى الأمر..إنتهت القضية.المزرعة وجب أن تسلم. تحتم أن تتحول إلى تعاضدية..تحتم أن لاتبقى مسيرة ذاتيًا ..هذا كل ما في الأمر)

ودون إضافة أي توضيح .انطلق المفوض العمالي للفلاحة مسرعًا نحو سيارته .وإرتمى فيها هاربًا..لم يلتفت حتى مجرد التفاتة.

بالأمس.كان يتقد حماسة.واليوم يترنح فتورًا .وكان يردد نحن .واليوم إستعمل أنتم ..وكما لم نصدقه بالأمس.ينبغي أن لا نصدقه اليوم .فملامح وجهه تعبر لا عن غضب أو حزن. إنما عن ذل وإنكسار.

كان المفوض العمالي للفلاحة.يبدو كالطبل المثقوب..إلا أنه لم يطل كلامه..دفعته ولا شك حيرة عيوننا إلى الهروب..لقد انفصل عن نحن .وصار هو .وصرنا أ،تم..هذا كل ماحدث.

وما أن اختفى.مخلفًا وراءه دخان عربته الأزرق.حتى أنبرى مدير الضيعة يحاول تهدئة غضبنا..وإقناعنا.

صعد على بقايا كرسي .مستندة إلى الجدار.وزمجر بصوت نسوي عبثًا حاول أن يجعله غليظًا:

 - ..وهذا ما حاولت إفهامه لكم منذ البداية..الشامي شامي.والبغدادي بغدادي. وما تأكله العنزة الحواء في الغابة.تلقاه في حانوت الدباغة..الدنيا ما تزال دنيا.لاتتجزأ. ولايمكن أبدًا أن تتجزأ. والقوانين لا تعيش أبدًا مع الثورة تحت سقف واحد ..ويوم جئتكم مديرًا كنت أعرف هذا ..لكنكم فضلتم أن لاتصغوا لنصائحي. وظللتم تطالبون بطردي من هنا ..كذب الخلاء يوصل الضيوف للدار. وها أنتم تلمسون النتيجة بأيديكم.. الأرض واسعة.طويلة عريضة..والعمل هو هو . في كل مكان.وكل زمان..والجزائر تحتاجكم هنا. أو في مكان أخر..إننا بدونكم لايمكن أن..)

 - وسمع الصوت ياجدي؟ إحك إحك.

 - أه .نسيتك.أين وصلنا.

 - تنكرت ياجدي العزيز في رنس.وإقتفت أثار زوجها .ثم لما وصل إلى مكان عمله.أختفت بعيدًا عنه.

 - إيه.إيه تذكرت..وما أن شرع المسكين في العمل.يهوي بفأسه على الجذوع.والعرق يتصبب من كامل بدنه.حتى عوت كالذئب الجائع.

 - لقد قلت. كبومة الشؤم.ولم تقل كالذئب الجائع ياجدي.

 - لا علينا .كالبومة.أو كالذئب.فقد إنطلق صوتها.يتردد صداه في الشعاب والوديان والكهوف: يا اللي تحطب في الغابة.وما تستنى صابة .إذبح بقرة اليتامى تربح..

 -  وإذا ما ذبحها ياجدي؟

غير أنه لم يجبها.فقد إنطلق غائبًا عنها.مغمضًا عينيه. يلعق أحداث الصباح..

(..لن تكون الجزائر .نعم إنه بدونكم .لايمكن أ، تكون الجزائر.هذا أفهموه جيدًا.

 -  هذا يوم تصفية حسابنا مع الخبث.

قال عبد الواحد.مسؤول الفرع النقابي.وأجال بصره فينا يستفسر.

فرد عليه عضو لجنة التسيير.مسعود.

 - ستكبر.

 - ليكن .فلن تبلغ أكثر من هذا الكبر.أي شئ أسوأ من هذا؟

ثم هتف هادئا بعض الشيء:

 - أيها السيد المدير.أيها المدير.

وكما لو لم يسمعه.واصل خطابه:

 - ..ومن جانبي أنا.فأنتم تعرفون.سأذهب حالا إلى المدينة أكلم المسؤولين هناك..وإن إقتضى الأمر فالجزائر..نعم إلى الجزائر لن أتخلى عنكم.لن أنساكم.

 - عندنا مفاهمه معك أيها السيد المدير.

 - ..غير أنني أرجو أن تنصرفوا الآن بكل هدوء.اتركواالقضية في يدي.ولن تخشوا أبدًا من المستقبل.فلدي معارف كثيرة وأصدقاء في كل مكان كما تعلمون.

خرج عبد الواحد.من بين الحشد.ووثب نحو المدير.أ/سكه من ذراعه بعنف وقاطعه:

 - نريد أن تسمعنا .قبل أن نفترق، أتفهم؟

نظر المدير إلى ساعته .ثم إلى الطريق . أفهمنا جميعًا تطلعه أنه ينتظر وصول أحد.وخطر ببالي ، أنه ينتظر جماعة من النقابة . فإشتد تطلعي.ورغبت من أعماق قلبي أن يحضروا. فمنذ مدة طويلة لم نسمع أية خطبة نقابية. وعبد الواحد المسكين.ألفنا كلامه.رغم أننا في كل مرة نتيجة هو.

 كان الوقت الساعة الحادية عشر تقريبًا.الدخان يتصاعد من أكواخنا. أكواخنا حتى اليوم على الأقل ومنذ عشرات السنين.رغم أنها تقع في تراب المعمر.لقد بناها - كالسجون -  من أجلنا. بنيناها بسواعدنا.

نساؤنا لم يبلغهن النبأ.يقينًا هن ينتظرن عودتنا..اليوم الأحد. من العادة أن نتسوق في مثل هذا اليوم.إن لم يكن هناك عمل عاجل الإنجاز.

السماء صاحية زرقاء.والعصافير تغرد نشيطة للربيع.والزهور في حديقة المدير.وشرفات قصره.تبتسم ثملة.وتتمطط في خجل العذاري.

النحل يتراقص حول الأشجار المزهرة. مرددًا أغاني الرحيق والأمل.

آه. ما أروع أن يحضر النقابيون.ويدفئوا قلوبنا بخطب النضال والحماس .وينيروا لنا دروب العمل).

 -  وبعد يا جدي؟ إنك نائما.

 - لا. لم أكن نائمًا. أين وصلنا؟

 - للغابة ياجدي.

 - وقلنا.إنها تنكرت في برنس.وإقتفت آثار زوجها.

 - وصلنا ياجدي.إلى. إذبح بقرة اليتامى تربح.

ومرة أخرى نسيها.وتركها متشوقة لبقية الأسطورة.

(..كنت أعرف .كنا جميعًا نعرف.ماذا يريد عبد الواحد أن يسمعه للمدير.

سيقول له أولاً . أننا نحتاج إلى أجرة عملنا. التي لم نقبضها منذ ثلاثة أشهر. والتي بلغنا أنها جاءتنا . لكن المدير فضل أن يسدد بها الديون المترتبة على المزرعة. والتي لا علم لنا بها.

وسيقول له ثانيًا .أيها المدير هذه خمس سنوات .وأنت تشل عملنا بمنعنا من التجمع. وتكوين لجنتنا أو نقابتنا.والتصرف في شؤوننا أو شؤون مزرعتنا.

وسيقول له ثالثًا: أيها المدير إنك سرقتنا.مع جهازك الحسابي. فعملنا هو هو .لكن مردوده يتضاءل في أوراقك .مهما بذلنا من جهد .ومهما تنازلنا عن الساعات الإضافية.

وسيقول له رابعًا: أيها المدير إنك تبيع محركات جرارتنا الجديدة وتستبدلها بقديمة.وإنك ترسلها للإصلاح دونما عطب أو خلل.

وسيقول له خامسًا: أيها المدير. إنك تملك في جهات أخرى. صيغة كبرى تفلحها بآلاتنا.وتبذرها على حساب ضيعتنا.ولقد بلغنا إنك من خونة الثورة.

وسيقول له سادسًا: أيها المدير.إنك وزوجتك وإبنتك وكلبك وسيارتك . تنفق أكثر من عمال المزرعة.

وسيقول له أيضًا: أيها المدير .إنك أنت سبب آلامنا وتعاستنا وشقاوتنا .وإنك ستعين مديرًا في مكان آخر.لتواصل مهمتك .بينما نحن نتبعثر .نجرجر الخيبة والتعاسة.

لذا من الأحسن .أن نصفي معك حساباتنا.قبل الإفتراق.لن نضربك .لن نقتلك .لن نهين زوجتك.أو إبنتك . أو كلبك. ولن نحطم سيارتك.

لكننا فقط. لا نريد أ، نتركك تهرب. قبل تصفية الحساب. نريد جلب خبير من المدينة. ومحاسبتك.

وسيقول عبد الواحد. ويقول.

ورغم أننا نعرف النتيجة.لكننا نفضل أن يتحدى عبد الواحد المدير وأن يشركه في المصاب.بل وإنه يحمله إياه .ولو بمجرد المداعبة.

نعرف أن الزمن طويل .وإن الدهر غلاب. وأن كل نطاح له يوم نطوح..لكن النفس البشرية.في ساعات ضيقها.يخفف عنها أن ترى آلامنا تتوزع في جداول وقنوات متعددة.

نظر المدير إلى ساعته .ثم رمق الطريق مرة أخرى .ثم إستدار لعبد الواحد.وأبدى محاولة لفك ذراعه من يده الخشنة وإبتسمنا جميعًا.ثم تألمنا. وجهه يصفر ويصفر. وقال بلهجة ذليل:

 - أيها الأصدقاء..أيها العمال.

 - لا أصدقاء. ولا عمال. نريد أن تسمعنا قبل أن نفترق.أتفهم؟

أعاد النظر إلى الطريق . ثم زمجر مستأسدًا:

 -  أخبرني المفوض.أن رجال الدرك قادمون. وها هم لحسن الحظ قد جاءوا في الوقت المناسب. لقد إنتظمت بلادنا كأحسن ما ينبغي .

إستدرنا جميعًا نحو الطريق. كانوا هم بالفعل رجال الدرك.

رمقنا بعضنا .وإتفقت عيوننا على أن المدير، هو الذي إستحضرهم سارع مسعود نحو عبد الواحد، خلص ذراع المدير من قبضته ، ثم دفعه جانبًا ،بينما كان رجال الدرك، يحيطون بنا مشهرين أسلحتهم كما لو أنهم يحاصرون كتيبة عدو وقعت في الأسر.

 - وهذا ما حاولت إفهامه لكم منذ البداية. الشامي شامي ، والبغدادي بغدادي.

قال المدير متحمسًا، ثم واصل في تبجح:

 - هذه المزرعة لم تعد مسيرة ذاتيًا، لم تبق لكم، كما كنتم تتوهمون لقد تحولت إلى أهلها، إلى الذين كانوا يكافحون من أجل تحريرها.. ما تأكله العنزة الحواء في الغابة، تلقاه في حانوت الدباغة، هي منذ اليوم لعشرة من قدماء المجاهدين الأبطال.

 - عشرة عوضنا ،مائة وخمسين ، عدا الإضافيين.

هممنا ونحن ننصرف، مطأطيء الرؤس، الواحد تلو الآخر، بينما المدير يواصل:

 - الحالة هادئة حتى اللحظة.لكنكم حضرتم في الوقت المناسب. فهؤلاء الأوغاد، ملأ  الأجانب رؤوسهم بالأفكار المخربة الهدامة ، سأمدكم بقائمة المشوشين.

منذ زمن طويل، طويل جدًا ، ونحن ننتظر رجال الدرك، والشرطة، وحتى الجيش لنصرتنا، لنصرة العدالة، لتثبيت القوانيين الثورية لوضع حد لتخريبات المديرين لسرقاتهم، لاضطهادهم لنا.

كانت لنا الثقة المطلقة، في أنهم سيحضرون، ذات يوم ،وكانت هذه الثقة تدفعنا إلى الحماس، والتفاني في العمل، وأكثر من ذلك ،إلى نسيان همومنا ومصائبنا..وكنا نعمل على إستحضارهم ، فمن حين لآخر يجمعنا عبد الواحد ومسعود خفية في منزل أحدنا، وننكب ساعات وساعات، نحرر الرسائل والعرائض . كان كل واحد منا يملي بحماس ما يجيش في صدره ويتطوع لإرسالها(للفوقاني)الذي نعتقد مائة في المائة، في نزاهته وإخلاصه، وفي إنه ذات يوم، يصادف أن تنجو إحدى عرائضنا، وتبلغ يده، ويرسل الدرك والشرطة، وحتى الجيش لنصرتنا، لنصرة نفسه والجزائر والثورة، بالقاء القبض على المدير.

لكن هاهم قد حضروا، وها هم يحاصروننا.

يقين أن رسائلنا وعرائضنا، ضاعت ، ضاعت في الطريق، في الطرقات، ولم تصله بالمرة.

آه، هل نستطيع يومًا  تحريره، تحرير الطرقات المؤدية إليه والعدالة

 - وبعد يا جدي؟

 -  أه. لم تنامي بعد؟

 - إنك لا تريد إتمام القصة، ماذا جرى لبقرة اليتامى ياجدي العزيز؟

 - بقرة اليتامى، بقرة اليتامى ، أوه، كانت هي التي يعيشون منها، بعد أن حلت محل الأم ، كانت ترضعهم بحنان وود من ضرعها، حليبًا نقيًا عذبًا.

 - عرفت ذلك يا جدي، لكن زوج أبيها ، بعد أن فشلت كل مساعيها ومكائدها لتحطيمها، والإستئثار بقلبه، تنكرت في برنس، وإقتفت آثاره، ولما وصل مكان عمله، إختفت بعيدًا عنه، ثم أطلقت صوتها كبومة الشؤم:

يا اللي تحطب في الغابة، وماتنسى صابة، إذبح ، بقرة اليتامى، تربح.

وبعد يا جدي؟

(..تفرقنا وتشتت رجال الدرك لينتصبوا في النقط الإستراتيجية إستعدادًا للمعركة الكبرى، وفي المنزل، وأنا أفكر، فيما ينبغي فعله لإنقاذ الموقف، إنفتح الباب دون أي طرق، وتدلفه مسعود وعبد الواحد والدراجي..وكما لو أني أراهم للمرة الأولى ، وحتى أتأملهم بدقة.

مسعود كهل يقطر حكمة رغم حيويته، قمحي اللون، عيناه تشبهان عيون الصينيين، أنفه مستطيلة دقيقة ، ذقنة مستديرة، شفتاه يغطيهما شاربان أسودان عريضان طويلان، ربع نحيف، على رأسه خرقة صفراء.

عبد الواحد ،في مقتبل العمر، أسمر طويل، عيناه حادتان، فمه صغير جاف، وجنتاه ناتئتان، حاجباه عريضان، أنفه مقوسة ،يوحي بكل ملامحه ، أنه سجين أو رجل مباحث.

الدرجي كهل أيضًا ، قصير مستدير الوجه، أحمر اللون، بني العينين، مفرطح الأنف، ممتلئ الشفتين، أبيض الأسنان، كبير الأذنين يبدو للوهلة الأولى أن في منزله عذارى ، أو أن زوجته تقهره.

 - ما الذي أتى بكم؟

كنت أعرف ، أنهم أجروا الإتصال بكل العمال، وأنهم إتفقوا على إنتدابي لمهمة ما، ولم يكن سؤالي سوى لفتح باب الحديث، بعد أن طال وجومهم.

 - جئناك.

 - نعم ، أدري أنكم جئتموني ماذا تريدون؟

 - العمال يكلفونك ،ينيبونك عنهم، نظرًا...

وقبل أن أنتظر كلامهم عن إبني الشهيدين، آثرت نزع صفة المأساة عن الموضوع، فبادرت بصوت جاف:

 - إنني مستعد .ماذا يريدون؟

 - أن تقوم بدور المفاوض، مع قدماء المجاهدين، قبل الإقدام على أي عمل.

 - أي قدماء مجاهدين؟ أين هم؟

قال رجال الدرك ، أنهم على وشك الوصول ، أخرج اليهم. اللجنة والنقابة والعمال، لا يحددون لك موضوع الكلام، لكنهم فقط، يعلمونك بأنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي ، ويطلبون منك أن تدافع عن الحق. لقد إختاروك بسبب..

 - أعرف ، أعرف السبب.

ومن توي غادرت الكوخ، متكئًا على عصاي، قاصدًا مدخل المزرعة ، وإن هي إلا لحظات قلائل، حتى كانوا قد وصلوا.

حمدت الله على أن كانوا هم(لاندوشين)، الشنوة)، (البركة)، (بورب)، (كاسروذنه).

فأجاهم على مايبدو، إنتصابي في طريقهم، كغراب أجرب، غير أن لاندوشين إستطاع أن يتغلب على خوالج نفسه، فوثب نحوي هاتفًا:

 - الله يرحم الشهداء، ماذا هنا يا رأس المصائب؟

عانقني ، ثم التفت يخاطب مرافقيه:

 - (السبع) و( شاهي الموت) رحمهما الله، تذكرونهما؟ هذا أبوهما ، ماذا تفعل هنا؟

أهاج عواطفي ، وجدد فتح جراح القلب، فبدأ لي ولداي ، طفلين غريرين يمرحان حولي ، وأنا أنكب عن العمل، أقلب الأرض في وهج الشمس، والعرق يتصبب من بدني، أو أفتح مع الفجر السواقي، ليترقرق الماء، أو أجمم حصان المعمر، وهو يقف عند رأسي مهيبًا كالقدر، أو أتمرغ في الأتربة والزيت تحت الجرارة، وفتيين يعرقان بجانبي ويتسوقان بدلا مني، وتطل عليهما عذارى الضيعة، ويتخفيان للتدخين. وفدائيين يروعان معمري المنطقة ، وتلهج الالسنة بالإشادة ببطولاتها. وجنديين أطلق عليهما رفاقهما إسمي(السبع) و(شاهي الموت) ، يواجهان العدو ويتحديان القضاء، وشهيدين مزق الرصاص جسديهما الحبيبين، عاد رفاقهما بعد وقف القتال، بعد النصر، وتأخرا إلى أبد الآبدين.

أغرورقت عيناي، وخارت قواي، وكدت أقع على الأرض ولم أستفق إلا وأنا أكشف عن يدي للأندوشين، إجابة عن سؤاله ماذا تفعل هنا؟

 - إنني عامل، وعضو في لجنة التسيير الذاتي.

لم أتفوه بها، ولست أدري أيضًا هل همست:

 -  يرحم الشهداء.

تأملت لوحة المزرعة التي نقش العمال عليها إسم إبني ، ثم التفت إلى لاندوشين.

التفت عيوننا، وخيل لي أنه يهمس:

 -  صحيح ، صحيح، لم نكن لنأتي إلا في مهام نبيلة، لم يكن لنا من شاغل إذ ذاك إلا التفكير في الكل، ولم نكن لنهتم بأنفسنا، إلا من حيث أننا مناضلو معركة طويلة شاقة، يجب أن توفر لها ضمانات النصر، لم تكن لحياتنا أية قيمة، أمام نجاح مهامتها، كان الموت منتصبًا في كل مكان، ونحن نظل نبحث عنه، لقد كنا نطارد الموت، نعم كنا نطارده، وغالبًا ما صادفناه، لقد قهرناه، قهرناهما معًا، الموت والحياة.

إذ ذاك ، آنئذ، زمنها، لم نكن نرضع إلا من ثدي أمنا، كان صدرها عريضًا قويًا، وأحضانها دافئة، وأنفاسها حارة أحر من البركان.

الثورة ترضعنا، والأرض ترضع دمنا، والتاريخ يرضع مجدنا. أما الآن ، آه.

مرت لحظات قاسية من صمت ثقيل، إحترت كيف أقطعه، وبدأ لي أن لاندوشين وصحبه أيتم اليتامى. ودون أي تفكير مسبق، إنفلتت من شفتاي كلمات تشرح حركة يدي:

 - إنني واحد من مائة وخمسين عائلة في هذه الضيعة.

إبتعد(الشنوة) جانبًا، وتسرح بصره، يتأمل بنهم بنايات الضيعة، وأشجارها وكرومها وأزهارها. والتفت(بورب) إلى (كاسرونه) وتبادلا الدخان ولوقيد، وأرسل (البركة) زفرة قلق وأما لاندوشين، فقد أطرق برهة، ثم قال بصوت محتضر:

 - ونحن خمسة من عشرة، من آلاف قدماء مجاهدين لا مصير لهم)

 - يا جدي هل تظل في يا اللي تذبح بقرة اليتامى تربح؟

 - آه، يا عزيزتي، ثلاثة أيام، واللعينة تعيد عمليتها ، حتى إقتنع زوجها بأن الصوت الذي يسمعه ، آت من أعماق السماء.

 - هكذا ، إقتنع.

 - نعم .وفي اليوم الرابع، لم يخرج للغابة، وإستبقى الطفل والبنت والبقرة، وعند الضحى أحضر الساطور والخنجر والحبل وأوثق البقرة وأذناه لا يفارقهما الصوت اللعين، يا اللي تحطب في الغابة، وما تستنى صابة ، إذبح بقرة اليتامى تربح.

 - ثم ماذا يا جدي؟

(..قدمت سيارة المدير ، زوجته إلى جانبه، والبنت والكلب خلفهما وفوهة بندقية الصيد تطل من النافذة ، والزوجة تحاول سدها بمنديل وردي.

حيانا المدير بإبتسامة ، ومردون أن يخفف من سرعة السيارة وظل(كاسروذنه) يتبعه بعينيه حتى إختفى ، وتبادر إلى ذهني، أن صورة إبنة المديرإرتسمت في ذهنه إلى الأبد ، وإنه قرر أن يتقدم لطلب يدها.

وبحركة من يد( لا ندوشين) رحنا نتمشى بخطوات متثاقلة، وكأنما إستشعرت ببعض القوة إلى جانبهم، فقلت في حقد، وأنا أشير إلى رجال الدرك:

 -  إستحضرهم ليحتمي بهم حتى يخرج.

 - من؟

 - المدير، وخرج إلى الصيد، وتركنا نحن وأنتم وهم.حتى تتم المفاهمة بيننا.

 - المفاهمة؟ في أي شئ؟

 - إسمع يا لاندوشين يا ولدي في هذه الضيعة كما في غيرها، جنود ومسبلون ومناضلون، وأبناء شهداء وأرامل منذ البدئ، قامت هذه الضيعة على عاتقهم، ونحن لسنا يجبرها هنا، لا نتمتع بشء، سوى الأمل والإعتزاز، إن هذه الضيعة لنا، وبصفة رسمية وثورية، ورغم أننا لا نجني منها، سوى الأتعاب ، فإننا نأمل أن تتحسن حالنا، ذات يوم..وإنه ليصعب علينا، ويشق أن نرى أن كل ماقيل لنا، منذ إندلاع الثورة إلى اليوم وهم أو كذب أو سراب؟ نحن لا نفرط في الإشتراكية يا إبني...

قاطعني لا ندوشين منفعلاً ، وبلهجة التهديد:

 - ونحن منذ سنوات ، نعاني الشقاوة، هذه المزرعة للدولة، والدولة تعرف ما تصنع بها..)).

 - وأثق البقرة يا جدي ، بعد أن أحضر الساطور، والخنجر.. وبعد ذلك؟

 - أوه، ذبحها وسلخها وقطع لحمها..

 - الله، مسكينة.

 - وبفرح أدخلتها اللعينة إلى الدار، وراحت تشوي اللحم لأبنائها.

 - واليتامى يا جدي؟ إنها بقرتهما؟

 - أعطتهما الفرث، وقررت منعهما من دخول المنزل، ثلاثة أيام..

 - الفرت؟ اللعينة، وتمنعهما من الباقي؟

 - لكن يا عزيزتي ، لو تدرين ماذا سيخرج لهما من الفرث؟

 - ماذا يا جدي العزيز؟ ماذا؟

وعادت به الخواطر إلى أحداث الصباح.

( -  إسمع يا لاندوشين يا ولدي ، في المزرعة مائة وخمسون عاملا فقط، وهي تحتاج إلى مائة عامل آخرين، ونحن نرحب بكم أن تعملوا إلى جانبنا، واحد مكان المدير الخائن ،وآخر يراقب المنتوج الذي نرسله إلى السوق، والذي غالبًا ما يضيع نصفه في الطريق، والباقون ننتخبهم للجنة التسيير، هذه إشتراكية ، ونحن إخوة..وفي إمكاننا أن نقون بكل الأعمال عوضًا عنكم. وفي إمكاننا أيضًا ، أن نتنازل لكم عن بعض مدخولنا.

بدأ الإشمئزاز على( لا ندوشين ) ، وقه قه (الشنوة)، وزفر(البركة ) من أعماقه.

لم يوصني العمال بموقف معين، لقد فوضوا لي الأمر ، وأنابوني عنهم ، وعلي أن أتحمل المسؤولية)

 - جدي، إنك تنسى ا.

 -  آه، قلنا . يا اللي تذبح بقرة اليتامى، تربح.

 -  لا. لا، وصلنا للفرث، يا جدي العزيز.

 - نعم ، نعم، إلتعد به اليتمان ، وفي إحدى شعاب الغابة وضعا وبينما هما في بكاء يمزق القلوب، ويذيب الصخور، ويزعزع الجبال، ويشق الأرض، إذا بالمعجزة تقع؟

 - آه يا جدي العزيز، هل تحول الفرث إلى بقرة؟ هل حيث بقرة اليتامى؟

(..إلتفت لا ندوشين نحو الطريق ، فإلتفت بدوري، وتأملت مدخل المزرعة واللوحة المنتصبة بجانبه، وراودني أ/ل ، وإن كان ضعيفًا في حضور ممثل النقابة ، ثم تذكرت مؤتمر عمال الأرض وكدت أستغرق في تفاصيله ، لو لم يبادرني لا ندوشين:

 - سنذهب الآن ، لنعود غدًا إلى اللقاء.

وإنبعثت من البناية ضجة..عبد الواحد، ومسعود، والدراجي، يلقي عليهم رجال الدرك القبض...ورغم ذلك همست:

 - تذكروا أن زيارتكم لنا في الماضي، كانت تبعث البهجة في نفوسنا).

 - يا جدي، ماهي المعجزة ، هل حيت بقرة اليتامى؟

 - لا ياعزيزتي ،إنما شئ أخر، نامي الآن ، وغدًا أتم لك بقية القصة.

ونفخ لتنطفئ الشمعة، وإحتضن البنية، وإجتذب الغطاء.

 

ماي 1968