سادساً : القول الأول في الحالة الرابعة والأدلة
القول الأول : القائلين بعدم وجوب الهجرة في مثل هذه الحالة حيث عذرنا الله تعالى في ذلك فيبقى الأمر على الاستحباب . وهذا المشهور من مذهب الحنفية ، ما عدا الحسن
الدليل الأول : قال الحنفية : لا تجب الهجرة من دار الحرب لخبر : ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية )[1]وفي رواية ( قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية ) أما حديث : ( ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين )[2] فمنسوخ بحديث :
( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) متفق عليه ، قالوا فإنه عام ناسخ لوجود الهجرة الدال عليه ما سبق وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر من أسلم من العرب بالمهاجرة إليه , ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم ( ولأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال لأميرهم : إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم , ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين , وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين ......... الحديث )[3] فلم يوجب عليهم الهجرة .
الدليل الثاني : ما روا ه لنا سعيد بن منصور في سننه وأصله في الصحيحين ، عن صفوان بن أمية t لما أسلم ، قيل له لا دين لمن لم يهاجر . فأتى المدينة ، فقال النبيe( وما جاء بك أبا وهب ؟ ) قال : قيل : إنه لا دين لمن لم يهاجر . قال : ( ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة ، أقِرُّوا على مساكنكم ، فقد انقطعت الهجر ولكن جهاد ونية )
الدليل الثالث : قالوا أيضاً حديث أبي داود حدثنا أبو داود ، عن أبي سعيد الخدري : { أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجرة , فقال : ويحك إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل ؟ قال : نعم , قال : فهل تؤدي صدقتها ؟ قال : نعم , قال : فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا } و وجه الدلالة أن الرسولe أباح ترك الهجرة .
الدليل الرابع : عند أبي داود أيضاً قال : أتى رجل عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما فقال : أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه } فالهجرة ترك المعاصي والذنوب .
الدليل الخامس : قالوا : الأحاديث غير حديث ابن عباس لا هجرة بعد الفتح والآمرة بالهجرة محمولة على من لا يأمن على دينه ، قالوا : وفي هذا جمع بين الأحاديث .
ويرى بعض الشافعية من يقدر على إظهار دينه في دار الحرب , ويقدر على الاعتزال في مكان خاص , والامتناع من الكفار , فهذا تحرم عليه الهجرة , لأن مكان اعتزاله صار دار إسلام بامتناعه , فيعود بهجرته إلى حوزة الكفار , وهو أمر لا يجوز لأن كل محل قدر أهله على الامتناع من الكفار صار دار إسلام .
ومما يمكن أن يستشهد به لهم ما ورد في فتاوى شهاب الدين الرملي الشافعي ( سئل ) عن المسلمين الساكنين في وطن من الأوطان الأندلسية يسمى أرغون وهم تحت ذمة السلطان النصراني يأخذ منهم خراج الأرض بقدر ما يصيبونه فيها ولم يتعد عليهم بظلم غير ذلك لا في الأموال ولا في الأنفس ولهم جوامع يصلون فيها ويصومون رمضان ويتصدقون ويفكون الأسارى من أيدي النصارى إذا حلوا بأيديهم ويقيمون حدود الإسلام جهرا كما ينبغي ويظهرون قواعد الشريعة عيانا كما يجب ولا يتعرض لهم النصراني في شيء من أفعالهم الدينية ويدعون في خطبهم لسلاطين المسلمين من غير تعيين شخص ويطلبون من الله نصرهم وهلاك أعدائهم الكفار وهم مع ذلك يخافون أن يكونوا عاصين بإقامتهم ببلاد الكفر فهل تجب عليهم الهجرة . وهم على هذه الحالة من إظهار الدين نظرا إلى أنهم ليسوا على أمان أن يكلفوهم الارتداد والعياذ بالله تعالى أو على إجراء أحكامهم عليهم أو لا تجب نظرا إلى ما هم فيه من الحال المذكور , ثم إن رجلا من الوطن المذكور جاء إلى أداء فريضة الحج من غير إذن أبويه مخافة أن يمنعاه منه فأداها فهل حجه صحيح أو لا لإيقاعه بغير إذن أبويه وهل يجوز رجوعه إلى أبويه في الوطن المذكور ؟
( فأجاب )
بأنه لا تجب الهجرة على هؤلاء المسلمين من وطنهم لقدرتهم على إظهار دينهم به ولأنه صلى الله عليه وسلم بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة لقدرته على إظهار دينه بها بل لا تجوز لهم الهجرة منه ; لأنه يرجى بإقامتهم به إسلام غيرهم ولأنه دار إسلام فلو هاجروا منه صار دار حرب وفيما ذكر في السؤال من إظهارهم أحكام الشريعة المطهرة وعدم تعرض الكفار لهم بسببها على تطاول السنين الكثيرة ما يفيد الظن الغالب بأنهم آمنون منهم من إكراههم على الارتداد عن الإسلام أو على إجراء أحكام الكفر عليهم { وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ } وأما خروج الرجل لحج الفرض بغير إذن أبويه فلا حرج عليه فيه إذ ليس لأبويه منعه من الحج الفرض لا ابتداء ولا إتماما كالصلاة والصوم ويجوز له بعد أداء نسكه رجوعه إلى أبويه بالوطن المذكور , وحجه صحيح معتد به في إسقاط الفرض .
وقد يستشهد لهم أيضاً بما ورد في المغني لابن قدامة :
قال : [ والثالث , من تستحب له , ولا تجب عليه . وهو من يقدر عليها , لكنه يتمكن من إظهار دينه , وإقامته في دار الكفر , فتستحب له , ليتمكن من جهادهم , وتكثير المسلمين , ومعونتهم , ويتخلص من تكثير الكفار , ومخالطتهم , ورؤية المنكر بينهم . ولا تجب عليه ; لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة . وقد كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم مقيما بمكة مع إسلامه . وروينا { أن نعيم النحام , حين أراد أن يهاجر , جاءه قومه بنو عدي , فقالوا له : أقم عندنا , وأنت على دينك , ونحن نمنعك ممن يريد أذاك , واكفنا ما كنت تكفينا . وكان يقوم بيتامى بني عدي ، وأراملهم فتخلف عن الهجرة مدة , ثم هاجر بعد , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قومك كانوا خيرا لك من قومي لي , قومي أخرجوني , وأرادوا قتلي , وقومك حفظوك ومنعوك . فقال : يا رسول الله : بل قومك أخرجوك إلى طاعة الله , وجهاد عدوه وقومي ثبطوني عن الهجرة وطاعة الله أو نحو هذا القول }] . الإصابة في تمييز الصحابة
وهناك علة تكمن وراء هذا الرأي وهي ما سطره ابن العربي في أحكام القرآن قال وقد كنت قلت لشيخنا الإمام الزاهد أبي بكر الفهري : ارحل عن أرض مصر إلى بلادك فيقول : لا أحب أن أدخل بلاداً غلب عليها كثرة الجهل , وقلة العقل , فأقول له : فارتحل إلى مكة أقم في جوار الله وجوار رسوله ; فقد علمت أن الخروج عن هذه الأرض فرض لما فيها من البدعة والحرام , فيقول : وعلى يدي فيها هدى كثير وإرشاد للخلق وتوحيد , وصد عن العقائد السيئة , ودعاء إلى الله عز وجل ....... وقال الماوردي : إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام فالإقامة فيها أفضل من الرحلة عنها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام[4] ......... وغير ذلك من الأدلة ، هذه أشهرها وأصحها وأبينها .
16- أخرجه البخاري 6/3 ومسلم 3/1487 من حديث عبدالله بن عباسt
17-رواه مسلم عن عائشةt في كتاب الجهاد والسير ، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث رقم 1731و1356و1357و1358
18- رواه مسلم كما مر معنا قبل قليل .
19- قال لشوكاني في النيل : ولا يخفى ما في هذا الرأي من المصادمة لأحاديث الباب القاضية بتحريم الإقامة في دار الكفر .