|
الحمد لله ثم الحمد لله،
الحمد لله حمداً يوافي نعمه
ويكافئ مزيده، ياربنا لك
الحمد كما ينبغي لجلال وجهك
ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم
لا أحصي ثناءً عليك أنت كما
أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأشهد أن سيدنا ونبينا
محمداً عبده ورسوله، وصفيه
وخليله، خير نبيٍ أرسله،
أرسله الله إلى العالم كله
بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ
وسلم وبارك على سيدنا محمد،
وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاةً
وسلاماً دائمين متلازمين إلى
يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها
المسلمون ـ ونفسي المذنبة
بتقوى الله تعالى.
أما بعد، فيا عباد الله:
لقد صح عن رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم أنه قال:
((لا تزال طائفة من أمتي
ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم
ظاهرين)) ولفظه فيما رواه
الحاكم في المستدرك: ((لا
تزال طائفة من أمتي ظاهرين
على الحق لا يضرهم من خالفهم
حتى يأتي أمر الله وهم
ظاهرون)). مما يلفت النظر
أيها الإخوة، أن المصطفى صلى
الله عليه وسلم وقد أكد وجود
هذه الطائفة وبقاءها ما بقي
الدهر، إلى أن تقوم الساعة،
لم يعين لأمته هذه الطائفة،
ولم يبيّن سماتها، وكان بوسعه
أن يفعل ذلك لو شاء. فما أكثر
ما أطلعه الله عز وجل عليه من
خفايا الأمور ومن الغيوب
المستقبلية، ولكنه صلى الله
عليه وسلم اكتفى بأن أكد لنا
وجود هذه الطائفة وبقائها إلى
أن تقوم الساعة، دون أن
يحددها، ودون أن يبين لنا
سماتها، حتى نتبعها، وحتى
نميز ما بينها وبين الطوائف
والفئات الأخرى.
فما الحكمة من ذلك؟ الحكمة من
ذلك أيها الإخوة أن يبقى
المؤمن إذا نظر إلى فئات
المسلمين وجماعاتهم، أن يبقى
وهو يحسن الظن بهم جميعاً،
لعل هذه هي الفئة التي أشار
إليها رسول الله صلى الله
عليه وسلم، لعل هؤلاء الناس
الذين أكد المصطفى صلى الله
عليه وسلم استمرارهم على
الحق، وأنهم يرقون هذا
الاستمرار، يتوارثونه جيلاً
بعد جيل إلى أن تقوم الساعة.
ومن ثم فإن المؤمن لا يمكن أن
يسيء الظن بعباد الله
المسلمين في هذه الحالة، لا
تزال طائفة من عباد الله عز
وجل، ظاهرين على الحق، من هم؟
يمكن إسقاط هذه الطائفة على
أي فئة من المسلمين ماداموا
ملتزمين بأوامر الله،
مستمسكين بحبل الله، يحرِّمون
ما حرم الله، ويخضعون لما قد
أمر الله سبحانه وتعالى به،
يدل على هذا قول المصطفى صلى
الله عليه وسلم في الحديث
الصحيح الذي يرويه مسلم في
صحيحه: ((من قال هلك الناس
فهو أهلكهم)). وفي رواية:
((فهو أولهم هلاكاً)).
يحذر المصطفى صلى الله عليه
وسلم المسلمين أن تقوم
الساعة، يحذرهم من أن يسيئوا
الظن بأمثالهم وإخوانهم من
المسلمين، يحذرهم من أن
يلتفتوا يميناً وشمالاً إلى
ما آل إليه أمر المسلمين بسبب
الفتن أو بسبب انتشار الفسوق
أو العصيان؛ فيقول وينتهي إلى
قرار: بأن الناس كلهم قد
هلكوا؛ لأنهم زائغون تائهون
شاردون عن أوامر الله عز وجل
وصراطه. ويلتفت إلى نفسه
وجماعته فلا يشك في أنها
وحدها الفئة الناجية. ينعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم
هؤلاء الناس الذين ينظرون إلى
عباد الله عز وجل من حولهم،
ويحكمون عليهم بهذا الحكم
سلفاً، يقول المصطفى صلى الله
عليه وسلم عنهم: إنهم أهلك
الناس بل هم أول الناس
هلاكاً.
والمعنى التربوي الذي يكمن في
هذا الذي يقوله لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم هو أنه
عليه الصلاة والسلام يهيب بنا
أن نحسن الظن بعباد الله
المسلمين، وأن لا نسيء الظن
بهم، وأن لا نقارن بين أنفسنا
وما نحن عليه، وبين ما عليه
الآخرون، ربما كانوا يلجئون
إلى اجتهادات مخالفة، وربما
يكونون يسيرون في طرق ارتأوا
أنها الطريق السليم والمنهج
السديد، ومن ثم نقارن بينما
نحن عليه من أمورنا
الاجتهادية التي وقفنا عندها،
وبين ما اختاره الآخرون من
إخواننا في الإيمان وفي
الإسلام، يحذر المصطفى صلى
الله عليه وسلم من أن نعجب
بما نحن عليه، ونستخف بما هو
عليه هؤلاء الآخرون، ومن ثم
نستسلم لزيغ الشيطان، أن يبعث
في ردعنا: أن هؤلاء الناس
كلهم هلكى، لأنهم تائهون عن
صراط الله سبحانه وتعالى.
والعجب أيها الإخوة، أن في
المسلمين اليوم كثرة سمعوا
هذا الذي يقوله رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وتبينوا
المعنى الخفي بل الواضح فيه،
ومع ذلك فإننا لننظر فنجد
أنهم يتنكبون في نقيض الطريق
الذي يربينا عليه المصطفى
صلوات الله وسلامه عليه،
يختارون وبإلحاح الطريق
المخالف لما نبهنا إليه
المصطفى صلى الله عليه وسلم،
وللسبل الأخرى التي حذرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم
منها، فئات اجتهدت في أمور
خلافية، فطاب لها أن ترى الحق
فيما انتهت إليه، لم تشك في
أنها وحدها على الحق، ونظرت
إلى الناس الآخرين الذين
يخالفون نهج هؤلاء الناس في
هذه الأمور الاجتهادية، فلم
يشكوا في أنهم زائغون، ولم
يشكوا في أنهم مبطلون وتائهون
عن الحق، أي يتخذون الموقف
المخالف تماماً بل المناقض
لوصية المصطفى صلى الله عليه
وسلم .
وننظر إلى نتائج هذا الموقف
المخالف لأمر المصطفى صلى
الله عليه وسلم، بل المخالف
لأمر الله عز وجل، ننظر إلى
الآثار والنتائج فنجد أن من
أبرز النتائج التي يفرزها هذا
الموقف المخالف لأمر الله
ورسوله؛ هذا الشقاق الذي
يتكاثر في صفوف المسلمين، هذه
الاختلافات التي تغرس في
مناخها مشاعر الحقد، مشاعر
الضغينة، مشاعر العداوة
والبغضاء، وننظر فنجد أنفسنا
من هذا الموقف أمام ما يناقض
قول الله سبحانه وتعالى:
{إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيْكُمْ}
[الحجرات: 49/10]. ولقد قلت
بالأمس إنهما جملتان: الأولى
تقرير إخباري: المؤمنون إخوة
في واقعهم، وذلك شرف عظيم
شرّف الله سبحانه وتعالى به
عباده المؤمنين به. الجملة
الثانية: حكم وأمر من الله عز
وجل بناءً على هذا القرار
الإخباري
{فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيْكُمْ} كونوا
رقباء على هذه الأخوّة ألا
تتقطع شبكتها فيما بينكم،
كونوا حراساً لهذه الأخوّة
ألا تتراجع فاعليتها، وألا
يتراجع سلطانها فيما بينكم.
وأنظر إلى عباد الله سبحانه
وتعالى وهم اليوم أحوج ما
يكونون إلى أن يستظلوا بظل
هذه الأخوة، وأن تمتد فيما
بينهم شبكة هذا الود، شبكة
هذه الألفة، أنظر فأجد فئة من
المسلمين أسأل الله عز وجل
لنا ولهم من يداً من الهداية،
يمعنون في تقطيع صلة القربى
بين المسلمين بعضهم مع بعض،
يمعنون في الاتهامات، ينطلقون
من موقف مناقض تماماً لما
يأمرنا به رسول الله صلى الله
عليه وسلم، نعم، إذ يعتقدون
أنهم هم الفئة الناجية، وأنهم
هم الذين عثروا على الحق
الضائع فتمسكوا به، وأن
الآخرين من دونهم تنكبوا في
طرق الغواية والضلال، وأنهم
الفئة الضالة التائهة
المبتدعة التي تنتظر سخط الله
عز وجل ومقته. يا هؤلاء! أين
أنتم من حديث رسول الله: ((من
قال: هلك الناس فهو أولهم
هلاكاً)). ثم أين نحن من سلف
هذه الأمة وقد أمرنا المصطفى
صلى الله عليه وسلم أن نفتدي
بهم، وأن نسير على النهج الذي
ساروا عليه، ذلك لأنهم أقرب
الناس إلى حبيبنا المصطفى
صلوات الله وسلامه عليه.
اختلفوا في المسائل
الاجتهادية ولكن اختلافهم في
هذه المسائل لم يزدهم إلا
إخوة ووداً فيما بينهم، ساروا
في الطرق التي أمرهم الله عز
وجل أن يجتهدوا فيها، ولله
حكمة في أنه أخفى طائفة من
مسائل الشريعة الإسلامية
وأحكامها، وجعلها منوطة
باجتهاد المجتهدين، نوع من
العبادة ألزم الله سبحانه
وتعالى عباده به، لم يتخذوا
من هذه الاجتهادات أسلحة
يقطعون بها شبكة الود
والألفة، يقضون بها على
الإخوة التي شرفهم الله
سبحانه وتعالى بها، ومن خلف
من بعدهم خلف في هذا العصر
ساروا على النقيض مما أمر به
رسول الله، ثم ساروا على
النقيض مما كان عليه سلف هذه
الأمة، عصر المصطفى صلى الله
عليه وسلم، ثم الذين جاؤوا من
بعدهم ثم الذين جاؤوا من
بعدهم.
وننظر إلى هؤلاء الإخوة نحذر،
ونلفت النظر، ونناقش ونحاور،
لا يتأتى من ذلك كله شيء.
فيمَ هذا كله أيها الإخوة؟
مرده إلى شيء واحد ألا وهو
كما قاله الإمام النووي رحمه
الله في تعليقه على هذا
الحديث، ألا وهو الإعجاب
بالنفس، وهو من أخطر الأمور
التي تهلك العبد، تزجه في سخط
الله سبحانه وتعالى ومقته.
أنا عندما أزهى برأي ارتأيته،
وباجتهاد اجتهده وألتفت إلى
آراء المخالف فلا أشك أنهم
ضالون تائهون، فَلأعلمْ أن
مصدر ذلك هو الإعجاب بنفسي،
ولأعلم أن مصدر ذلك هو الأنا
المكروهة المهلكة، التي
استيقظت بين جوانحي. وهذا
ابتلاء من الله، فإما أن
أتحرر من هذه الأنانية وأمزق
هذا العجب الذي يهمين على
كياني، فأنجو عندئذ، وأصل إلى
مرضات الله عز وجل وأتطامن
لإخوتي جميعاً في الإيمان
بالله عز وجل، وإما أن استسلم
لهذا العجب، وأن استسلم لهذه
الأنانية التي لا يمكن أن
تخفى، وأنا أعلمها في كياني،
لا يمكن أن تغيب رائحتها التي
يستشعر بها أنفي. إما أن
استسلم لهذه الأنانية، ولسوف
أجد نفسي قد هلكت، ولسوف أجد
نفسي قد وقعت في سخط الله
سبحانه وتعالى ومقته.
آية هذا الذي أقوله لكم أيها
الإخوة أن هؤلاء الذين
يجتهدون وحسناً ما يفعلون،
ماداموا قادرين على الاجتهاد
ويتمسكون بما انتهى إليه
اجتهادهم، وحسناً يفعلون ما
داموا أهلاً لذلك، لكنهم
عندما يتخذون من نتائج
اجتهاداتهم ورؤاهم الدين
الأوحد الذي لا ثاني له،
والحق الأوحد الذي لا ثاني
له، فمعنى ذلك أن الذي يقودهم
إلى ذلك هو العجب، الدليل على
هذا أنني أنظر إلى هؤلاء
الإخوة فأجد أنهم يعانون من
مرض أسأل الله لي ولكم
العافية منه، إنه قسوة القلب،
قسوة القلب. ما رأيت كما قلت
بالأمس أناساً طاب لهم أن
يسلكوا هذا الطريق، وأن
ينظروا إلى الآراء المخالفة
لهم باستخفاف واستكبار، إلا
ورأيت أنهم قد ابتلوا بقسوة
القلب، عندما يوجدون في مجلس
كهذا المجلس، وعندما يظهر
تيار الخشية، تيار الخوف،
تيار الخشوع لأمر الله عز وجل
في هذا المجلس، انظر إليهم
يميناً وشمالاً وإذا بالواحد
منهم كأنه سائح يسبح في بلدة
ليس هو منها في شيء إطلاقاً،
الأكف ترتفع إلى عنان السماء،
وهو يشبك أصابعه ينظر إلى
هؤلاء الناس، ولعله ينظر
إليهم في استنكار، الدموع
تهمي من أعماقهم خشية من
الله، وتأثراً بمناجاة الله
عز وجل، وهم أبعد ما يكونون
عن هذه المشاعر، ترى ألا يقف
هؤلاء الإخوة أمام قول الله
عز وجل:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ
مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ
كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ
قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ
الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ
مِنْهُ الأَنْهارُ وَإِنَّ
مِنْها لَما يَشَّقَّقُ
فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ
وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ
مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}
[البقرة: 2/74]. ترى ألا
يقفون أمام هذا من آيات هذه
الظاهرة التي أحدثكم عنها؟،
أن الله عز وجل يكرم هذه
الأمة بأناس يضع لهم القبول
في الأرض، وننظر فنجد أن
أناساً كثيرين يهدي الله عز
وجل بهؤلاء الدعاة، أنظر فأجد
أن الله عز وجل قد أعطاهم
قدرة على أن ينتشلوا بهذه
القدرة قلوب هؤلاء التائهين،
فيضعوهم على صراط الله سبحانه
وتعالى، ما الذي ينبغي أن
يشعر به المؤمن في هذه
الحالة؟ لا أشك ولا تشكون أنه
الغبطة، ينبغي أن نغتبط لهذه
الظاهرة، أناس وضع الله لهم
القبول في الأرض، جعل في
كلامهم شعاعاً يسري إلى أفئدة
التائهين بالهداية والتأثر
والعودة إلى الله، عندما أنظر
إلى هؤلاء الناس بدلاً من أن
أتأثر ب+كلامه كما يتأثرون،
أنظر إلى كلامه وأصغي إلى
حديث إصغاء المنقب، إصغاء
الذي يبحث عن خطأ يمكن أن يزل
فيه لسانه، أبحث وهو يتكلم عن
عثرة يمكن أن يتعثر بها
حديثه، كي ألتقط هذه العثرة،
ولكي أجمع الخطأ إلى الخطأ،
والعثرة إلى العثرة، ثم
أشهِّرُ به على منبر الإنترنت
والمنابر المختلفة الأخرى،
لكي أقطع هذه الصلة التي
شاءها الله بين فمه وقلوب
الآخرين.
وعلام تدل هذه الظاهرة؟ هل في
الناس بعد الرسل والأنبياء من
ميزهم الله بالكمال؟ لا. إن
أردنا ألا نصغي السمع إلا إلى
من قد عصمه الله عز وجل عن
الخطأ في اجتهاده، عصمه الله
عن العثرات في لسانه، عصمه
الله عن كل عيب، إذن ينبغي
ألا نصغي السمع إلى أحد،
وينبغي أن تطوى مهمة الوعظ
والدعوة إلى الله سبحانه
وتعالى من مجتمعاتنا، وينبغي
أن يكون في أول من ينبغي أن
يصمتوا فلا يحدث الناس هؤلاء
الناس أنفسهم، لأنهم يصدق
عليهم ما يصدق على سائر عباد
الله سبحانه وتعالى. ((كل بني
آدم خطّاء وخير الخطائين
التوابون)).
هذا إن قلنا: إنهم قد عثروا
على خطأ، هو خطأ. إن قلنا:
إنهم عثروا على تنكب عن الحق،
هو فعلاً تنكب عن الحق، فماذا
لو كان ذلك كله اصطناعاً،
وماذا لو كان كله افتئاتاً في
سبيل ألا يستفيد الناس، وفي
سبيل أن نحجب الناس عن سبيل
الاستفادة عن هؤلاء الناس.
قلتها بالأمس كلمة وأعيدها:
إن العداوة التي تستشري في
صفوف المسلمين ليست تلك
العداوة التي تتسرب إلينا
بعيد من خارج العالم الإسلامي
فتصل إلينا. لا، لا يمكن لهذه
العداوة أن تفعل شيئاً،
العداوة الخطيرة، البلاء
الخطير الذي يؤثر على وحدة
الأمة، والذي يهدد بقاءها
إنما هي العداوة الداخلية،
إنما هو المرض الداخلي الذي
يستشري في المجتمعات
الإسلامية، وأخطر أمراضنا
الداخلية هذا الذي أحدثكم
عنه، ظاهرة لا يختلف فيها
اثنان، لا يمكن للعقل أن
يتمرد على هذه الحقيقة بشكل
من الأشكال، ومن ثم فأنا من
أعلم الناس بأن أعدائنا
التقليديين في الخارج يتخذون
من هذا الواقع في الداخل
سلاحاً ليقطعوا به علاقة
المسلمين بعضهم مع بعض، وأنا
من أعلم الناس بهذا، وأنا من
أكثر الناس معرفةً بالدلائل
المادية المختلفة التي تدل
على هذه الحقيقة.
وبعد أيها الإخوة:
فإنها بشرى من رسول الله صلى
الله عليه وسلم لنا إذ يقول:
((ما تزال طائفة من أمتي
ظاهرين على الحق لا يضرهم من
خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم
ظاهرون)) وما أخفى رسول الله
صلى الله عليه وسلم سمة هذه
الظاهرة إلا من أجل أن يكون
كل منا متعرضاً لها، إلا من
أجل أن يكون كل منا يحسب أنه
ربما كان من هذه الفئة، وربما
كان واحداً ممن يدخل في ساحة
هذه الفئة، لم يحدد المصطفى
صلى الله عليه وسلم هذه الفئة
حتى لا يزجنا ذلك في اليأس.
فنسألك اللهم أن تجعلنا من
هذه الفئة المستمسكة بالحق،
الظاهرة على أمر الله، التي
لا تسيء الظن بأمة رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
أقول قولي هذا وأستغفر الله
العظيم.
دعاء الخطبة الثانية
اللهم اغفر للمسلمين
والمسلمات، والمؤمنين
والمؤمنات، الأحياء منهم
والأموات، وألِّف بين قلوبهم
يا رب العالمين.
اللهم طهر قلوبنا من كل وصف
يباعدنا عن مشاهدتك ومحبتك،
وأدم علينا عين عنايتك،
واسترنا بسترك الجميل في
الدنيا والآخرة يا رب
العالمين.
اللهم اجعلنا بمنِّكَ وجودك
من عبادك الذين أحببتهم
فأحبوك، مع العافية التامة
ورغد العيش، ودون ابتلاء يا
رب العالمين.
نسألك اللهم حبك، وحب من
يحبك، وحب عمل يقربنا إلى
حبك، ونسألك اللهم أن تجعل
حبنا لك أحب إلينا من الماء
البارد يا ذا الجلال
والإكرام.
اللهم اجعل هذا البلد بلداً
آمناً مطمئناً رخياً، مستظلاً
بظل كتابك، ملتزماً بهدي نبيك
محمد صلى الله عليه وعلى آله
وصحبه وسلم، وسائر بلاد
المسلمين.
اللهم إنا نسألك بدموع
الثكالى وبدموع اليتامى،
ونسألك بدعاء المظلموين الذي
يتعالى إليك في كل صباح
ومساء، أن عبادك المظلومين
المضطهدين في فلسطين، وفي
مشارق الأرض ومغاربها يا رب
العالمين.
نسألك اللهم أن ترد عنهم كيد
الكائدين، اللهم إنا نجعلك في
نحورهم، ونعوذ بك اللهم من
شرورهم، اللهم إنا نسألك
بعبادك الشعث الغبر الذين لو
أقسم عليك أحد منهم لأبررت
قسمه إلا استجبت دعاءنا،
وحققت رجاءنا، ونصرت عبادك
المؤمنين المستضعفين في
فلسطين، في بغداد، في مشارق
الأرض ومغاربها، وأنجزت وعدك
إذ قلت:
{وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا
نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}
[الروم: 30/47].
اللهم وفّق عبدك هذا الذي
ملّكته زمام أمورنا للسير على
صراطك ولاتباع سنة نبيك محمد
صلى الله عليه وعلى آله وسلم،
اللهم املأ قلبه بمزيد من
الإيمان بك، وبمزيد من الحب
لك، وبمزيد من التعظيم
لحرماتك، واجمع اللهم به أمر
هذه الأمة على ما يرضيك، وحقق
له في سبيل ذلك البطانة
الصالحة يا مولانا يا رب
العالمين.
ربنا اغفر لنا ولوالدينا،
ولإخواننا الحاضرين ووالديهم،
ولمشايخنا ولأرباب الحقوق
علينا، ولسائر المسلمين
أجمعين.
آمين آمين آمين، والحمد لله
رب العالمين. |