|
و
ذلك أن أبا سفيان لما رجع بعيره إلى مكة
قال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي و
عكرمة بن أبي جهل و رجال من قريش ممن أصيب
آباؤهم و أبناؤهم و إخوانهم ببدر : يا معشر
قريش ! إن محمداً قد وتركم و قتل خياركم ،
فأعينونا على حربه لعلنا أن ندرك منه بعض
ما أصاب منا ! فاجتمعت قريش على المسير إلى
رسول الله صلى الله عليه و سلم بأحابيشها و
من أطاعها من قبائل مكة و غيرها ، و خرجوا
معهم بالظعن ، فخرج أبو سفيان بن حرب بهند
بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية ، و خرج عكرمة
بن أبي جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام ، و
خرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن
المغيرة ، و خرج صفوان بن أمية ببرة ابنة
مسعود بن عمرو و هي أم عبد الله بن صفوان ،
و خرج عمرو بن العاص بريطة ابنة منبه بن
الحجاج السهمي و هي أم عبد الله بن عمرو ، و
خرج طلحة بن أبي طلحة بسلافة ابن شهيد أحد
بني عروة بن عوف مع نسوة غيرهن ، و دعا جبير
بن مطعم غلامه وحشياً فقال : إن قتلت عم
محمد حمزة بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق .
فخرجت قريش تريد رسول الله صلى الله عليه و
سلم حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة على
شفير الوادي مما يلي المدينة و هم ثلاثة
آلاف رجل ، معهم من الخيل مائتا فرس ، و من
الظعن خمسة عشر امرأة ، فقال رسول الله صلى
الله عليه و سلم لما سمع بهم : إني رأيت
فيما يرى الغنائم في ذباب سيفي ثلمة ، و
رأيت بقرة نحرت ، و رأيت كأني أدخلت يدي في
درع حصينة ، فتأولتها المدينة . و كره رسول
الله صلى الله عليه و سلم الخروج إليهم ،
فقال عبد الله ابن أبي سلول : يا رسول الله
صلى الله عليه و سلم ! لا تخرج إليهم ، فو
الله ! ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا ، و
ما دخلها علينا إلا أصبناه . فقال رجال من
المسلمين ممن كان فاتهم بدر : يا رسول الله
! اخرج بنا إلى أعداء الله ، لا يرون أنا
جبنا عنهم أو ضعفنا ، فقال عبد الله بن أبي
: يا رسول الله ! أقم فإن أقاموا أقاموا بشر
مجلس ، و إن دخلوا علينا قاتلهم الرجال في
وجوههم و رماهم النساء و الصبيان بالحجارة
من فوقهم . فلم يزل برسول الله صلى الله
عليه و سلم الذين كان من أمرهم حب لقاء
القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه و
سلم فلبس لأمته ثم خرج عليهم ، و قد ندم
الناس و قالوا : استكرهنا رسول الله صلى
الله عليه و سلم و لم يكن لنا ذلك ، ثم
قالوا : يا رسول الله استكرهناك و لم يكن
لنا ذلك ، إن شئت فاقعد ـ صل ى الله عليك !
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما
ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى
يقاتل ! فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم
شوال يوم السبت في ألف رجل ، و استخلف على
المدينة ابن أم مكتوم ، و صلى المغرب
بالشيخين في طرف المدينة ـ و قد قيل :
بالشوط .
ثم عرض المقاتلة فأجاز من أجاز ورد من رد ،
فكان فيمن رد زيد بن ثابت و عبد الله بن عمر
و أسيد بن ظهير و البراء بن عاذب و عرابة بن
أوس الحارثي و أبو سعيد الخدري . و أجاز
سمرة بن جندب ، و أما رافع بن خديج فإن رسول
الله صلى الله عليه و سلم استصغره ، فقام
على خفين و تطاول على أطرافه ، فلما رآه
رسول الله صلى الله عليه و سلم أجازه . و
كان دليل النبي صلى الله عليه و سلم أبو
حثمة الحارثي . فقال عبد الله بن أبي لمن
معه : أطاعهم رسول الله صلى الله عليه و سلم
وعصاني ، و الله ما ندري على ما نقتل
أنفسنا معه ، أيها الناس ارجوا ! فعزل من
العسكر ثلاثمائة رجل ممن تبعه و رجع بهم
المدينة .
و مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم في
سبعمائة رجل و سلك حرة بني حارثة ثم نزل
حتى مضى بالشعب من أحد في عدوة الوادي و
جعل ظهره إلى أحد ، و قال : لا يقاتلن أح د
حتى أمره .
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم على
الرماة عبد الله بن جبير أحد بني عمرو بن
عوف ، و هم خمسون رجلاً ، و قال : انضح عنا
الخيل لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت علينا
أو لنا فاثبت مكانك ، لا نؤتين من قبلك ! ثم
ظاهر رسول الله صلى الله عليه و سلم في
درعين ، و أعطى اللواء علي بن أبي طالب ، و
قال : من يأخذ مني هذا السيف بحقه ؟ قال أبو
دجانة سماك بن خرشة : و ما حقه يا رسول الله
صلى الله عليه و سلم ؟ قال : تضرب به في
العدو حتى ينحني ، فقال : يا رسول الله ! أنا
آخذه بحقه ، فأعطاه إياه ـ و كان أبو دجانة
رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب ، و كان إذا
أعلم بعصابة له حمراء و يعصب بها رأسه ،
فإذا رأوا علموا أته سيقاتل ، فأخذ السيف
من رسول الله صلى الله عليه و سلم و أخرج
عصابة فعصب بها رأسه ثم أخذ يتبختر بين
الصفين ، فقال رسول الله صلى الله عليه و
سلم : إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا
الموطن .
و تعبأت قريش ، و جعلوا على ميمنة الخيل
خالد بن الوليد ، و على ميسرتها عكرمة بن
أبي جهل ، و قال أبو سفيان بن حرب لأصحابه :
إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما
قد رأيتم و إنما يؤتى الناس من قبل راياتهم
إذا مالت مالوا فإما أن تكفونا لواءنا و
إما أن تخلوا بيننا و بينه فنكفيكموه ،
فهموا به و تواعدوه و قالوا : نحن نسلم إليك
ستعلم كيف نصنع ! و جاءت هند بنت عتبة و
النسوة اللواتي معها يحرضنهم على القتال ،
و تقول فيما تقول :
إن تقبلوا نعانق و
نفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق
غير دامق
و أول من خرج من المشركين أبو عامر بن أمية
في الأحابيش و قال : يا معشر الأوس ! أنا أبو
عامر ! قالوا : فلا أنعم الله بك عينا ، ثم
راضخ المسلمين بالحجارة و قاتلهم قتالاً
شديداً ، و قاتل أبو دجانة في رجال من
المسلمين حتى حميت الحرب و أنزل الله
النصر ، و كشفهم المسلمون عن معسكرهم ، و
كانت الهزيمة عليهم ، فلم يكن بين أخذ
المسلمين هنداً و صواحبها إلا شيء يسير ، و
قتل علي بن أبي طالب طلحة و هو حامل لواء
قريش ، و أبا الحكم بن الأخنس بن شريق ، و
عبيد الله بن جبير بن أبي زهير ، و أمية بن
أبي حذيفة بن المغيرة . و أخذ اللواء بعد
طلحة أبو سعد فرماه سعد بن أبي وقاص فقتله
، و بقي اللواء صريعاً لا يأخذه أحد ،
فتقدم رجل من المشركين يقال له صؤاب فأخذ
اللواء و أقامه لقريش ، فكر المسلمون عليه
حتى قطعوا يديه ثم قتل ، و صرع اللواء .
فلما رأى الرماة الذين خلف رسول الله صلى
الله عليه و سلم أن المشركين قد انهزموا و
تركوا ، تركوا مصافهم يريدون النهب و خلوا
ظهور المسلمين للخيل ، و أتاهم المشركون
من خلفهم و صرخ صارخ : ألا ! أن محمداً قد
قتل ! فانكشف المسلمون فصاروا بين قتيل و
جريح و منهزم حتى خلص [ العدو إلى ] رسول
الله صلى الله عليه و سلم و أصيب رباعيته ،
فجعل يمسح الدم عن وجهه و يقول : كيف يفلح
قوم خضبوا وجه نبيهم .
ثم قام زياد بن السكن في خمسة من الأنصار ،
فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه و سلم
رجلاً رجلاً حتى قتلوا ، و كان آخرهم زياد
بن السكن فأثبته الجراحة ، و جاء المسلمون
فأجهضوهم عنه ، فقال رسول الله صلى الله
عليه و سلم : ادنوه مني ! فوسده قدمه حتى مات
في حجره ، و ترس أبو دجانة دون رسول الله
صلى الله عليه و سلم بنفسه ، فكانت النبل
تقع في ظهره و هو ينحني عليه حتى كثرت فيه
النبل . و قاتل مصعب بن عمير دون رسول الله
صلى الله عليه و سلم حتى قتل ، أصابه ابن
قميئة الليثي و هو يظن أنه رسول الله صلى
الله عليه و سلم .
ثم رجع إلى قريش و قال : قتلت محمدا ً ! و
التقى حنظلة بن أبي عامر و أبو سفيان
فاستعلى حنظلة أبا سفيان بالسيف ، فلما
رآه ابن شعوب أن أبا سفيان قدعلاه حنظلة
بالسيف ضربه فقتله ، فقال رسول الله : إن
صاحبكم لتغسله الملائكة ! و خرج حمزة بن
عبد المطلب فمر به سباع بن عبد العزى
الخزاعي و كان يكنى أبا نيار ، فقال : هلم
يا ابن مقطعة البظور ! فالتقيا فضربه حمزة
فقتل ، ثم جعل يرتجز ومعه سفيان إذعثر
دابته فسقط على قفاه و انكشف الدرع عن بطنه
، فانتزع وحشي حربته فهزها و رماها فبقر
بها بدنه ثم أخذ حربته و تنحاه .
و قد انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى
عمر بن الخطاب و طلحة ابن عبيد الله و رجال
من المهاجرين و الأنصار قد أسقطوا ما في
أيديهم و ألقوا بأيديهم فقال : ما يجلسكم ؟
قالوا قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم ،
قال : فما تصنعون بالحياة بعده ! قوموا
فموتوا على ما مات عليه ! ثم استقبل القوم
فقاتل حتى قتل ، و وجد فيه سبعون ضربة
بالسيف و الرمح .
و كان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه و
سلم حيث كانت الهزيمة كعب بن مالك ، قال :
عرفت عينيه نزهران من تحت المغفر فناديت
بصوتي : يا معشر المسلمين ! ابشروا فهذا
رسول الله صلى الله علي ه و سلم ! فلما عرف
المسلمون رسول الله صلى الله عليه و سلم
نهضوا إليه ، فيهم : أبو بكر و عمر و علي و
طلحة و الزبير و سعد و الحارث بن الصمة ،
فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يناول
النبل سعداً و يقول : ارم فداك أبي و أمي .
ثم أدرك رسول الله صلى الله عليه و سلم أبي
بن خلف و هو يقول : يا محمد ! لا نجوت إن نجوت
. فقال القوم : يا رسول الله ! أيعطف عليه
رجل منا ؟ فقال : دعوه ! فلما دنا تناول رسول
الله صلى الله عليه و سلم الحربة من الحارث
بن الصمة ثم انتفض بها انتفاضة ثم استقبله
و طعنه بها فمال عن فرسه ، و قد كان أبي بن
خلف يلقى رسول الله صلى الله عليه و سلم
بمكة فيقول : إن عندي العود أعلفه كل يوم
فرقاً من ذرة أقتلك عليه ! فيقول رسول الله
صلى الله عليه و سلم : بل أنا أقتلك إن شاء
الله . فرجع أبي بن خلف إلى المشركين و قد
خدشته حربة رسول الله صلى الله عليه و سلم
خدشاً غير كبير ، فقال قتلني والله محمد ،
فقالوا : ذهب والله فؤادك و الله إن بك من
بأس ، فقال : إنه قد كان يقول بمكة : إني
أقتلك ، والله ! لو بصق علي لقتلني ، فمات
بسرف و هم قافلون إلى مكة .
فانتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم بمن
معه من أصحابه إلى الشعب ، و مر علي بن أبي
طالب حتى ملأ درقته من المهراس ، و جاء بها
إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأراد
رسول الله صلى الله عليه و سلم شربه فوجد
له ريحاً فعافه فلم يشرب منه ، و غسل عن
وجهه الدم و صب على رأسه و قال : اشتد غضب
الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله
عليه و سلم . ثم نهض رسول الله صلى الله
عليه و سلم إلى الصخرة ليعلوها ، فلما ذهب
لينهض لم يستطع ذلك ، فجلس طلحة تحته فنهض
رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى استوى
على الصخرة ، ثم قال : أوجب طلحة الجنة .
و كانت هند و اللاتي معها جعلن يمثلن
بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
و سلم يجدعن الآذان و الآناف حتى اتخذت هند
قلائد من آذان المسلمين و آنفهم و بقرت عن
كبد حمزة فلاكته فلم تستطعه فلفظته ، ثم
علت صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها بشعر
لها طويل ـ أكره ذكره . فقتل من المسلمين
سبعون رجلاً في ذلك اليوم ، منهم أربعة من
المهاجرين . و كان المسلمون قتلوا اليمان
أبا حذيفة و هم لا يعرفونه ، فأمرهم رسول
الله صلى الله عليه و سلم أن يخرجوا ديته .
و قتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلاً .
ثم أن أبا سفيان أراد الانصراف فصرخ بأعلى
صوته : الحرب سجال أعلى هبل يوم بيوم ببدر ،
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم
ناحية : الله أعلى و أجل لا سواء ! قتلانا في
الجنة و قتلاكم في النار . فقال أبو سفيان :
يا عمر أنشدك الله أقتلنا محمدا ؟ فقال :
اللهم لا و إنه ليسمع كلامك . فقال : أنت
أصدق عندي من ابن قميئة ، و لكن موعدكم بدر
، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : هو
بيننا و بينكم .
رحل أبو سفيان بالمشركين ، فقال رسول الله
صلى الله عليه و سلم لعلي بن أبي طالب :
أخرج في آثار القوم ، فإن كانوا قد اجتنبوا
الخيل و امتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة ، و
إن ركبوا الخيل و ساقوا الإبل فإنهم
يريدون المدينة ، و الذي نفسي بيده لئن
أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأنجزتهم !
فخرج في آثارهم فرآهم قد اجتنبوا الخيل و
امتطوا الإبل و وجهوا إلى مكة ، فرجع إلى
رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره .
و فرغ الناس لقتلاهم ، و خرج رسول الله صلى
الله عليه و سلم يلتمس حمزة فوجده ببطن
الوادي قد بطنه عن كبده و مثل به ، فوقف
عليه و قال : لولا أن تحزن صفية أن تكون سنة
بعدي ما غيبته و لتركته حتى يكون في بطو ن
السباع و الطير ، و لئن أظهرني الله عليهم
لأمثلن ! فأنزل الله وإن عاقبتم فعاقبوا
الآية ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه و
سلم فسجى ببردة .
ثم قال صلى الله عليه و سلم : من رجل ينظر ما
فعل سعد بن الربيع ، أفي الأحياء هو أم في
الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا يا
رسول الله صلى الله عليه و سلم ! فنظره
فوجده جريحاً في القتلى و به رمق ، فقال له
: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرني
أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات ،
فقال : أنا في الأموات ، أبلغ رسول الله صلى
الله عليه و سلم عني السلام و قل له إن سعد
بن الربيع يقول ، جزاك الله عنا خير ما جزى
نبي عن أمته ، و أبلغ قومك السلام ، و قل
لهم إن سعداً يقول لكم إنه لا عذر لكم عند
الله إن خلص إلى نبيكم و فيكم عين تطرف ـ ثم
مات ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه و
سلم و أخبره .
و احتمل الناس قتلاهم ، فأمر رسول الله صلى
الله عليه و سلم أن يدفنوهم حيث صرعوا
بدمائهم و أن لا يغسلوا و لا يصلى عليهم ،
فكان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب
واحد ، ويقول : أيهم أكثر أخذاً للقرآن ؟
فإذا أشير إليه بأحدهما قدمه في اللحد ، و
قال : أ نا شهيد على هؤلاء يوم القيامة . قال
: انظروا عمرو بن الجموح و عبد الله بن عمرو
فإنهما كانا متصافيين في الدنيا
فاجعلوهما في قبر واحد .
ثم قال صلى الله عليه و سلم : إن الله جعل
أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار
الجنة و تأكل من ثمارها ، و تأوى إلى
قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا
طيب مشربهم و مأكلهم و سقياهم قالوا : يا
ليت إخواننا يعلمون ما صنع ربنا بنا !
فأنزل الله ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل
الله الآية . و كان ابن عمير لم يترك إلا
بردة واحدة ، فكانوا إذا غطوا رأسه بدت
رجلاه ، و إذا غطوا رجليه بدا رأسه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه و سلم : غطوا رأسه
و اجعلوا على رجليه شيئاً من الإذخر .
ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم
المدينة بمن معه من المسلمين ، فمر بدار من
دور الأنصار فسمع البكاء على قتلاهم ،
فقال : لكن حمزة لا بواكي له ! فلما سمع سعد
بن معاذ و أسيد بن حضير أمرا نساء بني عبد
الأشهل أن يذهبن فبيكن على عم رسول الله
صلى الله عليه و سلم ، فلما سمع رسول الله
صلى الله عليه و سلم بكاءهن قال : اجعل .
ثم ناول علي بن أبي طالب سيفه فاطمة و قال :
اغسلي عن هذا دمه ، فو الله ! لقد صدقني
اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه و
سلم : لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدق
معك سهل بن حنيف و أبو دجانة .
فلما كان ثاني يوم أحد أذن مؤذن رسول الله
صلى الله عليه و سلم بالخروج في طلب القوم
، فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم و
استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، و قال :
لا يخرج معنا إلا من حضر يومنا بالأمس ، و
كان أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه و
سلم جرحى . فمر على رسول الله صلى الله عليه
و سلم معبد بن أبي معبد الخزاعي ـ و كانت
خزاعة مسلمهم و مشركهم عيبة رسول الله صلى
الله عليه و سلم بتهامة ـ فقال : و الله يا
محمد ! لقد عز علينا ما أصابك و لوددنا أن
الله كان أعفاك منهم . ثم خرج فلحق أبا
سفيان بالروحاء و من معه من قريش و قد
أزمعوا الرجوع إلى رسول الله صلى الله
عليه و سلم و قد توامروا بينهم و قالوا :
رجعنا قبل أن نصطلم أصحاب محمد ، نرجع فنكر
على بقيتهم ، فلما رأى أبو سفيان معبداً
مقبلاً قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد
قد خرج في أصحابه في طلبكم في جمع لم أر
مثله قط يتحرقون عليكم تحرقاً ، قال : ويلك
ما تقول ! و الله لقد أجمعنا ال كرة على
أصحابه لنصطلمهم . قال : فإني و الله أنهاك
عن ذلك بهم ! عليكم من الجود بشيء ما رأيته
بقوم قط ، فساءه ذلك .
و مر بأبي سفيان ركبة من عبد القيس فقال :
أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة ، قال : و
لم ؟ قالوا : نريد الميرة ، قال : فاخبروا
محمداً أنا قد أجمعنا الكرة عليه و على
أصحابه لنصطلهم .
ثم رحل أبو سفيان راحلاً إلى مكة ، و مر
الركب برسول الله صلى الله عليه و سلم
فأخبروه بما قال أبو سفيان ، فقال رسول
الله صلى الله عليه و سلم و المسلمون :
حسبنا الله و نعم الوكيل ! فأنزل الله جل و
علا في ذلك الذين استجابوا لله والرسول
إلى قوله والله ذو فضل عظيم لما صرف عنهم
من لقاء عدوهم إنما ذلكم الشيطان يخوف
أولياءه ـ الآية . فأقام رسول الله صلى
الله عليه و سلم بحمراء الأسد ثلاثاً . ثم
انصرف إلى المدينة |