|
|
| فضائل
محمد صلى الله عليه و سلم ثابته قبل
النبوة : المهيأ لأشرف الأخلاق و أجمل الأفعال ، المؤهل لأعلى المنازل و أفضل الأعمال ، لأنها أصول تقود إلى ما ناسبها و وافقها ، و تنفرد مما باينها و خالفها ، و لا منزلة في العالم أعلى من النبوة التي هي سفارة بين الله تعالى و عباده تبعث على مصالح الخلق و طاعة الخلق ، فكان أفضل الخلق بها أخص ، و أكملهم بشروطها أحق بها و أمس . و لم يكن في عصر الرسول و ما دانى طرفيه من قاربه في فضله ، و لا داناه في كماله خلقاً و خلقاً وقولاً و فعلاً ، و بذلك و صفه الله تعالى في كتابه بقوله : وإنك لعلى خلق عظيم فإن قيل : فليست فضائله دليلاً على نبوته ، و لم يسمع بنبي احتج بها على أمته و لا عول عليها في قبول رسالته ، لأنه قد يشارك فيها حتى يأتي بمعجز يخرق العادة فيعلم المعجز أنه نبي لا بالفضل . قيل : الفضل من أماراتها ، و إن لم يكن من معجزاتها ، و لأن تكامل الفضل معوز فصار كالمعجز ، و لأن من كمال الفضل اجتناب الكذب ، و ليس من كذب في ادعاء النبوة بكامل الفضل ، فصار كمال الفضل موجباً للصدق و الصدق موجباً لقبول القول فجاز أن يكون من دلائل الرسل . كمال خلق النبي صلى الله عليه و سلم : فإذا وضح هذا فالكمال المعتبر في البشر يكون من أربعة أوجه : أحدها : كمال الخلق ، و الثاني : كمال الخلق ، و الثالث : فضائل الأقوال ، و الرابع : فضائل الأعمال . فأما الوجه الأول في كمال خلقه بعد اعتدال صورته فيكون بأربعة أوصاف : أحدها : السكينة الباعث على الهيبة و التعظيم ، الداعية إلى التقديم و التسليم ، و كان أعظم مهيب في النفوس حتى ارتاعت رسل كسرى من هيبته حين أتوه مع ارتياضهم بصولة الأكاسرة ، و مكاثرة الملوك الجبابرة ، فكان في نفوسهم أهيب ، و في أعينهم أعظم ، و إن لم يتعاظم بأهبة ، و لم يتطاول بسطوة ، بل كان بالتواضع موصوفاً ، و بالوطاء معروفاً . و الثاني : الطلاقة الموجبة للإخلاص و المحبة الباعثة على المصافاة و المودة ، و قد كان محبوباً ، و لقد استحكمت محبة طلاقته في النفوس حتى لم يقله مصاحب ، و لم يتباعد منه مقارب ، و كان أحب إلى أصحابه من الآباء و الأبناء و شرب البارد على الظمأ . و الثالث : حسن القبول الجالب لممائلة القلوب حتى تسرع إلى طاعته ، و تذعن بموافقته ، و قد كان قبول منظره مستولياً على القلوب ، و لذلك استحكمت مصاحبته في النفوس حتى لم ينفر منه معاند ، و لا استوحش منه مباعد إلا من ساقه الحسد إلى شقوته ، و قاده الحرمان إلى مخالفته . و الرابع : ميل النفوس إلى متابعته و انقيادها لموافقته و ثباته على شدائده و مصابرته ، فما شذ عنه معها من أخلص ، و لا ند عنه فيها من تخصص . و هذه الأربعة من دواعي السعادة ، و قوانين الرسالة ، و قد تكاملت فيه فكمل لما يوازيها و استحق ما يقتضيها . كمال أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم : و أما الوجه الثاني في كمال أخلاقه فيكون بست خصال : إحداهن رجاحة عقله و صحة وهمه ، و صدق فراسته ، و قد دل على وفور ذلك فيه صحة رأيه ، و صواب تدبيره ، و حسن تألفه ، و أنه ما استفعل في مكيدة ، و لا استعجز في شديدة ، بل كان يلحظ الإعجاز في المبادي فيكشف عيوبها ، و يحل خطوبها ، و هذا لا ينتظم إلا بأصدق وهم و أوضح جزم . ثباته في الشدائد عليه السلام : و الخصلة الثانية ثباته في الشدائد و هو مطلوب ، و صبره على البأساء و الضراء و هو مكروب و محروب ، و نفسه في اختلاف الأحوال ساكنة ، لا يجوز في شديدة ، و لا يستكين لعظيمة أو كبيرة ، و يقدر على الخلاص ، و هو بالشر لا يزداد إلا اشتداداً و صبراً ، و قد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي ، و يهد الصياصي ، و هو من الضعف يصابر صبر المستعلي ، و يثبت ثبات المستولي . و روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم قال : لقد أخفت في الله و ما يخاف أحد ، و لقد أوذيت في الله و ما يؤذي أحد ، و لقد أتت علي ثلاثون من بين يوم و ليلة و مالي و لبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال . و روى عبد الرحمن بن زيد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما شبع آل محمد من الشعير يومين حتى قبض رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم . و من صبر على هذه الشدائد في الدعاء إلى الله تعالى امتنع أن يريد به الدنيا ، و قد زويت عنه ، و ما ذاك إلا لطلب الآخرة ، و مستحيل ممن كذب في ادعائه إليها أن يستوحشها ، أو كذب على الله تعالى أن يثاب بها . زهده في الدنيا عليه السلام : و الخصلة الثالثة زهده في الدنيا و إعراضه عنها و قناعته بالبلاغ منها فلم يمل إلى نضارتها و لم يله لحلاوتها . و روى سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة بن عبد الرحمن قال : قيل لرسول الله صلى الله تعالى عليه و س لم إن شئت أعطيت خزائن الأرض ما لم يعط أحد قبلك ، و لا يعطاه أحد بعدك ، و لا ينقضك في الآخرة شيئاً . قال : اجمعوها لي في الآخرة ، فنزلت : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا . و روى هلال بن أبي خباب عن عكرمة عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه دخل على رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و هو على حصير قد أثر في جسمه ، فقال له : يا رسول الله ، لو اتخذت فراشاً أوطأ من هذا . فقال : ما لي و للدنيا ، و الذي نفسي بيده ما مثلي و مثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من النهار ثم راح و تركها . و روى حميد بن بلال بن أبي بردة قال : أخرجت إلينا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبداً و إزاراً غليظاً ، و قالت : قبض رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم في هذين . هذا و قد ملك من أقصى الحجاز إلى عذار العراق ، و من أقصى اليمن إلى شجر عمان ، و هو أزهد الناس فيما يقتني و يدخر ، و أعراضهم عما يستفاد و يحتكر ، لم يخلف عيناً و لا ديناً ، و لا حفر نهراً ، و لا شد قصراً ، و لم يورث ولده و أهله متاعاً و لا مالاً ليصرفهم ع ن الرغبة في الدنيا كما صرف نفسه عنها فيكونوا على مثل حاله في الزهد فيها . و روى أبو سلمة عن أبي هريرة قال : جاءت فاطمة عليها السلام الى أبي بكر رضي الله تعالى عنه تريد الميراث ، فمنعها ، فقالت : من يرثك ؟ قال : ولدي و أهلي . فقالت : فلا ترث رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم بنته ؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم يقول : إنا لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة فمن كان رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم يعوله فأنا عوله ، و من كان رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ينفق عليه فأنا أنفق عليه . و حث رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم على الزهد في الدنيا و الإعراض عن التلبس بها ليكون عوناً على السلامة من تبعاتها و صرف النفوس عن شهواتها . و روى عبد المطلب بن حاطب عن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم قال : من أحب دنياه أضر بآخرته ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى . وروى عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم : حب الدنيا رأس كل خطيئة . و روى أبو حكيم عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم : احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت و ماروت . و روى عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم : يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الخلود و هو يسعى لدار الغرور . و روى عوف عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم إنما مثل الدنيا كمثل الماشي على الماء ، هل يستطيع الذي يمشي على الماء أن لا تبتل قدماه ؟ ! و هذه الدواعي و الوصايا ما اقتدى به خلفاؤه في زهده ، و انتقلوا بالأمور من بعده . فكان أبو بكر رضوان الله عليه يتخلل عباءة له و هو خليفة فسمي : ذا الخلالين . و كان عمر رضي الله تعالى عنه يلبس مرقعة من صوف فيها رقاع من أدم و يطوف في الأسواق على عاتقه درة يؤدب بها الناس و يمر بالنوى فيلقطه و يلقيه في منازل الناس حتى ينتفعوا به ، و يطوف وحده في الليل عساً و يتطلع غوامض الأمور تجسساً ، ليأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر . و كان عثمان رضي الله تعالى عنه يقوم الليل كله يختم القرآن في ركعة ، و جاد بماله و فدى الخلق بنفسه و قال : إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ، و أشرب كما يشرب العبد . و اشترى علي رضي الله تعالى عنه و ه و خليفة قميصاً بثلاثة دراهم و قطع كمه من موضع الرسغين . و قال : الحمد لله الذي هذا من رياشه و لم يزل يأكل الخشن و يلبس الخشن ، و فرق الأموال حتى رش بيت المال و نام فيه ، و قال : يا صفراء يا بيضاء غري غيري . و حقيق بمن كان في الدنيا بهذه الزهادة حتى اجتذب أصحابه إليها أن لا يتهم بطلبها ، و يكذب على الله تعالى في ادعاء الآخرة بها ، و يقنع في العاجل ، و قد سلب الآجر بالميسور النزر ، و رضي بالعيش الكدر . و قد روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم يقول في شهر رمضان : قدمي غداءك المبارك و قالت : ربما لم يكن إلا تمرتين . و روى عبد الله بن مسلمة عن مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم دخل المسجد فوجد أبا بكر و عمر رضي الله تعالى عنهما ، فسألهما فقال : ما أخرجكما فقالا : أخرجنا الجوع فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم : و أنا أخرجني الجوع فذهبوا إلى أبي الهيثم بن التيهان فأمر له بحنطة أو شعير عنده يعمل و قام فذبح لهم شاة ، فقال له نكب عن ذات الدر و استعذب لهم ماء علق على نخلة ، ثم أوتوا بذلك الط عام فأكلوا منه و شربوا من ذلك الماء ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم : لتسألن عن نعيم هذا اليوم ، ثم ملكوا الدنيا فرفضوها و اقتنعوا بالبلاغة فيها . تواضعه عليه السلام : و الخصلة الرابعة تواضعه للناس و هم اتباع ، و خفض جناحه لهم و هو مطاع ، يمشي في الأسواق ، و يجلس على التراب، و يمتزج بأصحابه و جلسائه ، فلا يتميز عنهم إلا بإطراقه و حيائه : فصار بالتواضع متميزاً ، و بالتذلل متعززاً . و لقد دخل عليه بعض الأعراب فارتاع من هيبته ، فقال خفف عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة و هذا من شرف أخلاقه و كريم شيمه ، فهي غريزة فطر عليها ، و جبلة طبع بها ، و لم تندر فتعد ، و لم تحصر فتحد . حلمه و وقاره عليه السلام : و الخصلة الخامسة حلمه و وقاره عن طيش يهزه أو خرق يستفزه ، فقد كان أحلم في النفار من كل حليم ، و أسلم في الخصام من كل سليم ، و قد مني بجفوة الأعراب فلم يوجد منه نادرة ، و لم يحفز عليه بادرة ، و لا حليم غيره إلا ذو عسرة ، و لا وقور سواه إلا ذو هفوة ، فإن الله تعالى عصمه من نزع الهوى و طيش القدرة بهفوة أو عثرة ليكون بأمته ، رؤوفاً و على الخلق عطوفاً . قد تناولته ق ريش بكل كبيرة ، و قصدته بكل جريرة ، و هو صبور عليهم ، و معرض عنهم ، و ما تفرد بذلك سفهاؤهم دون حلمائهم ، و لا أراذلهم دون عظمائهم ، بل تمالأ عليه الجلة ، و الدون ، فكلما كانوا عليه من الأمر و ألح كان عنهم أعرض و أفصح ، حت قهر فعفا ، و قدر فغفر ، و قال لهم حين ظفر بهم عام الفتح و قد اجتمعوا إليه : ما ظنكم بي ؟ قالوا : ابن عم كريم ، فإن تعف فذاك الظن بك ، و إن تنتقم فقد أسأنا ، فقال : بل أقول كما قال يوسف لأخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين قال صلى الله تعالى عليه و سلم : اللهم قد أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرهم نوالاً . و أتته هند بنت عتبة و قد بقرت بطن عمه حمزة ، و لاكت كبده ، فصفح عنها و أعطاها يده لبيعتها . فإن قيل : فقد ضرب رقاب بني قرييظة صبراً في يوم أحد ، و هم نحو سبعمائة فأين موضع العفو و الصفح ؟ و قد انتقم انتقام من لم يعطفه عليهم رحمة و لا داخلته لهم رقة . قيل إنما فعل ذلك في حقوق الله تعالى ، و قد كانت بني قريظة رضوا بتحكيم سعد بن معاذ عليهم ، فحكم أن من جرت عليه الموسى قتل ، و من لم تجر عليه استرق ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه و سل م هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة ، فلم يجز أن يعفو عن حق وجب لله تعالى عليهم ، و إنما يختص عفوه بحق نفسه . حفظه عليه السلام للعهد : و الخصلة السادسة حفظه للعهد و وفاؤه بالوعد ، فإنه ما نقض لمحافظ عهداً ، و لا أخلف لمراقب وعداً ، يرى الغدر من كبار الذنوب ، و الإخلاف من مساوئ الشيم ، فيلتزم فيها الأغلظ ، و يرتكب فيهما الأصعب ، حفظاً لعهده و وفاء بوعده ، حتى يبتدئ معاهدوه بنقضه فيجعل الله تعالى له مخرجاً ، كفعل اليهود من بني قريظة و بني النضير ، و كفعل قريش بصلح الحديبية ، فجعل الله تعالى له في نكثهم الخيرة . فهذه ست خصال تكاملت في خلقه فضله الله تعالى بها على جميع خلقه . فضائل أقوال النبي عليه السلام : و أما الوجه الثالث في فضائل أقواله فمعتبر بثماني خصال : إحداهن ما أتى من الحكمة البالغة و أعطي من العلوم الجمة الباهرة ، و هو أمي من أمة أمية لم يقرأ كتاباً و لا درس علماً و لا صحب عالماً ، و لا معلماً ، فأتى بما بهر العقول ، و أذهل الفطن ، من اتقان ما أبان ، و إحكام ما أظهر ، فلم يعثر فيه بزلل في قول أو عمل ، و جعل مدار شرعه على أربعة أحاديث ، أوجز بها المراد ، و أحكم بها الاجتهاد . أحدها : قوله : إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى . و الثاني قوله : الحلال بين و الحرام بين و بين ذلك أمور مشتبهات و من يحم حول الحمى يوشك أن يقع فيه . و الثالث قوله : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه . و الرابع قوله : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . و قد شرع من تقدم من حكماء الفلاسفة سنناً حملوا الناس على التدين بها حين علموا أنه لا صلاح للعالم إلا بدين ينقادون له ، و يعملون به ، فما راق لها أثر و لا فاق لها خبر ، و هم ينبوع الحكم ، و أعيان الأمم ، و ما هذه الفطرة في الرسول إلا من صفاء جوهره و خلوص مخبره . و الخصلة الثانية حفظه لما أطلعه الله تعالى عليه من قصص الأنبياء مع الأمم و أخبار العالم في الزمن الأقدم حتى لم يعزب عنه منها قليل و لا كثير ، و هو لا يضبطها بكتاب يدرسه ، و لا يحفظها بعين تحرسه ، و ما ذاك إلا من ذهن صحيح ، و صدر فسيح ، و قلب شريح و هذه الثلاثة آلة ما استودع من الرسالة ، و حمل من أعباء النبوة ، فجدير أن يكون بها مبعوثاً ، و على القيام بها محثوثاً . و الخصلة الثالثة إحكامه لما شرع بأظهر دليل و بيانه بأوضح تعليل حتى لم يخرج منه ما يوجبه معقول ، و لا دخل فيه ما تدفعه العقول ، و لذلك قال صلى الله تعالى عليه و سلم : أوتيت جوامع الكلم و اختصرت لي الحكمة اختصاراً لأنه نبه بالقليل على الكثير ، فكف عن الإطالة و كشف عن الجهالة ، و ما تيسر ذلك إلا و هو عليه معان ، و إليه مفاد . و الخصلة الرابعة ما أمر به من محاسن الأخلاق ، و دعا إليه من مستحسن الأدب ، و حث عليه من صلة الأرحام و ندب إليه من التعطف على الضعفاء و الأيتام ، ثم ما نهى عنه من التباغض و التحاسد ، و كف عنه من التباعد ، فقال : لا تقاطعوا و لا تدابروا ولا تباغضوا و كونوا عباد الله إخواناً لتكون الفضائل فيهم أكثر ، و محاسن الأخلاق بينهم أنشر ، و مستحسن الآداب عليهم أظهر ، و تكون إلى الخير أسرع ، و من الشر أمنع ، فيتحقق فيهم قول الله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر فلزموا أوامره ، و اتقوا زواجره ، فتكامل بهم صلاح دينهم و دنياهم ، حتى عز بهم الإسلام بعد ضعفه ، و ذل بهم الشرك بعد عزه ، فصاروا أئمة أبراراً ، و قادة أخياراً . و الخصلة الخامسة وضوح جوابه إذا سئل و ظهور حجاجه إذا جودل ، لا يحصره عي ، و لا يقطعه عجز ، و لا يعارضه خصم في جدال إلا كان جوابه أوضح ، و حجاجه أرجح ، أتاه أبي بن خلف بعظم نخر من المقابر قد صار رميماً ففركه حتى صار كالرماد ، ثم قال : يا محمد ، أنت تزعم أنا و آباءنا نعود إذا صرنا هكذا ، لقد قلت قولاً عظيماً ما سمعناه من غيرك من يحيي العظام وهي رميم فأنطق الله تعالى رسوله صلى الله تعالى عليه و سلم ببرهان نبوته فقال : يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم فانصرف مبهوتاً و لم يحر جواباً ، و لما قال عليه الصلاة و السلام لا عدوى و لا طيرة قال له رجل يا رسول الله إنا نرى النقبة من الجرب في مشفر البعير فيعدو سائره قال : فمن أعدى الأول ؟ و أسكته . و الخصلة السادسة أنه محفوظ اللسان من تحريف في قول و استرسال في خبر يكون إلى الكذب منسوباً ، و للصدق مجانباً فإنه لم يزل مشهوراً بالصدق في خبره فاشياً و كثيراً حتى صار بالصدق مرقوماً ، و بالأمانة مرسوماً . و كانت قريش بأسرها تتيقن صدقه قبل الإسلام ، فجهروا بتكذيبه في استدعائهم إليه ، فمنهم من كذبه حسداً ، و منهم من كذبه عناداً ، و منهم من كذبه استبعاداً أن يكون نبياً أو رسولاً ، و لو حفظوا عليه كذبه نادرة في غير الرسال ة لجعلوها دليلاً على تكذيبه في الرسالة ، و من لزم الصدق في صغره كان له في الكبر ألزم ، و من عصم منه في حق نفسه كان في حقوق الله تعالى أعصم ، و حسبك بهذا دفعاً لجاحد ورداً لمعاند . و الخصلة السابعة تحرير كلامه في التوخي به إبان حاجته و الاقتصار منه على قدر كفايته فلا يسترسل فيه هذراً ، و لا يحجم عنه حصراً و هو فيما عدا حالتي الحاجة و الكفاية أجمل الناس صمتاً ، و أحسنهم سمتاً ، و لذلك حفظ كلامه حتى لم يختل و ظهر رونقه حتى لم يعتل ، و استعذبته الأفواه حتى بقي محفوظاً في القلوب ، مدوناً في الكتب ، فلن يسلم الإكثار من ذلل ، و لا الهذر من ملل . أكثر أعرابي عنده الكلام فقال : يا أعرابي كم دون لسانك من حجاب ؟ قال شفتاي ، و أسنني فقال صلى الله تعالى عليه و سلم : إن الله يكره الانبعاق في الكلام فنضر الله و جه امرىء قصر من لسانه و اقتصر على حاجته . و الخصلة الثامنة أنه أفصح الناس لساناً و أوضحهم بياناً و أوجزهم كلاماً و أجزلهم ألفاظاً و أصحهم معاني ، لا يظهر فيه هجنة التكلف ، و لا يتخلله فيهقة التعسف ، و قال صلى الله تعالى عليه و سلم : أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون و قال : إياك و ا لتشادق و لما نزل عليه قوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه بنى مساجد قباء فحضر عبد الله بن رواحة فقال : يا رسول الله قد أفلح من بنى المساجد . قال : نعم يا ابن رواحة . قال : و لم يبت لله إلا ساجد قال : يا ابن رواحة كف عن السجع . فما أعطي شيئاً شراً من طلاقة في لسانه . من جوامع كلام النبي عليه السلام الموجز : فمن كلامه الذي لا يشاكل في إيجازه قوله صلى الله تعالى عليه و سلم : الناس بزمانهم أشبه ، و قوله ماهلك امرؤعرف قدره ، و قوله : لو تكاشفتم ما تدافنتم ، و قوله : السعيد من وعظ بغيره ، وقوله : حبك للشيء يعمي و يصم ، و قوله : العقل ألوف مألوف ، و قوله : العدة عطية ،و قوله : اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طبع ، و قوله : أفضل الصدقة جهد المقل ، و قوله : اليد العليا خير من اليد السفلى ، و قوله ترك الشر صدقة ، و قوله : الخير كثير و قليل فاعله ، و قوله : الناس كمعادن الذهب ، وقوله : نزلت المعونة على قدر المؤنة ، و قوله : إذاأراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من نفسه ، و قوله : أدي الأمان ة إلى من ائتمنك و لا تخن من خانك ، و قوله : المؤمن غر كريم و الفاجر خب لئيم ، و قوله : الدنيا سجن المؤمن و بلاؤه و جنة الكافر و رخاؤه . من كلام الرسول الذي لا يشاكل فصاحة : و من كلامه الذي لا يشاكل في فصاحته قوله صلى الله تعالى عليه و سلم : إياكم و المشاورة فإنها تميت الغرة و تحيي الفرة ، و قوله : لا تزال أمتي بخير ما لم تر الأمانة مغنماً و الصدقة مغرماً . و قوله : رحم الله عبداً قال خيراً فغنم أو سكت فسلم ، و قوله : اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع و نفس لا تشبع و قلب لا يخشع و عين لا تدمع ، وقوله : هل يطمع أحدكم إلا غنى مطغياً أو فقراً منسياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً أو الدجال فهو شر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى و أمر ، وقوله : ثلاث منجيات و ثلاث مهلكات ، فأما المنجيات فخشية الله تعالى في السر و العلانية ، و الاقتصاد في الغنى والفقر ، و الحكم بالعدل في الرضا و الغضب و أما المهلكات فشح مطاع ، و هوى متبع ، و إعجاب المرء بنفسه ، و قوله : و تقبلوا لي بست أتقبل لكم الجنة ، قالوا : و ما هي يا رسول الله ؟ قال إذا حدث أحدكم فلا يكذب ، و إذا وعد فلا يخلف ، و إذا ائتمن فلا يخن غضوا أبصاركم ، و احفظوا فروجكم ، و كفوا أيديكم ، و قوله في بعض خطبه : إلا أن الأيام تطوى ، و الأعمار تفنى ، و الأبدان في الثرى تبلى ، و إن الليل و النهار يتراكضان تراكض البريد ، يقربان كل بعيد ، و يخلقان كل جديد ، و في ذلك عباد الله ماألهى عن الشهوات ، ورغب في الباقيات الصالحات ، و قوله في بعض خطبه و قد خاف من أصحابه فطرة : أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب ، و كأن الحق فيها على غيرنا و جب ، و كأن الذي يشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون ، نبوئهم أجداثهم ، و نأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم ، قد نسينا كل واعظة ، و أمنا كل جائحة . طوبى لمن شغلته آخرته عن دنياه . طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس و هذا يسير من كثير و لا يأتي عليه إحصاء ، و لا يبلغه استقصاء ، وغنما ذكرنا مثالاً ليعلم أن كلامه جامع لشروط البلاغة ، و معرب عن نهج الفصاحة ، و لو مزج بغيره لتميز بأسلوبه ، و لظهر فيه آثار التنافر ، فلم يلتبس حقه من باطله ، و لبان صدقه من كذبه ، هذا و لم يكن متعاطياً للبلاغة ، و لا مخالطاً لأهلها من خطباء أو شعراء أو فصحاء ، و إنما هو من غرائز فطرته ، و بداية جبلته ، و ماذاك إلا لغاية تراد و حادثة تشاد . فإن قيل : إذا كان كلامه مخالفاً غيره لكلام غيره في البلاغة و الفصاحة حتى لم يكن فيه مساجلاً أيكون له معجزاً ؟ قيل له : لو كان هكذا و تحدى به صار معجزاً ، و لايكون مع عدم التحدي معجزاً |
|
اعلام النبوة |