ثالثاً : تعريف الهجرة في اللغة والشرع أو الاصطلاح
جاء في لسان العرب لابن منظور ، وتاج العروس للزبيدي مادة (هجر) الهجرضد الوصل هجره يهجره هجرا ، وهجرانا صرمه ، وهما يهتجران ، و يتهاجران والاسم الهجرة وفي الحديث (لا هجرة بعد ثلاث )[1]
وأما تعريفها في الشرع ، أو الاصطلاح ، فباختصار شديد : هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام . كما قال ابن العربي رحمه الله في أحكام القرآن وقال ابن قدامة في المغني : هي الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام . وقال الشيخ سعد بن عتيق رحمه الله - في الدرر السنية - هي : الانتقال من مواضع الشرك والمعاصي إلى بلد الإسلام والطاعة .
3- رواه الإمام أحمد رقم8960 وكذا مسلم برقم2562 ويراد به الهجرضد الوصل يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب ، وموجدة أو تقصير ، يقع في حقوق العشرة والصحبة ، دون ما كان في جانب الدين ، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مر الأوقات ، ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق فإنه عليه الصلاة والسلام لما خاف على كعب بن مالك وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن غزوة تبوك أمر بهجرانهم خمسين يوما وقد هجر النبيe نساءه شهرا ، وهجرت عائشة ابن الزبير مدة ، وهجر جماعة من الصحابة جماعة منهم ، وماتوا متهاجرين قال ابن الأثير : ولعل أحد الأمرين منسوخ بالآخر ، ومن ذلك ما جاء في الحديث ( ومن الناس من لا يذكر الله إلا مهاجرا )يريد هجران القلب وترك الإخلاص في الذكر فكأن قلبه مهاجر للسانه غير مواصل له ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ( ولا يسمعون القرآن إلا هجرا ) يريد الترك له والإعراض عنه. ويقال : هجرت الشيء هجرا إذا تركته وأغفلته .
وقال ابن الأثير : ورواه ابن قتيبة في كتابه : ولا يسمعون القول إلا هجرا بالضم وقال هو الخنا والقبيح من القول قال الخطابي هذا غلط في الرواية والمعنى فإن الصحيح من الرواية ولا يسمعون القرآن ، ومن رواه القول فإنما أراد به القرآن فتوهم أنه أراد به قول الناس والقرآن العزيز مبرأ عن الخنا والقبيح من القول .
و هجر فلان الشرك هجرا و هجرانا و هجرة حسنة حكاه عن اللحياني و الهجرة الخروج من أرض إلى أرض و المهاجرون الذين ذهبوا مع النبي مشتق منه ، و تهجر فلان أي تشبه بالمهاجرين ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هاجروا ولا تهجروا ، قال أبو عبيد : يقول : أخلصوا الهجرة ولا تشبهوا بالمهاجرين على غير صحة منكم فهذا هو التهجر ، وهو كقولك فلان يتحلم وليس بحليم ، ويتشجع أي أنه يظهر ذلك وليس فيه .
وقال الأزهري : وأصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من باديته إلى المدن يقال : هاجر الرجل إذا فعل ذلك ، وكذلك كل مخل بمسكنه منتقل إلى قوم آخرين بسكناه فقد هاجر قومه ، وسمي المهاجرون مهاجرين لأنهم تركوا ديارهم ومساكنهم التي نشؤوا بها ، ولحقوا بدار ليس لهم بها أهل ، ولا مال حين هاجروا إلى المدينة فكل من فارق بلده من بدوي ، أو حضري ، أو سكن بلدا آخر فهو مهاجر ، والاسم منه الهجرة قال الله عز وجل : {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} (النساء:100)
وكل من أقام من البوادي بمباديهم ومحاضرهم في القيظ ولم يلحقوا بالنبي ولم يتحولوا إلى أمصار المسلمين التي أحدثت في الإسلام وإن كانوا مسلمين فهم غير مهاجرين وليس لهم في الفيء نصيب ويسمون الأعراب .
وقال الجوهري : الهجرتان هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة ، و المهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية
وقال ابن الأثير : الهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليها الجنة في قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } (التوبة:111)
فكان الرجل يأتي النبي ويدع أهله وماله ولا يرجع في شيء منه وينقطع بنفسه إلى مهاجره وكان النبي يكره أن يموت الرجل بالأرض التي هاجر منها ،لذا قال : ( لكن البائس سعد بن خولة ) يرثي له أن مات بمكة وقال حين قدم مكة : (اللهم لا تجعل منايانا بها ) – هذا الحديث عند الإمام أحمد وغيره ورجاله رجال الصحيح - فلما فتحت مكة صارت دار إسلام كالمدينة وانقطعت الهجرة .
والهجرة الثانية من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى فهو مهاجر وليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة وهو المراد بقوله لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة فهذا وجه الجمع بين الحديثين وإذا أطلق ذكر الهجرتين فإنما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة وفي الحديث سيكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض الزمهم مهاجر إبراهيم المهاجر بفتح الجيم موضع المهاجرة ، ويريد به الشام لأن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما خرج من أرض العراق مضى إلى الشام وأقام به وفي الحديث ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) وفي حديث آخر ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ) .
قال ابن الأثير : الهجرة في الأصل الاسم من الهجر ضد الوصل وقد هاجر مهاجرة و التهاجر التقاطع ، و الهجر المهاجرة إلى القرى .
و هجر الشيء و أهجره تركه و هجر الرجل هجرا إذا تباعد ونأى وقال الليث : الهجر من الهجران وهو ترك ما يلزمك تعاهده و هجر في الصوم يهجر هجرانا اعتزل فيه النكاح ولقيته عن هجر أي بعد الحول ونحوه وقيل الهجر السنة فصاعدا وقيل بعد ستة أيام فصاعدا وقيل الهجر المغيب أيا كان......... إلى آخر ما قال ابن منظور والزبيدي