مواصفات جيل التمكين

مواصفات جيل التمكين

?د. أحمد بلوافي

 

1 - بين يدي الموضوع:

عند العودة إلى كتاب الله نجد أن كلمة مكَّن ومشتقاتـها وردت في ما يقرب من العشرين آية (16 آية)، أثنتا عشرة آية منـها دار مدلول الكلمة فيها حول المعنى الذي نريده؛ وهو أن يجعل الله سبحانـه الممكن لهم خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم ولهم تخضع البلاد والعباد، وتصلح في حال تولي المؤمنين[1][1] .

ومن شأن هذا الأمر أن يسمح للممكن لهم أن تكون لهم اليد الطولي وبسط نفوذهم على من يقع تحت إمرتـهم أو إشرافهم، فيستطيعوا من خلال ذلك الموقع فرض أنظمتـهم وسن قوانينـهم فيسايرهم في ذلك أمماً طوعاً أو كرهاً من يقع تحت دائرة تأثيرهم.

ومن خلال استعراض الآيات في كتاب الله يتضح هذا الأمر بكل جلاء، ويمكن تقسيم هذا الاستعراض إلى أربعة أقسام:

1 - التمكن لنبي الله يوسف عليه السلام، قال تعالى: ]وكذلك مكنا ليوسف في الأرض[ [يوسف: 21]، وقال عز من قائل: ]وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منـها حيث يشاء، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين[ [يوسف: 56].

2 - التمكين لذي القرنين، قال تعالى: ]ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منـه ذكراً، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً[ [الكهف: 84]، وقال سبحانـه: ]قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينـه ردماً[ [الكهف: 95].

3 – التمكين للذين كفروا، نذكر منـه على سبيل المثال بعض الآيات، قال سبحانـه وتعالى في سورة الأعراف، الآية العاشرة بعد أن أقسم جل وعلا أنـه سيسأل المرسلين والأقوام الذين أرسلوا فيهم: ]ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون[، وقال في سورة الأنعام [6]: ]ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنـهار تجري من تحتـهم فأهلكناهم بذنوبـهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين[، وقال سبحانـه في سورة القصص [57]: ]وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء[، وغير ذلك من الآيات.

4 - التمكين للمؤمنين أو الوعد لهم بذلك، قال سبحانـه عن أصحاب موسى عليه السلام: ]وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربـها[ [الأعراف: 137]، وقال في سورة القصص [5 – 6]: ]ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونُمكن لهم في الأرض[، وقال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والذين يأتوا من بعدهم: ]وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنـهم في الأمر كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينـهم الذي ارتضى لهم وليبدلنـهم من بعد خوفهم أمناً[ [النور: 55]، وقال في سورة الحج [41]: ]الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونـهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[.

هذه معظم المواطن التي وردت فيها كلمة مكَّن ومشتقاتـها وتلك هي معانيها وكلها تدور، كما ذكرنا سابقاً، حول إمامة الناس والتولي عليهم وإخضاعهم لسلطة ونفوذ الأقوام الممكن لهم. ولنا كلمة أو وقفة حول الوعد بالتمكين للمؤمنين حيث أنـه عند استعراض الآيات التي يتعلق أمر التمكين فيها للمؤمنين نجد أن الله يتحدث على ما بعد التمكين وما يجب أن يكون عليه أمر الفئة المُمَكَّن لها، وهو الأمر الخطير، وذلك لأن النفوس في حال النصر والتمكين والظفر برقاب الناس قد يخالط سويداء قلوبـها ما يجعلها تتكبر على الخلق وتنتقم منـهم، فاقتضى المقام التنبيه على ذلك، كما قال موسى عليه السلام لقومه المستضعفين: ]عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون[، وتذكير المؤمنين أن تمكينـهم يختلف عن تمكين غيرهم، فهم يمثلون مبدأ ورسالة سماوية وليس منـهجاً أرضياً، وهم فوق ذلك مؤتمنون عليها، فهذا الذي ائتمنـهم - وهو الله جل جلاله - يقول لهم: هذا هو الحال الذي أطلب منكم أن تكونوا عليه عند حصول التمكين لكم.

ونحن نتطلع إلى ذلك اليوم الذي يعز الله فيه الإسلام وجنده، ويخذل الشرك وأهله، يجب علينا أن نضع هذه المعاني نصب أعيننا حتى نـزيل العوائق التي تحول بين هذا الواقع المشرق المضيء وبين واقع الذل والهوان الذي نتجرع كؤوسه كل يوم.

 

 

2 - بين الوعد والتـهديد:

وعد الله الذين آمنوا بالنصر والتمكين ثم الظفر بأعدائهم في آيات كثيرة من كتابـه العزيز، والله لا يخلف وعده، فإذا ما تخلف هذا الوعد وتأخر فعلى المؤمنين أن يراجعوا مسيرتـهم وأن يتـهموا أنفسهم ليكتشفوا المثالب والأخطاء التي وقعوا فيها حتى يتجنبوها، ويجب عليهم أن يقتلعوها من جذورها حتى لا تألفها النفوس وتعتاد على العيش في مستنقعها الآسن [كما هو واقعنا اليوم فإلى الله المشتكى].

فالحق جل في علاه يقول: ]إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد[، ]وكان حقاً علينا نصر المؤمنين[، ]والعاقبة للمتقين[، ]واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفين في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره[، ]وأخرى تحبونـها نصر من الله وفتح قريب[، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتاب الله، أو مبين في سنة رسوله عليه السلام.

هذا الرب الرحيم الودود الذي قطع على نفسه هذا الوعد، هو الذي هدد من يتقاعس أو يتوانى أو يرتد عن نصرة هذا الدين بالاستبدال في حال الإقدام على هذه الأمور الذميمة.

فقال في سورة المائدة [54]: ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينـه فسوف يأتي الله بقوم – إلى قوله – والله واسع عليم[.

وقال في سورة التوبة: ]قل إن كان آباؤكم – إلى قوله – والله لا يهدي القوم الفاسقين[، وقال: ]يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله – إلى قوله – والله على كل شيء قدير[.

وقال في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ]ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني - إلى قوله - ثم لا يكونوا أمثالكم[، قال القرطبي: "أي في الجهاد وطرق الخير".

وبالعودة إلى أسباب النـزول وبعض ما تضمنتـه هذه الآيات من أحكام نجد ما يلي:

1 - ذكر المفسرون عند آيات سورة المائدة بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين ما سيقع في هذه الأمة من ارتداد بعض الطوائف عن الإسلام، وذلك لأن هذه الآية كانت من أواخر ما نـزل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول هذه الآية وما قبلها في سورة المائدة: "فالمخاطبون بالنـهي عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية الردة، ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة، وهو سبحانـه لما نـهى عن موالاة الكفار، وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنـه منـهم؛ بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام لا يضر الإسلام شيئاً، بل سيأتي الله بقوم يحبـهم ويحبونـه، فيتولون المؤمنين دون الكفار، ويجاهدون في سبيل الله؛ لا يخافون لومة لائم - إلى أن قال - فهؤلاء الذين لم يدخلوا في الإسلام، وأولئك الذين خرجوا منـه بعد الدخول فيه؛ لا يضرون الإسلام شيئاً، بل يقيم الله من يؤمن بما جاء بـه رسوله وينصر دينـه إلى قيام الساعة" [من وسائل دفع الغربة، ص 63 - 64].

2 - آيات سورة التوبة، جاءت عقب النـهي عن موالاة الآباء والإخوة الكفار وختم ذلك بقوله: ]والله لا يهدي القوم الفاسقين[، يقول الألوسي رحمه الله: "أي الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين وتقديم محبة من ذكر على محبة الله عز وجل ورسوله..." اهـ.

3 – ]يستبدل قوماً غيركم[، "وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التـهديد بالدلالة على المغايرة الوصفية والذاتية المستلزمة للاستئصال، أي قوماً مطيعين، مؤثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامكم وهم أبناء فارس كما قال سعيد بن جبير، أو أهل اليمن، كما روي عن أبي روق، أو ما يعم الفريقين كما اختاره بعض المحققين" [نفس المرجع: ص 133].

4 - آية التوبة: ]يا أيها الذين آمنوا مالكم...[، قال ابن عطية: "ولا اختلاف بين العلماء في أن هذه الآية نـزلت عتاباً على تخلف من تخلف عن غزوة تبوك..." اهـ.

يتبين من خلال الجمع بين هذه النصوص؛ نصوص الوعد ونصوص التـهديد أن أمر التمكين والظفر بالأعداء لا يستحقه كل من انضوى تحت مسمى الإيمان وهو مع ذلك راكد لا تـهز كيانـه ولا تحرك مشاعره ووجدانـه نداءات الوحي ومتطلبات الإيمان. كلا، إن هذا الأمر لا يستحقه إلا من تخلى عن الصفات الذميمة التي ذكرها الله في معرض التـهديد، واتصف بالصفات الإيجابية التي ذكرت في تلك الآيات أو في غيرها، وإليك أخي الكريم بيان موجز لبعض تلك الصفات التي نسأل الله أن يوفقنا لامتثالها في حياتنا وفي أنفسنا حتى يغير الله ما بنا من واقع الذل والهوان.

3 - بعض المواصفات: يصعب حصر تلك الصفات وتناولها بشيء من التفصيل في مثل هذا الحيز المتاح، وما سيرد ذكره هو على سبيل المثال ومما استدعى المقام الإشارة إليه لأهميتـه وتذكير أنفسنا بـه.

أ - أولى هذه المواصفات: أنـه جيل يحب الله ويحبـه الله.

قال تعالى: ]فسوف يأتي الله بقوم يحبـهم الله ويحبونـهم[، وهذه أول صفة ذكرها الله في معرض تـهديد من ارتد عن الإسلام، وبالعودة إلى الآيات التي ذكرناها سابقاً نجد أن هذه الصفة من أهم الخصال التي يجب أن يتحلى بـها يريد أن يحقق الله على يديه أمر إعزاز الإسلام والمسلمين.

فتقديم محاب الله ورسوله على الأمور التي جبل الإنسان على محبتـها مثل المال والولد والزوج والعشيرة أو النفس أو غيرهما دلالة كذلك على صدق هذه المحبة ومحك لاختبار دعوى من يتشدق بـها. ]ويطعمون الطعام على حبـه مسكيناً ويتيماً وأسيراً[ لماذا؟ ]إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً[.

ولهذا نقل عن السلف قولهم أن قوماً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعوا محبة الله فاختبرهم الله جل وعلا بقوله في سورة آل عمران: ]قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله[ [آل عمران: 31]، وتسمى هذه الآية آية المحنة لامتحانـها القلوب في ادعائها هذا.

ومحبة الله عبده رضاه عنـه وتيسير الخير له، ومحبة العبد ربـه انفعال النفس نحو تعظيمه والأنس بذكره وامتثال أمره والدفاع عن دينـه [ابن عاشور: 236].

وإننا في هذه الأيام وفي هذه الديار لفي أشد الحاجة إلى تذكير هذه المعاني والعمل بمقتضاها وترك ما ينافيها وذلك بعرض أعمالنا وأقوالنا على المحجة البيضاء التي تركنا عليها خير الورى.

وسنعيش لحظات مع بعض المعاني والآثار التي أوردها ابن القيم رحمه الله في كتابـه الرائع (مدارج السالكين) وذلك بتناول الأمور التالية:

1 - أهمية المحبة: وهي المنـزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من  عدمه حلت بقلبـه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بـها فعيشه كله هموم وآلام.

وهي سمة هذه الطائفة المسافرين إلى ربـهم، الذين ركبوا جناح السفر إليه، ثم لم يفارقوه إلى حين اللقاء، وهم الذين قعدوا على الحقائق، وقعد من سواهم على الرسوم.

وهي عنوان طريقتـهم ودليلها، فإن العنوان يدل على الكتاب، والمحبة تدل على صدق الطالب، وأنـه من أهل الطريق.

كما إنـها "معقد النسبة" أي النسبة التي بين الرب وبين العبد، فإنـه لا نسبة بين الله وبين العبد إلا محض العبودية من العبد والربوبية من الرب، وليس في العبد شيء من الربوبية، ولا في الرب شيء من العبودية، فالعبد عبد من كل وجه، والرب تعالى هو الإله الحق من كل وجه.

ومعقد نسبة العبودية هو المحبة، فالعبودية معقودة بـها، بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية، والله أعلم.

وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منـها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونـها أبداً واصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائماً إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبـهم أوفر نصيب، وقد قضى الله - يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئتـه وحكمتـه البالغة - : أن المرء مع من أحب، فيالها من نعمة على المحبين سابغة.

ومضى يقول رحمه الله:

فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطلت منازل السير إلى الله، فإنـها روح كل مقام ومنـزلة وعمل، فإذا خلا منـها فهو ميت لا روح فيه، ونسبتـها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها، بل هي حقيقة الإخلاص، بل هي نفس الإسلام، فإنـه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله، فمن لا محبة له لا إسلام له ألبتة، بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، فإن "الإله" هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً، وخوفاً ورجاء، وتعظيماً وطاعة له. بمعنى "مألوه" وهو الذي تألهه القلوب، أي تحبـه وتذل له.

2 – حقيقتـها: لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادّعى الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة ]قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله[ [آل عمران: 31].

فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة بتزكية: ]يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائمة[ [المائدة: 54].

فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم. فهلموا إلى بيعة ]إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة[ [التوبة: 111].

فلما عرفوا عظمة المشتري، وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع، عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأناً، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي، من غير ثبوت خيار، وقالوا: "والله لا نقيلك ولا نستقيلك".

فلما تم العقد، وسلموا المبيع، قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعافها معاً: ]ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربـهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله[ [آل عمران: 169، 170].

إذا غرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربـها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتـهى.

ومن أجمع ما قيل فيها: ما ذكره أبو بكر الكتاني، قال: جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى - أيام الموسم - فتلكم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي، فأطرق رأسه، ودمعت عيناه، ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربـه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبـه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله.

فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله ياتاج العارفين.

3 - الأسباب الجالبة لها: في الأسباب الجالبة للمحبة، والموجبة لها. عشرة:

أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد بـه.

الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنـها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب، والعمل والحال، فنصيبـه من المحبة على قدر نصيبـه من هذا الذكر.

الرابع: إيثار محابـه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابـه وإن صعب المرتقى.

الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاتـه، ومشاهدتـها ومعرفتـها، وتقلبـه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاتـه وأفعاله أحبـه لا محالة.

السادس: مشاهدة بره وإحسانـه وآلائه، ونعمه الباطنـه والظاهرة، فإنـها داعية إلى محبتـه.

السابع: وهو من أعجبـها - انكسار القلب بكليتـه بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات.

الثامن: الخلوة بـه وقت النـزول الإلهي لمناجاتـه وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما تنتقى أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيداً لحالك، ومنفعة لغيرك.

العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.

فمن هذه الأسباب العشرة: وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب، وملاك ذلك كله أمران: استعداد الروح لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة، وبالله التوفيق.

4 - بعض الآثار في تبيين حقيقتـها وأهميتـها: ففي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنـه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبـه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منـه - كما يكره أن يلقى في النار"[2][2] .

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنـه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد أذنتـه بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضتـه عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبـه، فإذا أحببتـه كنت سمعه الذي يسمع بـه، وبصره الذي يبصر بـه، ويده التي يبطش بـها، ورجله التي يمشي بـها، ولئن سألني لأعطينـه، ولئن استعاذني لأعيذنـه"[3][3] ، وفي الصحيحين عنـه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله العبد دعا جبريل، فقال: إني أحب فلاناً فأحبـه، فيحبـه جبريل، ثم ينادي في السماء، إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبـه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"[4][4] . وذكر في البغض عكس ذلك.

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنـهما في حديث أمير السرية الذي كان يقرأ ]قل هو الله أحد[ لأصحابـه في كل صلاة، وقال: لأنـها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بـها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يحبـه"[5][5] .

والقرآن والسنة مملوآن بذكر من يحبـه الله سبحانـه من عباده المؤمنين، وذكر ما يحبـه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم، كقوله تعالى: ]والله يحب الصابرين[ [آل عمران: 146]، ]والله يحب المحسنين[ [آل عمران: 134]، ]إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين[ [البقرة: 222]، ]إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنـهم بنيان مرصوص[ [الصف: 4]، ]فإنـه الله يحب المتقين[ [آل عمران: 76].

وقوله في ضد ذلك: ]والله لا يحب الفساد[ [البقرة: 205]، ]إن الله لا يحب كل مختال فخور[ [لقمان: 18]، ]والله لا يحب الظالمين[ [آل عمران: 57، 140]، ]إن الله لا يحب من كان مختالاً كفوراً[ [النساء: 36].

وكم في السنة: "أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا"، و "إن الله يحب كذا وكذا"، وكقوله: "أحب الأعمال إلى الله: الصلاة على أول وقتـها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله"[6][6] ، و "أحب الأعمال إلى الله: الإيمان بالله، ثم الجهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور"[7][7] ، و "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبـه"[8][8] ، وقوله: "إن الله يحب أن يؤخذ برخصه"[9][9] .

وبعد؛ لقد حاولنا الطواف والوقوف على بعض المعاني والآثار التي تبين حقيقة وأهمية محبة العبد لله ومحبة الله للعبد، فعلينا أن نلزم تلك الحدود وأن لا نتعداها أو نبخسها حقها، وعلينا فوق ذلك أن نعرض أعمالنا وأقوالنا على هذه الموازين الثابتة لننظر هل نحن فعلاً صادقون في دعوانا أننا نحب الله؟ فإذا كانت إجابتنا إيجاباً حمدنا الله على ذلك وشمرنا على ساعد الجد والاجتـهاد لطلب المزيد. وإذا كانت غير ذلك فما علينا إلا أن نسارع إلى تدارك ما فاتنا من نقص حتى لا نكون سبباً في هلاك أنفسنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونكون سبباً في زيادة بلايانا ورزايانا بما كسبت أيدينا من معاص وآثام.

ب - ثاني هذه المواصفات: أنـه جيل مجاهد لا تأخذه في الله لومة لائم: قال تعالى: ]يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائمة[، وقال جل شأنـه: ]إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن – إلى قوله – ذلك هو الفوز العظيم[ [التوبة: 111].

والحديث عن الجهاد وأثره في إعزاز أمة الإسلام يطول، ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الأحاديث الصحيحة أن الأمة سيصيبـها الذل والصغار إن هي تركت هذه الشعيرة العظيمة وأنـه لا يُرفع عنـها لباس الهوان هذا إلا العودة الصادقة إلى ممارسة هذه الشعيرة وتربية الأجيال على معانيها وطلب معاليها.

يقول سيد رحمه الله معلقاً على آيتي 38 و 39 من سورة التوبة: "والعذاب الذي يتـهددهم ليس عذاب الآخرة وحده؛ فهو كذلك عذاب الدنيا، عذاب الذلة التي تصيب القاعدين واستغلالها للمعادين، وهم كذلك يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون من الكفاح والجهاد، ويقدمون على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبـه منـهم الكرام لو قدموا لها الغداء، وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبـه منـها كفاح الأعداء" اهـ.

وقد مثل جيل الصحابة رضوان الله عليهم النموذج الفذ في تطبيق متطلبات الجهاد والشوق إلى ما عند الله، وهذا الأمر له صلة بما قبله، وذلك لأن هذا الجيل أحب الله وأحب لقاءه، فكان يبحث عن أيسر السبل التي توصله إلى محبوبة، فوجد في حب الشهادة والاستشهاد وامتطاء صهوة جوادها الوسيلة المثلى لتحقيق هذا المبتغى.

فكانت تحيتـهم هذه نقيض ما قاله من كانوا مع موسى عليه السلام: ]اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون[، بل قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون".

ولا يتسع المقام إلى العيش مع صور من تلك البطولات فعلى المرء أن يطلبـها من مظانـها وأن يستلذ بالاطلاع عليها ويجعل ذلك جزءاً من برنامجه التربوي حتى تعلو همتـه، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أبناءهم مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعلمونـهم السورة من القرآن.

وقبل أن نترك هذه الخصلة لابد أن نشير إلى أن للجهاد أحكاماً وضوابطاً ليس هذا مجال التفصيل فيها، كما أن له أخلاقاً تبين المجاهد الصادق من غيره. فمن أخلاق المجاهدين الرحمة والشفقة بالناس والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق وليس من أخلاقهم التعالى والتكبر واحتقار جهد الآخرين والنظر إليهم بعين الازدراء والسخرية.

فقد كان الصحابة أكبر المجاهدين وأفضل المضحين ولكنـهم مع ذلك كانوا ]رحماء بينـهم[ و ]أشد على الكفار[، ]أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين[، أما الذين يزايدون ببعض بطولاتـهم ويتشدقون بذلك، فعليهم أن يراجعوا مسيرتـهم ويعرضوها على نقاء السيرة التي تركها رجال خير القرون. فهؤلاء الأفذاذ على ما بذلوه من تضحية وجهاد وعلم وعمل كانوا دائماً يخافون من أن تحبط أعمالهم وكانوا دائماً يحتقرون تلك الأعمال مقابل ما أعده الله لهم من جنات النعيم.

فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنـه يسأل أمين سر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنـه هل ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في عداد المنافقين الذين أسر له بـهم؟ وهذا التابعي بن أبي مليكة يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد، كلهم يخشى النفاق على نفسه، ما منـهم أحد يقول أن إيمانـه على مستوى إيمان ميكائيل وجبرائيل، وغير ذلك من الآثار كثير، التي تبين تواضع القوم وانكسار قلوبـهم وإخباتـها لربـها، على عكس كثير ممن رفعوا شعار هذه الفريضة في هذا الزمان أو تصدوا لأعمال دعوية أخرى تتطلب الشجاعة والإقدام فتباهوا على الناس بـها وازدروا أعمال غيرهم الصائبة.

وذكر هذه المسألة والتركيز عليها من شأنـه أن يجعلنا دائماً - مهما قدسنا من أعمال وتضحيات - في مراجعة دائمة لسيرنا ومسيرتنا وذلك حتى نتدارك عوامل الخلل والنقص والمواطن التي أتى أعداؤنا إلينا منـها، ومن ذلك نذكر القضايا التالية:

1 - التشرذم، فلا يعقل في عصر تكالبت علينا فيه الأمم قاطبة والأعداء بجميع أصنافهم أن ينفرد بأمر المواجهة فئة من الناس غير واضعة في حسابـها هذه المعادلة، مع ما أوجبـه الله سبحانـه وتعالى من ضرورة تراص الصفوف والتصاقها ببعضها في ساحات الوغى ]إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنـهم بنيان مرصوص[.

2 - معرفة أحكام الجهاد ومعالمه حتى نسير في كل خطوة نخطوها على بينة من أمرنا، فالله تعبدنا بما شرع لنا هو لا بما شرعت لنا أنفسنا وأهواؤها.

3 - معرفة الراية التي نقاتل تحتـها، وهي الراية التي تكون كلمة الله تحت لوائها هي العليا وليس القتال من أجل القومية أو الحزب أو الجماعة أو الحمية والشجاعة وإنما من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.

ج - ثالث هذه الصفات: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين: قال تعالى: ]محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينـهم[، وقال: ]واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين[، ]ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك[، نعم هكذا كان حال الرعيل الأول، وذلك كان حال معلمهم معهم، وهكذا يجب أن يكون حال من يريد اقتفاء أثرهم وتحقيق الثمرة التي حققوها، من خفض الجناح ولين الجانب عندما يتعلق الأمر بالمؤمنين وبالشدة والعزة والإباء عندما يتعلق الأمر بأعداء الله المحاربين.

يقول ابن عاشور عند آية سورة المائدة: "فالمراد هنا بالذل بمعنى لين الجانب وتوطئة الكنف، وهو شدة الرحمة والسعي للنفع، ولذلك علق بـه قوله ]على المؤمنين[... والأعز جمع العزيز، فهو المتصف بالعزة وهو القوة والاستقلال... وفي [أي الجمع بين صفتي الذلة والعزة] إيماء إلى أن صفاتـهم تسيرها آراؤهم الحصيفة [المنقادة للشرع] فليسوا مندفعين إلى فعل ما إلا عن بصيرة، وليسوا ممن تنبعث أخلاقه عن سجية واحدة بأن يكون ليناً في كل حال، وهذا هو معنى الخلق الأقوم، وهو الذي يكون في كل حال بما يلائم ذلك الحال، قال [الشاعر]:

حليم إذا ما الحلم زين أهله         مع الحلم في عين العدو مهيب" اهـ.

وهذا الذي ذكره الله في هذا الموضع من ضرورة وإيجاب التصرف في كل حال ومع كل قوم بما يناسب المقام شبيه بقوله سبحانـه في سورة هود: ]فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنـه بما تعملون بصير، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا[، وهي الآية التي شيبت النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك المفسرون.

قال الألوسي عند نفس الآية [آية سورة المائدة]: "]أذلة على المؤمنين[ عاطفين عليهم متذللين لهم... وكان الظاهر أن يقال: أذلة للمؤمنين كما يقال تذلل له، ولا يقال: تذلل عليه للمنافاة بين التذلل والعلو لكنـه عدي بعلى لتضمينـه معنى العطف والحنو المتعدي بـها، وقل: للتنبيه على أنـهم مع علو طبقتـهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتـهم، ولعل المراد بذلك أنـه استعيرت (على) لمعنى اللام ليؤذن بأنـهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بـهذه الصفة..." اهـ.

قال الشاعر:

ملأ السنابل تنحني لخشوع          والفارغات رؤوسهن شوامخ

إن الإيمان إذا سكن في القلب واستجابت لذلك الجوارح تحول المؤمن إلى شجرة طيبة ريحها وثمرها يسقي من ماء غير آسن وأصلها ثابت وفرعها في السماء.

يقول صاحب زبدة التفسير: "أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان، من الازدراء بأهل الدين، وقلب محاسنـهم مساوئ، ومناقبـهم مثالب، حسداً وبغضاً وكراهة للحق وأهله" اهـ.

قال ابن كثير رحمه الله عند نفس الآية [آية سورة المائدة]: "وهذه صفات المؤمنين الكُهَّل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه متعززاً على عدوه كقوله تعالى: ]أشداء على الكفار رحماء بينـهم[ ومن علامة حب الله تعالى للمؤمنين أن يكون لين الجانب متواضعاً لإخوانـه المؤمنين، متسربلاً بالعزة حيال الكافرين والمنافقين" اهـ.

وهذا ما تضافرت نصوص  الوحي لتثبيتـه في قلوب الناس وليكون من يريد تحقيق أمر التمكين على يديه مثالاً يحتذى في تطبيق هذه الأخلاق الرائعة والعمل بـها، ولقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بأنـه لو كان غليظ القلب شديداً مع أصحابـه لانفضوا من حوله: ]ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك[.

الفظ: الغليظ السيء الخلق.

انفضوا: تفرقوا.

ونذكر هنا بعضاً من النصوص وأقوال أهل العلم التي تحث المؤمنين على هذه الأخلاق:

1 - بعض النصوص: قال الله تعالى: ]وعباد الرحمن الذين يمشون في الأرض هوناً[ [الفرقان: 61]، أي سكينة ووقاراً متواضعين، غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين، قال الحسن: علماء حلماء، وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا.

و "الهون" بالفتح في اللغة: الرفق واللين. والهون بالضم: الهوان، فالمفتوح منـه: صفة أهل الإيمان، والمضموم: صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله النيران.

وقال تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينـه فسوف يأتي الله بقوم يحبـهم ويحبونـه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين[ [المائدة: 54].

لما كان الذل منـهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة "على" تضميناً لمعاني هذه الأفعال، فإنـه لم يرد بـه ذل الهوان الذي صاحبـه ذليل، وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبـه ذلول، فالمؤمن ذلول، كما في الحديث: "المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل"[10][10] وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق: الكذاب، والنمام، والبخيل، والجبار.

وقوله: ]أعزة على الكافرين[ هو من عزة القوة والمنعة والغلبة. قال عطاء رضي الله عنـه: للمؤمنين كالوالد لولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريستـه، كما قال في الآية الأخرى ]أشداء على الكفار رحماء بينـهم[ [الفتح: 29].

وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنـه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إلي: أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد"[11][11] .

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنـه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبـه مثقال ذرة من كبر"[12][12].

وفي حديث احتجاج الجنة والنار: "أن النار قالت: مالي لا يدخلني غلا الجبارون، والمتكبرون؟ وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم" وهو في الصحيح[13][13] .

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنـهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل: العزة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني عذبتـه"[14][14] .

2 - هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك:

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على الصبيان فيسلم عليهم[15][15] .

وكانت الأمة تأخذ بيده صلى الله عليه وسلم، فتنطلق بـه حيث شاءت[16][16].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل لعق أصابعه الثلاث[17][17] .

وكان صلى الله عليه وسلم يكون في بيتـه في خدمة أهله[18][18] ولم يكن ينتقم لنفسه قط[19][19] .

وكان صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويرقع ثوبـه، ويحلب الشاة لأهله[20][20] .

ويعلف البعير ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشى مع الأرملة واليتيم في حاجتـهما[21][21]، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه، ولو إلى أيسر شيء[22][22] .

وكان صلى الله عليه وسلم هي المؤنة، لين الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه بساماً، متواضعاً من غير ذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب، رحيماً بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم.

وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ - أو تحرم عليه النار - تحرم على كل قريب هين لين سهل" رواه الترمذي، وقال حديث حسن[23][23] .

وقال: "لو دعيت إلى ذراع - أو كراع - لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع - أو كراع - لقبلت" رواه البخاري[24][24] .

3 - حقيقة الذل والتواضع:

سئل الفضيل بن عياض عن التواضع؟ فقال: يخضع للحق، وينقاد له. ويقبله ممن قاله.

وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح، ولين الجانب.

وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان، والعز في التواضع، فمن طلبـه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار.

وقال إبراهيم بن شيبان: الشرف في التواضع، والعز في التقوى، والحرية في القناعة.

وقال عروة بن الزبير رضي الله عنـهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنـه على عاتقه قربة ماء، فقلت: "يا أمر المؤمنين؛ لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها".

وولي أبو هريرة رضي الله عنـه إمارة مرة، فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره، ويقول: طَرِّقوا للأمير.

ومر الحسن على صبيان معهم كسر خبز، فاستضافوه، فنـزل فأكل معهم، ثم حملهم إلى منـزله، فأطعمهم وكساهم، وقال: اليد لهم، لأنـهم لا يجدون شيئاً غير ما أطعموني، ونحن نجد أكثر ممنـه.

ويذكر أن أبا ذر رضي الله عنـه عير بلالاً رضي الله عنـه بسواده، ثم ندم، فألقى بنفسه، فحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه، فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال.

وروح التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق. بأن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والذل، والانقياد، والدخول تحت رقة، بحيث يكون الحق متصرفاً فيه تصرف المالك في مملوكه، فبـهذا يحصل للعبد خلق التواضع، ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بضده، فقال: "الكبر بطر الحق، وغمص الناس"[25][25] . فبطر الحق: رده وجحده، والدفع في صدره، كدفع الصائل، و "غمص الناس" احتقارهم، وازدراؤهم، ومتى احتقرهم وازدراهم: دفع حقوقهم، وجحدها، واستـهان بـها.

ولما كان لصاحب الحق مقالة وصولة: كانت النفوس المتكبرة لا تقر له بالصولة على تلك الصولة التي فيها، ولا سيما النفوس المبطلة، فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها، فكان حقيقة التواضع: خضوع العبد لصولة الحق، وانقياده لها، فلا يقابلها بصولتـه عليها.

وجمال التواضع إنما يكون بأن ترضى بما رضي الحق بـه لنفسه عبداً من المسلمين أخاً، وأن لا ترد على عدوك حقاً، وأن تقبل من المعتذر معاذيره.

فإذا كان الله قد رضي أخاك المسلم عبداً، أفلا ترضى أنت بـه أخاً؟ فعدم رضاك بـه أخاً: عين الكبر، وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله، لا يرضى بأخوتـه، والله راض بعبوديتـه؟.

ولا تصح لك درجة "التواضع" حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك، وإذا لم ترد عليه حقه، فكيف تمنعه حقاً له قبلك؟ بل حقيقة "التواضع" أنـه إذا جاءك قبلتـه منـه، وإذا كان له عليك حق أديتـه إليه، فلا تمنعك عداوتـه من قبول حقه، ولا من إيتائه إياه.

وكذلك من أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءتـه فإن "التواضع" يوجب عليك قبول معذرتـه، حقاً كانت أو باطلاً، وتكل سريرتـه إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين الذين تخلفوا عنـه في الغزو، فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه، فقبل أعذارهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى[26][26] .

وعلامة الكبر والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه، وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول، ولو قضي شيء لكان، والمقدور ولا مدفع له، ونحو ذلك.

وتمام التواضع: أن لا يرى العابد لنفسه حقاً على الله لأجل عمله، فإنـه في عبودية وفقر محض، وذل وانكسار، فمتى رأى لنفسه على الله حقاً: فسدت عبوديتـه، وصارت معلولة وخيف منـها المقت. ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانـه على نفسه، من إثابة عابديه وإكرامهم، فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانـه، لا باستحقاق العبيد، وأنـهم أوجبوه عليه بأعمالهم.

هذه جملة من المعاني التي تبين حقيقة خفض الجانب والوضع الذي يجب أن يكون عليه المؤمن حيال إخوانـه، ونقيض ذلك ينسحب على معاملة غير المعلم على أن لا تتعدى حدود الشرع فنفرق بين المحارب والمعاهد المسالم فنلتزم في كل حالة حسب ما يطلب الشارع سبحانـه ولا خيار لنا في ذلك، وهذا الموضوع يطول التفصيل فيه فاعقل هذا الإجمال واعمل بـه وإذا أردت التفصيل فاطلبـه من مظانـه.

وعلينا بعد هذا الإيضاح والتبيان أن نعرض حالنا كأفراد وجماعات على هذا الميزان الدقيق: فهل هو موافق أم مخالف لتلك الآثار والمعاني الجميلة؟.

د – رابع هذه الصفات: صابر وثابت على المبدأ مهما ادلهمت الخطوب: قال عز من قائل: ]واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل[، وقال: ]وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون[ [الأعراف: 137].

اقتضت حكمة الله جل في علاه أن يكون هناك تدافع بين الناس وذلك لوجود الخير والشر والحق والباطل، ومن خلال هذه المدافعة تتمايز الصفوف، قال جل في علاه: ]ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين[، ]ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز[، وهذه الآية الأخيرة جاءت بعد أن بين الله سبحانـه وتعالى أنـه يدافع عن الذين آمنوا وأنـه أذن لهم القتال لهم قال في محكم كتابـه: ]إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور. أذن للذين يقاتلون بأنـهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير[ لماذا قيل لهم هذا ونـزل لهم هذا التشريع؟ لأنـهم أخرجوا من ديارهم بغير حق: ]الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله[.

فبين سياق هذه الآيات المحكمات وترتيبـها أن هناك فريق مظلوم يجب عليه أن يدفع هذا الظلم الذي حصل له وهو فريق الحق، وأن هناك فريق معتد ظالم متكبر وهو فريق الباطل يجب أن يردع وأن يوقف عند حده.

إن هذا الوضع وهذه السنة بالنسبة للمؤمنين تتطلب منـهم عدة أكبر من عدة عدوهم، فكان من الله أن أرشدهم إلى ذلك قائلاً: ]يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون[، المصابرة: وهي مقابلة صبر الآخرين والتغلب عليه. وحديثنا عن الصبر يتناول الجوانب الآتية:

1 - الصبر في القرآن:

قال الإمام أحمد رحمه الله: الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعاً.

وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر.

وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعاً.

الأول: الأمر بـه: نحو قوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة[ [البقرة: 153]، وقوله: ]واستعينوا بالصبر والصلاة[ [البقرة: 45]، وقوله: ]اصبروا وصابروا[ [آل عمران: 200]، وقوله: ]واصبر وما صبرك إلا بالله[ [النحل: 127].

الثاني: النـهي عن ضده كقوله: ]فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل بـه[ [الأحقاف: 35]، وقوله: ]فلا تولوهم الأدبار[ [الأنفال: 15]، فإن تولية الأدبار ترك للصبر والمصابرة، وقوله: ]ولا تبطلوا أعمالكم[ [محمد: 33]، فإن ابطالها ترك الصبر على إتمامها، وقوله: ]ولا تـهنوا ولا تحزنوا[ [آل عمران: 139]، فإن الوهن من عدم الصبر.

الثالث: الثناء على أهله، كقوله تعالى: ]الصابرين والصادقين[ [آل عمران: 17]، وقوله: ]والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون[ [البقرة: 177]، وهو كير في القرآن.

الرابع: إيجابـه سبحانـه محبتـه لهم، كقوله: ]والله يحب الصابرين[ [البقرة: 146].

الخامس: إيجاب معيتـه لهم، وهي معية خاصة، تتضمن حفظهم ونصرهم، وتأييدهم، ليست معية عامة، وهي معية العلم، والإحاطة، كقوله: ]واصبروا إن الله مع الصابرين[ [الأنفال: 46]، وقوله: ]والله مع الصابرين[ [البقرة: 249، الأنفال: 66].

السادس: إخباره بأن الصبر خير لأصحابـه، كقوله: ]ولئن صبرتم لهو خير للصابرين[ [النحل: 126]، وقوله: ]وأن تصبروا خير لكم[ [النساء: 25].

السابع: إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم، كقوله تعالى: ]ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون[ [النحل: 96].

الثامن: إيجابـه سبحانـه الجزاء لهم بغير حساب، كقوله تعالى: ]إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب[ [الزمر: 10].

التاسع: إطلاق البشرى لأهل الصبر، كقوله تعالى: ]ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين[ [البقرة: 155].

العاشر: ضمان النصر والمدد لهم، كقوله تعالى: ]بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين[ [آل عمران: 125]، ومنـه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن النصر مع الصبر"[27][27] .

الحادي عشر: الإخبار منـه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم، كقوله تعالى: ]ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور[ [الشورى: 43].

الثاني عشر: الإخبار أنـه ما يلقى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر، كقوله تعالى: ]ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرين[ [القصص: 80]، وقوله: ]وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم[ [فصلت: 35].

الثالث عشر: الإخبار أنـه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر، كقوله تعالى لموسى: ]أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور[ [إبراهيم: 5]، وقوله في أهل سبأ: ]فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور[ [سبأ: 19]، وقوله في سورة الشورى: ]ومن آياتـه الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور[ [الشورى: 32، 33].

الرابع عشر: الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب، والنجاة من المكروه المرهوب، ودخول الجنة، إنما نالوه بالصبر، كقوله تعالى: ]والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار[ [الرعد: 23، 24].

الخامس عشر: أنـه يورث صاحبـه درجة الإمامة، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: بالصبر واليقين تنال الإمام في الدين، ثم تلا قوله تعالى: ]وجعلنا منـهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون[ [السجدة: 24].

السادس عشر: اقترانـه بمقامات الإسلام، والإيمان، كما قرنـه الله سبحانـه باليقين وبالإيمان، وبالتقوى والتوكل، وبالشكر والعمل الصالح والرحمة.

ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنـزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنـه لا جسد لمن لا رأس له، وقال عمرو بن الخطاب رضي الله عنـه: "خير عيش أدركناه بالصبر" وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "أنـه ضياء"[28][28] ، وقال: "من يتصبر يصبره الله"[29][29] .

وفي الحديث الصحيح: "عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كل له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابتـه سراء شكر، فكان خير له، وإن أصابتـه ضراء صبر، فكان خيراً له"[30][30] .

وأمر الأنصار رضي الله عنـهم، بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونـها بعده، حتى يلقوه على الحوض[31][31] .

وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر، وأمر بالصبر عند المعصية، وأخبر "أنـه إنما يكون عند الصدمة الأولى"[32][32] .

وأمر صلى الله عليه وسلم المصاب بأنفع الأمور له، وهو الصبر والاحتساب، فإن ذلك يخفف مصيبتـه، ويوفر أجره، والجزع والتسخط والتشكي يزيد في المصيبة، ويذهب الأجر.

وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصبر خير كله، فقال: "ما أعطي أحد عطاء خيراً له وأوسع من الصبر"[33][33] .

2 - معنى الصبر وأنواعه:

و الصبر في اللغة: الحبس والكف، ومنـه قتل فلان صبراً: إذا أمسك وحبس، ومنـه قول تعالى: ]واصبر نفسك مع الذين يدعون ربـهم بالغداة والعشي يريدون وجهه[ [الكهف: 28]، أي احبس نفسك معهم.

فالصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش.

وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله.

3 - مراتب الصبر:

وهو على ثلاثة أنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله.

فالأول: الاستعانة بـه، ورؤيتـه أنـه هو المصبر، وأن صبر العبد بربـه لا بنفسه، كما قال تعالى: ]واصبر وما صبرك إلا بالله[ [النحل: 127]، يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر.

والثاني: الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله، وإرادة وجهه، والتقرب إليه، لا لإظهار قوة النفس، والاستحماد إلى الخلق، وغير ذلك من الأعراض.

والثالث: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منـه، ومع أحكامه الدينية، صابراً نفسه معها، سائراً بسيرها، مقيماً بإقامتـها، يتوجه معها أين توجهت ركائبـها، وينـزل معها أين استقلت مضاربـها.

وقد أمر الله سبحانـه وتعالى في كتابـه بالصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه.

وقال ابن عيينة في قوله تعلى: ]وجعلنا منـهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا[ [السجدة: 24]، قال: "أخذوا برأس الأمر فجعلم رؤساء".

تنبيه هام:

والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر، فإن يعقوب عليه السلام وعد بالصبر الجميل، والنبي إذا وعد لا يخلف، ثم قال: ]إنما أشكو بثي وحزني إلى الله[ [يوسف: 86]، وكذلك أيوب أخبر الله عنـه: أنـه وجده صابراً مع قوله: ]مسني الضر وأنت أرحم الراحمين[ [الأنبياء: 83].

وإنما ينافى الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله، كما رأى بعضهم رجلاً يشكو إلى آخر فاقة وضرورة فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ثم أنشد:

وإذا عـرتك بلية فاصبر لها         صبر الكريم فإنـه بـك أعـلم

وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما           تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

4 - الصبر في المحن وكيف نحصله:

أما الصبر في المحن على أذى الظالمين، وعند النوازل فإن العبد يستجلبـه ويستعين عليه بثلاث أشياء:

أحدها: "ملاحظة حسن الجزاء" وعلى حسب ملاحظتـه والوثوق بـه ومطالعتـه يخف حمل البلاء، لشهود العوض، وهذا كما يخف على كل متحمل مشقة عظيمة حملها، لما يلاحظه من لذة عاقبتـها وظفره بـها، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة، وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة، فالنفس موكلة بحب العاجل، وإنما خاصة العقل: تلمح العواقب، ومطالعة الغايات.

وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة، حصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة، فإنـه على قدر التعب تكون الراحة.

على قدر أهل العزم تأتي العزائم     وتأتي على قدر الكريم الكرائم

ويكبر في عين الصـغير صغيرها    وتصغر في عين العظيم العظائم

والقصد: أن ملاحظة حسن العاقبة تعين على الصبر فيما تتحمله باختيارك وغير اختيارك.

والثاني: انتظار الفرج.

أي: راحتـه ونسيمه ولذتـه، فإن انتظاره ومطالعتـه وترقبـه يخفف حمل المشقة، ولا سيما عند قوة الرجاء، أو القطع بالفرج، فإنـه يجد في حشو البلاء من روح الفرح ونسيمه وراحتـه: ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل، وبـه - يفهم معنى اسمه "اللطيف".

والثالث: تـهوين البلية، بأمرين:

أحدهما: أن يعد نعم الله وأياديه عنده، فإذا عجز عن عدها، وأيس من حصرها، هان عليه ماهو فيه من البلاء، ورآه - بالنسبة إلى أيادي الله ونعمه - كقطرة من بحر.

الثاني: تذكر سوالف النعم التي أنعم الله بـها عليه، فهذا يتعلق بالماضي، وتعداد أيادي المنن: يتعلق بالحال، وملاحظة حسن الجزاء، وانتظار الجزاء، وانتظار روح الفرج: يتعلق بالمستقبل، وأحدهما في الدنيا، والثاني يوم الجزاء.

وفي ختام الحديث عن الصبر نقول: "فعلى وهج النار الملتـهبة نار الفتنة بجمع أنواعها تتميز معادن الناس، فينقسمون إلى مؤمنين صابرين، وإلى مدعين أو منافقين، وينقسم المؤمنون إلى طبقات كثيرة؛ بحسب شدة صبرهم وقوة احتمالهم" اهـ [سلسلة رسائل الغرباء (3) ص 201].

ثم نضيف: "فالمراحل التي تمر بـها حياة المؤمنين المجاهدين؛ من العلماء والدعاة؛ ممن صدقوا في دعوى الإيمان، واستحقوا أن يمنحهم الله قيادة البشرية بالإسلام؛ هي: الابتلاء، ثم الصبر، ثم العاقبة" [نفس المصدر، ص 205].

فاعقل أخي المؤمن هذه المراحل والزمها وتعقبـها في سير الأولين لتكون على بينة مما نقول واعلم: أن النصر مع الصبر، وأنـه لا يتسع الأمر إذا إذا ضاق، وأنـه بعد العسر يسراً.

قال تعالى: ]ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ميل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين[ [الأنعام: 24]uuu


 


 


 

[1][1] - نقلاً عن ابن كثير، مع تصرف يسير.

[2][2] - رواه البخاري (21)، ومسلم (43).

[3][3] - تقدم تخريجه.

[4][4] - رواه البخاري (7485)، ومسلم (3637)، ومالك 2/953، والترمذي 3160 عن أبي هريرة.

[5][5] - أخرجه البخاري (7375)، ومسلم (813).

[6][6] – رواه البخاري ومسلم.

[7][7] – رواه البخاري.

[8][8] –رواه البخاري.

[9][9] – صحيح رواه أحمد وابن حبان عن ابن عمر.

[10][10] - روي بلفظ "إنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما انقيد انقاد" رواه أحمد 4/126، وابن ماجه (43)، والحاكم 1/96 عن العرباض بن سارية في حديث طويل وإسناده قوي.

[11][11] - رواه مسلم (2865)، وأبو داود (3895)، وابن ماجة (4179)، وله شواهد عن أنس عند البخاري في الأدب المفرد (426)، وابن ماجة (4214).

[12][12] - رواه مسلم (91)، والبغوي (3587).

[13][13] - رواه البخاري (4850)، ومسلم (2846)، والترمذي (2564) عن أبي هريرة.

[14][14] - رواه مسلم (2620)، والبغوي (3592) عن أبي هريرة.

[15][15] - رواه البخاري عن أنس.

[16][16] - صحيح، علقه البخاري ووصله أبو داود وغيره عن أنس.

[17][17] - رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس.

[18][18] - أخرجه البخاري عن الأسود.

[19][19] - أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة.

[20][20] - صحيح، رواه أحمد وابن حبان عن عائشة.

[21][21] - صحيح، رواه النسائي والحاكم عن ابن أبي أوفى.

[22][22] - كما في حديث "الأمة" المتقدم تخريجه وغيره من الأحاديث.

[23][23] - صحيح، أخرجه الترمذي (2490)، وأحمد 1/415، وابن حبان (1096) عن ابن مسعود ورجاله ثقات غير عبد الله بن عمر الأودي لم يوثقه غير ابن حبان، وله شواهد يتقوى بها من حديث معيقب وحديث أبي هريرة وحديث أنس وانظر "مجمع الزوائد" 4/75.

[24][24] - برقم (5178) عن أبي هريرة، وآخر الترمذي (1338) عن أنس.

[25][25] - رواه مسلم (91)، وأبو داود (4091)، والترمذي (1999) عن عبد الله بن مسعود، ورواه أبو داود (4092) عن أبي هريرة بسند صحيح.

[26][26] - أنظر البخاري (4418).

[27][27] - حسن، رواه أحمد 1/307 ، والحاكم 3/541 و 542، عن ابن عباس.

[28][28] - روان مسلم (223)، والنسائي 5/5، وأحمد 5/342، عن أبي مالك الأشعري.

[29][29] - رواه البخاري (6470)، ومسلم (1053)، وأبو داود (1644)، والترمذي (2024)، عن أبي سعيد.

[30][30] - رواه مسلم (2999)، والدارمي 2/318، وأحمد 6/16، من حديث صهيب.

[31][31] - رواه البخاري (3792) و (7057)، ومسلم (1845) عن أسيد بن حضير.

[32][32] - رواه البخاري (1302)، ومسلم (626) (15) عن أنس بن مالك.

[33][33] - تقدم تخريجه.