رسالة
يا أنت.. .
وأعيدها: يا أنت. يا أنت.. وفي سمعي, عكس ما قد تظن أن أملا
هذه الورقة كلها، بيا أنت.. وأعيدها في كل كلمة أو جملة.. لأنني أعرف- سلفًا- أنك لن
تستغرب ذلك، ولن تستاء أيضًا.. و إلا فكيف أخاطبك؟
أبثلك الكلمة يا (.. . )؟ كلا، كلا.. لن أتلفظ بها, لن تنبس
بها شفتاي كلفني ذلك ما كلفني, وتسبب لي ولك، في أكثر مما تسبب لنا في الماضي.
لا , وأنت يا أنت.. تعرف معنى لا, التي أتلفظ بها, لا لن أقولها,
لا, بكل تأكيد.
بيد أنني, أنوب عنك في طرح هذا السؤال:
- لماذا,
تكتبين إلي إذن؟ ما الذي تريدينه؟
لعلك, فكرت.. أن بداية هذه الرسالة ينبغي أن تكون من هنا..
إي نعم, من هنا ينبغي أن تبدأ رسالتي هذه.
أنا يا أنت, أكتب إليك, أملا في أن أضع حدًا لكل شئ.. لكل ما
بيني وبينك. طبعًا- وبعبارة صريحة، أكتب إليك، محاولة مني لنزولنا من الأرجوحة المضحكة
التي يتأرجح فيها كلانا.. .
فلنبدأ الأمور من بدايتنا, ولنتصارع أولا وقبل كل شئ.. قل لي
أولا:
- أنت تعلمين
أنني أحبك:
وثق في أنني سأجيبك:
- أعرف ذلك،
مثلما تعرف أنني..
لنقف عند هذا الحد من الصراحة, ولنلتفت، إلى طريقتنا في فعل
ما يسميه الناس بالحب..
حين قذفت بك الأقدار ورمت بفراشك في تلك البناية التي تبحلق
نافذتها في نوافذ متزلنا طيلة الأربع والعشرين ساعة، وبين قوسين، لقد سكنت في النصف
الأخير من الليل ورغم محاولتك لتجنب أحداث الضجيج, فقد كنت مستيقظة, وشاهدت منظر رحيلك،
أو حلولك, أو سمه كما شئت.. .
لا يهم.
كان يركبك الغرور، وكنت في أقصى حدود العجرفة, وإلا ما معنى
أن يكتشف مثلك, إن النافذة المشرفة على نافذته , بل, وعلى سريره تجري وراءها
حركة غير طبيعية, وإن غادة جميلة, ياسمينة الساحرة الطيبة، ما تفتأ تتمطط في النافذة.
وتتأمل مبتسمة مسكن جارها الجديد.. و.. تتصامم, تتعامى تحني رأسك, ثم تستدير في رشاقة
وتختفي.. .
أهو احترام الجيران؟ يا للسخرية؟.. اهو النفاق
والتظاهر؟ حتى لوصح هذا فإن النفاق والتظاهر نوعان من أنواع التحدي والغرور.
آه، كم أود أن تعترف, وتصرح بالحقيقة, لأنني إلى حد اليوم,
وإن كنت لا ابغض الغرور, وأومن بأنه يركبني هذا المارد، أقف منك موقف الدراسة المحللة,
لا موقف المعجبة..
إي المعجبة, فأنت, رغم السخط الذي تثيره في النفس, لا تخلو
من ميزات, تغتصب الإعجاب بك اغتصابًا.. حيويتك الفياضة, يقظتك الحادة، هدوؤك العميق،
طريقة دخولك وخروجك، طريقة إصغائك للمذياع الذي تصر على أن لا يسمعه غيرك، ابتعادك
عن لفت الأنظار، إلى درجة أتك تستنير بالشمعة دون الكهرباء،
طريقة نومك وبالمناسبة, أسألك, لماذا لا تتبع طريقة كل الناس في النوم, فتستيقظ ليلة
كاملة, وتنام يومًأ كاملا، والعكس, بل, وقد تنام أيامًا وتستيقظ ليال..
ثم لماذا لا يحلو لك النوم، قبل أن تصفر بأعذب لحن سمعته في
ليلتك، حتى أن سعاد أختي لقبتك ببلبل الحي المغرد؟ أهي عادة, أم هو تكلف ا أم تعبير
عن شعورك بالوحدة؟ بالمناسبة, لماذا كل هذه الوحدة التي تجثم على حياتك, لا زوار ولا زيارات، لا أصدقاء ولا
صديقات، ألا تشعر بالسأم والضجر؟ أم انك تضحي في سبيل احترام الجار أنا من جانبي, لا أصدق سوى أنك تخشى من أصدقائك على ابنة الجار.. علي أنا.. أليس كذلك؟
وطريقة لباسك أيضًا تثير الإعجاب, فلماذا
أنت فوضوي بهذا الشكل، تتأنق يومًا، فتبدو وسيما جميلا رائعًا،
لا تنقصك سوى عروس عذبة، ثم لا تلبث أن تهمل نفسك, أيامًا وأيامًا, وكأنما أنت في زهد متواصل.
أو إفلاس نهائي.
وتلك اللحية الحمراء, التي تكبر أحيانًا, وتنقص أخرى, دون أن
تختفي نهائيًا, دعني أسألك, لماذا تحافظ عليها, وتنوعها؟
سعاد تقول انك تصبغ شعرك، وأنا لم أصدقها.. فهل تصبغ شعرك بالفعل؟ ولماذا؟
أوف.. لماذا كل هذا الإاسهاب في أشياء تافهة لا معنى لها, اعذرني على كل حال، وأقول
اعذرني, راجية أن تلاحظ ما يبدو في لهجتي من ليونة, كلما استمريت في الكتابة..
أفهمت.. إن الكتابة كالدموع, تخفف الآلام، وتحل العقد, وتبعث الصفاء في النفس هذه ملاحظة
هامشية لا غير.
لا علينا، ولنطو صفحة الأيام الأولى, فقد إنتصرت عليك، وتعلقت بي.
وهذا هو الجانب الثاني الذي يجب أن نمعن فيه النظر، وأسارع
إلى القول(تناقضك, تناقضك، أجبرني على مجاراتك)
لقد كنت لا تدري ما تفعل، كنت في صراع عنيف مع نفسك، وبعبارة
صريحة مع غرورك، تبدي من الهيام بي، ما يجعلك لا تفارق النافذة ساعات وساعات، حتى أشعر
بقلبي, يتضوع مكان قلبك، ثم لا تلبث, حالما ابتسم لك، وأحييك أن تتغيب, أو تختفي عدة
أيام، وكأنما أنت تشعرني, بأنك تحررت من العبودية إلى الأبد (أعيد لفظة العبودية)،
فانتظرك, وانتظرك, ودمي يلتهب، وأعصابي تثور وتهدأ, ألعنك وألعنك, ثم أبحث لك عن المبررات،
وأتصورك زوجًا قاسيًا أنانيًا, إلى أن تعود، تفتح النافذة ثم تغلقها لتحدث ضجة فأسمعك،
تقف، ثم تنظر إلى جانبي الطريق, وتمرر يدك على شعرك تحيي، وبكل وقاحة تسأل عما بي,
ثم تطلب منى إن أصاحبك في نزهة.
أسامحك في قلبي, بدون عذر، وأتمنى لواثب من النافذة فأعانقك
وأضمك إلى صدري, ثم ابكي وابكي حتى أذوب، لكن لست أدري كيف يغلبني التحدي
والعناد، فأغلق النافذة في وجهك بعنف، وأتركك تتبخر فتشوقًا, أيامًا وليالي.
يا لك من مسكين، ويا لي من مسكينة أيضًا.
حتى أننا يوم قدر، والتقينا، وجنبًا لجنب، قطعنا انهج
المدينة الضيقة، وسط زحام الباعة والدلالين والسماسرة، وكنت استرق النظر إليك, فأجدك
أجمل مما كنت أتصورك من النافذة، ابيض، غليظ الحاجبين، أسود العينين كبيرهما، دقيق الذقن،
ممتلئ الشفتين، متناسب الطول والقامة، لا تنقصك سوى بدلة أنيقة، وحذاء أسود لماع، أو
بدلة عسكرية تزينها نجوم ونياشين، و مفاتيح عربة ضخمة، تقلنا، وننطلق و ننطلق. ويدك
على كتفي, والريح تعبث بشعري الجميل، وصوت أم كلثوم يفعمنا: أنا واللي بحبه يا ليل، بينما كنت أنت تجيل عينيك في الوجوه وتحاول
بين حين وآخر, أن تتحاشى النظرات في مزيج من الخجل
واللامبالاة, وتسبقني إلى اختيار الأنهج الضيقة المظلمة،
وتستفزني من حين لأخر، بالوقوف أمام واجهات المكتبات، والتدقيق في الطريق من خلفنا,
كأنما أنت بطل من أبطال الأفلام الهاربين المتخفين.
وخرجنا إلى شاطئ البحر، خلف المدينة العصرية, وتحت نخلة هرمة,
جلسنا على الرمل, ينقر كلانا أطراف المواضيع, فيتدفق الحديث عذبًا منعشًا كالموسيقى،
لم تسألني بالمرة عن حياتي الخاصة، ولم أسألك أيضًا, ولم تتغزل بي أو تتحدث عن جمالي، إنما تتأملني
من قمة رأسي إلى قدمي, فأشعر بنشوة والتذاذ، رغم السحابة السوداء، التي تخيم على عينيك,
وتقطيبة جبينك المتواصلة، كما لو انك تحمل في ضميرك عبء إثم إله من الآلهة الإغريقيين.
تأملت أعماقي, فوجدت أنني أحبك, أحبك إلى درجة العبادة، لكن رغم ذلك,
لم أكن أشعر بأية سعادة, كنت أقاوم الانكسار والمذلة, والإهانة،
وأنا اشعر بحزن وكآبة وشقاء.. وأجهدت نفسي لأخفي عنك، ما كان يعتورني لحظتها.
آه، غرورك، اعتدادك بنفسك، لقد اعتبرت
أنني صرت ملكًا شخصيًا لك وانتهى الأمر، فرحت تتصرف ببساطة وانطلاق, كأنما مر على زواجنا عشر
سنوات, فمللتني ومللتك, وبدا لي انك تحاول إيهامي بتحررك من جاذبيتي، تحررًا
مطلقًا.
لقد أهنتني وجرحت كرامتي, لا شئ, سوى ببساطتك تلك المنبثقة من
اعتدادك بنفسك، وثقتك المطلقة, في أنني لك, ولك وحدك،وانك الصقر الذي التفت مخالبه حول الفريسة
وقررت أن انتقم لنفسي حالما نعود, وبالفعل نفذت قراري, فأغلقت
النافذة، طيلة أسبوع كامل، رغم رغبتي الملحة في أن أراك.
آه، يا أنت, أتراك المذنب, أم تراني المذنبة ؟
مهما كان الأمر، فلنتقدم في الصراحة، شوطًا
آخر، فإن الأمر لم ينته عند هذا الحد.
مرت اشهر ونحن في صراع، حتى كانت تلك الأمسية, يا لها, حين انتهينا من تلك القبلة
المسعورة، تحت النخلة الهرمة، طرحت على نفسي هذا السؤال:
- لماذا أحبه وأعبده؟
- لأنني معجبة
به.
أجبت نفسي ثم أضفت:
- إذن فأنا
أسيرة إعجابي به، يا للأسر، يا للسخرية. وهو يستغل ذلك.
نسيت لحظتها أن أتساءل:
وهل هو أيضا معجب بي، وبالتالي أسيري
ولو تم ذلك، ما اتخذت وطبقت ذلك القرار الخطير, طردك من حظيرة
حياتي إلى أبد الآبدين.
- إلى هنا
يجب أن تتوقف المسألة، لا تفكر في أبدًا منذ اليوم.
- أيتها المدللة
الحمقاء ما بك؟
- كرهتك وهذا
كل ما في الأمر، ابتعد عني حالا, و إلا استنجدت بالشرطة.
- أيتها المجنونة,
هناك أشياء كثيرة، أريد أن أحدثك عنها.
- دعها لنفسك.
وقصدت الشرطي, لكنك سرعان ما اختفيت، ويا له من ظفر، ويا لروعة
الانتصار، اتخذت قرارًا, ولم تستطع أن تمنعني عن تنفيذه، وهربت مختفيا وسط الحشود،
في الأنهج الضيقة, تلوم نفسك ولا شك، عن عجزك على الاحتفاظ بهذه
الدرة الفريدة.
بين قوسين, لاحظت أنك ترهب الشرطة، وتتقي الالتقاء
مع أفرادها, لماذا؟
عرجت على الشارع الرئيسي, وسرت حرة مزهوة, تأملت واجهات المحال،
ولفت انتباهي كثرة المحبين والعشاق، وتساءلت، لماذا لا تدخل أبدًا الشوارع الكبيرة،
وتسير كاللص في الأنهج المظلمة، أو خلف المدينة، وخطر لي أنك ربما شاعر من الشعراء
الحالمين، الذين يسبحون في عوالم الأشباح والطهر، وسرني أن أكون قد أشعلت اللهب في
أعصابك وقلبك, لتنبعث زفرات دافئة في مزمار الشعر، متغنية بي..
وقررت أن ابتسم لك، في سخرية كلما رأيتك.
بيد أن بروزك منتصبًا, تحت القوس, في النهج المؤدي لحينا،كالشيطان,
وتلك الابتسامة التي غررتني، فأشعرتني بالندم, وفكرت في الاعتذار: لولا الصفعتين الحادتين
اللتين جدت بهما على الخدين الورديين الجميلين. اللذين لثمتهما قبيل ذلك بنهم وشغف:
- أيتها المدللة
الحمقاء من علمك العبث؟ أتدرين من أكون ؟
كان درسًا قاسيًا لي, فاقتنعت بأن الدرب التي اقتيد كلانا للسير
فيها, ينبغي أن انطلق فيها كما يحلو لك, لا كما يحلو لي.
وزاد ذلك في إعجابي بك، رغم موقفك من الدلال, لأن سعاد أختي,
وكل صديقاتي, يقلن أن الرجال يحبون المرأة المدللة.
كان ممكنا أن تسير الأمور, على أحسن ما يرام, في هدوء وسلام،
على الأقل عدة أسابيع, لو لم تجر الرياح بما لا تشتهيه السفن.
غرورك, واعتدادك بنفسك، وما يثيرانه في من تعنت وعناد رغم تنازلاتي
المتواصلة.
حين عادت أختي سعاد من عندك, بعد أن أخبرتك بأن هناك من تقدم
يطلب يدي، وأنني مستعدة للرفض, سألتها:
- هاه, هزه
الخبر ولا شك, صفي كل حركة من حركاته.
- كان في
منتهى الحكمة، طرح الكتاب من يده، وتنهد بصوت مرتفع، وتضخمت تلك التقطيبة التي على
جبينه، وأطرق يفكر مليا, ثم قال بصوت هادئ رصين : ما كان يجوز أن يحدث هذا.
- ماذا ماذا؟
قاطعت سعاد, فواصلت:
- سألني :
كم عمر يا سمينة؟
فأجبته مندهشة:
- ألم تسألها
عن عمرها حتى الآن, على كل حال ثمانية عشر سنة.
- وأنا عمري
ستة وعشرون سنة، أربع سنوات أخرى, شئ حسن، قولي ليا سمينة, أنني أريد
أن أحدثها في هذا الموضوع وفي غيره سأنتظرها تحت النخلة الهرمة، بعد غد في الساعة السادسة
والنصف، بعد خروجها من عملها.
جن جنوني, ولم تستطع سعاد أن تهدئني, أو تقنعني، بأن موقفك
إنما يدل على الرصانة والتعقل، وبكيت حتى تورمت عيناي, وقررت إعلان الحرب اللانهائية،
وليكن ما يكون فالمآسي الكبيرة, إنما تحدث من المشاكل الصغيرة.
لم افتح نافذتي, ولم آتك في الموعد، واخترت.
اخترت أن أراك تتبخر وراء النافذة شوقًا وندمًا وحسرة، كإله
إغريقي آثم.
وافقت على الشاب الذي تقدم يطلب يدي، وأعلنت لنفسي, أن هذا
هو النصر الكبير عنك، لكن ما راعني, بعد أسبوع، أي في اليوم الذي انبعثت فيه أول زغرودة
من دارنا، تعلن الفرحة، ما راعني يا حبيبي إلا وأنت ترحل.
آه، كم أنا حمقاء, كم أنت معتد بنفسك، وما أتعس حظنا.
لم أراك إلا بعد سنة، ابتسمت كأن شيئا لم يكن, لم يتغير أي شئ فيك, سوى
أن شعر رأسك ولحيتك, اسودّ بعد أن كان أحمر؟ وإن حركاتك ازدادت خفة وحيوية.
لست ادري, كيف سلمت عنك في وجهك، وكأنك أخ عاد من سفر طويل،واستسلمت
لقدمي تتبعان الطريق الذي تختار،في الأنهج المظلمة، ورنت في أذني، أول كلمة سمعتها
منك في أول لقانا
- يا يا يسمينة إنك الأنثى الأولى التي أثر ت في, وإني لجد سعيد
حبيبي, وأعيدها معتزة: حبيبي، لأنك استطعت أن تفرض علي السير
في دربك حتى النهاية.
حبيبي، لماذا طرحت علي ذلك السؤال الجهنمي:
- هل أنت
سعيدة مع خطيبك؟
جرحت كرامتي، وأغريتني بتحدياتك:
- سعيدة جدًا,
وأنا ذاهبة الآن إليه.
وابتعدت عنك دون وداع، وأجهشت كالطفلة في الشارع.
لقد كان علي أن افهم بأنك تريد أن تعلم ما إذا لم انسك, لتؤكد
لي بدورك انك لم تنسني, وكان علي أن أسألك بعد ذلك هل زال الغضب عنك بعد فعلتي الشنعاء.
لكن كان ذلك عسيرًا علي, وأنت تدري.
أخيرًا, لا علينا.
فبالرغم من أنني لا أعرف أينا المذنب, فإنني أدعوك للتمعن في رسالتي هذه.
وأشواقي, يا من لا يليق بي بعد الآن أن أخاطبه بيا أنت.. إنما
يا حبيبي.
المخلصة أبدًا : ياسمينة ش
اقلب الصفحة من فضلك.
يقيني أنك ستقهقه من أعماق قلبك. لهذه الخواطر الصبيانية التافهة
قائلا في سخرية لاذعة:
- هؤلاء السطحيات
البرجوازيات, لا يفسرن الحياة إلا كما يحلو
لعواطفهن.. الإعجاب, الغرور, التمرد، الشوق, الذوبان, إنهن حالمات, خاملات، من بقايا
هرون الرشيد وشهرزاد، وقرون الرومنطقية الطويلة.
ثم تبصق على رسالتي, وتدوسها بقدمك, وتقذف بها في وعاء القمامة
وتهمس في ألم وأسى:
- ما نزال
غرباء, إننا غرباء ما نزال.
لكن, مهلا، حتى أسرد الحقيقة كما هي.
أمسية رحيلك, والحناء في يدي، وعيناي مغرورقتان، جلست قرب النافذة استمع للزغاريد،
وأتأمل أثاثك المتواضع البالي، وكتبك الكثيرة, المختلفة الأحجام والألوان، وهي تلقي في عربة الحمال
اليدوية، مع مذياعك العتيق الطراز، وقد كلفت أختي سعاد بتتبعك، لتحصل على عنوان مسكنك
الجديد.
إهتز قلبي واهتز, واشتدت بي الآلام,
وأطبقت الدنيا في عيني وظللت لحظات أغمغم كالبلهاء:
- طار بلبلنا
الجميل, بعد دقائق ستبدو نافذته مكفهرة كمستقبل يتيم، سوداء كندم عذراء آثمة، وبعد
ساعات أو أيام أو أشهر أو سنوات, تتفتت الذكريات، كالصخور أمام الرياح والأمواج، وتتحول
إلى رمال في صحراء قاحلة أو شاطئ مهجور.
أدخل إلى بيت الزوجية عروسًا, تبهرني
دقات الطبول والزغاريد والهدايا، ويطربني الأثاث الأنيق، والجدران المطلية بالألوان
الزاهية والأسترة الهفهافة، وقوارير العطر المرصوفة أمام المرايا
اللامعة.. . وتسليني قبلات زوجي الظمأى، وقمصان نومي السابرية, و.. . ثم.. .
وفجأة يفقد كل شئ طعمه.
الماضي الحاضر والمستقبل.
وتبدو لي غرفة نومي قبرًا موحشًا, تضفى عليه في الليل, روائح
الخمر، من فم زوجي الملل والغثيان.
وأتذكر وأفكر : عبث صبيان، ما خطر لنا ذاك.
وتراودني الخيانات ، وأتصور عشيقًا فتيًا اسمر، إلا
أنني سرعان ما اشعر بالغثيان، وأهب نفسي للاستلام الهادي بعد أن أرسل زفرة توجع.
كدت أستغرق في هذه التصورات, لو لم تحدث حركة غير عادية تمامًا..
فقد انبعثت صفارات سيارات الشرطة، من طرفي النهج، وملأت الحي، قبل أن تتوقف أمام المنزل
الذي كنت تقطنه.
وثب رجال الشرطة من السيارات، وانتصبوا هنا وهناك شاهرين أسلحتهم،
بينما تقدم ثلاثة, يرتدون الثياب المدنية نحو الباب, طرقوا لحظات, ثم دفعوا الباب بعنف،
حطموه, وتدلفوا, ليعودوا مبهوتين :
- المنزل
غير مسكونا ؟
لحظتها, وقف خطيبي عند رأسي, واضعًا يديه على كتفي, وتمتم في
تبجح
- افتضح أمر
صاحبك, إنه سياسي خطير, يعيش في الحياة السرية, اليوم نهايته.
مادت بي الأرض, وتراقصت الجدران، تذكرت أشياء كانت تبدوا لي
غامضة, وفهمت لماذا لا تلازم طريقة معينة في اللباس, وتدخل من باب وتخرج من آخر، ولا
تسير أبدًا في الشوارع الكبيرة، وترهب الشرطة.
وكالمجنونة رحت أقهقه وأقهقه، وأتحسس موضع الصفعتين الحادتين
أمسية هددتك بالشرطة.
وتراقصت أمام عيني تلك السحابة السوداء التي تجثم على وجهك،
وتلك التقطيبة المرتسمة باستمرار على جبينك.
يا لي من حمقاء بلهاء، لم يغادر الحي
انتقامًا مني، أو من أجل الزغاريد, آه، إنما هروبًا من الشرطة.
كنت ما أزال أقهقه وأهذي وأبكي، وأتقاذف هنا وهناك, بينما خطيبي يتأملني
مشدوهًا, في حين تنبعث الزغاريد، من الغرفة المجاورة، ولست أدري كيف استعدت وعيي، وتماسكت,
وأسرعت إلى النافذة.
فتحتها على مصراعيها, ليتأمل خطيبي أيضًا المشهد، وسألته:
- من تعني؟
فأجاب مبهوتًا:
- المنجي,
ساكن الدار، لقد رأيته بأم عيني، ورأيتك معه.
ولأول مرة عرفت أن اسمك المنجي، لا المختار كما كنت تدعي.
سأل الشرطة الأطفال عنك، فلم يجب أحد، بأنه سمع هذا الاسم في
الحي أو رآك, ثم تصايحوا :
- تحيا الحرية،
تحيا الحرية.
وخرجت جارتك العجوز الإسبانية, لتعلن أن الدار مهجورة منذ أمد
طويل, وأنه فقط بين الحين والآخر, وبدون انتظام, تنفتح نوافذها في آخر الليل، وتضاء
شمعة، وأضافت وهي تعود أدراجها:
- يقيني أن
أحد البوهيميين هو الذي يلجأ إليها، لينهي فيها ليلته.
زمجر خطيبي, بكلمات غامضة, وحاول أن يقول شيئًا للشرطة، إلا
أنني أسرعت فصفقت النافذة، والتفت إليه أهدر:
- هل أنت
عميل للإدارة الفرنسية، هل أنت عميل للإدارة الفرنسية.
طأطأ رأسه،وأداره يمينًا وشمالا:
- لا لا،
لكن جارك هذا كان يزاحمني فيك.
شعرت بالحقارة، ووددت فعل شئ, وكان منظره يثير الشفقة، فزممت
شفتي, وأغمضت عيني، وفتحت ذراعي، وتصورتك أمامي هوى علي، وكان نفسه نتنًا, ومع ذلك
تحملت.
كنت في شديد الحاجة إلى الانتحار.
علت الزغاريد, وارتفعت دقات الطبول، ورنت الخلاخل الذهبية في
أقدام الراقصات، ودخلت أمي غرفتي، تطلبني للتصدر، فاحمرت وجنتا خطيبي, وتسلل إلى الخارج.
- أني قادمة.
ثم فتحت النافذة, الشرطة اختفوا, الأطفال تفرقوا, نافذتك مغلقة،
ليس سوى الكآبة والاكفهرار.
ما أن خرجت أمي، وهي تستحثني، حتى دخلت سعاد تلهث، وتزمجر بالشتائم
وهي تنزع اللحاف الذي تنكرت فيه لتتبعك:
- هذا ساحر,
جني.. . شيطان يا أختي, يخفي وراءه ألف سر وسر.. .
- خفضي صوتك،
حذار أن تسمعي, هل عرفت منزله الجديد؟
- أبدًا يا
أختي, الشيطان نفسه يعجز عن اقتفاء آثار هذا المخلوق لقد نجاك الله منه.
- كيف.
- ما أن ابتعد
من هنا, وخرج إلى الشارع الكبير, حتى وضع نظارات سوداء على عينيه، واستقل سيارة كانت
في انتظاره، خلفه شخص آخر، لم أره بالمرة، وراء عربة الحمال، وقصد بها عربة نقل كبيرة,
التفت أربعة غلاظ على الأثاث, فألقوا به وبالعربة التي تحمله في الشاحنة, وانطلقوا,
وبينما أنا واقفة مشدوهة أحدث نفسي:
- يا خسارتك
يا يا سمينة أختي, خطف قلبك وراح.
إذا بشاب, وسيم, عذب المحيا, يقف إلى جانبي ويهمس:
- الأحسن
أن تعودي إلى منزلك، أحذرك من التفوه، بكلمة عما رأيت, أخبري أختك أنه من صالحها، أن
استنطقت، أن تنكر معرفة أي ساكن للمنزل المجاور لكم وان تشغل خطيبها أيامًا حتى ينسى
المختار, هل فهمت.. .
ثم أحنى رأسه على أذني, وهمس :
- إنك حلوة مثيرة, صارخة الأنوثة.
وضغطت سعاد، على الجملة الأخيرة, وأغمضت عينيها في نشوة والتذاذ.
بين قوسين، هل تعلم إنها أرملة في الرابعة والثلاثين من عمرها،
تعشق جارنا الإسباني، وتضاجعه ليلة في الأسبوع، وما تفتأ تعد له السحر, ليسلم فتتزوجه.
رحت استعرض, وأنا متصدرة, والحناء في يدي/، حوادث قصة (الأم) لغوركي التي أعرتها لي في أول لقائنا, وخيل لي إنك بطل تلك القصة, وتصورتك في اجتماعات
سرية داخل الكهوف، كما استعدت منظر القطار، وهو يقل حبيبته البطلة بحقيبة المناشير،
وخيل لي أن دقات الطبل, ورنات الخلاخل الذهبية، والزغاريد,
كلها ضجيج عربات القطار الذي يقلني.
وحين استفقت من غفوتي, نظرت حولي, واستشعرت التفاهة والحقارة،
وعجبت كيف كنت تتحملني، مع أنك كنت تنعتني بالمدللة الحمقاء، وتراءى لي اليون الشاسع
الذي يفصل بيننا، ثائر في الحياة السرية، لا يلج الشوارع الكبيرة المضاءة, تتحول المسؤوليات
والأعباء المثقلة على كاهله، إلى سحابة سوداء، تجثم على عينه، وتقطيبة صارخة منقوشة
على جبينه، و.. . وأنا, من السرير إلى الأكل, إلى العمل بالشركة, إلى الحناء في يدي
والزغاريد ودار العريس.
ومع ذلك أجبني, وصفعني, واحترمني, ليتني
ذهبت إلى الموعد وعرفت ما يريد أن يقوله لي, حقًا أنا مدللة حمقاء، ولمست خدي، وتناولت
منديلا بصقت فيه، ومددت يدي لخطيبي يضع فيها الرباط المقدس, واستسلمت للمصور, وهمست
أختي سعاد.
- إنك ملاك
رائع الجمال، ستر الله عليك يا ياسمينة.
وفي الليل, استولى علي الأرق، وبدأ لي أنني لأول مرة استيقظ بعد نوم
عمري كله، وتقت للحركة, للمشي, للجري, للوثوب، لممارسة
أي عمل من الأعمال، وكأنما أخشى أن تفوتني أية لحظة من اللحظات, بدأت أنظر
حولي, واجد كل شئ جديد، حتى أمي، حتى سعاد, حتى نهجنا، حتى فراشي وقمصاني، وخطر لي
أنني كنت طوال حياتي مخدرة، أبحلق في الأشياء والناس, دون أن اهتم بهم، سكنت في جوارنا
قرابة العام وحدك منفردًا تمام الانفراد.
وأحببتك وخرجت معك، وقبلتني وصفعتني، ولم أسألك أبدأ, عما إذا
كانت لك عائلة, أب, أم, أخت, إخوة هل تشبع، من يغسل لك ثيابك,
هل لا تتوق إلى جو عائلي, وإلى أكلات منزلية معينة، كنت أنانية عمياء, أنظر فلا أرى إلا نفسي ومصالحي,
لم أسأل حتى عن عمرك, وطبعًا أنت لم تسأل ـ لأنك أولا تعرفنا عن كثب، رأيت أبي وأمي،
وتلتقي بأختي, وتشم روائح مطبخنا، ولأنك ثانيًا تنتظر أن أبادر أنا بالحديث عنك, ولاشك
وانك تألمت كثيرًا من أنانيتي، ولعلك أشفقت علي، لقد حدثتني عن أشياء كثيرة، لا أذكر
منها إلا ما يتعلق بي, بالفعل كنت مخدرة، ولقد استيقظت لكن متأخرة,
بعد فوات الفوات، بعد أن ضيعتك, ربما إلى أبد الآبدين.
آه, وطال سهادي وتململي, وانتظرت بفارغ الصبر طلوع النهار،
ولا أذكر كيف داهمني النوم بعد أن قررت أن أنفذ بكل دقة وحماس أوأمرك التي حملتها معها سعاد أختي.
ومرت أيام ثقيلة جدًا، حكمت فيها على نفسي بملازمة خطيبي، وبعناقه بمناسبة وبدونها، وكم آلمني أن
أسير معه في الشوارع الأوروبية الواسعة العريضة المضاءة, الغاصة بالعشاق من اليهود
والنصارى.
كان يتأنق ويتعطر، ويرفع رأسه مصعرًا فخورًا مرائيًا, لا يفتأ
يتظاهر بأوراق النقود الثمينة، ويستدعيني إلى تناول شئ في هذه المقهى أو تلك, ولم يخل بي أبدًا, تحت النخلة
الهرمة، وفوق المقعد الصخري.
دخلنا المراقص, ورقصنا، ورقصت بجنون مع غيره متحدية له ولنفسي,
ولوجودي برمته.
كنت مستيقظة, أتأمل كل شئ بكل جوارحي, وراعني وجود الاختلاف
الكبير بين الناس, فقراء وأغنياء, أميون ومثقفون، عراة ومتأنقون، مرضى وأصحاء، عمال
وأسياد، وأتذكرك, وأتذكر الشرطة، وأحاول إيهام نفسي, بأنك لم تكن إلا صوتا، أو شبحًا
أو نغمة من النغمات, أحدثت التأثير في نفسي, ثم تلاشت, وانظر إليه
وإلى بدلته وحذائه, والساعة الذهبية في يده, وجيبه المنتفخ, وأشتم تقطيبة, وملامحه
فلا اعثر على أية سحابة سوداء, وأتذكرك وأتذكرك.
باح لي ذات يوم بأنه توهم وجودك بالقرب منا وتأكد من علاقتي
بك، فدفعته الغيرة، إلى كتابة رسالة مجهولة للشرطة، يخبر فيها بموقعك, وحدثني عن هذا
المنجي الذي يعيش في الحياة السرية, وعن أعماله التخريبية، ضد الفرنسيين، والأغنياء
ورجال الدين، ومولانا الأمين باشا باي تونس, فأكدت له، أنني لو لم احبه, لما رضيت به
خطيبًا ثم شريك العمر.وانه بجماله وماله ومركز والده المفتي الحنفي فارس أحلام كل فتاة،
وان من حظي أنا، ابنة صانع الطرابيش الفقير أن ارتبط معه، وأشعرته بأنني كدت احتقره،
حين علمت بوشايته لولا حبي الجارف, فاعترف بخطأه, واعتذر وقبلني.
لا شك أن الغيرة تشتد بك، وأنك تهم بإلقاء الرسالة. !
تمهل، فهناك مفاجآت وتطورات, تثيرك ولا ريب.
لقد ترددت على تلك الكتبية الواقعة في نهج روسيا, واقتنيت كتيبات
عديدة, فهمت بعضها، ولم أافهم البعض, كنت في واقع الأمر
أبحث عنك خلال كل كلمة، وكل سطر، ولطالما وجدتك, ووجدت أفكارًا, ما
كنت إلا تلمح إليها مجرد التلميح, لكن تعيشها بكل كيانك, ولطالما وجدت نفسي, ووجدت خطيبي, لكن ليس معك بل في الشق
المعادي لك, وكم آلمني ذلك.
وهل تتصور أن خطيبي, حين اطلع على تلك الكتب, حدثني عن أتعابه
مع عائلته ووسطه، بسبب تعفن عقلية والده، والمحيط الذي يضمه, إلى درجة أنهم وضعوا عليه حراسة مشددة, حتى
لا يقرن الصلوات الخمس، وحتى لا يتصل با لأوساط المشبوهة.
ثم اقترح علي أن نتصل بالمعادين للوضع, تصورا..
لم افهم دوافعه، ولو أنني أحسست بشعورين نحوه، الإشفاق عليه كضحية للتناقضات, والعداء,
لأنه ربما بدون وعي منه، يحسدك في بطولتك.
وأيا ما كان الأمر, فقد شرعنا في إجراء الاتصالات, لكن بدون
مخطط او وعي سابق لما نريد.
قصدنا نهج غرناطة, وصدمنا بالعفونة
التي كانت هنالك, عمامات ولحي وجبب ونياشين الفخر، والحديث عن الانقسامات, وعن الزعامة
وعن الأسبقية في الدخول للحركة.. وعن الدعوات للسهر في القصر الملكي- فهمنا أن هذه
بقايا من الوطنيين الذين إجتازتهم الأحداث.. ورحنا نبحث عن الشق الانفصالي, ورغم انه
قيل لنا, أن جل عناصره في السجون أو المنفى, وان الشعب بعناصره الحية هو الذي يقود
ويخوض غمار المعركة ضد الفرنسيين.. فإننا لم نياس من العثور على خيط من الخيوط, يربطنا
بالحركة.
وتذكرتك.. واشتد شوقي إليك, بيد أنني لم أجرأ على ذكرك لخطيبي.
لست أدري بالضبط لماذا أغالي في كتمان أمرك, رغم أنني أعرف،
انك في مأمن من الأذى, وأن عواطف خطيبي نحوك، بل نحو كل المتمردين، قد استطعت أن أحولها،
أنني ولا ريب مازلت امتثل بشدة لذلك الأمر الذي حملته سعاد أختي, أمسية رحيلك.
اتفقت مع خطيبي على أن نواصل التنقيب, لكن بحذر شديد، نظرًا
لموجة الإعتقالات التي اشتدت أيامها.
تكلف هو بإجراء الاتصالات في وسطه ومحيطه, وتكلفت بدوري بالبحث
في الشركة التي أعمل فيها, وكنا واثقين من الوصول إلى هدفنا.
لكن, انقضت أيام, دون أية نتيجة,
خطيبي لم يستطع بالمرة, العثور على من يتجرأ ويحدثه في ا لسياسة.
كان القضاة، والأئمة, والعدول, والأعيان, الذين يتجمعون
في منزل والده، لا يتحدثون إلا عن الترقيات, والعلاوات, وعن المسائل التي يختلف فيها
المذهب المالكي والحنفي، وعن المنة التي من الله بها على المسلمين, حين نصر السنيين
على المعتزلة الزنادقة, ويختمون مسامراتهم, عن الأكلات المفيدة والمضرة في شهر رمضان
المبارك.. .
أما النساء والشبان والشابات, فإنهم لا يتحدثون إلا عن الموضة, وعن سباق
الخيل، وعن أحسن الحلاقات، وهل حلويات (بوخريص) افضل, أم حلويات بن(يدر) وعن
التجار اليهود يمولون القصر الملكي, أو يزورهم الأمراء والأميرات.
وكلما استمع إليهم, ازداد حقدًا على نفسه، وطغى عليه اليأس
والقنوط.
قال انه تجرأ وسأل أمام والده, عالمًا جليلا من علماء الدين،
عن الحوادث التي تجري والاعتقالات والمناشير التي توزع وتعلق, والقنابل التي تفجر في
كل شبر, والاغتيالات، وعن الأحزاب السياسية ومواقفها ونزعاتها، فأجابه في لهجة استنكار
واستئناف, وبكل اقتضاب:
- ولا تلقوا
بأنفسكم إلى التهلكة.
بينما أضاف والده, المفتي الحنفي، يروي حديثًا شريفًا:
- من علامات
قيام الساعة. أن تلد الأمة ربتها, وأن يتطاول الحفاة والعراة, رعاة الشاة في البنيان..إن من
يقومون بالحوادث, ويدخلون الأحزاب والسجون هم الرعاع حثالة الأمة.. ومولانا الباي لم يؤيدهم ولن يؤيدهم..
.
حاول خطيبي أن يناقشهما, إلا أن أحد الأئمة, أنبرى يسأل :
- هل الملوخية
ألذ بلحم البقر، أم بلحم الغنم؟
أما أنا, فقد فاتحت يومًا, موظفا معي بمحضر زميله، في الحديث
عن السياسة, فأبدى بعض التحرز, ثم انطلق يناصر التمرد, وينوه بالزعامة, ويخصص الزعامة
الحقة، فهمت أنه ينتمي للشق الانفصالي من الحركة الوطنية, ورغم أنني لم أفهم برنامجها لأن زميلي, لم يكن
يتحدث إلا عن قيمة الأشخاص الذين ألقي عليهم القبض, أو نفوا.
فقد عبرت له، بطريقة غير مباشرة, عن استعدادي
للانتماء, والعمل معه.. .
كانت زميلتي, وهي عاملة على الآلة الراقنة، سمراء, ربعة، جميلة،
إبنة عامل في السكك الحديدية، تتابع حديثنا باهتمام بالغ.. لكن
دون أن تشارك بأية كلمة.. إنما بين الحين والآخر، تطلق بسمة سخرية، حين تسمع لفظة الزعامة,
أو أي اسم من أسماء شخصيات الحركة الوطنية.
قدرت أنها مطلعة على أشياء, وأنها تتظاهر
بالحكمة.. ومع ذلك تعجبت لصمتها, وهي التي تعودت المشاركة في كل حديث, والتعليق على
كل موضوع بآراء, غالبا ما تخالف آراءنا وتثير نقاشًا حادًا, تخرج منه منتصرة ظافرة..
. مؤكدة باعتداد:
- تنقصكم
الموضوعية.. أن الفكر لا يتقدم إلا بالموضوعية.
وحين دقت الساعة السادسة, وتأهبنا للانصراف, صافحني زميلي الموظف
بحرارة غير معهودة, جعلتني اشعر بأنه يعدني بأحاديث أخرى في السياسة, وسألته الزميلة
العاملة على الآلة الراقنة.
- هل ما تزال
مصرًا على عدم دفع مبلغ اشتراكاتك في النقابة؟
ثم لفت شعرها الأجعد الفاحم في منديل أحمر، ووقفت إلى جانبي توحى إلي
بأننا سنخرج معًا, ونسير جنبًا لجنب، مسافة ربما نتبادل فيها بعض أحاديث هامة.
لحظتها, تذكرت, وخيل لي أن أسلوبكما في الإيحاء متشابه إلى
حد بعيد، وداهمتني خاطرة.. . ربما تكون أخته أو إحدى قريباته ؟
دمكما وملامحكما، تختلف في الحقيقة اختلافًا تامًا, لكن أسلوبكما
في الإيحاء, والتثبت والعجرفة النفسية أيضًا واحد.
هذه سنة ونصف, ونحن نشتغل في مكتب واحد، ولم تحدثني يومًا عن
أتعابها، أو عن عواطفها، فقط تصغي إلي باهتمام, وتنصحني بتحفظ وتبتسم
برقة، ولا تنطلق في الحديث إلا حين يكون عن النقابة، أو مناقشة عامة.. . تأتي إلى العمل
قبلنا، وتخرج بعدنا, ولا تتزين أو تتعطر أبدًا, ولا يجرؤ أحد على مغازلتها.. ولا تخلو
حقيبة يدها من كتاب.. . كانت تصغرني سنًا, ومع ذلك أضعها في موضع أستاذة التاريخ.
استسلمت لها، وخرجت معها للمرة الأولى, ربما.. . وكنت طيلة
الطريق أشعر بضرورة الالتصاق بها..
سألت بلباقة، عن أحوالي وعن خطيبي وعلاقتنا, ثم فاجأتني في
لطف :
-
لقد تغيرت بعض الشئ, في المدة الأخيرة
يا يسمينة.. أكل هذا حب؟..
وشعرت بألم حاد لعبارتي: بعض الشئ … والحب…وبدا لي أنها تنافقني أو تسخر مني…فأنا تغيرت بالفعل.، لكن كثيرًا لا بعض الشئ.. أما الحب.. فإنه لا يبدو علي أي عرض من أعراضه،
وكل أحاديثي وتعليقاتي في المدة الأخيرة، بعيدة كل البعد عن الحب.
تمنطقت أناقش سؤالها بسرعة، ثم لست أدري كيف انفجرت في حديث
لا معنى له، لحظتها:
- يقين أن
المنجي, المختار, كما يدعى, أخوك أو ابن عمك.. لقد عرفته وأحببته، وصفعني.. . وإنني
لأقتفي آثاره، واذهب لعشرة نهج روسيا، واشتري الكتب من هناك, وابحث عنه في كل سطر إنك
لا تستطيعين إيهامي, بأنك لا تعرفينه.. إنك أخته. أنا واثقة.
التفت إليها حين توقفت عن المشي, فوجدتها
تمد يدها لتوديعي.. كانت تقطيبه صارمة مرتسمة على جبينها, وسحابة
سوداء تتكدر على ملامحها، ومع ذلك ابتسمت فبادرتها في بلاهة:
- إن طريقك لا يحد هنا, إلى أين تذهبين ؟ هل أزعجتك ؟
- لا. إنما
أراك تتحدثين بصوت مرتفع، مع أنني لا تقولين.
وفكرت مليا, ثم أضافت بلهجة توحي
إلي بأنها مستاءة, من سوء ظني بها.
- لقد حدثتني كثيرُا عن المختار، وعلاقتك به، وانفصالك عنه ولست أدري. كيف بدأ لك اليوم أنني أعرفه، بل أخته..
. ليس لي أخ يمكن أن يطمع في حب غادة مثلك، نحن فقراء.. . إنك لم تذكري أمامي إسم المنجي سوى اليوم.. .
ثم واصلت السير كأن شيئًا لم يكن.. .
شعرت بالمرارة والخجل.. وارتميت في أعماقي, وتأكد لي أنني طفلة
غريرة، مدللة أنانية، لن ارتفع أبدًا إلى مستوى الصرامة والموضوعية, وأنني لم استطع
المحافظة على سرك, ولن أستطيع ذلك أبدًا, واشتد بي الأسف ونهش الضمير.
- اعذريني يا عايدة فإانني لا أشعر بما أقول.. هناك أشياء
في هذه الحياة لا أقوى على تحملها.
- يبدو أن
انشغالك بالسياسة في المدة الأخيرة أكثر من انشغالك بخطيبك.
أضافت زميلتي عايدة، العاملة على الآلة الراقنة،
بعد أن أكدت لي أنها غير مستاءة بالمرة مما بدر مني، وأوحت لي مرة أخرى, بأنه ينبغي
أن أحدثها في السياسة.. وإنها لا تسير إلى جانبي, إلا لهذا الغرض..
وتذكرتك, وتذكرت عنادك وغرورك، وهممت أن أصدمها مرة أخرى لو لم أسمعها تسأل:
- وهل وردت
كتب جديدة لعشرة نهج روسيا؟
- وهل تزورينها
أنت أيضًا ؟
- بالطبع..
ولم لا ؟.. ما دامت تتفرد بنوع من الكتب, محتملة
الأثمان..
- لم أزرها
منذ أيام, هل تودين أن نمر عليها ؟
ودون أن تجيبني, انعطفنا وقطعنا الشوارع المزدحمة، حتى بلغناها
رغم مضايقات الخلعاء والمراهقين.. . تأملت عايدة لحظة في الواجهة, ثم تدلفنا..
أجالت بصرها بسرعة خارقة في الزبائن,
ثم سحبتني إلى رفوف القصص الغرامية, ودون أن تعير أي اهتمام لدهشتي من تصرفها هذا,
تناولت قصة (زواج العمر) ودفعت الثمن بسرعة، ثم جذبتني ببسمة وديعة إلى الباب.
حين خرجنا, حاولت أن احتج, لكنها سارعت إلى القول :
- ألم تلاحظي
التغير في عمال المكتبة، وفي رفوف الكتب؟ لقد كان هناك ثلاثة جواسيس, يتابعون بدقة كل حركات الزبائن, لاشك أن تفتيشَأ دقيقَا,
أجري في المكتبة.
ومرة أخرى, وجدتني ساذجة إلى جانبها, وأنني آلة طيعة, في يد
شخص خطير, ينبغي أن استسلم لا ردته الاستسلام المطلق.. .
- إن عايدة،
أقوى من معلمة التاريخ، ومن أستاذ الرياضيات..
قلت في نفسي.. ومع ما تعرف عني من العناد والكبرياء, شعرت بضرورة
الانقياد.
توقفنا فجأة أمام واجهة صياغة، واستطعت هذه المرة أن ألاحظ
أن عايدة لا تتفحص القطع الذهبية المعروضة, وإنما تدرس في الزجاج وجوه المارة حولنا
وفهمت أنها تبحث عن الوجوه التي رأتها في المكتبة.
سرت رعشة في كامل بدني, وتتالت على قلبي هزات، واعتراني شعور
غامض..
عايدة، المختار، المنجي، أنا، خطيبي، الزعامة، العناصر الحية
من الشعب, الحناء في يدي, الزغاريد تنبعث، العساكر بخوذاتهم، ونظراتهم الشزرة.. القطار ينطلق بحقيبة المناشير؟… عيون الجواسيس والرقباء تلتهم البطلة.. الشرطة تحاصر منزلك..
أين تأكل أين تشرب أين أبوك وعائلتك.. إلى
متى وأنت في الحياة السرية.
عايدة مناضلة, مثل المختار.. وأنا على أبواب تحول جذري..
ارتسمت على جبيني بسمة وتندي جبيني بالعرق، ومددت يدي إلى ذراع
عايدة وضغطت عليه بعنف، ووددت تقبيلها..
تأملت
ني, فأدركت - على ما يبدو- ما يعتريني، وابتسمت متمتمة:
- اليقظة
أساس العمل الثوري.
- أنت, وهو
ياعايدة, تختلفان عن الغرناطيين والانفصاليين، إنكما أعمق وأدق وأدرى بما تفعلان.. أنكما
تشكلان, بل تجمعان الحياة وعمق المحيطات لجديتكما.. أريد أن أشتغل بالسياسة مثلك.. وأريد أن أكون معكما, لا معهم.
وبرصانة ووقار، راحت تخرج كلمات ثقيلة، مفعمة بالجدية:
- لا تقولي
ذلك، فأنا لا أشتغل بالسياسة.. . أن هذا منطق برجوازي إنما فقط أناضل
ولكي يبلغ المرء درجة النضال، ينبغي أن يعرف أولا لماذا يناضل، ان يقتنع بعقله وعاطفته
معًا.. عاطفة الوطنيين وحدها لا تكفي, لأن العاطفة كالنار، يتربصها الخمود في كل لحظة
لقد خمدت عاطفة الشعب الإسباني، لكن إيماني واقتناع ثورييه,
لم يزعزعهما الزمن.
هل تفهمين ؟
ينبغي أن تبدئ من الأول من الأساس، انطلاقا عن إدراك أن الحياة,
غير مرتبة, وأنه يجب أن ترتب على الوضع الذي يلائم جميع الناس دون استثناء, وبدراية
وحكمة ونجاعة.
ستعرفين هذا فيما بعد..
دخلت الدار ليلتها متأخرة, في الساعة الثامنة على غير عادتي،
وتساءل أبي متظاهرًا أمام خطيبي عن سبب ذلك, ليؤكد له، أننا عائلة شريفة
محافظة.. ثم انهمك في لعب الحجر مع خطيبي, بينما أمي تعد العشاء في المطبخ, وأختي ترصف
المغارف على الصينية.
وضعت حقيبة يدي جانبًا, وتمططت متطاولة, وشعرت أنني أملأ لأول مرة، فراغًا في الحياة.. في
حين كان أبي وخطيبي يتحدثان في السياسة.
والدي من أنصار جامع الزيتونة والباي.. وخطيبي يلمح إلى انتمائه
للحركة الوطنية, في تبجح كاذب, ويرفع بين لحظة وأخرى بصره الي في خجل.. .
لقد أوصتني عايدة, بكتمان كل شئ عن خطيبي, حتى تتم دراسته بصفة
علمية من طرف ذوي الاختصاص.. . لذلك رفعت حاجبي, أن لا جديد.. . حين سألني بعينيه، عما فعلت.. . ولما سألته بدوري ابتسم
في زهو, وبهاء, وتبجح، ثم انكب على اللعب ومنذ الغد, تتالت المفاجآت والأحداث.
انضممت إلى حلقة دراسة ثم خلية, وبدأت تنفيذ مهام فجرت قنبلتين,
وساهمت في نقل الأسلحة والمفرقعات.. .
عايدة ألقي عليها القبض.. تخفينا أيامًا. ثم بلغنا أنها لم
تعترف.
خطيبي أحب عايدة من كل قلبه. وبكى يوم القي عليها القبض كالطفل,
ولقد نجح في تحقيق إضراب عمال الميناء، ودخل السجن ساعتين, ثم أمر القصر الملكي بالأفراح
عنه.. فزاده ذلك تعقدًا لم ينضم، وبقي محبا في انتظار, تخلصه من الفوضوية, وتنكره المطلق
للبرجوازية..
العمل يسير. والصف يقوي. ووجهة نظرنا تسود في أوساط الطبقة
الطادحة والطلبة.. ولو أن كل ما نقوم به من عمليات, نحن والشعب ينسب إلى الزعماء والشخصيات
المنفية أو المسجونة.
وبعد امتحاني واختباري.. تقرر أن أنتقل إلى العمل في القيادة.. مع الرفيق
مختار.
معك أنت.. وفي الحياة السرية.
ولقد حلمت البارحة, أنني في زنزانة مظلمة، أعاني المخاض.. .
وتذاوبت وتذاوبت.وسط أدخنة وسحب.وفجأة رأيتني أخرج ثديي لإرضاع
ولد جميل، بينما أحد الحراس، يلح علي بالسؤال:
- ما اسمه ؟ ما اسمه؟
فنطقت منتشية :
- رفيق.
اسمه رفيق.
آه. واستيقظت.
***
بعد أن تلت يا ياسمينة ما كتبت, شعرت بالخجل، وتذكرت أوامر
اليقظة الصارمة، فسارعت لإحراق الرسالة، وهي تتمتم:
- بعد الظفر
أعيد كتابتها. واروي فيها تفاصيل أكثر.
تونس في 1961