ثامناً :الراجح
إن المتأمل للقولين يجد أن أدلة القول الثاني صحيحة صريحة ، ولا تحتاج إلى تأويل في دلالتها لذا فإني أقول : الراجح هو القول الثاني ، حيث إن أقوى ما استدل به المخالف هو قول الرسولe ( لا هجرة بعد الفتح ) وأن هذا الحديث ناسخ لحكم الهجرة وكذا قوله لصفوان : " إن الهجرة قد انقطعت "[1] وهذا لا يعني نسخ حكم الهجرة إذ معناه كما قال ابن العربي و : لا هجرة من مكة بعد فتحها , لصيرورة مكة دار إسلام إلى يوم القيامة فأراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح . وقوله لصفوان : " إن الهجرة قد انقطعت " . يعني من مكة ; لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار , فإذا فتح لم يبق بلد الكفار , فلا تبقى منه هجرة . وهكذا كل بلد فتح لا يبقى منه هجرة وإنما الهجرة إليه أ.هـ .
وأم قول الرسول e { المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه } فالهجرة ترك المعاصي والذنوب ، مثل ما قالوا ، وهذا المعنى لا ينفي هجرة البدن ، ولا تعارض بينهما ، بل من لوازم هجرة البدن ، هجرة المعاصي ومن لوازم ترك الهجرة ، والجلوس في بلد الكفر ، البقاء مع المعاصي جنباً إلى جنب وإن لم يفعلها ، فالحق أن يقال : الهجرة هجرتان ، هجرة معنوية ، وهجرة حسية وكلاهما مطلوب . والثانية متضمنة للأولى ولاشك .
والقاعدة تقول : [ إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ] ولا يصار إلى النسخ أبداً ، إلا إذا تعذر الجمع بين الدليلين ، لأن النسخ إبطال حكم وإلغائه وإهمال دلالته وهنا يقع الحرج حيث يرد حكم شرعي بلا مبرر ، وتخلى ذمة قد شغلت بحكمه إن لم يكن النسخ ثابت . وهذا الذي رجحته هو اختيار أئمة الدعوة السلفية قاطبة والمطالع للدر السنية ، والرسائل والمسائل النجدية ، ومجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب علم ذلك علم اليقين ، حتى شدد الشيخ عبدالرحمن بن حسن وقال : ذكر ابن حجر عن صاحب المعتمد : أن الهجرة كما تجب من بلاد الكفر ، تجب من بلاد الإسلام إذا أظهر المسلم بها واجباً ، ولم يقبل منه ، ولا قدر على إظهاره .
ثم أضاف الشيخ عبد الرحمن بن حسن وقال : وكذلك يجب على كل من كان ببلد يعمل فيها بالمعاصي ، ولا يمكنه تغييرها ، الهجرة إلى حيث تتهيأ له العبادة لقوله تعالى : { فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ......... إلى آخر ما قال في الدرر السنية ج8ص291ط5 .
ومع هذا الرجحان للقول الثاني ، إلا أنه يجب على المسلم أن يعلم ما المقصود بإظهار الدين ، لذا أفردت له مبحثا مستقلاً مختصرا :
20- حديث صفوانeمضى ذكره في سنن سعيد بن منصور