البخار

البخار

 

يدور كل شئ  ويدور.. .

المقاعد،المناضد، الجلاس، القوارير،الأكؤس،الجدران، وهو أيضا يدور.. .

يدور يمنة وشمالا.. أمامًا وخلفًا.. . على ذاته وعلى غيره:

- ليس سوى الدوران, كأنما ليس سوى الزمان.. .

وتدور الكأس في يده، حتى تصل شفتيه.. وتدور عيناه..

تغوصان فتنغلقان.. ويجرع جرعة.. . وينكثف البخار في أمعائه الخاوية.. . ويصاعد, بل إنها تعمل دوائر دوائر، إلى قلبه ورأسه:

-                               هذه الأرض أيضَا تدور.. . وكل الكواكب.. كأنما هي مثلي تبحث عن عمل.. بل إنها تعمل ...بل  ربما هي تعمل...ربما...

-                               كل ما يدور, إما يعمل, أو يبحث عن عمل.. كالزمن أو البخار.. إلا الشرطي.

 

لا، حتى الشرطي أيضًا.لا، الشرطي يدور بلا عمل.. بل يدور ولا يعمل.. قد يعمل أحيانًا.. لا، حين يعمل يكف عن الدوران.. .

كالذبابة.

وتنفتح عيناه:

منضدة، اثنتان. ثلاث.. مقعد، مقاعد.. عشرة.. جدار، اثنان، ثلاثة، أربعة.. باب.. باب كبير(كونتوار) مهترئ. قوارير.. قوارير كثيرة.. (شاتورمان), أمر وردي.(ماسكارا), أجمر وردي.. (شيباني) أحمر وردي.. (ديكار.. كريستال) شراب السادة, أبيض أو بني.. (سي موح) يدور ويدور.. كالسجين, كحبة الزيتون في فمه:

 - آه. إنه عزيز كالإنسان.. ليس كل إنسان عزيزًا.. لا، سي موح المسكين عزيز.. لأنه شقي.. يكد من الخامسة صباحًا إلى منتصف الليل.. من الليل إلى الليل.يكد، يكد.. يدور ويكد.. يدور ويسقي.. يسقي الجراح ويكثف البخار.. يؤدي واجبه فيبتسم ثم يتنهد، ويمتص حبة زيتون.. ويغسل الكؤوس, ويسوي المناضد والمقاعد.. وحين لا يكون سيده هنا.. يسألني هل وجدت عملا.. . ويمنحني حبة زيتون. ما أطيب قلبه.. . ولا يتقاضى إلا قليلا كالموت.. .

لا، الموت لا يتقاضى شيئا.. غير الأتعاب.. كالعاطل.. الموت فقط يدور ويعمل ولا يتقاضى. يتقاضى جثثًنا.. . .ثمنًا بخسًا كأن له سيد كموح.

كل من يتقاضى ثمنًا, بخسا له سيد.. حتى الموت.. لكن الموت يستغلها الحياة حين نوهي.. حين نوهي، ونفقد التعب, ثمن الحياة.. . نبور, ونمنح جثثنا للموت ثمنًا بخسًا. وحين نجوع, ونفقد العمل، نبحث عنه، ولا نجده, حتى بثمن بخس.. .

آه.لو كان الموت، نادرًا كالعمل، لصار ماء البحر خمرًا.. ولا نكثف البخار، وتضاعف الدوران، وتقيأ كل الناس, دفعة واحدة.. .

دارت عيناه, نحو الكأس, ثم نحو موح، متضرعًا ببسمة ذابلة:

مزيدًا, مزيدًا, ثم مزيدًا.. حتى يكف الدوران, أو يتضاعف البخار, وتحترق العروق والرأس.. . ويترقرق النزيف.. .

- يا سي موح. حين نعطش نشرب، وحين نشرب نعطش، وقبل أن نجد عملا، ونشرع فيه.. نظل نشرب، ونحن عطاشى.. فالزمن أجوف, من أن نملاه بلا عمل.

هم أن يهذي, لو لم يفهم موح فمد يده لتنغلق عيناه فيجرع جرعة, ويتكثف البخار أكثر

- مسكينة(اليامنة) بنتي، امتصها فامتصها، اصفرت فاصفرت تقيأت الدم.المسكينة, تقيأت قلبها، فماتت, ماتت لتلحقها أمها بعد أيام.. وتسارع الديدان في الظلماء.. وتنهش وتنهش.. .

لا. لم تمت.. بل أغمى عليها.. فوئدت.. ولم تنهشها الديدان, لأنها في قلبي, وستنبعث ذات يوم، وتكتحل أمها وتستاك, وتبتسم لرقصاتها.

إنكثف البخار، وإنكثف.. وأوشك أن يخرج من عينيه، دموعًا حارة كالدم.. بيد أنه قض أسنانه، ورغب أن يحطم أو يبصق..

في الغفوة, داهمها.. فاصفرتا واصفرتا.. وامتص قلبيهما.. ولم أكن أعمل.

 

تفوه.. تفوه.

تموت أيضا بلا مبرر, هذا الأسوأ.. لا. الأسوأ أننا نموت، لأننا بلا عمل.. أو لأننا نعمل بدون أجر كاف.

لا، الأسوأ، أننا نعرف كل هذا.. لا، الأسوأ، أننا لا نعرفه كلنا.

الأسوأ.. . الأسوأ.. أسوأ.. الآسوأ أن نموت.. أن نجيف، ولانشعر بضرورة المقاومة..

هذيان سكير.. بخار خمر، بخار ألم، بخار دم.

الدم يسكر، الثائر يسكر ببخار الدم.. والشعب سكر ذات يوم, للعلم، للجمهورية، لللإإشتراكية, وهو عاطل.. بلا عمل.

هذيان سكير.. بخار.

لو كان الموت نادر، كالعمل، لصار ماء البحر خمرًا.. ولا نكثف البخار وتصاعد، وتضاعف الدوران واشتد، وتقيأ كل الناس دفعة واحدة.. .

وتنفتح عيناه:

يدور كل شئ ويدور.

موح، كحبة الزيتون في فمه.. كقلب الفدائي, كمطامح الشيوعي..

القوارير كالضمير في صدر الغني، كالقيم في أمريكا.

الجدران كالأيام بلا عمل, كالمناضلين بلا خلايا، كالثوريين في السجون.

المقاعد والمناضد، كالآلام في قلب عامل, كالإهانات في ضمير الشعب.

السكارى كالقمل في رأس يتيمة، كالديدان حول الجيفة.

الاكؤس, كخواطر عاهرة, كرغبات ضابط متعجرف.

يدور كل شئ ويدور, والبخار في رأسه أيضًا:

- اليوم لم يعد يومًا, الزمن حين بمر يفقد زمنيته, ويبقى خواطر بخارية, ونحن مصابون بالنسيان.. . لقد قتلته اليوم كالمعتاد.

.. . أربع ساعات في الميناء, محملقًا..

لا عمل, كالمعتاد.

 

ثلاث ساعات متفاذفًا في الشوارع، مبعثرًا كالضفدعة, والكيس على كتفي:

- قوارير للبيع.. قوارير.. ثياب قديمة.. أحذية, أدوات نحاسية، أشياء أثرية.. نحن كثيرون.. من كل ركن ينبعث صوت قوارير, ثياب, أحذية، أدوات, أشياء أثرية.

تفوه. تفوه.

لقد قتلت اليوم.. واليوم لم يبق زمنًا.. ومن يخمر يخرج منه هذا الزمن اللعين. اغتلته.

اغتلت اليوم وخرجت منه.. واليامنة بنتي الزمن هو الذي اغتالها امتصها فامتصها، اصفرت فاصفرت, تقيأت الدم.. المسكينة, تقيأت قلبها، فماتت لتلحقها أمها، وأنا في السجن، لأنني بدون عمل ماتت, ماتتا.. وأنا لم أمت.. تفوه.. تفوه.. .

بلا مبرر لم أمت.. وبلا مبرر ماتتا..

تتزلزل الأرض, ويهدر البحر ويثور.. وينفجر الظلام, ويعم الطوفان, وتعصف العواصف.

وننسى..

نغتاله, ويفقد  زمنيته، ويبقى خواطر، هو يدور إلى الخلف, ونحن إلى الأمام..

هذيان سكير..

الزمن يدور حول نفسه، ونحن أيضًا.

هذيان, بخار, الشرطي لا يدور حول نفسه.. يدور حول الفراغ.. وكالذبابة لا يعمل, إلا حين يكف عن الدوران..

الشرطي, والموت.. يكفان ذات يوم عن العمل.. ويصير ماء البحر خمرًا.. وتنفتح عيناه:

- لم يبق غير موح، كالدوران، يدور ويدور.. الزبائن لفظتهم العفونة إلى الخارج، كالجيف النتنة.. يجرون أسمالهم والهموم، والروائح الكريهة,

لقد اغتالوه أيضًا, اغتلناه..

القرف, القرف، المقاعد بلا جلاس موحشة، فعلا مخيفة كآلام العامل, كأحزان الشعب.. والقوارير تدور.. تدور هازئة, تهزأ فعلا, كضمير السيد.

ومع ذلك:

- يا موح، حين نعطش نشرب.. وحين نشرب نعطش.. إننا كالثورة.. وقبل أن نجد عملا, ونشرع فيه, نظل نشرب, ونحن عطاشى, فالزمن أجوف من أن نملأ بلا عمل، والسجون اخرس إن لم تضم ثورتين.

ودون أن يهذي, فهمه موح، وظلت يده تتسلل إلى الكأس وعيناه تنغلقان فيجرع، والبخار ينكثف, وينكثف.. والدوران يتضاعف ويتضاعف.كأنه في اليوم الموعود.

 

الجزائر في  1 ماي1966.