الأبطــــــال
وضع
القلم والأوراق جانبًا, وأشعل غليونه, وراح ينفث الدخان بدون انقطاع، ويلعن من قلبه،
أبطال قصته، الذين توقفوا عن العمل.
هؤلاء الأنذال, كأنما نسوا, أنني خالقهم، وأنه في وسعي بين لحظة وأخرى, أن أميتهم.. الملاعين, المتنكرون, نخلقهم, ثم نحار
في أمرهم, منهم لأعدمهم, لأجعلن خاتمتهم شر خاتمة.
ثم أعاد الأوراق أمامه, وحمل القلم للمرة المائة,
لكن ما لبث أن ألقى به
وبالأوراق, ليعود إلى الغليون, ينفث دخانه الذي كاد يغطي جدران الغرفة الضيقة حوله،
فيحولها إلى فكرة سوداء, تتكور في رأس شرير شقي.
- الأبطال. أبطال قصة ما. ما هم؟ لا شيء.. مجرد
حروف سوداء, على ورق أبيض, تتهددهم بين لحظة وأخرى, سلة المهملات.. جرة قلم فقط.. قرار
الخالق.. فيمسخون, إلى مجرد حثالات عادية, بمضغون الأشواك الجافة, وسط القطيع الأعمى,
الأحمق.. .
-
لا, يا سيدي, لا. إنك مخطئ.
هز
الصوت رأسه إلى الباب الذي يبدو من خلال الدخان, كما لو كان بسمة في فم منافق.
-
من أنت؟
-
أنا عمار بن بوجمعة, شهر ( لاندوشين).. أسمر اللون, صغير الرأس, ضيق الجبين, ضيق العينين,
عريض الوجنتين, أحمل في إحداهما وشمة مكوية بالثوم, شفتاي غليظتان, أسناني مطلية بالذهب
ذقني ناتئة مستديرة, أرتدي سروالا حوكيا، على رأسي عراقية سميكة, منسوجة من الصوف والحلفاء,
وفي قدمي حذاء أمريكي جاف, ممزق ومشدود بسلك مهترئ, أكله الصدأ …أنني كما ترى حسب ما خلقتني, لأنفذ إرادتك.. أتسمح لي سيدي بالجلوس,
فإنني مرهق كما أردت.
-
تفضل. إجلس.. لقد جئت في الوقت المناسب.
قال
الكاتب, وأصابعه منشغلة بإدارة الغليون, لنطفئ التوتر الذي يلهب أعصابه, وعيناه عالقتان
بالباب الذي انبعث منه, صوت ثان.
- وأنا يا سيدي ا.
من
تكون؟
- ألم تعرفني؟ ا أو ينسى الخالق مخلوقاته؟ أنا واحد
منها يا سيدي الكاتب.. .
إن
البلادة لتفوح منك.من أنت؟
- لقد أردت أن أكون بليدًا.. بالمناسبة احتج على ذلك, فلطالما, احتج المخلوقات في غياب
خالقهم …وتنموا أن يستفسروه في أشياء…آه. يا سيدي. كنت تقول : نخلقهم فنحار في أمرهم.. أن كلامك هذا لصحيح,
فأنت كما
يبدو، لا تتحمل بلادتي التي رزقتني
بها.. قه قه.هاها.. ترى إذا لم يتحمل الخالق ما خلق, كيف يكون مصير المخلوقات.. إن الضحك يغلبني.. المعذرة, قه قه.. هاها.. ألا يبدو لك, سيدي, إن شر الأعمال هي الخلق..
على
أية حال, تسألني من أنا؟ آه من أنا ؟ أجهل
نفسي لحد الآن, أولا تذكر أنك لم تعطني اسما بعد ا؟ بيد أنني أقدم لك نفسي, بهذه الصفات
التي وهبتني إياها.
أنظر،
طويل القامة, كبير الأنف بشكل فظيع, واسع العينين, في خدي الأيسر, أثر رصاصة, أصابتني
في الهند الصينية, حين كنت متطوعًا بالجيش الفرنسي, أسناني بارزة كأسنان المشط.. كما
خطت يدك الكريمة.. أرتدي سروالا عسكريا قديمًا، مرقعًا من الخلف بخيط
غير مناسب للونه، مما يجعله يبدو كرأسي الأقرع, حين أنزع عنه (رزتي), وأتأمله، متخفيًا
في مرآتي الصغيرة, التي لا تفارق جيبي، والتي لولاها لما كان شاربي, على هذا الشكل
الجميل كما ترى, أميل كثيرًا إلى المشاكسة والمعاكسة, ولا يهمني, في حياتي, سوى جمع
أخطاء الغير.. تزوجت دفعة واحدة, أربع نساء, وطلقتهن دفعة واحدة أيضًا.
أظن
سيدي أنك عرفتني.. أنني متعب منهمك, فمنذ
ساعات, وأنا وراء تجميل شاربي.. ارحمني يا خالقي أجلس لقد عرفتك, واسمك "معروف بن
بادي" ’ شهر "موسطاش" حضرت في الوقت المناسب.
- أجاب
الكاتب, وهو يواصل البلحقة في الباب, وامتصاص الغليون ونفث الدخان.
-
ما نحن بأنذال, ولا بملاعين, ولا بمتنكرين,
يا سيدي الكاتب, حتى تلعننا, وتصب علينا جام غضبك..
-
إن الخالق لرؤوف بمخلوقاته.. المفروض هذا.. فهي مجرد رغبات له, مستقلة عنه، منطلقة
عن إرادته, بإرادتها.. هذا شأن, كل الرغبات, إنما في الغالب, عمياء,
وحمقاء في نفس الوقت.. لولا ذلك لانعدمت الحياة.
-
آه. أهذه أنت, خديجة بنت الإمام, الأديبة الظريفة الجميلة, تفضلي.
-
لا يا سيدي,
أنا (رهواجة) القالمية، بنت قدور الصائغي، ماتت أمي, منذ ثلاثة سنوات, لأبقى في خدمة
أبي الذي رفض أن يتزوج بي في جهنم زوجات الآباء, فأبى أن يتزوج قبل
أن يشتد عودي رغم أنه صغير السن, لا يتجاوز الأربعين. أحفظ ربع يس, وأحسن نسج
الزرابي, وفتل الكسكسي, أهوى كثيرًا المناديل الحمر، وأعشق (القوفية) التي ورثتها عن أمي، ويطيب لي كثيرًا, أن أرى النساء في
الحمام معجبات بما يزينني من فضة, لا ينفك
أبي يديجني بها, طويلة كالصفصافة, وردية كنوار الدفلة, صدري صارخ اللأنوثة, رقيقة الخصر,
غليظة الفخذين, شعري طويل فاحم كثعبان الزوبعة, عيناي في سواد الزيتون, شفتاي, كحبة
كرز طرية.
أما.. آه.يا سيدي, إنه لمخجل, أن أتحدث أمام هذين
الغريبين, اللذين يجلسان من حولك عن بقية صفاتي, وما أجرجره ورائي من ثقل..
إنك
تعلم.. فمن صفات الخالق معرفة مخلوقاته.. أتسمح لي بالجلوس, فقد أرهقني النسج, منذ الفجر.. ؟
-
إن ذهني, باستمرار, منصرف إلى خديجة, بنت الإمام الأديبة الظريفة الجميلة, بطلة القصة
المهملة.. حقًا نخلق الأبطال, ثم نحار في أمرهم؟
-
ردد الكاتب في نفسه, ثم رفع صوته مخاطبا رهواجة:
- تريدين أن تقولي : أما رغبتي في أن يتزوجني رجل
ثري، يستطيع إبدال فضتي ذهبًا, فهي لا تكاد
تفارقني ليل نهار.
ما كان يليق أن تخجلي, فبين الخالق والمخلوقات, حين
تزول الوساطة, ترتفع الكلفة, ليحل محلها, الصدق, والصفاء, اجلسي يا رهواجة.
أهذا
ما تعلم يا
خالقي؟ ا حسن جدًا, فليبق الثقل على كاهلي وحدي..
-
أعلم, أعلم, منذ أشهر وأبوك يضاجعك.. غير متعلق, ذلك, بإرادتي أو رغبتي, كل الأمم,
يضاجعها ماضيها.. وتحبل منه.
-
آه, أتنفس الصعداء، وأشعر بالعبء ـ ينزاح.
اعتدل
الكاتب, في جلسته, وامتص نفسًا طويلا من غليونه، سرعان ما نفثه, دخانًا أسود, أضفى
على الحجرة, حدة الفكرة السوداء, التي بدأت تكتمل في رأس شرير شقي, ثم توجه إلى أبطاله
من حوله:
-
رائع جدًا.الآن وقد حضرتم, وخلقكم مكتمل, ينبغي أن تفهموا, ما سأكلفكم به, لتنجزوه, بكل
دقة, حسب إرادتي.
-
آه, سيدي, إن من لا يعرف دوره, يظل منقوص الخلق.. ونحن حضرنا إلى هنا لنفهم دورنا,
بعد أن أعيتنا الدوامة التي ظللنا نتخبط فيها, في فكرك.. .
قال عمار بن بوجمعة شهر "لا ندوشين" :
- إحتفظ
بحق الاعتراض خالقي, أو على الأقل بحق الاحتجاج.. والتمس شفاء قروح رأسي, وأني أتوق
لتعريته.. ضع الخمر في طريقي وأمرني بما تشاء, فحين أسكر يخف ألمي.. أن ألقيتني في بحر أو نهر, أو بركة, فاجعل المياه
خمرًا.
أضاف معروف بن بادي شهر "موسطاش".. فتمتم الكاتب:
-
كالتاجر, كالحواري, لا
يستطيع العمل إلا بالتخذير.. من
يخدر يخدع, وأنا آمرك, ولا أخادعك.
-
ما أروع ما
تقول.. عذب كالأغراء, كالتزحلق نحو الخطيئة, كالقبلة في الظلام الدامس..
يا إلهي ماذا أقول؟ لم أتعود إرتكاب
الإثم إلا في السر, وها أنني.. سيدي الكاتب, تقول خطاياي, مع أبي, ليست من صنع إرادتك، ورغبتك, فهل تستطيع محو
الماضي من رأسي, وتخليصي من نهمه، واستسلامي كالنعجة الحلوب. الذنوب الكبرى رائعة,
لكن معصرة الندم شديدة الوطأ.. آه، لو كنا نعيش زمنًا واحدًا.. إما الظلام الدامس,
حيث نتزحلق ونتزحلق في الخطايا, ونتلذذ ونتلذذ المحرمات, حتى نتلاشى.. وأما النهار
السرمدي, فنرشف ونرشف الأشعة حتى نتبخر, ملائكة أبرارًا.. بأجنحة حمر, وبدون خطايا الآباء.. آه, خالقي.. .
رددت
رهواجة القالمية بنت قدور الصائغي وعيناها
السوداوان مغمضتان فقاطعها الكاتب:
-
ما التهمة الزمن من أفعال, لا تمحوه الإرادات, ولو كانت الآلهة .. رهواجة لازمي, إزاء
خطاياك, صمت الأمم الزانية مع ماضيها.. ولا تتألمي كاليسا ريين المستعجلين للثورة والخلاص.
إمتص الكاتب نفسًا طويلا من غليونه, وراح ينفث الدخان
القاتم رويدًا رويدًا, ثم واصل :
-
هي ذي أدواركم يا أبطالي الأعزاء.. . أنت يا عمار, بن بوجمعة شهر "لاندوشين", بعد
أن تفرغ من بيع عنزاتك, في أمسية مضببة, غائمة, تمتطي بغلتك السوداء, وتتجه عائدًا
إلى منزلك في البادية, وقبل أن تغادر
القرية, تعترض طريقك خارجة من الحمام, عملاقة تلتحف السواد، وتحمل حقيبة في يدها, فتوقف
بغلتك, وتظل تبحلق, ثم تكشر عن أسنانك الذهبية، فتنبهر العملاقة بالذهب, وتمديدها لترفع
الخمار.
-
الهي
ا هذه الحورية من تكون؟
ثم
تمر وئيدة مختالة, تتبعها ببصرك لحظات, ثم تمشي وراءها, مطأطئ الرأس, كأنك في جنازة..
إلى أن تصل منزلها, تلتفت برشاقة نحوك, تزيح الخمار, ثم
تبتسم وتتدلف.. يصطفق الباب, فتبقى حائرا مبهوتًا, ثم تتنهد من أعماقك, وتدير بغلتك,
فتفاجأ بقدور الصائغي يحمل سلة غلال, وقارورة ملفوفة في ورق رمادي.
-
أهلا, ومرحبًا. ماذا تفعل هنا؟
-
في طريقي إلى باديتي.
-
أفي مثل هذا الوقت, وهذا الطقس الغائم المضبب؟. ينبغي أن تبيت عندنا, يا زبوني
المحترم
تتردد،
فيقسم, فتنزل من فوق بغلتك, وحين تقتران من باب المنزل, يضظرب قلبك, وتهمس:
- أبيت في منزل الحورية.. يا لفانوس علي بابا السحري.
وحين
يدلهم الظلام, ويخيم السكون, يخرج قدور الصائغي, ويعود بعد لحظات, فيلفحك برائحة الخمر, وتتذكر القارورة الملفوفة, في ورق رمادي.. يحدثك عن السياسة, فلا تفهم..
وبعد تردد, تذكر له, أنك سمعت, بأن له بنية,
وانك تطلب يدها.. . فيقبل, شرط أن تقطن
معه.. فترفع بصرك, لتراها خلف الأسترة تبتسم, فتكشر عن أسنانك الذهبية, وتعلن أنك راضخ لكل الشروط.. .
تبيع
أرض والدك, وتشتري الذهب, وبعد أسبوع, تدخل عريسًا على رهواجة, تملا. تفوح منك رائحة
العطر ممزوجة برائحة الخمر.. فلا تفطن للبكارة المفتضة..
يمارسك
قدور الصائغي, فيدخل السياسة في رأسك, وما أن يمر شهر حتى تندلع الثورة. وفي صبيحة ممزوجة, بالكآبة
والبهجة، تودع زوجتك وداعا أليما.. ثم تمر على متجر صهرك, فيقدم لك الاشتراكات, وتنطلق نحو الغابة, متطلعًا إلى
الشمس التي تصارع السحب ولا تعود إلا بعد سنة في ليلة ليلاء.. .
-
وأنا, يا سيدي؟
تساءل،
معروف بن بادي شهر "موسطاش".فبادره الكاتب:
-
مع
الفلول الهاربة من جحيم ديان بيان فو, تعود, فتسرح من الخدمة, تظمأ الخمر, فتشربه في
رمضان وفي النهار.. يعرض عليك المسبلون الالتحاق بالغابة. ويعرض عليك الضباط الفرنسيون
رتبة عسكرية لتؤسس فرقة الحركة, وإثر سكرة شعواء, تعيد ارتداء الزي اللعين, وتنغمس,
اشهرًا واشهرًا, حتى الليلة التي تؤمر فيها بتفتيش كامل منازل القرية.. حيث تدخل منزل
قدور الصائغي, وترفض الخروج تشتهي رهواجة.فتحاول إغرائها، تتأبى, وتغرقها في الذهب, تسرقه وتستولي
عليه من عجائز القرية, حتى تتزحلق رهواجة, وترتمي في أحضانك, ويوافق أبوها على زواجكما..
دون أن تعلما أنه أرسل يستحضر عمار بن بوجمعة شهر "لاندوشين" ليلة العرس.. .
-
سيدي. خالقي. الرحمة.
حاول
معروف بن بادي ورهواجة ان يقاطعاه, إلا أنه واصل :
-
تشتد بك ياعمار, الغيرة والحقد, والكراهية, وتطغى عليك فكرة الانتقام, فتقرر, بدل إرسال
فدائي, قتحام القرية, بالفرقة التي تقودها, وتقصد المنزل الذي يضم زوجتك وعدوك.. .
هناك.
وفي هذه الليلة الليلا
هذا
ما يجب أنت تحققوه الآن.. هيا أيها الأبطال. قوموا، بدوركم. اشرعوا في إنجاز المأساة..
.
اعزفوا..
اعزفوا الأنغام.. . البطولة.. الخيانة.. الغدر.. الانتقام.. الدم.. الدماء.. قوموا
بدوركم أيها الأبطال.
ساد
الصمت برهة, اطرق فيها الابطال, والكاتب، ثم قال معروف بن بادي شهر موسطاش وهو ينهض:
- يا للمصير.. . يقتلني عمار بن بوجمعة, لا بقي كومة من أخطاء الغير, تدوسني نعال الحثالات العادية, وسط القطيع الأعمى.
وتمتمت رهواجة القالمية, وهي تتناهض أيضا:
- وأظل رمزًا
للخيانة والغدر والإثم.. تصطدم بي
الحثلات العادية وسط القطيع الأعمى.. يا للفظاعة..
. أما عمار بن بوجمعة شهر "لاندوشين", فقد همس وهو جامد في مكانه:
- يحاصرني العدو, فأستشهد, وإظل.. . سيدي الكاتب, حين كنت في محفظتك, اطلعت في
القصة المهملة أن الشهداء عادوا إلى الحياة, فاغتالهم الأحياء.. . دعني أفكر مليًا سيدي.
امتص النفس الأخير من غليونه, وفتح عينه, ليجد
نفسه وحيدًا في غرفته, يحيط به الدخان الأسود, وأمامه القلم والأوراق. ثم همهم:
- من الإنصاف والعدل, أن يطلع الأبطال - حقيقيين
كانوا أم مزيفين - على مصائرهم, قبل أن يبلغوها.
وألقى
بالفصل الأول من القصة, في سلة المهملات ونهض يفتح نوافذ الغرفة, ليتبدل الهواء المخنق..
. وتطلع إلى الشفق, الذي تأبى السحب أن تدعه
يحمر.
أفريل 1964