رابعاً : حكم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام

 

لقد اختلف أهل العلم عليهم رحمة الله تعالى ،في مسألة أصل الهجرة ، هل هي باقية ؟ أم أنها نسخت ؟ على قولين اثنين لا ثالث لهما ، وهذا الخلاف ناتج عن تباين العلماء في فهم الأدلة  وإدراك معانيها .

فالقول الأول : من يرى النسخ ، وأن أصل الهجرة  و حكمها قد انقطع   وهم جل علماء الحنفية ، فهذا الجصاص يقرر ذلك في كتابه أحكام القرآن ويقول عند قوله تعالى : { فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعني والله أعلم : حتى يسلموا ويهاجروا ; لأن الهجرة بعد الإسلام , وأنهم وإن أسلموا لم تكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة , وهو كقوله تعالى : { مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } وهذا في حال ما كانت الهجرة فرضا ; وقال النبي صلى الله عليه وسلم :   { أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين , وأنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك قيل : ولم يا رسول الله ؟ قال : لا تراءى ناراهما} . فكانت الهجرة فرضا إلى أن فتحت مكة فنسخ فرض الهجرة . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : { لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا} . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مؤمل بن الفضل قال : حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري t: {أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجرة , فقال : ويحك إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل ؟ قال : نعم  قال : فهل تؤدي صدقتها ؟ قال : نعم , قال : فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا } فأباح النبي صلى الله عليه وسلم ترك الهجرة . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى عن إسماعيل بن أبي خالد قال : حدثنا عامر قال : أتى رجل عبد الله بن عمرو فقال : أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده , والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه } .

وهذا أيضاً ابن عابدين ،صاحب رد المحتار على الدر المختار يقول : وأما قول العتابي : أن من أسلم ولم يهاجر إلينا ، لا يرث من المسلم الأصلي في دارنا ، ولا المسلم الأصلي ممن أسلم ، ولم يهاجر إلينا ، سواء كان في دار الحرب مستأمنا أو لم يكن فمدفوع بقول بعض علمائنا : يخايل لي أن هذا كان في ابتداء الإسلام , حين كانت الهجرة فريضة ألا ترى أن الله تعالى نفى الولاية بين من هاجر , ومن لم يهاجر فقال :

{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا }فلما كانت الولاية بينهما منتفية كان الميراث منتفيا , لأن الميراث على الولاية ، فأما اليوم فينبغي أن يرث أحدهما من الآخر ، لأن حكم الهجرة قد نسخ بقوله صلى الله عليه وسلم { لا هجرة بعد الفتح }[1] ا هـ

وقالوا في مواضع كثيرة غير المصدرين السابقين قد انقطعت الهجرة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا هجرة بعد الفتح } . وقال : { قد انقطعت الهجرة  ولكن جهاد ونية } . وروي { أن صفوان بن أمية لما أسلم , قيل له : لا دين لمن لم يهاجر . فأتى المدينة , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما جاء بك أبا وهب ؟ قال : قيل إنه لا دين لمن لم يهاجر . قال : ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة , أقروا على مساكنكم , فقد انقطعت الهجرة , ولكن جهاد ونية }[2] 

      

والقول الثاني : للجمهور وبعض من ند عن رأي الحنفية مثل الحسن حيث يرى أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب ، فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائما،ونقل عنه ذلك الجصاص ، وخالفه الرأي.

وممن يرى هذا الرأي على سبيل المثال لا الحصر ، الخطابي ، و الطيبي   والنووي،و الحافظ بن حجر ، وابن قدامة ، و ابن العربي ، وابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم  والشوكاني من بعدهم ، ينقل عنهم ويرجح ذلك ، وأئمة الدعوة السلفية بدءاً بالمجدد محمد بن عبد الوهاب ، ونهاية بالعلامة محمد بن ابراهيم[3] .

وفي ذلك يقول ابن العربي في أحكام القرآن : الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكانت فرضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستمرت بعده لمن خاف على نفسه ، والتي انقطعت بالأصالة هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان وقوله ( ولكن جهاد ونية ) قال الطيبي وغيره : هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده ، لما قبله ، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة قد انقطعت ، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة ،كالفرار من دار الكفر ، والخروج في طلب العلم والفرار من الفتن والنية في جميع ذلك معتبرة .

 وقال النووي : المعنى أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة .

وقال ابن قدامة في المغني رداً على من يرى النسخ : ولنا ما روى معاوية t قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها } . رواه أبو داود . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه , قال : { لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد } . رواه سعيد , وغيره , مع إطلاق الآيات ، والأخبار الدالة عليها , وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان . وأما الأحاديث الأول , فأراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح . وقوله لصفوان : " إن الهجرة قد انقطعت " . يعني من مكة ; لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار , فإذا فتح لم يبق بلد الكفار , فلا تبقى منه هجرة . وهكذا كل بلد فتح لا يبقى منه هجرة , وإنما الهجرة إليه .

هذا باختصار شديد للمسألة ، والناظر بعين الاعتبار ، والبصيرة يجد أن قول الجمهور بعدم النسخ ، وأن الحكم ثابت هو الراجح لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ، والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأدلة والجمع حاصل ولله الحمد حيث أجاب الجمهور على اعتراضات من يرى النسخ . والله أعلم

ويبقى أن نعلم أن الذين قالوا ببقاء حكم الهجرة ، وأنه ثابت،قد اختلفوا هل هو على الوجوب ، أم على الاستحباب والندب ، ولو أردت استقصاء أقوال أهل العلم في ذلك لطال البحث ، وتشتت القارئ ولكن باجتهاد مني أوجز الأمر ،  بأن مسألة الهجرة لا نستطيع أن نقول بإيجابها على الإطلاق ، ولا بندبها أو إباحتها على الإطلاق كذلك  ، ولكن التفصيل بحسب حال وواقع المهاجر ، وحال وواقع البلد المهَاجِرِ منها والمهَاجَرِ إليها  وعلى فرض أنه سيهاجر من بلد كفر إلى بلد إسلام ، أو من بلد فساد إلى بلد صلاح،فلا يخلوا حال هذا المقيم بدار الكفر، ويريد الهجرة إلى دار الإسلام من حالات أربع ، أذكرها في خامساً .


 

4- سيأتي قريباً تخريج هذا الحديث باختصار

5- سيأتي قريباً تخريج هذا الحديث باختصار

6- انظر الدرر السنية كتاب الجهاد ط/2ت1385هـ وكذا هو رأي الشيخ العلامة ابن باز ، والشيخ عبدالرزاق عفيفي رحم الله الجميع .