|
|
| خرج
رسول الله صلى الله عليه و سلم في شهر
رمضان لاثتني عشرة ليلة خلت منه يريد
اعتراض عير قريش و معه المهاجرون و
الأنصار ، و ضرب بعسكره قبل أن يخرج من
المدينة ببئر أبي عيينة ، و عرض أصحابه و
رد من استصغر منهم ، فكان ممن رد في ذلك
اليوم من المسلمين عبد الله بن عمر و رافع
بن خديج و البراء بن عازب و زيد ابن ثابت و
أسيد بن حضير ، و كان عمير بن أبي وقاص
يستر في ذلك اليوم لأن لئلا يراه النبي
صلى الله عليه و سلم ، فقال له سعد : ما لك
يا أخي ؟ قال : إني أخاف أن يراني النبي
صلى الله عليه و سلم فيستصغرني فيردني !
لعل الله أن يرزقني الشهادة ، فرآه رسول
الله صلى الله عليه و سلم فرده ، فبكى
بكاءً شديداً فأجازه رسول الله صلى الله
عليه و سلم ، و قتل ببدر شهيداً . ثم رحل رسول الله صلى الله عليه و سلم من بئر أبي عيينة في ثلاثمائة و ثمانية عشر رجلاً ، منهم أربعة و سبعون رجلاً من المهاجرين و سائرهم من الأنصار ، و كان لهم من الإبل سبعون بعيراً يتعاقب النفر البعير الواحد ، فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم طلحة بن عبيد الله و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل على طريق الساحل إلى الحوران يتجسسان خبر ا لعير . و رأت عاتكة بنت عبد المطلب بمكة رؤيا أفزعتها فبعثت إلى العباس فقالت : يا أخي ! لقد رأيت البارحة رؤيا أفظعتني فاكتم علي ، قال : و ما رأيت ؟ قالت : رأيت راكباً أقبل على بعير حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته : ألا ! انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، فإذا الناس قد اجتمعوا إليه فدخل المسجد و الناس يتبعونه ، فبيناهم حوله إذ مثل به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم خرج بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها ، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل أرفضت ، فما بقي بيت بمكة و لا دار إلا دخلها منها فلقة ، قال العباس : و الله ! إن هذه لرؤيا فاكتميها و لا تذكريها . ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة و كان له صديقاً فذكرها له ، فذكرها الوليد لأبيه ، ففشا الحديث بمكة ، فقال أبو جهل : ما يرضى بنو عبد المطلب أن يتنبأ رجالهم حتى تتنبأ نساؤهم . و كان أبو سفيان بن صخر أقبل من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموالهم وتجاراتهم و فيها ثلاثون ـ و قيل : أربعون ـ رجلا ًمن قريش ، منهم عمرو بن العاص و مخرمة بن نوفل الزهري . و كان أبو سفيان يتحسس الأخبار و يسأل من لقي من الركبان ، فأصاب خبراً من الركبان أن محمداً قد نفر في أصحابه ، فحذر عند ذلك و استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة ، و أمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم و يخبرهم أن محمداً قد عرض لها ، فدخل ضمضم في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة مكة و هو يصرخ ببطن الوادي و قد جدع بعيره و حول رحله و شق قميصه وهو يقول : يا معشر قريش ! اللطيمة ! اللطيمة ! قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها أو لا تدركوها ، الغوث ! الغوث ! فتجهزت قريش سراعاً ، إما خارج و إما باعث مكانه رجلاً ، و خرجت تريد العير . و لما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم الصفراء بينها و بين المدينة ثلاث ليال بعث عدي بن أبي الزغباء الجهيني حليف بني النجار و بسبس بن عمرو الجهيني حليف بني ساعدة قدامه إلى مكة ، فلما نزل الوادي أناخ إلى تل قريب من الماء ، ثم أخذا شناً لهما يستسقيان فيه ، وعلى الماء إذ ذاك مجدي بن عمرو الجهني ، فسمع عدي و بسبس جاريتين من جواري جهينة و هما يتلازمان فقالت الملزومة لصاحبتها : إنما يأتي العير غداً أو بعد غد فأعمل لهم و أقضيك الذي على ، فقال مجدي : صدقت ، و خلص بينهما ، فلما سمع بذلك عدي و بسبس ركبا راحلتيهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله ع ليه و سلم فأخبراه ، و أقبل أبو سفيان و قد تقدم العير حتى ورد الماء حذراً من الذي كان يخافه ، فقال لمجدي بن عمرو : و هل أحسست أحداً ؟ فقال : و الله ! ما رأيت أحداً إلا أني رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى ، فقال : هذه و الله علائف يثرب ! فرجع و ضرب وجوه عيره فساحل بها و ترك بدراً يساراً و انطلق حتى أسرع . و أقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة رؤيا فقال : أنا بين النائم و اليقظان رأيت رجلاً قد أقبل على فرس له حتى وقف ثم قال : قتل عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و أبو الحكم بن هشام و أمية بن خلف ـ و فلان و فلان ، ثم ضرب في لبة بعيره و أرسله في العسكر ، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمه فبلغ أبا جهل رؤياه فقال : هذا نبي آخر من بني المطلب ، سيعلم غداً من المقتول إن نحن التقينا ! فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش ، قال : إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم و أموالكم و قد نجاهما الله فارجعوا ، فقال أبو جهل : و الله لا نرجع حتى نرد بدراً ! ـ و كان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم بها سو ق ـ فنقيم عليه ثلاثاً و ننحر الجزور و نطعم الطعام ، و نسقي الخمر و تعزف علينا القيان ، فتسمع بنا العرب و بمسيرنا و جمعنا ، ثم رحلت قريش حتى نزلت العدوة القصوى من بدر . و لما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم عرق الظبية دون بدر استشار الناس فقال : أشيروا علي أيها الناس ! فقام أبو بكر فقال و أحسن ، ثم قام عمر فقال مثل ذلك ، ثم قام المقداد بن الأسود فقال : يا رسول الله ! أمض بنا لأمر الله فنحن معك ، و الله لا نقول لك مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، و الذي بعثك بالحق ! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تنتهي إليه رسول الله ! فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم خيراً و دعا له بخير . ثم قال : أشيروا علي أيها الناس ! و إنما يريد رسول الله صلى الله عليه و سلم الأنصار ، و ذلك أنهم كانوا عدد الناس ، فقال سعد بن معاذ : كأنك يا رسول الله إنما تريدنا ! قال : أجل ، فقال سعد : قد آمنا بك و صدقناك ، و شهدنا بما جئت به أنه الحق ، و أعطيناك مواثيقنا و عهودنا على السمع و الطاعة ، فامض بنا يا نب ي الله لما أردت فنحن معك ، و الذي بعثك لو ! استعرضت هذا البحر و خضت بنا لخضناه معك ما بقي منا رجل ، و ما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل الله يريك منا بعض ما تقر به عينك ! فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ركب و رجل من أصحابه قدام الجيش ، و مضى حتى وقف على شيخ قريباً من بدر فقال له : أيها الشيخ ! ما بلغك عن محمد و أصحابه ؟ فقال : ما أنا مخبرك حتى تخبرني من أنت ! قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا أخبرتنا أخبرناك من نحن ، فقال الشيخ : أذاك بذاك ؟ قال : نعم ، فقال الشيخ بلغني أن محمداً و أصحابه خرجوا يوم كذا و كذا ، فإن يكن الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بكذا و كذا ـ بالمنزل الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و بلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا و كذا ، فإن يكن الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بكذا و كذا ـ بالمنزل الذي هم فيه ، ثم قال : ممن أنت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم نحن من ماء ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أصحابه . و أصاب علي بن أبي طالب و الزبير بن العوام و سعد بن أبي وقاص رواية لقريش و فيها غلام لبني العاص و غلام لمنبه بن الحجاج ، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه و سلم و رسول الله صلى الله عليه و سلم قائم يصلي ، فقالوا لهما : من أنتما ؟ فقالا : نحن سقاة قريش ، بعثونا لنسقي لهم الماء ، فكره القوم خبر قريش و رجوا أن يكونا لأبي سفيان ، فقالوا لهما : من أنتما ؟ ألا لأبي سفيان ؟ فأنكرا فضربوهما ، فلما آذوهما قالا : نحن لأبي سفيان ، فأمسكوا عنهما ، فانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلاته وأقبل عليهم فقال : إذا صدقاكم ضربتموهما و إذا كذباكم تركتموهما ! و الله إنهما لقريش ! ثم دعاهما فقال : لمن أنتما ؟ فأخبراه ، ثم قال : أين قريش ؟ قالا : خلف هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى من الوادي ، قال : و كم هم ؟ قالا : هم كثير ، قال : ما عددهم ؟ قالا : ما ندري ، قال : فكم تنحر في اليوم ؟ قالا : يوما عشراً و يوما تسعاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : هم بين التسعمائة إلى الألف ، ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ فسميا عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة في رجال من قريش ، و كان الذي ينحر لقريش تسعة رهط من بني هاشم : العباس بن عبد المطلب ، و من بني عبد شمس : عتبة بن ربيعة ، و من ب ني نوفل : الحارث بن عامر ابن نوفل و طعيمة بن عدي بن نوفل ، و من بني الدار : النضر بن الحارث ، و من بني أسد : حكيم بن حزام ، و من بني مخزوم : أبو جهل بن هشام ، و من بني جمح : أمية بن خلف ، و من بني سهم : منبه بن الحجاج ، و من بني عامر بن لؤي : سهيل بن عمرو . ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم على المسلمين فقال : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ، وبعث الله السماء فأصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و المسلمين ماء لبدلهم الأرض ، و أصاب قريشاً ماء لم يقدروا أن يرتحلوا معه . ثم رحل رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمسلمين و قال لهم : سيروا على بركة الله فإنه قد و عدني إحدى الطائفتين ، فكأني أنظر إلى مصارع القوم ، ثم مضى يبادر قريشاً إلى الماء حتى إذا جاء أدنى من ماء بدر نزل به فقال حباب بن المنذر ابن الجموح أحد بني سلمة : يا رسول الله ! أرأيت هذا المنزل ؟ أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه و لا نتأخر عنه أم هو الرأي و الحرب و المكيدة ؟ قال : بل هو الحرب و الرأي و المكيدة ، قال : فإن هذا ليس لك بمنزل ، فانهض حتى نأتي أدنى قليب القوم فنزله ثم نغور ما سواه من القلب ثم نبني حوضاً فنملأه ثم نقاتل القوم فنشرب و لا يشربون ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : قد أشرت بالرأي ، ثم نهض رسول الله صلى الله عليه و سلم و سار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل و بنى حوضاً على القليب و قذفوا فيه الآنية ، ثم أمر بالقلب فغورت ، فقال سعد بن معاذ : يا نبي الله ألا نبني لك عريشاً تكون فيه و نعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا ، فإن أعزنا الله و أظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا ، و إن كان علينا يا نبي الله جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام و ما نحن بأشد حباً لك منهم ، و لو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك ، يمنعك الله بهم يناصحونك و يجاهدون معك ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم بخير ، و بنى له عريش ، فقعد فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم و أبو بكر ، و ارتحلت قريش حين أصبحت ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : اللهم ! هذه قريش قد أقبلنا بخيلائها و فخرها ، تحادك و تكذب رسلك ، اللهم ! فنصرك الذي وعدتني ! اللهم فاحنهم الغداة . و رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم عتبة بن ربيعة على جمل له أحمر فقال : إن يك في أحد من القوم خير ففي صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشد ، فلما نرلت قريش أقبل نفر منهم حتى أقبلوا حوض رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم حكيم بن حزام ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم دعوهم بما شرب رجل منهم شربة إلا قتل غير حكيم بن حزام . فلما اطمأنت قريش بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا احرز لنا محمد و أصحابه ، فاستحال عمير بن وهب بفرس حول العسكر ، ثم رجع إليهم فقال : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً ، و لكن امهلوني حتى أنظر هل لهم من كمين و مدد ، فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئاً ، فرجع له إليهم فقال : ما رأيت شيئاً و لكني رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا ، نواضح بثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة و لا ملجأ إلا سيوفهم ، و الله ! ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منا ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم ، فلما سمع بذلك حكيم بن حزام مشي في الناس حتى أتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد ! أنت كبير قريش و سيدها و المطاع فيها ! فهل لك أن لا تزال تذكر بخير آخر الدهر ! قال : و ما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس و تحمل أمر حليفك ، قال : قد ف علت أنت على بذلك إنما هو حليفي فعلي عقله ـ يعني عمر بن الحضرمي ـ و ما أصيب من ماله ، و لكن أنت ابن الحنظلية ، فإني لا أخشى على الناس غيره ـ يعني أبي جهل ، ثم قام عتبة فقال : يا معشر قريش ! إنكم و الله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً و أصحابه ، و الله ! لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه الرجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته ، فارجعوا و خلوا بينه و بين محمد و سائر العرب فإن أصابوه فذلك الذي أردتم ، و إن كان غير ذلك ألقاكم و لم تعرضوا منه ما تريدون ، فجاء حكيم بن حزام أبا جهل فوجده قد نثل درعاً له من جرابها و هو يهنئها فقال : يا أبا الحكم ! إن عتبة أرسلني إليك بذلك بكذا و كذا ، فقال أبو جهل : انتفخ و الله سحره حين رأى محمداً و أصحابه ، كلا و الله لا نرجع حتى يحكم الله بينا و بين محمد ! ثم قال أبو جهل : اللهم ! اقطعنا الرحم و أتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة ! ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال : هذا حلفيك عتبة يريد أن يرجع بالناس و قد رأيت ثأرك بعينك ، و الله ما ذلك بعتبة و لكنه قد عرف أن ابنه فيهم و أن محمداً و أصحابه إنما هم آكلة جزور و قد رأيتم ثأركم فقم فانثل م قتل أخيك ، فقام عامر بن الحضرمي ثم صرخ : و اعمراه ! و اعمراه ! فحميت الحرب و حمى الناس و استوثقوا فأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة ، فلما بلغ عتبة قول أبي جهل قال : سيعلم المصفر إسته من انتفخ سحره ! ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها رأسه ، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته ، فلما رأى ذلك اعتم على رأسه بعمامة له ، و خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي و كان رجلاً شرساً فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه ! فلما خرج يريد الحوض خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدميه بنصف ساقه و هو دون الحوض فخبا إلى الحوض فاقتحم فيه و اتبعه حمزة بضربة أخرى فقتله في الحوض . ثم خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة و ابنه الوليد بن عتبة ، فلما دنا إلى الصف دعا إلى البراز ، فخرج إليه فتية ثلاثة من الأنصار : عوف و معوذ ابنا الحارث ـ و أمهما عفراء ـ و ابن رواحة ، فسألهم فقالوا : رهط من الأنصار ، فقال عتبة : أكفاء كرام ، ما لنا بكم حاجة ، إنما نريد قومنا ، ثم نادى مناديهم : يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قم يا حمزة بن عبد المطلب ! قم يا علي بن أبي طالب ! قم يا عبيدة بن الحارث ! و كان أسن القوم فبارز عتبة بن ربيعة و بارز حمزة شيبة بن ربيعة و بارز علي بن أبي طالب الوليد بن عتبة . فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، و لم يمهل علي الوليد أن قتله ، و اختلف عبيدة و عتبة بينهما ضربتان ، كلاهما أثبت صاحبه ، و كر حمزة و علي على عتبة و احتملا صاحبها فحازاه إلى أصحابه ثم تزاحف الناس و دنا بعضهم من بعض ، و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه أن لا تحملوا حتى آمركم ، و هو في العريش مع أبي بكر ، ليس في العريش معه غيره ، و هو يناشد الله ما و عده من النصر و يقول فيما يقول : اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد ، و أبو بكر يقول يا رسول الله ! أقصر من مناشدتك الله ، فإن الله موفيك بما وعدك ، و شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم و قللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم ، و خفق رسول الله خفقة و هو في العريش ثم انتبه ثم قال : ابشر أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامة يقول : أتاك نصر الله و عونه ، فبعث الله الملائكة مسومين ، فكان أبو أسيد مالك بن ربيعة شهد بدراً قال بعد أن ذهب بصره : لو كنت معكم ببدر الآن و معي ب صري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة ! لاأشك و لا أمتري و لم تقاتل الملائكة في غزاة إلا ببدر ، و إنما كانت تنصر و تعين ، و كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم . ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم حفنة من الحصى بيده و خرج من العريش فاستقبل القوم و قال : شاهت الوجوه ! ثم نفخهم بها ثم قال : و الذي نفسي بيده ! لا يقاتلهم رجل اليوم فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ! فقال عمير بن الحمام أحد بني سلمة و في يده تمرات : يا رسول الله ! أرأيت إن قاتلت حتى قتلت مقبلاً غير مدبر ما لي ؟ قال : لك الجنة ، فألقي التمرات من يده و تقدم فقاتل حتى قتل . ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه : احملوا ، و من لقي العباس منكم فليدعنه ، فإنه أخرج مستكرهاً ، فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة : أنقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و نترك العباس ! و الله لئن لقيته لألجمنه السيف ! فبلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم قوله فقال لعمر : يا أبا حفص ! أيضرب و جه عم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالسيف ؟ فقال عمر : دعني أضرب عنقه يا رسول الله ! و الله لقد نافق ! فك ان أبو حذيفة بعد ذلك يقول : ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت ، و لا أزال منها خائفاً إلا أن تكفرها عني الشهادة ـ فقتل يوم اليمامة شهيداً . و كان العباس قد أسلم بمكة و لكنه كان خاف قومه فيكتم إسلامه فحمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم على المشركين فلم يكن إلا الهزيمة ، فقتل الله من قتل من صناديد قريش و أسر من أسر منهم ، فلما و ضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم في و جه سعد بن معاذ الكراهة ، فقال له صلى الله عليه و سلم : و الله يا سعد ! لكأنك تكره ما يصنع الناس ! فقال : أجل يا رسول الله صلى الله عليه و سلم ! قال : كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك ، فكان الإثخان في القتل أعجب إلي من استبقاء الرجال ، و كان ذلك يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان ، و المسلمون ثلاثمائة و ثلاثة عشر نفساً ، منهم أربعة و سبعون رجلاً من قريش و المهاجرين ، و سائر من الأنصار ، و المشركون تسعمائة و خمسون مقاتلاً ، فقتل من المسلمين في ذلك اليوم من قريش ستة أنفس : من بني المطلب عبيدة بن الحارث بن المطلب ، و من بني زهرة بن كلاب : عمير بن أبي وقاص أخو سعد و ذو الشمالين ا بن عبد عمرو بن نضلة حليف لهم من خزاعة ، و من بني عدي بن كعب : عاقل بن البكير حليف لهم من بني سعد بن ليث و مهجع مولى عمر ، و من بني الحارث بن فهر : صفوان بن بيضاء . و قتل من الأنصار من بني عمرو بن عوف : سعد بن خيثمة و مبشر بن عبد المنذر . و من بني الحارث بن الخزرج : يزيد بن الحارث و هو الذي يقال له ابن فسحم . و من بني سلمة : عمير بن الحمام . و من بني حبيب بن عبد الحارثة بن مالك بن غضب بن جشم : رافع بن المعلى . و من بني النجار : حارثة ابن سراقة بن الحارث . و من بني غنم بن مالك بن النجار : عوف و معوذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد و هما ابنا عفراء . فجميع من استشهد من بني قريش و الأنصار أربعة عشر رجلاً . و قتل علي بن أبي طالب في ذلك اليوم الوليد بن عتبة بن ربيعة ، و قتل طعيمة ابن عدي بن نوفل أخاطعمة ، فلما علاه بالسنة قال : و الله ! لا تخلصنا في الله بعد اليوم أبداً ، و شارك حمزة في قتل عتبة بن ربيعة ، و قتل عامر بن عبد الله الأنماري حليف بني عبد شمس ، و قتل النضر بن الحارث بن كلدة أحد بني عبد مناف ، و قتل العاص بن سعيد بن العاص بن أمية ، و قتل عمر بن الخطاب خاله العاص بن هشام بن المغي رة . فجميع من قتل من المشركين في ذلك اليوم أربعة و سبعون رجلاً و أسر مثل ذلك . ثم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلتمس أبو جهل فسمع معاذ بن عمرو بن الجموح و هو يطلبه جماعة من المشركين يقولون : أبا الحكم ! لا يصلون إليك ، فلما سمعها علم أنه أبو جهل ، جعله من شأنه و قصد نحوه ، فلما أمكن منه حمل عليه و ضربه ضربة فقطع قدمه بنصف ساقه ، و كان عكرمة بن أبي جهل ابنه معه فحمل على معاذ ، فضربه ضربة على عاتقه طرح يده فتعلقت بجلدة من جنبه و ترك أبا جهل ، و أجهضه القتال فقاتل عامة يومه وإنه يسحب يده خلفه بجلدة منه فلما آذته وضع عليها قدمه حتى طرحها ، و عاش بعدها بلا يد حتى كان زمن عثمان . و مر معوذ بن عفراء بأبي جهل و هو مطروح فضربه حتى أثر فيه و تركه و به رمق . ثم مر عبد الله بن مسعود فوجده بآخر رمق فعرفه فوضع رجله على عاتقه ثم قال : أخزاك الله يا عدو الله ! قال : و بماذا أخزاني هل إلا رجل قتلتموه ! أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ فقال ابن مسعود : لله و لرسوله ، و لما رآه أبو جهل قد وطي عنقه قال له : لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقى صعباً ! فاحتز عبد الله رأسه ثم جاء به فقال : يا رسول الله ! هذا رأس عدو الله أبي جهل ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : آلله الذي لا إله غيره ؟ فقال ابن مسعود : نعم ، و الله الذي لا إله غيره ! فحمد الله رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك : و كان عبد الرحمن بن عوف صديقاً لأمية ابن خلف بمكة : أرغبت عن اسم سماك أبوك ؟ فيقول : نعم ، فيقول أمية : فإني لا أعرف الرحمن ، فاجعل بيني و بينك شيئاً أدعوك به ، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول و أما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف ، فقال له عبد الرحمن : قل ما شئت ، قال : فأنت عبد الإله ، فكان يسميه في مكة عبد الإله ، فمر به عبد الرحمن بن عوف في المعركة و هو واقف و معه ابنه ، و مع عبد أدرع يحملها ، فلما رآه أمية بن خلف قال : عبد عمرو ! فلم يجبه عبد الرحمن ، قال : يا عبد الإله ! فقال : نعم ، فقال : أنا خير لك من هذه الأدرع التي معك ، فقال عبد الرحمن : نعم و الله هو الله إذا ! فطرح عبد الرحمن الأدرع و أخذ بيده و يد ابنه ، فقال له أمية بن خلف : يا عبد الإله ! من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره ؟ قال : ذلك حمزة بن عبد المطلب ، فقال : ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل ، فبينما عبد الرحمن يقودهما إذ رآهما بلال فقا ل : رأس الكفر أمية بن خلف ! لا نجوت إن نجا ! فقال عبد الرحمن : أي بلال ! أسيرى ، فقال : لا نجوت إن نجا ! فقال عبد الرحمن : أتسمع يا ابن السوداء قال : لا نجوت إن نجا ! ثم صرخ بأعلى صوته : يا أنصار الله ! رأس الكفر أمية بن خلف ! لا نجوت إن نجا ! فأحاط به المسلمون و عبد الرحمن يذب عنه ، فخالف رجل بالسيف فضرب ابنه فوقع ، فقال عبد الرحمن : انج بنفسك ، فو الله ما أغني عنك شيئاً ! فعلاهم المسلمون بأسيافهم حتى فرغوا منهما ، فكان عبد الرحمن يقول بعد ذلك : يرحم الله بلالاً ! اذهب أدرعي و فجعني بأسيري . و أسر أبو اليسر كعب بن عمرو العباس بن عبد المطلب و أوثقه ، فبات رسول الله صلى الله عليه و سلم تلك الليلة ساهراً ، فقيل له فقال : سمعت حنين العباس في وثاقه ، فأطلق من وثاقه ، فقال المسلمون : يا رسول الله ! عليك بالعير ليس دونها شيء ، فناداه وهو أسير : لا يصلح ! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم ؟ قال : لأن الله وعدك إحدى الطائفتين و قد أعطاك ما وعدك . ثم قال النبي صلى الله عليه و سلم للمسلمين : ما تقولون في هؤلاء الأسرى ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله ! قومك و أهلك استبقهم واستأن هم ، لعل الله أن يتوب عليهم ، و قال عمر : كذبوك و أخرجوك قدمهم قدمهم فاضرب أعناقهم ! قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال : فمن تبعني فإنه مني الآية ، و إن مثلك يا عمر مثل نوح قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ـ الآية . ثم نادى منادي رسول الله صلى الله عليه و سلم : من أسر أم حكيم فليخل سبيلها فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمنها ، و كان أسرها رجل من الأنصار و كتفها بذوابتها ، فلما سمع منادي رسول الله صلى الله عليه و سلم . . . . . . ثم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالقليب فطرح فيه جيف المشركين ، ثم وقف عليهم فقال ! يا أهل القليب ! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً ! فقال المسلمون : يا رسول الله ! نتادي قوماً قد ماتوا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لئن كنتم تسمعونها لقد سمعوها . ثم قام رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرضهم ثلاثاً . و بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بالفتح إلى أهل المدينة ، فبعث عبد الله بن رواحة بشيراً إلى أهل العالية ، و زيد بن حارثة إلى أهل السافلة ، فقدم زيد ا لمدينة والناس يسوون على ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم رقية التي كانت تحت عثمان ، فكان عثمان استأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم في التخلف عن بدر ليقيم على امرأته رقية و هي عليلة ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك و ضرب له بسهمه وحده ، فلما فرغوا من دفنها أتاهم الخبر بفتح الله المسلمين ، فجاء أسامة بن زيد أباه ، و هو واقف بالمصلى قد غشيه الناس و هو يقول : قتل عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و أبو الحكم بن هشام و زمعة ابن الأسود و العاص بن هشام ، فقال : يا أبتاه ! أحق هذا ؟ فقال : نعم ، يا بني ! فقال المنافقون : ما هذا إلا أباطيل ، فلم يصدقوه ؟ حتى جيء بهم مصفرين مغللين . و كان أول من قدم مكة من قريش بالخبر بمصابهم الحيسمان بن جابس بن عبد الله المدلجي ، فقيل له : ما وراءك ؟ فقال : قتل عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و أبو الحكم هشام و أمية بن خلف ، فقال صفوان بن أمية ابن خلف : و الله إن يعقل هذا بما يقول فسلوه عني ، فقال : ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال : ها هو ذلك جالس في الحجر ! و قد و الله رأيت أباه و أخاه حين قتلا . ثم قدم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب مكة ، و كان أب و لهب قد تخلف عن بدر و بعث مكانه العاص بن هشام ، فلما رأى أبو لهب أبا سفيان بن الحارث مقبلاً قال : هلم يا ابن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه و الناس قيام عليهما ، فقال : يا ابن أخي ! كيف كان أمر الناس ؟ قال : لا شيء والله ! إن هو إلا لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا حتى قتلونا كيف شاءوا و أسرونا كيف شاءوا ، و أيم الله مع ذلك ما لمت الناس لأنا لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء و الأرض ، والله لا يقوم له شيء ! فعاش أبو لهب بعد هذا الخبر سبعة أيام و رماه الله بالعدسة فمات فدفنوه بأعلى مكة ، و كانت قريش لا تبكي على قتلاها مخافة أن يبلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه فيشمتوا بهم . و لما وقع بأيدي المسلمين ما وقع من المشركين اختلفوا فكانوا ثلاثاً : فقال الذين جمعوا المتاع : قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم نفل كل امرئ ما أصاب ، و قال الذين كانوا يطلبون العدو : و الله ! لولا نحن ما أصبتموه ، و نحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم ، و قال الحرس الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه و سلم مخافة أن يخالف إليه العدو : و الله ! ما أنتم أحق به منا ، لو أردنا أن نقبل العدو حين منحونا أكتافهم و أن نأخذ المتاع حين لم يكن أحد دونه فعلنا ! و لكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم كرة العدو فقمنا دونه ، فما أنتم أحق به منا ! و ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لهم : من صنع كذا فله كذا ، فتنازعوا في ذلك شباب الرجال و بقيت الشيوخ تحت الرايات ، فلما كان القائمون جاؤا يطلبون الذي جعل لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال الشيوخ : لا تستأثروا علينا ، فإنا كنا وراءكم و كنا تحت الرايات ، و لو أنا كشفنا لكشفتم إلينا ، فتنازعوا فأنزل الله تعالى يسألونك عن الأنفال ـ إلى آخر السورة ، فانتزع الله ذلك من أيديهم و جعله إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فولى رسول الله صلى الله عليه و سلم الغنائم عبد الله بن كعب المازني . ثم رحل رسول الله صلى الله عليه و سلم من بدر بعد ثلاث يريد المدينة و حمل الأسارى معه ، فلما انحدر من بدر إذا بطلحة بن عبيد الله و سعيد بن زيد قد أقبلا من الحوران ، فضرب لهما النبي صلى الله عليه و سلم بسهميهما و أجرهما ، فلما بلغ النبي الصفراء و بينهما و بين المدينة ثلاث ليال أمر بقتل النضر بن الحارث و كان أسيراً ، قتله علي بن أبي طالب ، فلما بل غ عرق الظبية قتل عتبة بن أبي معيط فقال عتبة لرسول الله صلى الله عليه و سلم : من للصبية يا محمد ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : النار . ثم قسم الغنائم بين الناس بالصفراء ، و بين الصفراء و بين بدر سبعة عشر ميلاً ، قسمها على من حضر بدراً و أخذ سهمه مع المسلمين . ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أقبل إلى المدينة قبل الأسارى بيوم ثم قدم بالأسارى يوم الثاني ، فلما بلغوا الروحاء لقيهم المسلمون يهنؤونهم بفتح الله عليهم ، فقال سلمة بن سلامة بن وقش : ما الذي تهنئون به ! والله إن لقينا إلا عجائز صلعاً كالبدن المعلقة ننحرها ! فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال : يا ابن أخي ! أولئك الملأ من قريش . ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للعباس بن عبد المطلب : افد نفسك و بني أخيك عقيل بن أبي طالب و نوفل بن الحارث ، و حليفك عتبة بن عمر أحد بني الحارث ابن فهر ، فإنك ذو مال ، فقال يا رسول الله ! إني كنت مسلماً و لكن القوم استكرهوني فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الله أعلم بإسلامك ، إن يكن ما تذكر حقاً فالله يجزيك بذلك ، فأما ظاهر أمرك فكان علينا فافد نفسك ، و قد كان ر سول الله صلى الله عليه و سلم أخذ منه عشرين أوقية من ذهب فقال العباس : يا رسول الله ! فاحسبها من فدائي ، قال : لا ، ذلك شيء أعطانا الله منك ، فقال العباس : فإنه ليس لي مال ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فأين المال الذي و ضعته بمكة حين خرجت عند أم فضل بنت الحارث فليس معكما أحد فقلت لها : إن أصبت في سفري فللفضل كذا و لقثم كذا و لعبد الله كذا ؟ قال : فو الذي بعثك بالحق ! ما علم بهذا أحد من الناس غيري و غيرهما ، و إني لأعلم أنك رسول الله . ثم بعث قريش في فك الأساري جبير بن مطعم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقتل النبي صلى الله عليه و سلم من قتل منهم و فادى من فادى منهم ، و من لم يكن له مال من عليهم و فادى من كان من العرب فيهم بأربعين أوقية ، من كان منهم من الموالي بعشرين أوقية في غزوة بدر ، و نزلت لولا كتاب من الله سبق لمسكم ـ إلى قوله فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا . فقال النبي صلى الله عليه و سلم : لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس من قبلكم ، و ذلك أن الله جل و علا رأى ضعفكم فطيبها لكم ، و كانت الغنائم فيما قبل تنضد فتجيء النارفتأكلها . |
|
السيرة لإبن حيان |