موقع بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر:

مالك بن نبي وشروط النهضة

 

·        تمهيد:

 

في تشخيص مشكلة المجتمع المسلم في العصر الحديث تناول المفكرون المسلمون أبعاداً مختلفة، وأفرد بعضهم لبعد معين الدور كله في المشكلة كمن جعل المشكلة في العقيدة أو في السياسة إلى آخره ..

مالك بن نبي رحمه الله نظر إلى المشكلة على أنها مشكلة حضارة، غير أننا نرى أنه يضمن هذه الرؤية أبعاداً متعددة بتعدد أبعاد الحضارة نفسها، ومن هنا اختار عنواناً عاماً لكل كتبه هو: "مشكلات الحضارة".(1)

وكان لا بد له لكي يشخص "مشكلات الحضارة" عموماً والمشكلة التي تهمه بصورة خاصة وهي مشكلة الحضارة الإسلامية من أن يحلل العناصر المكونة للحضارة، وكيف تتركب وما الذي يقود الحضارة في درب النهوض أو درب الانحطاط. وفي أبحاثه التي تمحورت حول هذا الموضوع تحول بن نبي إلى فيلسوف حضارة وعالم اجتماع وعالم تربية مرموق، وهو في كل هذا يشغل مكاناً مرموقاً في الفكر الإسلامي المعاصر  يستحقه بجدارة. وفي اعتقادي أننا الآن بحاجة إلى قراءة أفكار هذا المفكر الهادئ والتعلم منه، لا أعني بالضرورة أن نقره على كل تفاصيل تحليلاته ولكن يجب أن نستخلص ما هو قيم حقاً في فكر بن نبي وهو طريقته في رؤية مشكلة الحضارة الإسلامية وتحليلها والجوانب التي يلفت انتباهنا إلى ضرورة التركيز عليها.

هذا المقال أريده تحية لروحه المخلصة ومساهمة متواضعة في إعادة بعث الاهتمام بهذا المفكر الكبير.

وسأقسم المقال إلى قسمين أتحدث في القسم الأول عن مفاهيمه النظرية المتعلقة بالحضارة والنهضة وشروطها، وأتحدث في القسم الثاني عن موقع بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر.

 

·        القسم الأول: نقاط أساسية في نظرية الحضارة وشروط النهضة عند بن نبي

 

·        الدورة الحضارية:

 

يرى بن نبي أن كل حضارة تبدأ ببزوغ فكرة دينية تقوم بتركيب عناصر الحضارة، وتنظم الطاقة الحيوية للأفراد وتثير فيهم الحركة والنشاط بحيث يتحرر الفرد في هذه المرحلة الأولى الصاعدة من هيمنة الغريزة ويخضع لهيمنة الروح،وفي هذه المرحلة تصل "شبكة العلاقات الاجتماعية" إلى قمة كثافتها (فيصبح المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً) هذا هو وضع النهوض، وهو في الحضارة الإسلامية يكافئ المرحلة النبوية ومرحلة الخلافة الراشدة. ويؤرخ بن نبي نهاية هذه المرحلة في الحضارة الإسلامية بمعركة صفين.

والمرحلة الثانية تنعطف فيها الحضارة بسبب المشكلات المادية الناتجة عن توسع المجتمع الوليد منعطفاً تكف فيه الروح عن السيطرة المطلقة على الغرائز، ويبدأ عهد العقل، ويعادل هذا المنعطف في الحضارة الإسلامية المرحلة الأموية والمرحلة العباسية، وبحسب تعبيره "هو منعطف للعقل". غير أن هذا العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز، وحينئذ تشرع الغرائز في التحرر من قيودها بالتدريج على الصورة التي عرفناها عن عهد بني أمية، إذ أخذت الروح تفقد نفوذها، كما كف المجتمع عن ممارسة ضغطه على الفرد. وطبيعي ألا تنطلق الغرائز دفعة واحدة وإنما تحرر بقدر ما يضعف سلطان الروح" ("ميلاد مجتمع.." –ص103)

وفي هذه المرحلة تنقص الفاعلية الاجتماعية للفكرة الدينية، وإن كانت الحضارة نفسها تبلغ أوجها فتزدهر العلوم والفنون فيها، ولكن مرضاً اجتماعياً يكون قد بدأ وإن تكن آثاره المحسوسة لم تظهر بعد. إن الطبيعة تستعيد سيطرتها على المجتمع والفرد شيئاً فشيئاً.

ثم تدخل الحضارة طورها الثالث، وهو طور الانحطاط والانحلال، ولا يعود للفكرة الدينية فيه من وظيفة اجتماعية، وتعود الأشياء كما كانت في مجتمع منحل، وتتفكك شبكة العلاقات الاجتماعية بانحلال المجتمع إلى ذرات لا روابط بينها وتنتهي بهذا دورة الحضارة.

ويميز بن نبي بين وضعين متناقضين للإنسان: "وضع ما قبل الحضارة" ،و "وضع ما بعد الحضارة" ،فالوضع الأول هو وضع الإنسان الفطري أو الطبيعي وهو مستعد للدخول في دورة الحضارة كما هي الحال مع العرب قبيل ظهور الإسلام، أما الحالة الثانية فهي حالة الإنسان الذي تفسخ حضارياً وهي حالة إنسان ما عاد قابلاً لإنجاز عمل محضّر إلا إذا تغير هو نفسه من جذوره الأساسية. ويمثل بن نبي للحالين بجزيء الماء قبل وصوله إلى الخزان الذي ينتج الكهرباء وبعد خروجه من الخزان، ففي الحالة الأولى يكون الجزيء مشحوناً بطاقة كامنة سيبذلها منتجاً عملاً، وأما في الحالة الثانية فإن الجزيء يكون قد فقد طاقته المذكورة ولم يعد في إمكانه أن يستعيد طاقته هذه إلا بواسطة عملية جوهرية تتمثل في عملية التبخر التي ترجع به إلى حالة بخارية وفي التيارات الجوية الملائمة التي ترجعه إلى أصله، حيث يتم تحوله من جديد إلى جزيء مائي واقع "قبل" خزان معين. ("شروط النهضة" –ص71)

"إنسان ما بعد الحضارة" هو الإنسان المسلم منذ انهارت دولة الموحدين، وهو يسميه "إنسان ما بعد الموحدين"، ومرحلة التفسخ الحضاري هذه ما زال المسلمون يعيشونها، وإن كانت الحضارة الإسلامية في العصر الحديث شهدت محاولات لاستئناف نهضة جديدة في أماكن متعددة من العالم الإسلامي.

فكرة الدورة الحضارية هذه نجد نظائر لها في الفكر العالمي، وأهم ممثليها عندنا ابن خلدون وإن كان اهتم بالدولة أكثر من اهتمامه بالحضارة وهي أعم من الدولة.

وفي اعتقادي أن فكرة الدورة الحضارية هذه هي في غاية العمومية والتجريد شأن أفكار فلسفة الحضارة والتاريخ عموماً، ولا يمكن البرهان القاطع على صحتها أو خطئها، ومن هنا فهي ليست فكرة علمية بحصر المعنى، ولكن هذه الفكرة قادت بن نبي إلى تحليلات عميقة وخصبة لشروط النهضة الحضارية، وهي متفرقة في كتبه وكرس لها كتاباً خاصاً هو "شروط النهضة". وفي الحقيقة البحث في شروط النهضة هو الهم الأساسي لبن نبي، وهو الذي قاده إلى تأملات متشعبة في بناء المجتمع وعلاقاته ودور العامل الخارجي (الاستعمار) والداخلي (القابلية للاستعمار) في وضعه الراهن.

 

·        العناصر الثلاثة للحضارة ودور الدين:

 

يقول بن نبي إن العالم الإسلامي يعمل على جمع أكوام من منتجات الحضارة أكثر من عمله على بناء حضارة، وهذه العملية لا تؤدي به إلى إنجاز البناء الحضاري المطلوب في زمن قصير كما فعلت اليابان التي انتقلت بين عامي 1868 و1905 من العصور الوسطى إلى الحضارة الحديثة من هنا فبن نبي لا يريد لبناء الحضارة الجديدة المنشودة أن يخضع للصدفة أو للتطور الطويل بل يريد البناء الواعي المخطط قصير الأمد انطلاقاً من العناصر الأساسية للحضارة كما يراها: "فالعالم الإسلامي يريد أن يجتاز نفس المرحلة بمعنى أنه يريد إنجاز مهمة "تركيب" الحضارة في زمن معين، ولذا يجب عليه أن يقتبس من الكيماوي طريقته، فهو يحلل أولاً المنتجات التي يريد أن يجري عليها بعد ذلك عملية التركيب. فإذا سلكنا هنا هذا المسلك قررنا أن كل ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية:

ناتج حضاري= إنسان + تراب +وقت

ففي المصباح مثلاً يوجد الإنسان خلف العملية العلمية والصناعية، التي يعتبر المصباح ثمرتها، والتراب في عناصره من موصل وعازل، وهو يتدخل بعنصره الأول في نشأة الإنسان العضوية، والوقت "مناط" يبرز في جميع العمليات البيولوجية والتكنولوجية، وهو ينتج المصباح بمساعدة العنصرين الأولين: الإنسان والتراب" ("شروط.." –ص45)

فإن كانت الحضارة ناتجاً لاجتماع هذه العناصر الثلاثة فلماذا لا يوجد هذا الناتج تلقائياً بمجرد توفر هذه العناصر؟

جواب بن نبي يمثل له بالتركيب الكيميائي: "الماء في الحقيقة نتاج للهيدروجين والأوكسجين وبرغم هذا فهما لا يكونانه تلقائياً، فقد قالوا إن تركيب الماء يخضع لقانون معين يقتضي تدخل "مركب" (بتشديد الكاف وكسرها.م) ما، بدونه لا تتم عملية تكون الماء. وبالمثل لنا الحق في أن نقول: إن هناك ما يطلق عليه "مركب الحضارة" أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض، (...) هو الفكرة الدينية التي رافقت دائماً تركيب الحضارة خلال التاريخ".("شروط.." –ص46)

دور الدين إذاً في الحضارة هو دور العامل المركب لعناصرها، واختفاء هذا الدور يعني تحلل هذه العناصر إلى وضع غير مركب أي تحلل الحضارة.

وبن نبي يرى أن هذه الفرضية تنطبق على جميع الحضارات، فالحضارة الغربية في رأيه بنتها الفكرة المسيحية التي دفعت البداوة الجرمانية بعد ستة قرون من الإسلام إلى تكوين هذا الكيان الذي أسسه شارلمان، ذلك أن المسيحية على رأيه حين ظهرت في الشرق لم تأت إلى أرض بكر بل جاءت إلى وسط خليط تعمل فيه ثقافات متنوعة، وليس كذلك كان الأمر في أوروبة حين بعث فيها شارلمان الروح المسيحية. وهذا التحليل يتفق فيه بن نبي مع المفكر الألماني كيسرلنج والمؤرخ هنري بيرين في كتاب له قارن فيه بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية عنوانه "محمد وشارلمان". وحتى الحضارة التي قادتها الأحزاب الشيوعية الملحدة لا يستثنيها بن نبي من هذه القاعدة قائلاً إنها من جهة نتاج لأزمة في المسيحية وإنها من جهة أخرى لم تقم حقيقة في مستواها الإنساني على الأفكار الماركسية الملحدة بل قامت على تفاني أفراد توجههم فكرة عن التضحية في سبيل المصلحة العامة: "تعتبر الشيوعية النظرية قبل كل شيء "فكرة" ماركس، ولكن هناك شيوعية واقعية، هي في جوهرها نشاط المؤمنين المدفوعين بنفس القوى الداخلية التي دفعت غيرهم من المؤمنين في مختلف العصور، أولئك الذين شهدوا مولد الحضارات. فالظاهرة متماثلة في جوهرها النفسي ومحددة هنا وهناك بنفس سلوك الفرد حيال مشاكل المجتمع الناتج"("شروط.." –ص54)

 

ويضرب بن نبي المثل برفع العامل الروسي استخانوف لإنتاجه اليومي إلى الضعف مقارناً إياه بالعمل المضاعف الذي بذله الصحابة في بناء مسجد المدينة أو في حفر الخندق "ففي كلتا الحالتين نجد أن الإيمان هو الذي مهد الطريق للحضارة" ("شروط.. –ص55)

ولا شك عندي أن بن نبي رحمه الله لا يجهل الفارق بين العقيدة الشيوعية الملحدة التي من مسلماتها عدم وجود يوم آخر وبين الإسلام الذي يرتجي فيه المسلم الأجر الحقيقي في الآخرة ولكنه يرى فيما يبدو لي أن هؤلاء الروس الذين كانوا متحمسين في البداية للشيوعية حولوا إليها كل طاقتهم الدينية المكبوتة التي حالت خيبة أملهم في الكنيسة دون إبقائها في إطار ديني صريح بشكله المألوف. وهذا الحماس الذي ينتاب أهل المبادئ فيدفعهم للتضحية بأنفسهم في سبيل مثلهم العليا لا أجد حقاً له تفسيراً إلا أنه من أصل ديني حتى لو ظهر بصيغ بعيدة عن الدين.

الدين في رأي بن نبي إذاً هو العامل الذي تقوم الحضارة به وتتحلل بصورة مضطردة كلما ضعفت فاعليته: "تطور الإنسانية هو ما يحدث من نمو في مشاعرها الدينية المسجلة في واقع الأحداث الاجتماعية، تلك التي تطبع حياة الإنسان وعمله على وجه البسيطة" ("ميلاد.." –ص56)

 

·        شبكة العلاقات الاجتماعية:

 

يقول بن نبي إن أول عمل يؤديه المجتمع عند ولادته هو بناء شبكة العلاقات الاجتماعية، ويضرب لذلك مثلاً بميلاد المجتمع الإسلامي في المدينة حيث آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.

وعلى العكس من ذلك عند أفول المجتمع تتمزق شبكة علاقاته الاجتماعية، كما كانت حالة المجتمع الإسلامي المتفسخ الذي غزاه الاستعمار.

وبن نبي يذكر الحديث الشريف المشهور: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم..." وفيه يصف النبي عليه الصلاة والسلام كثرة المسلمين آنذاك بأنها "غثاء كغثاء السيل" فيقول "لقد كان هذا الحديث ضرباً من التنبؤ والاستحضار: استحضار صورة العالم الإسلامي بعد أن تتمزق شبكة علاقاته الاجتماعية، أي عندما لا يعود مجتمعاً بل مجرد تجمعات لا هدف لها كغثاء السيل" ("ميلاد.." –ص26)

وفي رأي بن نبي أن المجتمع يتكون من ثلاثة مركبات هي"أشخاص" و "أفكار" و "أشياء".

وأول عمل للمجتمع هو تحويل الكائن الذي صفته أنه "فرد" في "نوع" أي صفته شبه البيولوجية إلى "شخص" Person أي إلى كائن اجتماعي، والثقافة هي المحيط الذي يصوغ كيان الفرد ويقدم له الروابط الاجتماعية. لنتذكر هذه الملاحظة ولو أننا، مع بن نبي!، سنستعمل كلمة "فرد" أحياناً في التحليل اللاحق بمعناها المعتاد الذي يعني الواحد في المجموعة البشرية أكان "شخصاً" أم "فرداً" بالمعنى السابق.

وإذا كان المجتمع يتألف من "أشخاص" و "أفكار" و "أشياء" فإن غنى المجتمع يقاس مبدئياً بما فيه من أفكار لا من أشياء، ويضرب بن نبي على ذلك مثلاً ألمانيا المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية حيث خسرت "أشياءها" بالكامل ولكنها استعادتها بسهولة بسبب غناها بالأفكار!

ولكن الأفكار لوحدها لا تكون فعالة عند تفكك شبكة العلاقات الاجتماعية، ويضرب بن نبي لذلك مثلاً الإسبان الذين هزموا مسلمي الأندلس، فهم كانوا أفقر بالأفكار من المسلمين بكثير ولكن شبكة علاقاتهم الاجتماعية كانت أقوى و أفضل.

وفي اعتقادي أن هذه الملاحظة هي واحدة من ملاحظات ثاقبة كثيرة جداً لبن نبي وبالفعل ليتأمل القارئ في هزيمة الحضارة الإسلامية العريقة ممثلة بالدولة العباسية في ذروة انحطاطها أمام شعوب لا ثقافة عندها تقارن بثقافة الإسلام هي المغول، ثم انتصار المسلمين عليهم بفضل النظام الاجتماعي الفتي الذي مثلته دولة المماليك، ودوماً بتأثير هذا "المركب" الحضاري الإلهي الذي هو الإسلام الذي رأينا في فقرة سابقة أنه عند بن نبي العامل الذي يتحدد صعود الحضارة الإسلامية أو هبوطها بدرجة فاعليته.

والمجتمع كما يرى بن نبي يتراوح في كثافة شبكة علاقاته الاجتماعية بين حدين: الحد الأول يكون فيه المجتمع في ذروة نموه ويكون كل فرد عنده مرتبطاً بمجموع أعضاء المجتمع، وأما الحد الثاني فهو حالة المجتمع المتفسخ الذي تحول إلى أفراد لا رابط بينهم.

والمجتمع في حالة انحطاطه هو مجتمع مريض تضخمت ذوات أفراده ليصبح وجود العامل الجماعي المشترك صعباً أو مستحيلاً، ويقول بن نبي في تعبير لاذع يذكرنا بالفعل بحالنا هذه الأيام إن ما يميز هذه المرحلة هو أن الأفراد في المجتمع المتفسخ وبسبب تضخم ذواتهم وانحلال الروح الجماعية يدور النقاش بينهم فيحاول كل منهم في النقاش لا أن يصل إلى حلول للمشاكل ولكن أن يجد أدلة وبراهين (أي على ما يريده هو!).

وتورم الذات هذا تعبير عن أن شبكة العلاقات ما عادت صحيحة ويتساءل بن نبي ماذا كان يمكن أن يحدث في المجتمع الإسلامي المريض الذي شهدناه لاحقاً ما حدث في المجتمع الإسلامي الصحيح حين عزل  الخليفة خالد بن الوليد! لقد كان فعل الخليفة دون عقدة،وتقبله خالد دون عقدة أيضاً لأن علاقتهما كانت علاقة سوية منزهة، ولو حدثت هذه الحادثة في المجتمع الإسلامي بعد قرنين أو ثلاثة لتزلزل هذا المجتمع!

ويسهر "القانون الخلقي" على شبكة العلاقات الاجتماعية، والإخلال بهذا القانون يمزق هذه الشبكة، والدين هو الذي يخلق العلاقة الاجتماعية ويؤلف بين القلوب، و كلما ضعف الدين زاد الفراغ الاجتماعي الذي لا علاقة فيه بين الناس، وعلى العكس المجتمع المؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ولا فراغ اجتماعياً فيه.

ويستطيع القارئ لكتابات بن نبي أن يرى تحليلات شيقة للسياسة الاستعمارية المدروسة لتحطيم العلاقات الاجتماعية للمجتمع المغزو. ومبدؤه "فرق تسد" يمارسه بدقة ومهارة وبأساليب خفية لا يلقي إليها الضحايا بالاً، ولا يحتاج القارئ هنا إلى أن نذكره بالمهارة الخارقة التي تمكن فيها خلفاء الاستعمار المباشر من تفريقنا ليس كدول فقط بل حتى كوحدات أصغر بكثير من الدول، وقد استعان هؤلاء بالعيوب الاجتماعية التي قضى مالك بن نبي حياته يحللها، عيوب المجتمع المتفسخ، "مجتمع ما بعد الحضارة"، "مجتمع ما بعد الموحدين".

 

·        القابلية للاستعمار والاستعمار، الحقوق والواجبات:

 

مفهوم "القابلية للاستعمار" هو من أشهر مفاهيم مالك بن نبي رحمه الله، وباستقراء استعماله لهذا المفهوم في مؤلفات عديدة تبين لي أنه يستعمله على الأغلب كصفة للمجتمع تعادل صفة "مجتمع ما بعد الحضارة" أو في حالة المسلمين ما يسميه "مجتمع ما بعد الموحدين"، أي الوضع المنهار للحضارة في نهاية دورة حضارية وقبل بدء دورة حضارية جديدة، إنه وضع المجتمع الإسلامي الآن.

غير أنه في كتابه "شروط النهضة" استعمله في توصيف حالة خاصة هي حالة الجزائر التي كان الاستعمار حين دخلها يعرف "القيمة الطبيعية" الكامنة في أفراد شعبها، ولذلك بدأت الإدارة الاستعمارية في تنفيذ خطة منهجية للتقليل من هذه القيمة خصوصاً بعد هزيمة فرنسا المخزية أمام بروسيا عام 1870. "منذ ذلك الحين بدأ الحط من قيمة الأهالي ينفذ بطرق فنية، كأنه معامل جبري وضع أمام قيمة كل فرد، بقصد التنقيص من قيمته الإيجابية. ولقد رأينا هذا "المعامل" يؤثر في حياة الفرد في جميع أطوارها" ويعدد بن نبي أمثلة : فالطفل يحرم مما يقوي جسده وينمي فكره فلا مدرسة ولا توجيه، وإن كان يتيماً فالأمر أدهى وأمر، وحتى لو تمكن من الدخول إلى المدرسة فسوف توضع العراقيل في وجهه لكي لا يكملها بنجاح ،ثم هو بعد ذلك لا يستطيع أن يجد عملاً مناسباً. وفي عهد الرجولة تنسج حوله شبكة دقيقة مسمومة تجعل الشراء والبيع والسفر والكلام والكتابة والتليفون لا تنال إلا بشق الأنفس. إنه ما عاد يمكن له أن يقوم بأعماله إلا بالقدر الذي يريده الاستعمار.("شروط.." ص147)

هذا إذاً "معامل استعماري" يؤثر في الفرد ويبخس من قيمته الإنسانية والاجتماعية. ولكن بالمقابل ثمة معامل آخر يؤثر في الفرد وهو داخلي هذه المرة وليس مفروضاً من الخارج شأن المعامل الأول يجعل من الفرد يقبل الوضع الاستعماري ويسير في الحدود التي رسمها له الاستعمار، بل يقبل حتى الاسم الذي أعطاه الاستعمار له. يقول بن نبي ساخراً: "إذا لم نكن شاهدنا خصياناً يلقبون أنفسهم بالخصي فقد شاهدنا مراراً مثقفين جزائريين يطلقون على أنفسهم الأهلي"("شروط.." ص153)(2)

هذه القابلية للاستعمار تعني جملة الخواص الاجتماعية التي تسهل سيطرة الغزاة واستمرار الوضع المنحل للحضارة. وبن نبي يستعمل هذه الصفة عموماً كما قلنا في وصف الحضارة في طورها المنحل ولا يقتصر على وصف المجتمع الذي تعرض بالفعل للاستعمار. ومن أمثلته الدائمة أن هناك مجتمعات تتعرض بالفعل للاحتلال العسكري، ولكنها "غير قابلة للاستعمار" ،كحال المجتمع الألماني بعد احتلال الحلفاء، وهناك مجتمعات لم يدخلها الاستعمار ولكنها قابلة للاستعمار ويحظى بهذه "المزية" إخواننا في اليمن الذين هم بخلاف المجتمعات الإسلامية الأخرى لم يتعرضوا للاحتلال الاستعماري ولكن المجتمع اليمني مثله مثل بقية هذه المجتمعات قابل للاستعمار!

كنت في مقال سابق (انظر مجلة "المجتمع" العدد 1470-مقال "النقد المنطقي لمفهوم القابلية للاستعمار") نقدت استعمال هذا المفهوم كصفة جوهرية للحضارات غير الغربية التي تعرضت للاستعمار الغربي، حيث أن هذا المفهوم لا يقدم لنا صفة جوهرية لهذه الحضارات ولا يفرق بينها وهي في غاية الاختلاف فلا يظهر خصائص كل منها المميزة ولا يرى فيها إلا علاقتها مع الحضارة الغربية.

ومن دوافع نقد هذا المفهوم إساءة استعماله عند من يهدفون من الاستشهاد به إلى الدفاع الضمني عن الاستعمار وتبرير تعاونهم معه وهو طبعاً عكس ما كان يريد مالك بن نبي رحمه الله.

وعلى أنني لا أزال على هذا الرأي، إلا أنني أريد هنا أن أذكر الوجه الإيجابي الهام جداً لهذا المفهوم ألا وهو دعوة المجتمعات المستعمرة (بفتح الميم) وخصوصاً المجتمع المسلم للتركيز على عيوب التركيبة الاجتماعية التي تجعل المجتمع ضعيفاً لا يصمد أمام أي تحد خارجي.

ومن هنا يضيق بن نبي ذرعاً بذلك الفكر السياسي الذي يجعل من الاستعمار المشجب الذي تعلق عليه كل مشاكل المجتمع، والذي يرى أن حل هذه المشاكل السحري يتلخص في التخلص من الاستعمار.

ولا شك أن هذه الفكرة أثبتت مصداقيتها بعد أن تم التخلص من الاستعمار المباشر في غالبية أقطار العالم الإسلامي، إذ استمر التخلف الاقتصادي والانحلال الاجتماعي وتفاقمت التبعية للغرب في كل شيء حتى في الغذاء.

يقول بن نبي: " لقد انتهى المجتمع الإسلامي منذ عدة قرون إلى آخر أطوار حضارته. وهو اليوم في مرحلة ما قبل التحضر من جديد. ولقد بذل جهوداً كبيرة خلال ما يقرب من قرن لكي تدب فيه الحركة من جديد، ولكن إقلاعه يبدو ثقيلاً وبطيئاً إذا ما قورن ببعض المجتمعات المعاصرة مثل اليابان أو الصين الشعبية التي كانت متأخرة عنه بكثير.

ويرى المفسرون أن هناك نوعين من المعوقات. فالمدافعون عن الاستعمار يرجعون إلى الإسلام سبب تأخير الإقلاع، وأما حاملوا لواء النظرية القومية فيعزونه إلى الاستعمار، وفي كلتا النظريتين خطأ جسيم (...) فالفريق الأول عندما يحمل الإسلام مسؤولية كل هذه الأوضاع يتجاهل حقيقة صارخة وهي أن الاستعمار مسؤول عن النصيب الأكبر من الفوضى التي تسود العالم الإسلامي اليوم. أما الفريق الثاني فعندما يلقي اللوم كله على الاستعمار يحاول أن يخفي سياسة التملق التي يتبعها مع شعوبه كونها لا تخفف من مضاء المشكلة وحدتها بل على العكس تزيد الطينة بلة مما يشبه عملية تخدير لهذه الشعوب تلفتها عن مسؤوليتها في ورطتها الحالية"("مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي –ص97-98)

هنا نكون وصلنا إلى واحد من أهم آراء مالك بن نبي في اعتقادي، وإلى الوصية الأهم من وصاياه التي على المجتمع الإسلامي أن يسير عليها ألا وهي تركيز الجهود على القيام بالواجب وعدم الاكتفاء بانتظار الحصول على حقوقنا من طرف خارجي.

هذه النقطة يكررها بن نبي في كافة مؤلفاته تقريباً: إن الطريق الوحيد للحصول على الحقوق هو القيام بالواجبات. إن قابليتنا للاستعمار عائدة إلى كوننا متقاعسين عن أداء واجباتنا، إننا نرفع شعارات كبيرة ولكننا نكسل عن تنفيذ الخطوات الصغيرة التي لو نفذناها لبنينا المجتمع المثالي القوي القادر على الدفاع عن حقوقه!

ومن الأمثلة التي يضربها بن نبي مثال اليهود الذين كانوا يعيشون في الجزائر أيام استلام حكومة موالية للنازية في فرنسا بعد الاحتلال الألماني لها عام 1940 فقد منعتهم الحكومة من الانتساب إلى المدارس وصدرت قوانين اقتصادية ضدهم ولكن المدارس التي أغلقت قامت بدلاً منها مدارس تطوعية في البيوت أساتذتها المهندس والطبيب والمحامي، وتجارتهم أنقذوها بفضل تضامنهم الداخلي. ويذكر  بن نبي بمرارة في مضمار المقارنة مع المسلمين  كيف امتنع المتعلمون المسلمون عن أن  يفعلوا شيئاً مماثلاً لمكافحة داء الأمية الرهيب في المجتمع الجزائري. هذا هو التغيير الداخلي الذي هو شرط لتحقيق التغيير الخارجي، وبن نبي يستشهد مثالاً بقوله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

ويقول بن نبي إن الاستعمار لا يمانع في تمحور سياستنا حول مبدأ مطالبته بإعطائنا حقوقنا، دون أن نفعل نحن شيئاً لتغيير وضعنا الاجتماعي وقيامنا بالنهضة المطلوبة، وبن نبي يؤكد على هذه النقطة دوماً حتى حين يتكلم عن العلاقة بين تجمعات البلدان النامية والبلدان المتقدمة. ففي مقاله عن "مؤتمر 77" الذي نشره في جريدة "الثورة الأفريقية" – 9 نوفمبر 1967 ينتقد هذه الدول النامية التي لم تحدد التزامات صارمة لكل عضو من أعضائها بل اكتفت بمطالبة الغرب بدفع نصيب للتنمية يقول: "لقد كنا في الحقيقة ننتظر بنوداً تحدد التزامات كل عضو في الوحدة أو الجهة الاقتصادية المزمع تشييدها، لكننا لم نجد في الوثيقة سوى كراسة المقترحات التي ستقدم بنيودلهي إلى المخاطب الحاضر غير المرئي. وفي الحقيقة نجد الكراسة هذه تطالب بالكثير، من العالم المصنع، إن لم نقل إنها تطالب بكل شيء، فتطالب مثلاً 1ب% من مدخوله العام لتنمية البلدان النامية ومن الناحية الأخلاقية لعل هذا جائز، ولكن المخاطب لا ينصت لهذا المنطق ولا يتكلم هذه اللغة. وهكذا انزلقت المداولات في الحديث عن حقوق العالم الثالث عوضاً عن أن تذكره "بواجباته" نحو نفسه" ("بين الرشاد والتيه"- مقال "مؤتمر 77"- ص130.)

النهضة عند بن نبي هي مسألة داخلية أساساً وأولاً ، ومن هنا هو يقدم مبدأ الواجبات على مبدأ الحقوق، وهو باستمرار يرجع إلى ذكر ما جرى في الجزائر حين بدأت عام 1925 نهضة كبرى بقيادة العلماء الإصلاحيين كان يؤمل لها أن تغير المجتمع الجزائري.

نشأت المدارس وسرى في المجتمع روح جديد، وامتدت النقاشات المثمرة لا العقيمة في تجمعات الشعب الجزائري، وبدأت الأمة مسيرة الانبعاث الفكري والانبعاث الروحي، وتغيرت عوائد وأشياء، وحتى المدمنون للخمور هجروا الحانات وعمروا المساجد حتى احتج باعة الخمور لدى الحكومة 1927! ونشأت الحلقات الدراسية الليلية التي كان روادها رواداً سابقين لحلقات الدراويش. والذي جرى كان تبديد هذه النهضة من تحت بأوهام السياسة الفوقية، فقد شغلت الحكومة الزعماء بالانتخابات والمطالب وهكذا ضلت النهضة طريقها "ميممة وجهها شطر السراب السياسي، حيث تتوارى من ورائها بوارق النهضة والتقدم. لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغائب، بل فيما يسودنا من عادات وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية بما فيها من قيم الجمال والأخلاق وما فيها أيضاً من نقائص تعتري كل شعب نائم.

وبدلاً من أن تكون البلاد ورشة للعمل المثمر والقيام بالواجبات الباعثة إلى الحياة فإنها أصبحت منذ سنة  1936  سوقاً للانتخابات وصارت كل منضدة في المقاهي منبراً تلقى منه الخطب الانتخابية فلكم شربنا في تلك الأيام الشاي وكم سمعنا من الأسطوانات، وكم رددنا عبارة "إننا نطالب بحقوقنا" تلك الحقوق الخلابة المغرية التي يستسهلها الناس فلا يعمدون إلى الطريق الأصعب: طريق الواجبات" ("شروط.." –ص34-35)

هذه التجربة أراها في غاية الأهمية وفيها عبرة قلما يتم الانتباه إليها إذا أردنا أن ندرس تاريخ الفكر السياسي العربي في نصف القرن الأخير. لقد عانى هذا الفكر مما أسميه "فرط التسيس" فقد أغفلنا بعد النهضة الاجتماعي وركزنا على البعد السياسي المتمحور حول فكرة استلام السلطة لكل من يريد أن يطبق وصفته السحرية التي تتيح لمجتمعنا الخروج  من مرضه الحضاري المزمن. وبهذه العقلية تم تأجيل أي عمل نهضوي اجتماعي "صغير" بانتظار العمل السياسي "الكبير"، وفي الحقيقة إن النهضة مؤلفة من "أعمال صغيرة" هي مجموعة من الواجبات الملقاة على عاتق كل فرد. ولكن لكي يقوم هذا الفرد بواجباته يجب عليه أن يحس بالمسؤولية، ولكن الحقيقة أن فكرنا السياسي علمه أمرين: أولاً تأجيل كل عمل بانتظار "العيد" الموعود المتمثل في التحرر من الاستعمار، أو الوحدة ،أو قيام الدولة الاشتراكية، أو قيام الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية، وثانياُ تعليق كل مأساة من مآسينا على مشجب عدم تنفيذ وصفة من الوصفات الجاهزة التي قامت عليها الأيديولوجيا السياسية العربية المعاصرة. فمشاكلنا كلها ناتجة عن:  الاستعمار، أو التجزئة السياسية، أو النظام الطبقي، أو عدم تطبيق الشريعة الإسلامية.

والاحتجاج على عدم تطبيق الشريعة الإسلامية تم بنفس الطريقة السياسية التي يصفها بن نبي بأنها التمحور حول الحقوق لا حول الواجبات. إذ لم يطرح الفرد العربي على نفسه فكرة السير بمقتضى ما تريده منه الشريعة من بناء اجتماعي متين لا تمزق "شبكة علاقاته الاجتماعية" عيوب العشائرية والإقليمية والمحسوبية الشخصية، ومن سعي جاد في سبيل المصلحة العامة، وقدرة على تجاوز الأنانية الشخصية، وتقديم الكفاءات، ووضعها في المكان المناسب، والعمل النشيط المثمر، وعدم تضييع الوقت. وكل هذه البنود النهضوية كان يمكن القيام بها حتى لو كانت السلطة السياسية لا تطبق الشريعة الإسلامية!

ومن هنا فإن مجتمعنا بحاجة إلى ثورة نهضوية سلمية داخلية تأتي من أسفل لا من أعلى، وهي بلا شك إن قامت ستجبر البناء الفوقي على أن يتماثل معها. وهذا معنى الحديث الشريف "كما تكونوا يولى عليكم"! ومعنى الآية "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"!

لا ننتظر التغيير إذاً كمنجز لقوة خارجة عنا: شخص أو دولة أو وصفة جاهزة وحيدة تحل المشاكل في طرفة عين. وكما قال بن نبي رحمه الله "لا شك في أن عقائدنا السياسية تدين لتلك القيم الفاسدة للحضارة، تلك العقائد التي تمثلت عندنا اليوم في أسطورة: "الشيء الوحيد" و "الرجل الوحيد" الذي ينقذنا (...)  فالتاجر الذي تنجح تجارته يجزم بلا تردد بأن النجاة في الاقتصاد، وآخرون يرون الشيء الوحيد في البيان وتزويق الكلام، وهكذا ننتقل من وهم لنتخبط في وهم، ولا ندري كم من السنين سوف نقضيها لندرك عجز "الأشياء الوحيدة" عن حل المشكلة التي هي مشكلة الحضارة أولاً و قبل كل شيء" ("شروط.." ص158)  

 

·        المجتمع الفعال والمجتمع غير الفعال: الفعالية- المعادلة الاجتماعية للفرد- المنطق العملي- توجيه الثقافة والعمل- توجيه رأس المال

 

قضى بن نبي حياته وهو يبحث في سؤال الفعالية الاجتماعية، سؤال النهضة، أو سؤال إزالة القابلية للاستعمار.

وفي هذا البحث حاول تحليل قضايا مرتبطة مباشرة بهذا السؤال.

أريد في هذه الفقرة الكلام قليلاً عن أربع منها: "الفعالية" و "المعادلتان البيولوجية والاجتماعية للفرد" و "المنطق العملي"  و "التوجيه".

الفعالية:

يقول بن نبي: "إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن   سكن المجتمع والتاريخ. ذلك ما تشير إليه النظرة في تاريخ الإنسانية منذ أن بدأ التاريخ. فنرى المجتمع حيناً يزخر بوجود النشاط وتزدهر فيه الحضارة وأحياناً نراه ساكناً لا يتحرك يسوده الكساد وتغمره الظلمات (...) على أنني حينما أرى في حركة التاريخ حركة الإنسان وفي ركوده ركوده فإن ذلك يضعني أمام مشكلة تتصنف تحت عنوان الفعالية. فعالية الإنسان في التاريخ"("تأملات" –مقال "الفاعلية" –ص125).

ونظرتنا إلى التاريخ ليس لها نتائج نظرية فقط بل لها نتائج عملية أيضاً تتصل بسلوكنا، فهي تحدد مواقفنا أمام الأحداث. فإن نظرنا إلى التاريخ كسلسلة أحداث لا رابط بينها نتج عن هذا الاعتقاد بأن ما يجري في التاريخ مقدور لا يد للإنسان فيه ولا يستطيع تغييره، أما إن نظرنا إليه بصفته مجموعة من الأحداث المترابطة منطقياً فإن هذا يجعلنا ندرك الأسباب ونرى فيها منبهات لإرادتنا وموجهات لنشاطنا ونرى أن ما يجري في التاريخ متأثر بسلوكنا وبموقفنا وإرادتنا في تغيير الأشياء وفقاً للوظيفة الاجتماعية التي حددها لنا القرآن في قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" فشرط الفعالية هو أن ينظر الإنسان لنفسه كصانع للتاريخ ومحرك له.

والفعالية مرتبطة بالإرادة، فالطفل الذي يقود الجمل هو فاعل لأنه يملك الإرادة (بينما ينقاد الجمل لأنه يفتقد لهذه الإرادة!) وعلاقة الطفل بالجمل مثل علاقة دولة صغيرة استعمارية كإنجلترة بمجتمع ضخم تستعمره كالهند، ويستطيع القارئ طبعاً أن يرى فائدة هذا التحليل في أوضاعنا الراهنة!.

والفرد في مجتمع معين تمر عليه حالات يكون فيها فاعلاً وحالات أخرى لا يكون فيها كذلك وبرأي بن نبي أن الفاعلية تستثار في الأفراد حين يسود المجتمع القلق والشعور بالخطر وتظهر الفكرة التي تحدد له طريق الخلاص.

المعادلة البيولوجية والمعادلة الاجتماعية للفرد:

ثمة تجربة تاريخية لا ينفك بن نبي يذكرها في كتبه وهي تجربة أندونيسيا أواخر الأربعينات حين كلفت اختصاصياً ألمانياً هو الدكتور شاخت بوضع مخطط للنهوض باقتصاد أندونيسيا. وكان هذا الاختصاصي نفسه قد وضع مخططاً قاد الاقتصاد الألماني بين عامي 1933 و1936 إلى نهوض عاصف.

في أندونيسيا وضعت إمكانيات اقتصادية تحت تصرف الدكتور شاخت هي أفضل من الإمكانيات الألمانية، ولكن المخطط عينه الذي نجح نجاحاً باهراً في ألمانيا أخفق في أندونيسيا إخفاقاً ذريعاً فما السبب؟

يقول بن نبي: "لا شك أن شاخت وضع مخططه على الشروط التي يقدمها الشعب الألماني مباشرة وبطريقة آلية أثناء مرحلة التطبيق، ثم لا شك في أنه طبق هذه الشروط آلياً في التجربة الأندونيسية، أي أنه وضع مخططه على معادلته الشخصية كفرد من المجتمع الألماني، بينما ستجري التجربة الأندونيسية بطبيعة الحال على أساس معادلة الفرد الأندونيسي بحيث تعثرت التجربة الأندونيسية على خطأ مخططها شاخت في تقدير المعطيات البشرية في المجال الاقتصادي"("المسلم في عالم الاقتصاد.." ص94).

يقول بن نبي إن هناك لكل إنسان معادلتين معادلة بيولوجية يتساوى فيها البشر ولا اختلاف فيها بين المجتمعات، ومعادلة اجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر وفي المجتمع نفسه تختلف من عصر إلى آخر اختلاف درجة النمو أو التخلف.

أما المعادلة البيولوجية فهي منحة الله لجميع الناس، وأما المعادلة الاجتماعية فهي نتاج المجتمع وهي القاسم المشترك الذي يطبع سلوكهم ويحدد درجة فعاليتهم أمام المشكلات بما يميزهم عن أفراد مجتمع آخر  أو عن جيل آخر من مجتمعهم إن كان الفاصل الزمني كافياً بين جيلين.

كيف تتكون المعادلة الاجتماعية؟

إنها إما أن تتكون بطريقة تلقائية مع الأيام، وإما أن تتكون بعمل إرادي "تريد ما تفعل وتفعل ما تريد لمواجهة ظروف وضرورات قاسية"، ويضرب مثلاً للحالة الثانية اليابان والصين الحديثتين. والمجتمع الإسلامي بدوره يجب عليه أن يختار: إما أن يسير في طريق طويل تاركاً للأيام صياغة معادلته الاجتماعية عبر التجارب والمحن، وإما أن يطرح المشكلة بصورة منهجية كما فعلت اليابان والصين. وهو يفضل الطريقة الثانية لأن هذا المجتمع كما يقول "يواجه حالة طوارئ تفرض عليه أن يتخذ قرارات صارمة بالمجال الاقتصادي، كما تتخذ قيادة عسكرية قراراتها لمواجهة ظروف استثنائية"("المسلم في عالم.." ص99) .

المنطق العملي:

يقول بن نبي: "إننا نرى في حياتنا اليومية جانباً كبيراً من اللافاعلية في أعمالنا إذ يذهب جزء كبير منها في العبث، والمحاولات الهازلة. وإذا ما أردنا حصراً لهذه القضية فإننا نرى سببها الأصيل في افتقادنا الضابط الذي يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، بين فكرة وتحقيقها فسياستنا تجهل وسائلها وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا"("شروط.." –ص96).

نحن نشكو برأي مالك بن نبي من افتقادنا إلى "المنطق العملي" في حياتنا وهو استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة.

إن المسلم لا يحسن الاستفادة من الوقت، ولا مما لديه من العلم، ولا مما لديه من المال، وهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاماً مجرداً بل هو قد يبغض الأفكار المنطقية التي يمكن أن تتحول إلى عمل ونشاط!

فكرة التوجيه:

لتحقيق الفعالية النهضوية المنشودة يطرح بن نبي فكرة "التوجيه".

إذ الحضارة عنده كما رأينا مكونة من ثلاثة عناصر هي "الإنسان" و "التراب" و "الوقت".

و "الإنسان" هو الرجل والمرأة، وهو يفرد للمرأة فصلاً خاصاً يطرح فيه مشكلتها من منظوره الدائم: "نحن نرى لزاماً علينا أن يكون تناولنا للموضوع بعيداً عن تلك الأناشيد الشعرية التي تدعو إلى تحرير المرأة فالمشكلة لا تتحدد في الجنس اللطيف فحسب أو في بنات المدن أو بنات الأسر الراقية بل هي فوق ذلك تتعلق بتقدم المجتمع وتحديد مستقبله وحضارته"("شروط.." –ص116).

ومالك بن نبي في هذا التحديد لحل مشكلة المرأة بأنه مرتبط بمشكلة الحضارة لا يتجاهل الشريعة بل يعد الالتزام بها أمراً بديهياً فهو لم تكن تطرح عنده مسألة الخيار بين الشريعة واللاشريعة أصلاً-وسأتكلم في الفقرة الأخيرة من هذا المقال إن شاء الله في طبيعة نظرة بن نبي إلى الشريعة.

ويعود إلى مشكلة الفرد وتوجيهه فيقول إنه يؤثر في المجتمع بثلاثة مؤثرات: بفكره وعمله وماله ومن هنا يجب أن نبحث في توجيه الثقافة وتوجيه العمل وتوجيه رأس المال.

التوجيه عنده "قوة في الأساس وتوافق في السير ووحدة في الهدف، فكم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكتلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها حين زحمتها قوى أخرى صادرة عن نفس المصدر متجهة إلى نفس الهدف! فالتوجيه هو إدارة ملايين السواعد العاملة والعقول المفكرة في أحسن الظروف الزمنية والإنتاجية المناسبة لكل واحد من هذه الملايين "وفي هذا تكمن أساساً فكرة توجيه الإنسان الذي تحركه دفعة  دينية، وبلغة الاجتماع: الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى "الجماعة" ومعنى "الكفاح".("شروط.." –ص78)

توجيه الثقافة:

النهضة عند بن نبي تصفية للعادات والتقاليد والإطار الخلقي والاجتماعي من رواسب الماضي الضارة وبناء لفكر جديد هو الفكرة الإسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل. وقد اشتغل على الهدف الأول الإصلاحيون أمثال محمد عبده وعبد الحميد بن باديس، وأما المنهج الجديد للتفكير فعناصره الجوهرية عنده أربعة: الدستور الخلقي والذوق الجمالي والمنطق العملي والفن التطبيقي أو "الصناعة"  بمعنى الكلمة القديم لا الحديث.

والثقافة ليست هي العلم، ويوضح ذلك بمثال يقول إن الطبيب الإنكليزي والراعي الإنكليزي على اختلافهما في الوظيفة والظروف الاجتماعية هما ينتميان إلى ثقافة واحدة. ولكن فردين لهما نفس الوظيفة والعمل وينتميان إلى مجتمعين مختلفين ليس لهما نفس الثقافة إذ يختلف سلوكهما واختلاف السلوك ناتج عن الثقافة لا عن العلم.

ويعرف بن نبي الثقافة بناء على ذلك  بأنها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته وهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته، هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة ويحدد قطبيها العقلي والروحاني. وتوجيه الثقافة يعني توجيه الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية وهذه الصلات يبعثها الدين أصلاً وقوة التماسك الضرورية لمجتمعنا موجودة  في الإسلام ولكن أي إسلام! الإسلام المتحرك في عقولنا وسلوكنا والمنبعث في صورة إسلام اجتماعي.

ويعني التوجيه الثقافي في بعد ثان  التوجيه الجمالي، إذ الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة.

 وفي رأيه هذا وجاهة ،على أن الأمثلة التي يضربها ليست جميعها موفقة برأيي، فلا شك أن مجتمعنا يفتقد إلى الذوق الجمالي المرتبط بعمق برؤيتنا للعلاقة بين المصلحة العامة والخاصة، فمما نلاحظه أننا نهتم بنظافة بيوتنا وليس نظافة شوارعنا، ولكن بن نبي يذهب إلى القول أن فرض القبعة بدلاً من الطربوش على يد كمال أتاتورك كان عملاً نهضوياً لتغيير الأنفس عن طريق تغيير الملابس! ويرى القارئ من هذا المثال البائس كيف أن إغفال فكرة الاستلاب الحضاري يمكن أن يضلل حتى الأذكياء المخلصين من أمثال بن نبي إذ أن أتاتورك كان يضع علامة مساواة بين الإسلام والتخلف وبين الغرب بكل مكوناته الجوهري منها والعرضي، المضموني منها والشكلي، وبين التقدم. وهذه الفكرة بالذات يرفضها بن نبي رفضاً باتاً وينطلق في أفكاره من قاعدة نقيضة تقول إن الإسلام كان هو الشرارة التي شكلت الحضارة، وهذه الحضارة انحطت ليس بسبب فعالية الإسلام بل بسبب توقف فعاليته كما رأينا في فقرة سابقة عن نظرية بن نبي في الدورة الحضارية. وإحسان الظن بأتاتورك كان أمراً مميزاً للعصر الليبرالي العربي الذي كتبت فيه المخطوطة الأصلية من كتاب شروط النهضة، والكتاب نشرت طبعته الفرنسية عام 1947 ،(وهذا المصطلح"العصر اللبرالي" الذي يصف الفكر العربي المتأثر بالاحتكاك مع الغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من ابتكار ألبرت حوراني صاحب الكتاب الشهير "الفكر العربي في العصر الليبرالي" وقد صدر عن دار النهار مترجماً باسم "الفكر العربي في عصر النهضة"! وفي رأيي أن هذا التغيير في العنوان تشويه إذ يخلع على الفكر الموصوف صفة إيجابية لم يردها المؤلف ،بل على العكس لقد أعطى حوراني هذا الفكر حين وصفه بالليبرالي صفة المحدودية الذهنية والعقائدية ولم يعطه أي تقويم إيجابي من نوع ذلك الذي يعطيه وصف "عصر النهضة")

.

ويعني التوجيه الثقافي ثالثاً التوجيه التقني أو ما يسميه "الصناعة"، وهو تكوين المتخصصين المطلوبين في كل نواحي النشاط الاجتماعي المختلفة من اقتصاد وغيره وإعطاء  هؤلاء أماكنهم وفقاً للحاجة.

و العنصر الرابع من برنامج التوجيه التربوي للثقافة عنده هو المنطق العملي الذي تكلمنا عنه منذ قليل.

توجيه العمل :

لا بد للنهضة من أن ينتقل المجتمع من حالة العطالة والعبث إلى حالة العمل الموجه، إنه سير الجهود الاجتماعية في اتجاه واحد. وهو في البداية عمل تطوعي له هدف تربوي لا كسبي كما يرى بن نبي "فإعطاء ثلاثة حروف من الأبجدية عمل، وتقبل هذه الحروف عمل، وإزالة أذى عن الطريق عمل، وإسداء نصح عن النظافة أو الجمال دون أن يغضب الناصح حين لا يصغى لنصحه عمل، وغرس شجرة هنا عمل واستغلال أوقات فراغنا في مساعدة الآخرين عمل وهكذا .. فنحن نعمل ما دمنا نعطي أو نأخذ بصورة تؤثر في التاريخ، فتوجيه العمل هو تأليف كل هذه الجهود لتغيير وضع الإنسان وخلق بيئته الجديدة" ("شروط.." –ص108).

ويرى بن نبي أنه يجب أن يكون التوجيه المنهجي للعمل شرطاً عاماً أولاً، ثم وسيلة خاصة لكسب الحياة بعد ذلك لأن هذا التوجيه حين يتحد مع توجيه الثقافة وتوجيه رأس المال يفتح مجالات جديدة للعمل.

توجيه رأس المال:

"رأس المال" هو مفهوم يختلف عن مفهوم "الثروة" وإن كنا –كما يقول بن نبي – معتادين على الخلط بينهما: "الثروة" شيء شخصي يستعمل للوجاهة الاجتماعية أو لإرواء الحاجات الخاصة للمالك أما "رأس المال" فهو شيء غير شخصي منفصل عن صاحبه، إنه المال المتحرك الذي يخلق حركة ونشاطاً ويوظف الأيدي والعقول.وتحويل "الثروة" إلى "رأس مال" هو عمل نهضوي يجب أن تقوم به كما يرى بن نبي هيئة مخططة تهدف إلى تحويل كل قطعة نقدية إلى كيان متحرك يخلق معه العمل والنشاط، وتحويل أموال الأمة البسيطة بالتوجيه من أموال كاسدة إلى رأس مال متحرك ينشط الفكر والعمل والحياة في البلاد. و"تكوين رأس المال ممكن، حتى في وطن فقير إذا ما اتحدت فيه الجهود وتوجهت نحو الصالح العام" ("شروط.." –ص113).

 

·        مفهوم مالك بن نبي للسياسة:

 

يقول بن نبي: "ما السياسة في جوهرها إلا مشروع لتنظيم التغيرات المتتابعة في ظروف الإنسان وأوضاع حياته، هذه العلاقة التي تحدد وضع الفرد باعتباره غاية كل سياسة، تعتبر الفرد أيضاً عاملاً لتحقيق تلك الغاية" ("وجهة.."- ص 87) ومن هذا الفهم للسياسة يعد بن نبي الفرد وسيلة السياسة وغايتها ومن هنا تتوجه السياسة إلى الفرد بمعنيين: تتوجه إليه بصفته هو الفاعل الذي يحقق التغييرات المطلوبة وبصفته هو الموضوع المطلوب تغييره وعلى سبيل المثال في النضال ضد الاستعمار تريد السياسة من الفرد أن يغير من وضعه كمستعمر (بفتح الميم) ومن وضعه كقابل للاستعمار وينعي بن نبي على سياسات العالم الإسلامي أنها اتجهت في كفاحها للاستعمار تطالبه بتغيير وضع المستعمرات دون أن تتجه إلى الفرد المستعمر لتطالبه هو بتغيير وضعه الحضاري لكي لا يعود قابلاً للاستعمار إذ من الزيغ عن الطريق الأقوم كما يقول أن يطلب الأسير مفتاح سجنه من سجانه.

يطالب بن نبي السياسة الإسلامية أن تكون بمثابة "علم اجتماع تطبيقي" لا مجرد نشاط فوضوي فليس المطلوب جمع تلفيق من العناصر بل منهج  يقوم على التحليل ليوجد العناصر التي ستركب الحضارة.

إن الفرد القابل للاستعمار حين ينهض فإن عليه أن يستعمل ما تحت يديه من وسائل مهما كانت محدودة ليغير بيئته وهذه الوسائل تزداد كمالاً كلما غير نفسه أكثر ووعى حقيقة إنسانيته "وما تقتضيه من مسؤوليات".

هذه السياسة المطلوبة تقوم على مبدأين يصوغهما بن نبي بصياغته اللغوية السيئة (المعتادة!):

1-أن نتبع سياسة تتفق ووسائلنا.

2-أن نوجد بأنفسنا وسائل سياستنا! ("وجهة.."- ص90)

وشرح ذلك أن هذه السياسة تسير على مرحلتين:

المرحلة الأولى تستند إلى الوسائل الموجودة في المجتمع والعناصر الثلاثة الأولية للحضارة وهي الإنسان والتراب والوقت وعدم الاعتماد على الوسائل الأخرى العرضية التي قد توجد وقد لا توجد ويقول بن نبي إن هذه المرحلة يجب أن تنتهي بتصفية القابلية للاستعمار.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تحسين مالدينا من وسائل لنغيير البيئة بالتدريج ونتيجة هذه المرحلة يجب أن تكون تصفية الاستعمار نفسه.

والمهم في هذه السياسة هو المضمون لا الشكل، فلا فرق أي شكل سياسي من أشكال النظم يكون هو السائد أكان جمهورياً أم ملكياً أم استبدادياً مطلقاً! والمضمون الإيجابي هو وحده المقياس الذي يتيح لنا أن نعرف إذا كانت السياسة المتبعة علم اجتماع مطبقاً أم ضرباً من الأوهام والخزعبلات. ("وجهة.." –ص 91).

أما السياسة الارتجالية، المتخبطة المخاتلة التي يتبعها الزعماء فيسميها بن نبي باسم احتقاري "البوليتيكا" ويقول عنها: "هذه السياسة الخرقاء ما زالت تخفي العناصر الحقيقية للمشكلة عن ضمير المسلم: فهو يتكلم حيث يلزمه أن يعمل، وهو يلعن الاستعمار حيث يجب عليه أن يلعن القابلية للاستعمار، وهو مع هذا لا يبذل أقل الجهد في سبيل تغيير وضعه تغييراً عملياً. أما أكثر القادة جداً فهم في انتظار الملابسات أعني: يتوقعون سنوح فرصة، فإذا بك تراهم من حين لآخر يرفعون عقائرهم بالاحتجاج معلقين أملهم على بعض الأساطير المسماة بالأمم المتحدة أو بالضمير العالمي" ("وجهة.."- ص 92).

غني عن البيان أن هذا الوصف للسياسة العربية الذي كتب منذ نصف قرن أو يزيد لم يزل صحيحاً إلى الآن مع الأسف وكأنه كتب الآن عن سياستنا الراهنة!

باختصار يرى بن نبي أن السياسة يجب أن تكون مستندة من جهة إلى دراسة دقيقة للواقع بعيدة عن الارتجال ومن جهة أخرى يجب أن تستند إلى ما يقدمه هذا الواقع من إمكانيات لتغيير مزدوج للذات والموضوع وفي علاقة جدلية وطيدة بينهما ويضرب بن نبي مثلاً للتخبط في السياسة العربية السياسة التي قادت إلى نكبة عام 1948 وكانت عندما كتب هذا التحليل جديدة. ويمكن للقارئ أن يرى أنه لم يتغير شيء تقريباً لذلك توالت نكباتنا مع الأسف.

ويحق لنا أن نتذكر مع كل نكبة جديدة ما قاله بن نبي "لقد كان هيناً على كل إنسان أن يتوقع انتصار الصهيونيين فيما عدا ضحايا "البوليتيكا" إذ هي دائماً تكرر أخطاءها، لأنها ليست علماً أو تجربة، وإنما هي جهل وهذر وشذوذ" ("وجهة.."- ص 95)

 

·        القسم الثاني:موقع مالك بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر

 

·        تمهيد:

 

أود أن ألاحظ هنا ملاحظة كانت لعمري بديهية لولا أن سوء الاستعمال الذي تأتي به وسائل الإعلام السطحية للمصطلحات يفسدها بل يفسد الوعي ذاته!

مصطلح "إسلامي" كان بديهياً أن ننسبه إلى "الإسلام" كله أي بكل ما يحتويه من تنوعات الاجتهاد والتأويل التي يقوم بها المسلمون، ولكن الإعلام أبى إلا أن يحصر هذا المصطلح باتجاه محدد هو اتجاه ما أسميه "الإخوانية الجديدة" وهي التي جاءت في آخر عهد الأستاذ البنا رحمه الله وترسخت بعد المواجهات الكارثية المؤسفة بين الإخوان والنظام الناصري والتي تطورت تطوراً محزناً باتجاه الغلو التكفيري في عصرنا.

أريد هنا أن أخرج على هذه السطحية الإعلامية وأسمي باسم "الفكر الإسلامي المعاصر" ذلك الفكر المتنوع الذي جاء به المسلمون في عصرنا وحاولوا فيه التعبير عن وجهة نظر الإسلام في قضايا العصر التي تخص المسلمين خصوصاً والعالم عموماً.

وبهذا يدخل في المصطلح مفكرون وسياسيون وعلماء كثر تنوعت اجتهاداتهم ومشاربهم الفكرية فمنهم مثلاً محمد إقبال وأبو الحسن الندوي وأبو الأعلى المودودي وعلي شريعتي والخميني ومحمد المبارك وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وأحمد أمين ومحمود شاكر وحسن البنا وعبد الحميد بن باديس والطاهر بن عاشور وعلال الفاسي وعماد الدين خليل وسيد قطب ويوسف القرضاوي  و حسن الترابي وراشد الغنوشي وأحمد الريسوني وجودت سعيد وطارق البشري وكتاب التأصيلية الجديدة أمثال عبد الوهاب المسيري وجلال أمين وعادل حسين. ورتبت هذه الأسماء وهي غيض من فيض طبعاً وفقاً للزمان ثم للجغرافيا فيما يخص المعاصرين.

أريد أن أوضح ولو بخطاطة عامة موقع مالك بن نبي رحمه الله في هذا الفكر الذي ذكرت بعض أعلامه وهم من مدارس شتى كما يرى القارئ يجمعها كلها الاهتمام بالدفاع عن الهوية الثقافية المتميزة للحضارة الإسلامية، فكل من يهتم بالدفاع عن هذه الهوية أدعوه مفكراً إسلامياً مهما كانت اجتهاداته الخاصة.

لبحث موقع بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر رأيت أن أبدأ أولاً بتحليله هو  لهذا الفكر ثم انتقل بعد هذا لمحاولة تلمس موضوعي لخواص فكر بن نبي المميزة التي تجعله مدرسة مستقلة.

 

·        دور الاستعمار في نشوء الفكر الإسلامي الحديث:

 

يقول بن نبي: "الأوروبي قام منذ قرنين بدور نافع في تاريخ العالم، ومهما كان في موقفه من انفصال عن بقية الإنسانية المحتقرة في نظره، والتي لا يرى فيها سوى سلم إلى مجده، فإنه قد أنقذ العالم الإسلامي من فوضى القوى الخفية، التي يغرق فيها كل مجتمع يستبدل الخيال الساذج بالروح (...) لقد منح نشاط الأوروبي إنسان ما بعد الموحدين إلهاماً جديداً لقيمته الاجتماعية، حين نسف وضعه الاجتماعي الذي كان يعيش فيه راضياً بالدون، وحين سلبه وسائله التي كان يتبطل بها هادئ البال حالماً. فإنسان أوروبا قام- دونما قصد- بدور الديناميت الذي نسف معسكر الصمت، والتأمل والأحلام، وبذلك شعر إنسان ما بعد الموحدين، كما شعر بوذي الصين وبرهمي الهند، بهزة انتفض بعدها مستيقظاً، ليجد نفسه في إطار جديد لم تصنعه يداه، وأمام ضرورتين ملحتين: فهو ملزم- على الرغم من تأخره وانحطاطه- بأن يحافظ على الحد الأدنى من كرامته، وهو أمر يتطلبه الإسلام لجميع معتنقيه، حتى في المجتمعات البدائية في أفريقيا الوسطى، وهو ملزم أيضاً بأن يضمن لنفسه الحد الأنى من الحياة في مجتمع قاس لا يعول البتة صعلوكاً يعيش على الغارة، أو متزهداً يعيش على صدقات الناس، أو ولداً محظوظاً يعيش على موارد أسرته (...) لقد وجد المسلم أن عليه أن يبحث عن أسلوب في المعيشة يتفق وشرائط الحياة الجديدة في المجالين الخلقي والاجتماعي" ("وجهة العالم الإسلامي" –ص41-42)

سأقبل وصف مالك بن نبي للمجتمع الإسلامي بعمومه وإن كان في اعتقادي غير دقيق إن ناقشنا تفاصيل هذا المجتمع في الحقبة الموصوفة إذ لم يكن الجميع فيه بالتأكيد متبطلين مستسلمين للصمت والتأمل والأحلام فقد كان فيه فلاحون وحرفيون مهرة ووقعت فيه انتفاضات ضد الظلم والاستبداد وظهر فيه مصلحون مجددون يشير إليهم بن نبي بالذات في ملاحظة أخاذة مشبهاً إياهم بتيار  مياه جوفية يجري في باطن الأرض وينبجس بين حين وحين، الحركة الإصلاحية التي رفع هؤلاء لواءها بدأها ابن تيمية ("وجهة.." –ص149)

و مصطلح "المجتمعات البدائية" الذي اخترعته الإنثروبولوجيا الأوروبية وأخذه منها مالك بن نبي عادت هذه الإنثروبولوجيا ذاتها وشككت في صحته.

 

·        تيارا الفكر في التعامل مع الواقع الإسلامي بعد الاستعمار:

 

رد الفعل الذي قام به المجتمع الإسلامي  ظهر على شكل تيارين فكريين رئيسيين:

التيار الأول الذي يخط طريقه كما قلنا منذ عصر ابن تيمية كما يخط الماء مجراه في باطن الأرض ثم ينبجس من هنا وهناك ممثلاً في مصلحين من أمثال محمد بن تومرت ومحمد بن عبد الوهاب  هو تيار الإصلاح الذي ارتبط بالضمير المسلم ثم جاء الضمير الذي يعكسه وهو ضمير مال الدين الأفغاني.

وأما التيار الثاني فهو الذي سماه بن نبي "الحركة الحديثة"

 

التيار الأول: "تيار الإصلاح":

 

وكان هدفه الأول أن يقوض دعائم نظم الحكم الموجودة آنذاك كيما يعيد بناء التنظيم السياسي في العالم الإسلامي على أساس "الأخوة الإسلامية" التي تمزقت في صفين وفقاً لرأي بن نبي الذي يردده مراراً في كتبه.

وكان هدفه الثاني أن يكافح المذهب الطبيعي والمذهب المادي كما رآه في تعاليم أحمد خان ومدرسة عليكرة، وهو برأيه ناتج عن التأثير الخفي لأفكار الغرب."وكان من فائدة هذا النشاط أنه فجر المأساة الإسلامية في الضمير المسلم ذاته، ولم يكن النشاط الذي فجره على ما يبدو جزءاً من خطة منهجية ولكنه وإن لم يكن قائد الحركة الإصلاحية الحديثة أو فيلسوفها فقد كان رائدها حين حمل ما حمل من قلق ونقله معه أينما حل، وهو القلق الذي ندين له بتلك الجهود المتواضعة في سبيل النهضة الراهنة، وكان رائدها أيضاً حين جهد في سبيل إعادة التنظيم السياسي للعالم الإسلامي، وإن كان قد قصد بذلك التنظيم تنظيم جموع الشعب وإصلاح القوانين دون أن يقصد إلى إصلاح الإنسان الذي صاغه عصر ما بعد الموحدين"("وجهة.." –ص45)

فكرة بن نبي هذه عن القلق كعلامة على تغير وضع "إنسان ما بعد الحضارة" وكدافع للتغيير في نفس الوقت هي من الأفكار اللماحة الكثيرة عند بن نبي رحمه الله إذ هو دليل ليس على وجود مشكلة بل على رؤيتها والوعي بوجودها وبين وجود المشكلة الموضوعي والوعي بوجودها فرق هام وهو يشرح ذلك في محاضرة قيمة ألقاها في دمشق عام 1960م وأعيد نشرها في كتاب "تأملات" فيقول إن جده لم يكن يواجه المشكلات ولا يشعر بوجودها ثم جاء جيل والده ففقد الطمأنينة غير أنه لم يكتسب بعد روح الكفاح والبروز إلى المشكلات وجهاً لوجه "وغالب الظن أنه لم يكن يحاول تصنيف المشكلات حتى يستطيع مواجهتها بصورة واضحة" ثم جاء جيل بن نبي الذي شعر بوجود مشكلة: "فقد شعرنا بوجود مشكلة، وإن هذا الشعور ليعبر دون شك عن حالة نفسية جديدة وهو القيام بالواجب أعني الخروج من الركود أو الحيرة ذلك الركود الذي كان فيه جدي وتلك الحيرة التي عاشها والدي (...) الصعوبات من ناحية نفسية أوضح دليل على النهضة واليقظة للأمة العربية في هذا الجيل هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فليس علينا من بأس في أن نستفيد من دراسة من سبقنا في هذا المضمار لنقول مع توينبي "إن الصعوبات هي تحد خلاق لأنه يستحث الرد عليه" ("تأملات" –ص17)

هذه الفقرة السابقة قيمة لأنها تعبر في رأيي عن شرط من شروط النهضة وهو الإحساس بالتحدي والدافع إلى الرد عليه بفعالية وصاغها بن نبي بلغته غير الجيدة المعتادة التي تعرقل مع الأسف قراءة كتبه عرقلة إضافية تزيد في العراقيل التي أريد التطرق إليها لاحقاً.

وكما نرى لاحظ بن نبي أن الأفغاني ركز على هدف الإصلاح السياسي وعلى الرغم من أن بن نبي في اتجاهه الفكري العام يميل إلى التركيز على القاعدة الاجتماعية لمشكلة الحضارة الإسلامية إلا أنه يقبل بإمكانية التأثير العكسي للمستوى السياسي على شرط قيام التغيير السياسي على أساس يمكنه من أن يكون ذا أثر خلاق. ما هو هذا الأساس؟ إنه "المؤاخاة":

"لقد أدرك جمال الدين بصادق فطنته ما أصاب مجتمعه من عفونة وفساد فاعتقد أنه بدلاً من أن ينصرف إلى دراسة العوامل الداخلية التي أدت إلى هذا الوضع يستطيع أن يقضي عليه بالقضاء على ما يحيط به من نظم وقوانين. وربما كان هذا الرأي صادقاً لو أنه أدى إلى الثورة الضرورية، فإن الثورات تخلق قيماً اجتماعية جديدة صالحة لتغيير الإنسان، بيد أن جمال الدين لم يحسن تشخيص الدافع إلى تلك الثورة، وما كان لثورة إسلامية أن تكون ذات أثر خلاق إلا إذا قامت على أساس "المؤاخاة" بين المسلمين لا على أساس "الأخوة" الإسلامية. وفرق ما بين "المؤاخاة" و بين "الأخوة" فإن الأولى تقوم على فعل ديناميكي بينما الثانية عنوان على معنى مجرد، أو شعور تحجر في نطاق الأدبيات.

و"المؤاخاة" الفعلية هي الأساس الذي قام عليه المجتمع الإسلامي .. مجتمع المهاجرين والأنصار" ("وجهة.." –ص46)

وفي تفريق بن نبي بين مفهومي "الأخوة" و "المؤاخاة" نجد تركيزه المعتاد على الفعل الإرادي الجماعي الذي يغير الواقع وليس على الفعل الروتيني شبه اللاشعوري الذي يعبر عن العادة لا عن الإرادة.

بعد جمال الدين الأفغاني جاء الشيخ محمد عبده وصحيح أنه كان تلميذه ولكنه جاء بنظرات جديدة لم تكن عند أستاذه وبعض اختلافه عن أستاذه ناتج عن اختلاف تاريخه الشخصي ووراثته الاجتماعية:

"كان الشيخ عبده مصرياً أزهرياً، ومصر منذ عهود سحيقة أمة زراعية مرتبطة بالأرض، أي أنها كانت على طول التاريخ مجتمعاً يتكون فيه الفرد وسط جماعة، فهو لذلك مزود بغريزة الحياة الاجتماعية، والأزهر من ناحية أخرى كان يمد الحياة الاجتماعية بعقليات مستمسكة بدينها، جامدة على أصولها. وبهذا التكوين واجه الشيخ عبده مشكلة الإصلاح، فبعد أن أدرك حقيقة المأساة الإسلامية وجد من الضروري أن ينظر إليها كمشكلة اجتماعية، على حين أن أستاذه جمال الدين ذا العقل القبلي العفوي قد تناولها من الزاوية السياسية" ("وجهة.." –ص46-47)

التعميمات عن العلاقة بين "الأمة الزراعية" و"غريزة الحياة الاجتماعية" من جهة وبين "العقل القبلي العفوي" و التناول السياسي  يمكن لنا في رأيي أن نقبلها أو لا نقبلها (والعبد الفقير كاتب هذه السطور لا يقبلها)، إلا أن المهم هنا هو التمييز بين الرؤيتين لمشكلة المسلمين: رؤيتها كمشكلة اجتماعية ورؤيتها كمشكلة سياسية، و رؤيتها كمشكلة سياسية وحسب كانت العلة التي ميزت الفكر العربي في نصف القرن الماضي في اعتقادي ولم تشذ عن هذه النظرة إلا تيارات هامشية في هذا الفكر.

وانطلاقاً من الآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ظن عبده أن تغيير النفس الذي هو الطريق لتغيير الواقع المحيط بالمسلمين يتم  بإصلاح علم الكلام ووضع فلسفة جديدة.

يرى بن نبي أن هذا الفهم حاد بالإصلاح جزئياً عن الطريق إذ حط من قيمة بعض مبادئ حركة الإصلاح الرئيسية كالمبدأ السلفي أي العودة إلى الفكرة الأصلية في الإسلام.. والسبب هو أن علم الكلام بالذات لا يدق على الوتر الحساس للمشكلة فليست المشكلة في الإصلاح النظري للعقيدة ولكنها في إعادة الفاعلية الاجتماعية لهذه العقيدة:

"وعلم الكلام لا يتصل في الواقع بمشكلة النفس إلا في ميدان العقيدة أو المبدأ، والمسلم، حتى مسلم ما بعد الموحدين، لم يتخل مطلقاً عن عقيدته فلقد ظل مؤمناً، وبعبارة أدق ظل مؤمناً متديناً، ولكن عقيدته تجردت من فاعليتها لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي فأصبحت جذبية فردية، وصار الإيمان إيمان فرد متحلل من صلاته بوسطه الاجتماعي. وعليه فليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي، وفي كلمة واحدة: إن مشكلتنا ليست في أن "نبرهن" للمسلم على وجود الله، بقدر ما هي أن نشعره بوجوده، ونملأ به نفسه باعتباره مصدراً للطاقة" ("وجهة.." –ص47-48)

وهذا في اعتقادي رد مهم على وجهة نظر منتشرة في بعض أقطار العالم الإسلامي لا ترى أهمية في غير التأكيد الدائب على صحة العقيدة بغض النظر عن فعاليتها الاجتماعية الواقعية وفي مقال سابق قلت إننا لا يفيدنا في شيء أن نستظهر كتاب العقيدة الطحاوية أو كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب إن لم ينعكس ذلك في فعل اجتماعي تغييري بنيوي نهضوي.

وانحطاط الفكر السلفي هذا من أصله النهضوي إلى موقع علم الكلام الذي يفترض أن الفكر السلفي يرفضه يجعله يضع المشكلة الكلامية إن جاز التعبير في موضع المشكلة الحضارية فهو لا يواجه مشكلة الوظيفة الاجتماعية للدين وتأثيره الواقعي ولا يضع لهذه المشكلة وزناً.

على أن للشيخ عبده مع ذلك في نظر بن نبي دوراً كبيراً، فصحيح أنه لم يحدد تماماً المشكلة في الضمير المسلم ولكنه بسطها على الأقل في المجال الأدبي، مجال العقل.

كان الجهد الذي بذله تيار الإصلاح أول جهد بذله الفكر الإسلامي للتخلص من نومه منذ عهد ابن خلدون ، فللمرة الأولى دار نقاش مزق الصمت المخيم على دنيا الإسلام منذ قرون..

لقد كان بعثاً فكرياً: "وبينما كان بعث "الميجي" في اليابان يوجهها نحو الصناعة ظل بعث النهضة الإسلامية دهراً طويلاً حبيساً في مجال آخر تحكمت فيه الميول الطبيعية لدى إنسان ما بعد الموحدين، وهو إنسان لا يكترث بالفاعلية،كما تحكمت فيه المساوئ الخاصة بالمؤسسات الثقافية، وقد أخطأت منذ بعيد هدفها الاجتماعي" ("وجهة.."-ص52)

والمصلحون الذين حملوا الراية بعد محمد عبده ساهموا في إبقاء هذه الحال إذ ظل الجدل هو السائد في المناقشات الأدبية،ذلك الجدل الذي لا يبحث المشاركون فيه وفق تعبير كتاب "وجهة العالم الإسلامي" عن حقائق وإنما عن براهين.

يقصد بن نبي فيما أظن بالبراهين "الحجج" ولعلها الكلمة الأحسن إذ البرهان شيء مطلوب وليس كذلك الحجة التي قد تعني دعم موقف المجادل بأي شكل ولو كان الدعم بعيداً عن الحق والواقع.

وبالمناسبة سوء استخدام الكلمات والروابط الناقصة بين الجمل هو سيئة بارزة من سيئات أسلوب بن نبي رحمه الله وهي سيئة قد تكون الترجمة جزئياً مسؤولة عنها ولكن في رأيي أن الأصل مسؤول أيضاً عن الوعورة الواضحة في كتابة بن نبي ولأضرب للقارئ مثلاً واحداً على أسلوب معتاد للكاتب هو ربط أفكار لا ترتبط مباشرة بطريقة توحي وكأن الفكرة الثانية ناتج مباشر للأولى:

"فمضمون التعليم في مدارس الإصلاح هو نفس المضمون منذ ستة قرون ،برغم أن الأستاذ وتلاميذه يجلسون على الكراسي والقماطر،وكان مسلك المسؤولين عن الثقافة العربية غريباً شديد الغرابة ،فقد كانوا يستهدفون غايات دون أن يطلبوا وسائلها إذ لم يعتزموا حتى الآن العودة إلى نظام العدد العربي الذي أخذ به الغرب منذ عهد حربرت"("وجهة.."-ص70)

ويلاحظ القارئ "المسلك الغريب شديد الغرابة" لجملة بن نبي! إذ أن "عدم اعتزام المسؤولين عن الثقافة العربية العودة إلى نظام العدد العربي" لا تتضح له علاقة مباشرة بكونهم كصفة عامة فيهم يستهدفون غايات دون أن يطلبوا وسائلها! وأعان الله قارئ بن نبي وغفر الله لمالك فإنه وراء هذه اللغة السيئة عنده جواهر من الأفكار تستحق عناء الصبر حتى استخراجها!

وفي اعتقادي أن بن نبي في وصفه لطرق الجدل العقيم هذه وضع يده بالفعل على عيب هام من عيوب حياتنا الفكرية إذ أن نقاشاتنا على الأغلب لا تسودها الروح العملية التي تجعلنا ننظر إلى النقاش كتشاور جماعي للوصول إلى حلول لمشاكل تصادف ما نقوم به من عمل اجتماعي بنائي.و هذه هي النظرة المطلوبة للنقاش التي لا تظهر على أساسهاأي صفة شخصية للنقاش فنرحب بكل فكرة تثبت أنها خير من فكرتنا وأقرب إلى الإجابة على المشكلة الواقعية، وهذا النوع من النقاش هو الذي يظهر عند الحرفيين والمهندسين والعاملين في المجالات التطبيقية، وأما في الواقع وعلى العكس من هذه النظرة المطلوبة تسود نقاشاتنا الروح الشخصية والصفة الخطابية والأدبية المحضة، وهي نقاشات لا تهدف إلى تشاور ثم تشارك في حل  معضلة واقعية عملية بل تهدف إلى إثبات تفوق الذات و"لا نسمح فيها لأحد أن يغلبنا"..ويسهل هذا الطابع العقيم للنقاش الفصام بين القول والعمل وبين الفكر والواقع.

يقول بن نبي: "المرء عندما يبلغ دور الاكتمال يضغط على نفسه، ويخالف ما درج عليه، محاولاً بذلك تعديل وضعه، وحينئذ يصبح كلامه إرادة وعملاً يدلان على وجود علاقة بين الكلمات والوقائع. فإذا ما انعدمت العلاقة بين الكلام والعمل أصبح الكلام هذراً.

ولو لم تقر في أذهاننا صلة الكلام –لاعتباره صورة للفكر-بالعمل باعتباره صورته المادية، فلن ندرك –من باب أولى- العلاقة العكسية بين العمل والفكر، وبذلك نفقد تلك الحركة الجدلية التي تنتقل -حين تواجه مناقضاتها- إلى فتوح جديدة في عالم الفكر، لكي تواجه مناقضات أخرى، تؤدي إلى فتوح جديدة وهكذا.."("وجهة.."-ص64)

وفي اعتقادي أن خروج العربي من ذاته الذي تكلم عنه كثيرون منا في مضمار النقد الذاتي يمكن أن يتحقق بالعمل المنزه عن كل غرض شخصي والذي يستهدف أهدافاً بنائية عملية لا أهدافاً تنافسية خاصة..وكما ذكرت قبل قليل فإن نقاش المهندسين والعمال حول معضلة عملية مجسمة هو نقاش تدخل فيه الذات أقل بما لا يقاس من نقاش الأدباء والفلاسفة والسياسيين!

ولا أرى بأساً هنا من بعض الحديث حول رأي بن نبي في العلاقة بين الفكر والعمل قبل العودة إلى الحديث عن الحركة الإصلاحية:

يقول بن نبي : "لكل نشاط عملي علاقة مباشرة بالفكر، فمتى انعدمت هذه العلاقة عمي النشاط واضطرب وأصبح جهداً بلا دافع، وكذلك حين يصاب الفكر أو ينعدم، فإن النشاط يصبح مختلاً أو مستحيلاً، وعندئذ يكون تقديرنا للأشياء تقديراً ذاتياً، هو في عرف الحقيقة خيانة لطبيعتها، وغمط لأهميتها، سواء كان غلواً في تقويمها أم حطاً من قيمتها" ("وجهة.." –ص80)

الغلو في التقويم والحط من القيمة المستحقة للشيء أو القضية المطروحة يقودان حسب بن نبي إلى نوعين من الاختلال يسميهما "ذهاناً" Psychose:

الذهان الأول مفرط في استسهال الأمور والثاني يرى على العكس الاستحالة في كل مهمة مطروحة!

ويضرب مثالاً على الذهان الأول الطريقة المستخفة بالخصم التي عاملت بها الدول العربية الحركة الصهيونية مما أدى إلى نكبة1948.

ويضرب مثالاً على الذهان الثاني اعتقاد بعض الجزائريين في زمن الاستعمار أنهم عاجزون عن فعل شيء لأنهم أولاً جاهلون وثانياً فقراء وثالثاً مستعمرون.

ويرد عليهم بن نبي الرد المتوقع من رؤيته العامة التي تركز على الدعوة إلى العمل والفاعلية والقيام بالواجب وعدم الاستسلام للظروف أو الاكتفاء بتحميل الاستعمار المسؤولية –وهو يحملها بالفعل برأي بن نبي وخلافاً للتأويلات الانتهازية التي نراها هذه الأيام لمقولته الشهيرة عن "القابلية للاستعمار" ولكن هذا شيء واستعمال الاستعمار مشجباً نبرر به الكف عن عمل شيء للنهضة التي تجعل الاستعمار غير قادر على الاستمرار شيء آخر -:

أولاً: نحن بالفعل جاهلون أميون ولكن ماذا فعل متعلمونا ضد الأمية؟ ويقارن الموقف العاجز عديم الفاعلية للمتعلمين من مسلمي الجزائر إزاء مأساة الأمية بالموقف الفاعل الذي وقفه متعلموا اليهود في الجزائر بعد أن وصلت إلى السلطة حكومة ضيقت على مدارسهم الخناق –الحكومة الفرنسية الموالية للألمان أثناء احتلال فرنسا في الحرب العالمية الثانية- فقد فتح هؤلاء المتعلمون من شتى المهن مدارس في البيوت فكنت ترى الطبيب والمحامي وقد تحولا إلى مدرسي أطفال مما حال دون وقوع الجالية اليهودية في مأزق تعليمي خطير.

ثانياً: صحيح أننا فقراء ولكن هل نستخدم مواردنا المحدودة استخداماً جيداً أم نبددها؟ ويبرهن بن نبي لمواطنيه بأمثلة ملموسة على أن المسلمين الجزائريين يبددون أغلب ما لديهم من موارد في سرف غير منتج.

وأما أننا مستعمرون فإننا لم نفعل شيئاً لنقضي على قابليتنا للاستعمار. صحيح أن "المعامل الاستعماري" يعمل على تخفيض قيمة ضحية الاستعمار ولكن قيمته الأصلية التي وهبها له الله لا يمكن تخفيضها ويمكن دوماً استغلالها لإزالة آثار المعامل الاستعماري. إنها الدعوة للفاعلية الاجتماعية الشاملة. لقيام كل فرد بواجباته وعدم انتظار الحقوق من الحكومة الاستعمارية.

وفي اعتقادي أن هذه الدعوة صائبة الآن أيضاً فيمكن أن نطلب من أنفسنا أن نقوم بواجباتنا في إصلاح الخلل الاجتماعي مهما يكن رأينا في حكوماتنا، نقوم بواجباتنا ولا نكتفي بمطالبة الحكومة بعمل كل شيء ونحملها وزر كل شيء من عيوب المجتمع حتى تلك التي نستطيع تصحيحها بأنفسنا!

ولنعد إلى الحديث عن الحركة الإصلاحية كما رآها بن نبي لنسوق هذا التقويم الذي يلخص وجهة نظر بن نبي في إنجازات هذا التيار و إخفاقاته:

"الحركة الإصلاحية لم تستطع تغيير النفس الإسلامية، بل لم تستطع أن تترجم إلى لغة الواقع فكرة "الوظيفة الاجتماعية" للدين، ولكنها –على أية حال-نجحت في إزالة الركود الذي ساد مجتمع ما بعد الموحدين، حين أقحمت في الضمير الإسلامي فكرة مأساته المزمنة، وإن كان ذلك قد اقتصر على المجال العقلي، فإذا ما أريد للنهضة أن تبرز إلى عالم الوجود، فإن علينا أن نواجه مشكلة الثقافة في أصولها" ("وجهة.." –ص55)

 

التيار الثاني: تيار "الحركة الحديثة":

 

في مقابل مدرسة الإصلاح كان هناك مدرسة "الحركة الحديثة" كما يسميها بن نبي قائلاً إنه بينما كانت الأولى تنشر بحكم مشربها فكرة إسلامية فتية كانت الثانية تحاول أن تدخل إلى الحياة الإسلامية عناصر ثقافة جديدة.

صدرت الحركة الحديثة عن المدرسة التي جلبها الاستعمار لأبناء المستعمرات، وهي المدرسة التي يصفها بن نبي بهذا الإيجاز: "مدرسة تتفق ونظرته إليهم".

لم تكن هذه المدرسة ناتجة عن تتلمذ حقيقي على الثقافة الغربية بعناصرها العميقة الجوهرية بل كانت "مكونة في جوهرها من عناصر خالية من المعنى مأخوذة عن المدرسة الاستعمارية ثم يضاف إلى هذه العناصر بعض العناصر الأخرى التي التقطتها اتفاقاً الشبيبة الجامعية التي نشأت في طبقة متوسطة وأقامت في أوروبا إقامة قصيرة لم تهدف خلالها إلى معرفة الحضارة الغربية" ("وجهة.." ص58)

كانت علاقة المتعلم المسلم بالغرب علاقة سطحية تهدف بأحسن حالاتها إلى الحصول على شهادة جامعية لا إلى تعلم ثقافة الغرب، وكان الغرب من جهته أيضاً غير مهتم بنشر ثقافته بالذات بل بتوزيع نفاياتها، وما كان مهتماً باكتشاف ذكاء التلاميذ وتشجيع مواهبهم بل كان يهدف في مؤسسات التعليم الاستعماري إلى خلق آلات محدودة الكفاءة. وهذه الحقيقة يذكرها بن نبي في كتاباته مراراً وله تجربة شخصية مريرة مع المؤسسات المذكورة يجدها القارئ في مذكراته "مذكرات شاهد للقرن".

"الحركة الحديثة" في أوساط المتعلمين انتقلت إلى "حركة حديثة" في المجتمع:

في رأي بن نبي أن المسلم منذ قرون ما عاد عنده القدرة على رؤية حقيقة الظواهر فصار يكتفي بالقشرة. عجز عن فهم القرآن فاكتفى باستظهاره، ثم انهالت عليه منتجات الحضارة الأوروبية السلوكية فأخذ منها الشكل ولم ينتبه إلى الروح، والمادية ففكر في كيفية استعمالها ولم يفكر في كيفية إنتاجها ولا أدرك الفضائل الاجتماعية العملية التي تقف وراءها.

وهذه المستحدثات السلوكية والمادية زادت حجم الحاجات دون أن يرافق هذه الزيادة زيادة في الوسائل التي تشبع هذه الحاجات.

وكما يقول كان من الأسهل على المسلم أن يرى النواتج النهائية كالطائرة والمصرف من أن يرى الفضائل التي أنتجت هذه النواتج كما تجسدت في العامل والفلاح والعالم والفنان والمرأة الكادحة والطفل الذي يتعلم منذ صغره احترام الحياة والعمل.

وحتى الطالب الجاد الذي ذهب إلى أوروبا ليتعلم اكتفى برؤية النتيجة النهائية للعملية الحضارية الأوروبية دون أن يرى تاريخ هذه العملية ولا خلفيتها الإنتاجية والأخلاقية.

والذين استلموا مقاليد الحركة السياسية في هذا العصر كانوا منتمين روحياً إلى هذه "الحركة الحديثة"، وعلى أساس هذه الروح اهتموا بتحديث النظام السياسي عبر نقل النموذج الأوروبي دون التطرق إلى المشكلة الاجتماعية، ويضرب بن نبي لهذه الحقيقة مثلاً واقعياً شاهده وهو شاب كان يبحث في القمامة عن طعام يسد جوعه بينما فوقه علقت لافتة تدعوه للمطالبة بسلطة دستورية!

ومما يلفت انتباه بن نبي في هذا السياق أن البعثات التي كانت حكومات ذلك العهد ترسلها إلى أوروبا كانت تهتم بجوانب نظرية بحتة وتهمل الجوانب التقنية الفنية.

التجديد الذي جاء به كلا التيارين: تيار الإصلاح وتيار "الحركة الحديثة" كان تجديداً نظرياً فوقياً ظل بعيداً عن ملامسة المشكلة الاجتماعية فقد جدد الأول في اللغة والأدب والفقه وعلم الكلام، واقتصر الثاني على إثارة الضجة الفكرية كما فعل طه حسين. وصحيح أن كليهما حرك الأفكار وأثار النقاش إلا أنه ظل بعيداً عن الفاعلية الواقعية.

ويأسف مالك بن نبي في هذا السياق لعدم وجود مجامع فكرية تشرف على توجيه الحياة الأدبية، وعلى توثيق الصلات وتغذية المناظرات بين المدارس المختلفة. وهنا نجد توجه بن نبي الدائم لعد النهضة بجميع جوانبها عملاً يجب أن تشرف عليه مؤسسات تخطط وتوجه ونشاهد ذلك في كل مكان يتكلم فيه عن مسألة اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية أو سياسية مهمة فهو يطالب بمجلس للتوجيه الفني يحل مشكلة التربية المهنية تبعاً لحاجات البلاد("شروط.." –ص97) ومجلس لتوجيه الثروة وتوظيفها ("شروط.." ص113) وحتى في مجال حل مشكلة المرأة يطالب بمؤتمر للنساء يشارك فيه علماء النفس وعلماء التربية والأطباء وعلماء الاجتماع وعلماء الشريعة وغيرهم "وسوف يكون هذا التخطيط حتماً في صالح المجتمع لأن علماءه ومفكريه هم الذين وضعوه" ("شروط.." ص118) وقد رأينا أنه يرى التخطيط للنهضة وعدم تركها للتطور العفوي بحيث نقتدي بالصين واليابان اللتين قفزتا من وضع القابلية للاستعمار إلى وضع النهضة في مدة وجيزة.

على أن بن نبي رغم ذلك لا يضع علامة المساواة بين التيارين:

"كان السلفي وحده هو الذي يحمل فكرة النهضة، وهو وإن كان  لم يحقق شروطها العملية بصورة منهجية، فإنه على الأقل لم يضيع هدفها الجوهري، لقد كان يعي تماماً أوضاع بيئته، حتى أنه ألح في المطالبة بأن يؤدي كل واجبه تاركاً للمحدثين الضرب على نغمة الحقوق" ("وجهة.." -ص64).

 

التيار الثالث: تيار المؤاخاة كما رآه متمثلاً في حركة حسن البنا:

في كتاب "وجهة العالم الإسلامي" الذي كتب بن نبي نسخته الأولى عام 1950 نرى حماساً كبيراً للحركة النهضوية الدينية الاجتماعية الاقتصادية الشاملة التي تمثلت في جمعية الإخوان المسلمين التي أسسها الأستاذ حسن البنا 1928م. تحمس بن نبي لها من بعيد وإن كان كما يقول لا يملك من الأسانيد والوثائق لدراستها "باعتبارها  حركة تمتاز في جوهرها بالمؤاخاة العملية التي كان يحمله عنوانها". ويعدد بن نبي أسباب حماسه لها: إنها قامت على التأليف بين أعضاء المجتمع تأليفاً يحمل معنى المشاركة في الأفكار والأموال. وإن زعيمها لم يكن فيلسوفاً أو عالم كلام ولكنه اكتفى بأن بعث في الناس إسلاماً خلع عنه سدول التاريخ ولم يركن إلى نظرية غير القرآن نفسه ولكنه القرآن الذي يحرك الحياة خلافاً لفهم القرآن في الحركة الإصلاحية التقليدية "التي لم تكن لتستخدمه في منهجها إلا كوسيلة منطقية تساق لغرض تعليمي، فالقرآن في منطقها معلم يقدم لها مقاييس من كل نوع، وبراهين تفحم الخصوم، وأدلة تدين بعض التقاليد والبدع التي لا تتفق و"ما جرى عليه السلف" وهو أيضاً نموذج جمالي بل مجموعة من المقاييس الأدبية تستخدمها بعض العلوم الاستنباطية كعلوم البلاغة. ففي كل هذه الحالات لم تكن الفكرة القرآنية لتمس مباشرة ضمير إنسان ما بعد الموحدين أو طبيعته، لا تمس مجال حياته وجوانب فكره ومناحي سلوكه، فهو بذلك أداة "للتجديد" أكثر من أن تكون إلزاماً "بالتجدد"" ("وجهة.." ص 146). إن التغيير الفكري هو التجديد أما تغيير النفس الذي هو جوهر النهضة فهو التجدد وهو ما رآه بن نبي في حركة البنا.

مع حركة البنا تجددت القيمة القرآنية في ذاتها فأصبحت قيمة ناشطة ووسيلة تقنية- فنية على حد تعبير الترجمة- لتغيير الإنسان، لقد كان لزعيم الحركة قوة خارقة ناتجة عن قدرته على جعل آية القرآن أمراً حياً يملي على الفرد سلوكاً جديداً ويجذبه إلى حياة العمل والنشاط كأنما دبت فيه الحياة من جديد، ولم يكن يفسر القرآن على طريقة شيوخ الأزهر العلمية المحضة الحافلة بمسائل اللغة والكلام والفلسفة والفقه والتاريخ ولكنه كان يحيل الآية إلى دافع للحركة والبناء. ولنتذكر هنا نظرية بن نبي الأساسية التي تقول إن الدين هو العامل الذي يركب عناصر الحضارة الأولية الثلاثة.

يميز بن نبي بين الصحة المجردة لعلم  التفسير وبين تجدد النفس التي يؤثر فيها القرآن حين يتلوه عليها داعية كالبنا فالتأثير الثاني دافع إلى السلوك الحضاري النهضوي المطلوب على حين أن صحة التفسير بجوانبه النظرية يظل تأثيره مقتصراً على المجال الفكري دون أن يمتد إلى الواقع.

إنها النصيحة التي يذكر محمد إقبال أن أباه نصحه بها مرة: اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك! هكذا كان البنا كما يقول بن نبي لا يتحدث عن صفات الله عز وجل بطريقة علم الكلام وإنما كان يتحدث عن الله الفعال لما يريد المتجلي على عباده الحاضر في كل لحظة معهم كما كان المسلمون يرونه عز وجل في وقائعهم الكبرى في بدر وحنين.

"الفكرة" لم تعد مجردة بل صارت تركيباً ناشطاً بين الفكر والعمل فالناس صاروا يفكرون في عملهم ويعملون في فكرهم. لم يعد الشباب يصغي إلى خطب السياسيين المطالبة بالحقوق بل أدرك أن نيل المطالب يكون بسلوك طريق الواجب فاشتغلت ماكينة اجتماعية ضخمة اقتصادية وإعلامية وثقافية. إنها حركة جمعت أفكار العالم الإسلامي وطعمتها بإدخال العنصر الصناعي الحديث.

لم أقرأ لبن نبي تقويماً للتطورات اللاحقة لهذه الحركة   وفي اعتقادي أنه بالذات في الوقت الذي كتب فيه هذا التقويم (نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن العشرين) دخلت الحركة المذكورة في طريق جديد إما بخطأ في استراتيجية القيادة وإما باستدراج الخصوم وهذا الطريق سهل تصفيتها أو تصفية نفوذها على الأقل وتحويلها من حركة اجتماعية عامة واسعة إلى حركة سياسية ضيقة تسلك مكرهة أو طوعاً طريق التحزب السري مما يتناقض مع مفهومها الأصلي. ولا أريد هنا التطرق موسعاً إلى هذه النقطة غير أنه في حالة بن نبي ما أحسبه إلا توقف عن متابعة الأحداث لأن المنطقة دخلت في طور جديد مع أحداث الخمسينات التي غيرت كل شيء من قيام النظام الناصري ومواجهاته الكبرى مع الإنكليز والفرنسيين والصهاينة والأمريكان ومع قيام الثورة الجزائرية في نوفمبر 1954 ومع انتقاله هو للعيش في مصر في علاقات ودية مع النظام الجديد وتفاعله مع المسائل التي ثارت آنذاك من نوع التضامن الأفريقي الآسيوي وحركة عدم الإنحياز ومؤتمر باندونغ وفي اعتقادي أن الباحث الآن إن لم يعرف رأي بن نبي في المواجهة المأساوية بين الإخوان وعبد الناصر فإنه يستطيع على الأقل أن يرسم سيناريو لما قد يكون عليه رأي بن نبي لو شهد ما شهدناه نحن من تطورات لاحقة وسيستند هذا السيناريو بالطبع إلى الروح العامة في كتاباته وطريقته في التفكير ورؤية مشاكل العالم الإسلامي.

 

·        موقع بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر:

 

يشغل مالك بن نبي كما يستنتج القارئ لمؤلفاته العارف بسيرة حياته موقعاً خاصاً في الفكر الإسلامي الحديث. ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة إن قلنا إن هذا الفكر يشكل مدرسة خاصة من مدارس الاتجاه الفكري الإسلامي المعاصر.

مالك بن نبي هو أولاً نتاج لأطول تجربة خاضها مجتمع مسلم مع الاستعمار وهي تجربة الجزائر، وهو ثانياً استمرار للتيار الإصلاحي الذي قاده في مصر الشيخ محمد عبده وتلاميذه وفي الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس و "جمعية العلماء"، ثم هو كما يخبرنا في سيرة حياته "مذكرات شاهد للقرن" تأثر في شبابه كثيراً بالدعوة السلفية التي جاء بها الشيخ محمد عبد الوهاب وسميت بالوهابية لدرجة أنه عقد العزم على السفر إلى الحجاز ولكن العراقيل البيروقراطية هي التي حالت دون تنفيذه لعزمه في الثلاثينات من القرن العشرين.

و هذه القاعدة الفكرية التي انطلق منها مالك بن نبي: إصلاحية عبده وبن باديس والدعوة السلفية في الجزيرة العربية تفيدنا في فهم توجهه الفكري العام.

ثم من بعد ذلك كان مالك بن نبي مشاركاً في التغيرات السياسية والأيديولوجية في العالم الإسلامي وفي المشرق العربي على وجه الخصوص.

أن تكون ابن مجتمع مستعمر،بل تم احتلاله من قبل الاستعمار قبل أن تلد بعشرات السنين، فهذا يعني أنك ستطرح أولاً وقبل كل شيء على نفسك مهمة تمييز نفسك  كثقافة مستقلة، وفي الحقيقة كان الإسلام عند بن نبي بديهية، بل إن المستعمر لم يكن يسمي أهل الجزائر بأي اسم قومي آخر غير الإسلام، ففي الجزائر كان هناك "فرنسيون" و "مسلمون" (وهذا ما نراه في وثائق تلك المرحلة وكتاباتها) والأمر الذي واجه بن نبي إذاً ليس مسألة نزاع داخلي على السلطة مع تيار علماني وطني- على الأقل في القسم الأعظم من حياته الذي شهد أهم كتاباته وهو القسم الذي سبق استقلال الجزائر- بل هي مسألة صراع مع استعمار غريب وفي هذا الصراع طرح بن نبي على مجتمعه مهمة النهضة الحضارية التي تخلصه من "القابلية للاستعمار" وصولاً إلى الخلاص من الاستعمار نفسه. ومن هنا لم يواجه بن نبي مشكلة تطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة الوطنية، بل واجه مشكلة نهضة حضارة الإسلام من سباتها العميق. إن ميزة مدرسة مالك بن نبي التي تهبها طابعها الخاص في مدارس الفكر الإسلامي المعاصر هي أنها تركز على مشكلة الحضارة الإسلامية وليس على مشكلة السلطة السياسية. وقد شارك مالك بن نبي أحياناً في جدالات مع المستشرقين بشأن ادعائهم أن الإسلام بالذات هو مصدر تخلف المسلمين. وبنظرته الحضارية ما انتابه الشك قط في الحقيقة التي تقول إن الإسلام هو على العكس عامل نهضة وإن المسلمين ينحطون بقدر ابتعادهم عنه.

ولكن الفرق بينه وبين المدارس الإسلامية التي ظهرت من الستينات فصاعداً أنه لم يواجه مشكلة ابتعاد الدولة الحديثة عن الشريعة بل استمر في المدة القليلة التي عاشها بعد الاستقلال في الاطمئنان إلى أنه لا خطر على الإسلام نفسه، وإنما الخطر هو في استمرار المسلمين في وضع الانحلال الحضاري.

وفي رأيي إن طريقة مالك بن نبي في طرح مشكلة المسلمين كمشكلة حضارة ومجتمع ودعوته المجتمع الإسلامي للنهوض بعمله الخاص الدؤوب ودون انتظار نيل الحقوق من طرف خارجي هي طريقة قيمة جداً نحتاج إليها هذه الأيام حين نرى أن من الإسلامين من يمحور كل نشاطه حول هدف مطالبة السلطة بحقوق أو قوانين ويترك مهمة الإصلاح الاجتماعي مؤجلة بانتظار تطبيق الشريعة الإسلامية! إن مالك بن نبي في رأيي يعلمنا أن تطبيق الشريعة هو واجبنا وعلينا أن نشرع به فوراً في أوسع أبوابه وهو باب بناء المجتمع المتين، لا في أضيق أبوابه وهو باب الجدل العقيم والتركيز على الفرعيات والبحث عن نقاط الاختلاف وليس عن نقاط الالتقاء بين المسلمين!

وطريقة مالك بن نبي في التحليل الصبور لمشاكل الحضارة يحتاج إليه جيل الشباب عندنا الذين يميلون في حماسهم إلى ترك التحليل العلمي وتفضيل رفع الشعارات عليه.

ولعل لجوء بن نبي إلى التحليل الصبور مما لا يجعله كاتباً مفضلاً عند هؤلاء الشباب الذين يعجبهم الأسلوب الحماسي الذي يطرح أفكاراً قليلة وعواطف كثيرة. مالك بن نبي يطرح على العكس عواطف قليلة وأفكاراً كثيرة! وهو بمنهجه هذا يعتقد أن مسألة نهضة الحضارة تخضع لسنن الله في الكون، وهي بالتالي تستوجب منا أن ندرس هذه السنن بإمعان لنستطيع التأثير ونكون فاعلين في الحضارة كما رأينا. العمل الصبور المنهجي الدؤوب المتواضع الذي يقبل "بإنجازات صغيرة" هي لبنات بناء الحضارة المنشودة ولا يتبع مبدأ "كل شيء أو لا شيء "وليس مصاباً بمرض فرط التسيس الذي لا يرى شيئاً مهماً خارج مسألة السلطة، هذا العمل هو الذي يبدو لي أنه جوهر دعوة بن نبي وليس بن نبي قليل الطموح فهو يرى أنه انطلاقاً من هذا العمل، انطلاقاً من قيام كل فرد في المجتمع بواجبه نحصل على حقوقنا الكبرى في العالم.

فإلى من يتوجه بن نبي في الخطاب؟

أيتوجه إلى المجتمع أم إلى السلطة؟ وإجابتي على هذا السؤال تقول إن بن نبي يتوجه إلى كليهما، ولكنه يركز اهتمامه خصوصاً على العمل الاجتماعي الذي تقوم به المؤسسات الوسيطة بين الدولة والناس، كالجمعيات الأهلية، والمؤسسات الاقتصادية، وهيئات التخطيط الاجتماعي والعمل الثقافي، ولا يركز اهتمامه الوحيد على مركز القرار السياسي في المجتمع. وباختصار فإن مدرسة مالك بن نبي السياسية توجه انتباهنا إلى جوانب في غاية الأهمية من شأنها أن تثري العمل النهضوي وتستكمل نواقصه.

وحين نريد أن نحدد موقع بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر يمكن أن ننظر إليه بطريقتين مختلفتين واحدة داخلية و الأخرى خارجية.

الطريقة الداخلية  هي أن ننظر إلى هذا الفكر ببنائه الداخلي الذاتي وتفاعله مع الواقع.

والطريقة الخارجية هي أن ننظر إليه بمقارنته بالمدارس الأخرى. وهذه الطريقة تساعدنا بلا شك على رؤية ما لم يطرحه بن نبي أو ما لم يواجهه من قضايا ومشاكل ولكنها تساعدنا أيضاً على رؤية جوانب قوة رؤيته إزاء جوانب ضعف المدارس الأخرى.

الطريقة الداخلية هي التي اتبعتها إلى الآن في مقالي هذا وهي تخبرنا فيما آمل عن ما قاله بن نبي ولكنها لا تخبرنا عما لم يقله وقالته المدارس الأخرى.

وما كنا لنتتطرق إلى هذه النقطة الأخيرة لولا أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في أيامنا هو التالي: كيف كان بن نبي سينظر إلى من يسمون في عصرنا بالإسلاميين؟ وما الذي كان سيقره من أطروحاتهم وطرقهم في التفكير – علماً أنهم متنوعوا الأفكار وليسوا متطابقين في كل شيء بل يختلفون من اتجاه لآخر في قضايا هامة- وما الذي كان سيرفضه؟

في الحقيقة إن الذي يقرأ بن نبي وفي ذهنه منذ البداية طريقة الاتجاهات المعاصرة المسماة الاتجاهات الإسلامية قد يميل وهو "يبحر" في صفحات بعض مؤلفات بن نبي إلى عده مجرد باحث اجتماعي أو باحث في فلسفة التاريخ كان من الممكن أن لا يكون أصلاً باحثاً مسلماً فكثير من نظرياته الاجتماعية والتاريخية صالحة لأن تقال في أي ثقافة أخرى وأياً يكن انتماؤها الديني.

هذه نقطة افتراق كبرى عن الاتجاه الإسلامي السياسي السائد إذ هذا الاتجاه الأخير لا يهتم بالتحليل الاجتماعي والتاريخي بحد ذاته بل هو أساساً تشغل باله فكرة واحدة هي إقامة دولة على أساس الشريعة الإسلامية وهو يرى أن كل مشاكل المسلمين ناتجة عن غياب هذه الدولة وأنه ما من حل مجد قبل هذا القيام،  وكل التحليلات السوسيولوجية والتاريخية إن وردت في كتابات هذا التيار و ورودها نادر فهي ترد لتأكيد هذه الفكرة الرئيسية.

سأقول بداية إن فكرة بناء الدولة على أساس الشريعة الإسلامية ونقد قيام الدولة المعاصرة في بلاد المسلمين على أساس القانون الوضعي المستورد لا تكاد ترد عند بن نبي وهو يعد مشكلة المسلمين الأساسية – كما رأينا- هي أنهم يعيشون في حالة انتقالية بين وضع حضارة قديمة تفسخت وحضارة جديدة لم تبن بعد، وكل كتاباته سماها بالفعل "مشكلات الحضارة" وكل حديث عن بن نبي هو حكماً حديث عن نظريته في شروط النهضة وما يسبق هذه النظرية منطقياً من نظريات أعم في دورة الحضارة وبناء المجتمع وتغير هذا البناء مع المراحل التي تمر فيها الحضارة في تطورها بين النهوض والارتقاء والانحدار.

ولكن بن نبي إن كان قليل التركيز على مطلب تطبيق الشريعة الإسلامية فإن هذا لا يعني بحال من الأحوال أنه غير مهتم بالشريعة وبالعكس فهو أولاً في نظريته الرئيسية يرى أنه لا يمكن أن تقوم حضارة بغير دور الدين المركب لعناصر الحضارة كما رأينا، وهو ثانياً يعارض الأوضاع الاجتماعية التي لا تتناسب مع الشريعة الإسلامية وإن كنا نرى أنه ضمناً لا يرى أن نصوص الفقه الإسلامي تكفي وحدها لبناء الحضارة المطلوبة إذ هذه الحضارة لها سنن علمية مثل سنن الطبيعة على المسلم أن يبحثها ولا يتوقع أن يجدها جاهزة في نصوص الشريعة وإن كان بالتأكيد يجد كثيراً من التوجيهات العامة في هذه النصوص (كما رأينا في استشهاداته بالآية عن التغيير "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وبالحديث "توشك أن تتداعى .." وبأحداث السيرة) ومن هنا رأيناه يطالب لحل مشكلة المراة في المجتمع الإسلامي بمؤتمر يشارك فيه اختصاصيون في علم النفس والتربية والطب وعلم الاجتماع كما يشارك فيه اختصاصيون في الشريعة ولعل هذا المثال يوضح بصورة جيدة أنه يرى الشريعة قانوناً عاماً للمسلمين ولكن حياتهم الاجتماعية تتقرر بسنن لاتتعارض مع الشريعة ولكن نصوص الشريعة لا تكفي وحدها لاستخلاصها. وفي اعتقادي أن هذا الرأي هو بالذات رأي أي عالم شرعي متبحر رغم أن العناصر المتسرعة الجاهلة في مجتمعنا قد تسارع إلى التنديد بهذا الفهم الذي هو في الحقيقة للمتأمل بديهي!.

وهو يعد الشريعة أساس حضارة الإسلام على شرط أن تكون فاعلة في الروح والنفس كما رأينا لا أن تكون نصوصاً جامدة للاستظهار أو للبحث النظري المجرد.

والاختلاف الكبير لرؤية بن نبي عن رؤية الأيديولوجيا العربية المعاصرة كلها وليس عن أيديولوجيا الحركة الإسلامية ما بعد البنا فحسب هو أنه لا يرى حل مشكلة المسلمين في استلام سلطة مهما تكن جيدة بل يراها أساساً فعلاً اجتماعياً وتجدداً نفسياً روحياً لمجتمع متين شبكة علاقاته الاجتماعية كثيفة يقوم فيه كل فرد بواجبه ويركز على واجباته أكثر مما يركز على حقوقه.

وهذه الفكرة أراها في غاية الفائدة في زماننا إذ أنه في الوقت الحاضر ما من سلطة مهما كانت جيدة تستطيع أن تصمد أمام التحديات الخارجية وأمام المتطلبات الداخلية أيضاً من اقتصادية وغيرها إذا استمر الوضع الاجتماعي الحضاري المتحلل عندنا وهو متحلل بوجوهه كلها فثمة تجزئة سياسية وتناحر بين الدول وتدهور اقتصادي وتحلل اجتماعي وثقافي. وأي عمل فوقي لن يجدي فتيلاً إن لم يترافق مع عمل تحتي يقوم به مجتمع بثت به الروح وقرر فيه كل فرد أن يقوم بواجبه وكأن مصير الحضارة كلها معلق به، وفي رأي بن نبي أن هذه النهضة عندنا تقوم أساساً على أساس الدين وهو بهذا المعنى بلا شك مفكر إسلامي بامتياز. وهو في هذا السياق انتقد المستشرقين نقداً مريراً لاعتقادهم أن الإسلام بالذات كان هو العامل المسبب لانحطاط المجتمعات الإسلامية أما هو فكان يؤمن إيماناً عميقاً بان الإسلام هو عامل نهضة وأن الابتعاد عن الإسلام هو السبب الحقيقي في الانحطاط،ومن هنا فإن التحلل من واجبات الدين لا ينتج شرطاً من شروط النهضة بل على العكس وهذا ما جعله ينقد رئيس بلد إسلامي اقترح على شعبه الإفطار في رمضان "لمواجهة ضرورات البناء الاجتماعي"  قائلاً:

"كأن هذا البناء يمكن أن تقوم قائمته دون أسس أخلاقية، أو كأنما يمكن في أي بلد فصل الجهد الاجتماعي عن القوى الأخلاقية التي تسانده، دون هدم هذا الجهد ذاته وهذا مستحيل" ("ميلاد.."ص98)

 وعند بن نبي لا نجد علاقة عدائية مع الأنظمة السياسية وهو لا يطرح شعار إسقاط الأنظمة وقد يقال إنه لم يكد يشهد في بلاده نظاماً ليفكر في إسقاطه إذ لم يعش طويلاً بعد عهد الاستقلال وهذا على صحته إلا أنه ما كان ليصح حتى لو أن بن نبي بطريقته في التفكير عاش الآن لأنه كما رأينا ما كان من الممكن  أن يرى حل المشكلة الحضارية في إجراء سياسي فوقي من نوع "تطبيق الشريعة الإسلامية" بمعنى استبدال المدونة الفقهية مثلاً-من نوع "المجلة" العثمانية بالقانون الوضعي.والتجارب المعاصرة تعطيه في رأيي الحق ولنتأمل في أمثلة طبقت فيها الشريعة بهذا المعنى كما في السودان والسعودية بل كما في اليمن الإمامية..بل كما في أكثر تجربة كانت تحوز على الجماهيرية وقامت على أكتاف الناس وتمتع قوادها بنظرة للمجتمع والعصر والشريعة بل  والفكر واسعة الأفق إلى حد جيد برأيي وهي تجربة "الثورة الإسلامية الإيرانية".

ولا يجعل هذا من بن نبي طبعاً كما رأينا شخصاً لا يريد تطبيق الشريعة لكن له فهمه الأوسع أفقاً لهذا التطبيق المستند بصورة أفضل إلى سنن الله في المجتمع والحضارة.وقد حاولت في هذه الدراسة أن أشرح معنى هذه الفكرة.

وبن نبي لم يؤسس حزباً سياسياً وفي اعتقادي أن طريقته في التفكير وفي تصور "البرنامج" الذي يجب أن تسير عليه السياسة الإسلامية ما كان ليجعله يسير في اتجاه كهذا، ولعل إعجابه بحركة الأستاذ البنا في بداية صعودها الكبير ناتج عن كون هذه الحركة غير حزبية، بل كان موقف البنا من الأحزاب المصرية في غاية السلبية كما هو معلوم فهو يقول: "الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى، وهي أساس الفساد الاجتماعي" وقد طالب بحلها جميعاً. (3)

ورؤيته لم تكن أيضاً لتجعله يركز على مسألة الصراع على امتلاك القرار السياسي رغم أنه ما كان يهمل دور هذا القرار.غير أنه لم يكن يحس كما يرى قارئه بهذا الفصام المرير عن الأنظمة الحاكمة الذي يحس به كثير من عرب اليوم، وعلى العكس فقد كانت له صداقة مع بعض الأنظمة ولا سيما النظام الناصري وكان معجباً بالنظام السعودي الذي قام على أساس الحركة السلفية المسماة الوهابية، ونعى على بعض المفكرين (وهو بن باديس) أنهم لم يفهموا الفرق بين ابن سعود والإمام يحيى فأنبوا الطرفين على الاقتتال بينهما "كأنما الشيخ لم يتبين عظم النزاع الذي تقف فيه القوى الروحية والمادية في النهضة الإسلامية متجسدة في الفكرة الوهابية، في وجه قوى الانحطاط والتدهور ممثلة في الإمام يحيى" ("وجهة.."-ص93) وإن كان على ما يبدو خاب أمله في تطور المجتمع السعودي  كما خاب أمله في تطور تجارب نهضوية أخرى! وليراجع القارئ خيبات أمله التي تظهر في جمل قصيرة في كتب العقود اللاحقة،  انظر مثلاً تعليقه عن خيبة أمل الحاج-وأحسبه يتكلم عن نفسه-الذي يصادف حين ينزل في جدة لافتة"هيئة الأمر بالمعروف" فيطرب لها ثم حين يتقدم خطوات يخيب أمله.("مشكلة الأفكار.." –ص90)

وأعتقد أن بن نبي لو عمل في الميدان العام فسوف يعمل في صفوف حركة اجتماعية ليس لها طابع حزبي بل هي حركة عامة تستهدف البناء التحتي ولا تستهدف اجتذاب الأصوات الانتخابية أو الصعود إلى السلطة وقد رأينا في فقرة سابقة أنه ما كان يفضل شكلاً محدداً من الأنظمة السياسية فلا يفاضل بين الجمهورية والملكية والاستبداد المطلق على أساس هذه الصفات بالذات بل على أساس "المضمون الإيجابي" الذي يحدد إن كانت سياستها علم اجتماع مطبقاً أم ضرباً من الأوهام والخزعبلات!

ونرى هنا فارقاً لأسلوب بن نبي في التفكير السياسي وفي المفاضلة بين الأنظمة وبعض التيارات المعاصرة التي تصر على تبني شكل معين على أنه "الشكل الشرعي" –مثل شكل "الخلافة"- والفرق في الحقيقة شاسع فبن نبي لم يكن يعتقد أن ثمة إجابة جاهزة على الأسئلة التطبيقية مثل سؤال نظام الحكم، وما كان يرى في شكل نظام الحكم إلا شكلاً فحسب يحدد الحكم عليه من خلال مضمونه الفعلي الواقعي وفاعليته في المسألة المركزية عنده: مسألة النهضة.

ويلفت انتباهنا في فكر بن نبي غياب الحديث عن "الجهاد" تقريباً، فهل كان بن نبي يجهل هذا المفهوم؟

في اعتقادي أن بن نبي كان كما رأى القارئ يجعل من النهضة أساس الحل لمشكلة الحضارة الإسلامية وهو في بداية كتاب "شروط النهضة" يتحدث عن الجهاد البطولي للأمير عبد القادر والقبائل التي انضمت تحت رايته ويلاحظ ملاحظة حزينة على هذا الجهاد:"إنهم كانوا يقاتلون من أجل الخلود لا من أجل البقاء!"(4)

"فعندما برق في أفقنا فرس الأمير عبد القادر في وثبته الرائعة كان الليل قد انتصف منذ وقت طويل ثم اختفى سريعاً شبح البطل الأسطوري كأنه حلم طواه النوم"("شروط.." –ص20)

على أن هذا الجهاد وإن لم يحقق غاية غير الخلود كتب الخلود لشعب مثبتاً قوة الإسلام الروحية التي كانت درعه الذي منعه من الانحلال كما انحلت شعوب أخرى كالشعوب الأمريكية الأصلية.

وأستنتج من هذا أن بن نبي كان لا يرى الجهاد طريقاً يحل بذاته المشكلة الحضارية فأولاً يجب حل مشكلة القابلية للاستعمار أي مشكلة النهضة.على أنني لا يفوتني بالمناسبة أن بن نبي نسب للإسلام بقاء هذه الشعوب فهي نفسها باقية على الإسلام وإن بشكله غير الفاعل ومشكلتها حضارية لا عقدية كما رأينا عند نقده للحركة الإصلاحية وقد وجدت من الواجب الإشارة إلى هذه النقطة:إن مالك لم يخطر على باله-ولا خطر على بال معاصريه-ما خطر على بال الغلاة الذين جاؤوا بعده من عد المجتمعات الإسلامية الحالية مجتمعات جاهلية بل كافرة.

وقد يبدو هذا الرأي( الذي لا يرى في الجهاد الآن حلا)ً انهزامياً-وأعتقد أن هذا الرأي الاستنتاجي لم يصغه هو بهذه الصورة الصريحة-ولكنني أراه في غاية الواقعية وبالذات إذا نظرنا إلى واقعنا الراهن حيث تحولت فكرة الجهاد إلى فخ يكاد يقود الشعوب الإسلامية إلى حتفها.والمكان الوحيد الذي أعرفه لا يمكن فيه إلا المقاومة حتى لو لم  يتوفر أي شرط مادي أو اجتماعي أو فكري هو فلسطين التي يواجه شعبها خطراً على وجوده الجسدي بالذات والمقاومة مفروضة عليه كخيار إجباري.ولعلي ألاحظ هنا أن المجتمع الفلسطيني قد شهد نهضة داخلية عظيمة ما كان بن نبي إلا ليفرح لها في ظل الانتفاضة.وهذه النهضة الاجتماعية التي حققت أرقى أشكال التنظيم والعلاقات الاجتماعية قلما تتم الإشارة إليها في الدراسات عن الانتفاضة.ولم يؤثر فيها الإفساد المتعمد الذي جاء من الخارج المحتل ومن الداخل السلطوي.

وأعتقد أنه من حسن حظ بن نبي رحمه الله أنه مات ولم يشهد ما جرى في بلاده الحبيبة من مسخ شيطاني لم يشهد له تاريخ الإسلام مثيلاً للفكرة الدينية التي تحولت بشكلها الزائف شيطاناً دموياً مشبوه الأصل والدوافع يغتال عشرات الآلاف من الأبرياء وينشر الرعب تحت خيمة الشيطان الكبرى التي اسمها في عصرنا :"تكفير المجتمع".

وفي اعتقادي أن المسلمين هم بحاجة قبل الجهاد الأصغر إلى جهاد أكبر يكافحون فيه عوامل الانحطاط في ذواتهم وعيوبهم الاجتماعية الهدامة من ذاتية وانعدام روح المصلحة العامة وعشائرية وجهل وكسل وفقدان "للمنطق العملي" مما رأيناه شروطاً للنهضة تقوم بوجودها ولا تقوم بغيابها.

ولنأت الآن إلى السؤال عن السر في قلة تأثير فكر بن نبي في وقت إنتاجه:

في اعتقادي أن هناك من الأسباب ما هو عرضي وما هو جوهري :

الأسباب العرضية تتمثل في صعوبة أسلوبه ووعورة لغته وسوء تركيبها ولجوئه إلى التحليلات النظريةالدقيقة –التي يصوغها أحياناً بمعادلات رياضية!-ولا شك أن كاتباً كهذا لن يكون مشوقاً للقراءة خصوصاً إذا قورن بكتاب يعتمدون على صيغ بسيطة خطابية عاطفية ذات ألفاظ مجلجلة.

وأما الأسباب الجوهرية فأهم ما فيها في نظري السبب الذي أصوغه كما يلي:إن بن نبي جاء في غير وقته!.

لقد كان زمنه زمن السياسة وزمن فكرة أولوية النضال من أجل السلطة على ما عداه وفكرة وجود عامل واحد يحل المشاكل:الاشتراكية أو الوحدة العربية أو تطبيق الشريعة وبناء الدولة الإسلامية.لقد كانت هذه سمة العصر التي كانت كما قلت توحد تيارات الأيديولوجيا العربية باطناً وإن اختلفت بل تناقضت في الظاهر.

وكما يحصل مع الأفكار الأصيلة فإنها يمكن أن تتوارى في الخلفية في حالة كمون في الظروف غير الملائمة لها ثم تبرز إلى السطح مع بروز الحاجة الاجتماعية لها.

والذي أراه أن بن نبي أصبح مطلوباً الآن..لماذا؟

السبب الجوهري أن الأساس الذي قامت عليه الأيديولوجيا العربية في نصف القرن الماضي قد تلقى ضربات قاصمة:

لقد هزم مشروع التغيير من فوق وكما ذكرت ً لنتأمل في التجربة السودانية تحت حكم الإنقاذيين وما جرى لهم، وما جرى لتجربة هي أهم من هذه بعد إذ هي تجربة سلطة صعدت على أكتاف مظاهرات التأييد المليونية:تجربة الثورة الإيرانية..

ولنتأمل فوق هذا في هزائمنا المعاصرة كلها: لقد هزمت سلطتا دمشق والقاهرة في عام 1967 دون أن يكون أقطاب هاتين السلطتين-وخصوصاً السورية- من الفاسدين(وعلى العكس يشهد معاصروا رجال السلطة السورية المهمين أنهم آنذاك من الناحية الشخصية كانوا في غاية النزاهة ونظافة اليد والإخلاص لمبادئهم)

إذن هذا الواقع يفرض العودة إلى السؤال الحضاري..سؤال الفاعلية..سؤال النهضة وهذا هو سؤال بن نبي الذي لم يستمع إليه معاصروه جيداً.

لذلك فالزمان الآن زمانه..

 

 

 

 

·        هوامش:

 

(1) استندت في كتابة هذا المقال إلى كتب مالك بن نبي التالية والاستشهادات هي منها:

 

-مالك بن نبي - سلسلة "مشكلات  الحضارة"- "ميلاد مجتمع شبكة العلاقات الاجتماعية"- ترجمة  عبد الصبور شاهين- إصدار ندوة مالك بن نبي- دار الإنشاء للطباعة والنشر طرابلس لبنان- توزيع دار الفكر بدمشق- الطبعة الثانية-1394ه- 1974.

 

-مالك بن نبي-سلسلة "مشكلات الحضارة"- "شروط النهضة"- إصدار ندوة مالك بن نبي- ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين- دار الفكر بدمشق-1399ه- 1979.

 

 -مالك بن نبي- مشكلات الحضارة "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"- ترجمة محمد عبد العظيم علي- مكتبة عمار- القاهرة- ط1-1391ه- 1971.

 

-مالك بن نبي- "بين الرشاد والتيه"- ندوة مالك بن نبي- توزيع دار الفكر بدمشق- ط1-1398ه- 1978.

 

-مالك بن نبي- "تأملات"- إصدار ندوة مالك بن نبي- توزيع دار الفكر بدمشق- ط4-1399ه- 1979.

 

-مالك بن نبي- مشكلات الحضارة -"المسلم في عالم الاقتصاد"- إصدار ندوة مالك بن نبي- دار الفكر بدمشق-1399ه- 1979م.

 

-مالك بن نبي- مشكلات الحضارة- "وجهة العالم الإسلامي"- إصدار ندوة مالك بن نبي- ترجمة عبد الصبور شاهين- دار الفكر- دمشق-1400ه- 1980م.

 

-مالك بن نبي-مشكلات الحضارة-"مذكرات شاهد للقرن"-بإشراف ندوة مالك بن نبي-دار الفكر-دمشق-ط2-1404ه-1984م.

 

(2) وفي اعتقادي أن الترجمة هنا لم تكن تفي بالمعنى تماماً إذ المقصود هو وصف الفرنسيين للشعوب الأصلية في المستعمرات "أنديجين" وقد أصدر بعض الجزائريين آنذاك صحيفة بعنوان "صوت الأنديجين"، وكلمة "الأهلي" ليست كما يرى القارئ مناسبة تماماً كترجمة.

 

(3) انظر: "مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا "مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي"-"نظام الحكم"-"-مكتبة الإيمان بالمنصورة-1412ه-1992م- ص326-327.

 

(4) يتطابق تقويم بن نبي هذا ، وبصورة غير متوقعة مع تقويم مفكر عربي من اتجاه مختلف تماماً وهو ياسين الحافظ للمقاومة القومية التقليدية للاستعمار الفرنسي في فيتنام وهي مقاومة انتهت بالهزيمة حتى جاءت الحركة المحدثة التي قادها هوشي مينه.ولا أعرف إلى أي حد حدث الشيوعيون فيتنام حقاً فالحافظ-في كتابه"التجربة التاريخية الفيتنامية" –كان واقعاً تحت تأثير الحماس للانتصارات الفيتنامية الكبرى في السبعينات.ولعله الآن بعد سقوط المنظومة الاشتراكية ما كان سيصدق بنفس الحماس والوثوق أن فيتنام حققت هذا التحديث إذ فيتنام فيما أظن وعلى رغم كفاحها المجيد من أجل طرد الاستعمار الخارجي والوحدة القومية لم تزل في صفوف دول العالم الثالث.والعلاقة في طريقة التفكير وبدون أي تأثير متبادل بين الحافظ وبن نبي تستحق التأمل والدراسة وهي تدلنا على أن الأيديولوجيا عندنا على اختلافها الظاهري تتبع طرقاً متشابهة في التفكير تمليها عليها وحدة المشاكل الواقعية المطروقة والخيارات المحدودة العدد للخروج من هذه المشاكل(من نوع: تغيير سلطة أم تغيير مجتمع؟ جواب واحد للمشاكل المطروحة أم أجوبة متعددة؟ حل تحتي أم حل فوقي؟..وتأمل!)