-البيان التأصيلي (المقدمة العامة)

-البيان التأصيلي (المقدمة العامة)

 

(1)

في المعركة الثقافية المحتدمة في بلادنا نحن نؤمن أن الإسلام ، الذي أرسله الله للناس كافة ،هو الخيمة الأخيرة التي ستلجأ إليها الأمة العربية إذا أرادت أن تأخذ مكانها العزيز ولا تندثر بل هو الخيمة الأخيرة للبشرية جمعاء التي تسير ، بفرعنة لا مثيل لها ،نحو الهاوية ، فقد صنمت القوة المادية (وخادمها المطيع : العلم الطبيعي) ،ورأت أنها بامتلاك هذه القوة المجردة من الروح ستتحول إلى إله وهيهات فالإله واحد وما البشر إلا عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله فلا يجب أن نعبد القوة أو العلم بل يجب أن نأخذ من القوة والعلم ما يخدم الإنسان إذ الإنسان هو الهدف وكما في القول المنسوب إلى عيسى عليه السلام: "ماذا يفيد الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه ؟ "                                                                 (2)

وفي الطريق الذي يوصل البشرية إلى الإسلام  عليها أولا أن تتوقف عن إخضاع نفسها للتجربة الحضارية الغربية ،هذه التجربة هي الأفعى التي تسعى إلى ابتلاع ما عداها من تجارب رغم وجود وعي متزايد في الغرب بالذات بأن المشروع الحضاري الذي سار عليه الغرب بحاجة إلى إعادة نظر إذ أنه لم يقد الإنسان الغربي على المستوى الوجودي إلا إلى فقدان الشعور بالمعنى.وقد سقطت آخر محاولة لإصلاح هذه الحضارة بمنطق داخلي أعني الماركسية.

(3)

في الطريق إلى المطلق لا بد من رؤية النسبي: ونحن نسوق اللغة كمثال على صحة هذه الحقيقة: نحن حين لا نعرف إلا لغتنا نميل إلى الاعتقاد أن هذه اللغة هي الوحيدة الموجودة والوحيدة الممكنة ،بحيث أننا،حتى لو وافقنا على وجود لغات أخرى،نرى أنها لا بد أن تكون مثل لغتنا في جميع المكونات وإلا فهي "لغات ناقصة" أو "لغات غير حقيقية".

لكننا إذا تعرفنا بهدوء وبلا انحياز على لغات العالم فسوف نرى ما تختلف فيه اللغات ،وما تختلف فيه هو "العنصر النسبي "في اللغة ،الذي يميزها عن غيرها ويعطيها هويتها الخاصة.أما ما تتفق فيه فهو "العنصر المطلق "المشترك بين اللغات كلها والذي يمثل حقا ما يشترك فيه البشر.إذن نحن لا نصل إلى "المطلق" إلا بعد المرور بمرحلة"النسبي" ،وكل بدء بادعاءات "مطلقية"لا يعني إلا أننا نريد فرض لغتنا الخاصة على أنها هي المعيار الذي يشكل كل انحراف عنه شذوذا غير طبيعي قد نسميه "تخلفا" أو أسماء أخرى ،وهذا بالذات ما حصل مع النزعة الأوروبية المتمركزة على نفسها التي لم تر في اختلافات النماذج الحضارية الأخرى عن النموذج الغربي الحديث غير شذوذات مرضية أو أعراض لبنية عقلية أو اجتماعية أو حتى  جسدية غير سوية.

                                       (4)

مجال عمل النزعة التأصيلية في الثقافة هو الآن يقتصر على الساحة الثقافية العربية،و هي تعد نفسها جزءا من حركة الصحوة الإسلامية الكبرى التي تشهدها بلادنا (بل يشهدها العالم الإسلامي كله) غير أنها تميز نفسها (رغم انسجامها العام مع شعار "الإسلام هو الحل") بميزة ثقافية و رؤية حضارية لا تتطابق دوما مع تيارات الحركة الإسلامية العربية (و خصوصا مع بعض الاتجاهات الخاصة ضيقة الأفق، التي هي، لحسن الحظ، لا تشكل التيار الغالب في الحركة الإسلامية العربية)

التأصيلية ترى أن الإسلام هو دين و حضارة و أن تجربة المسلمين الحضارية هي جزء لا يتجزأ من الإسلام، و التأصيلية تهتم بالتشكيلة الحضارية الإسلامية و تدافع عنها بوصفها نتيجة الرسالة المحمدية التي تركت منطقة واسعة للاجتهاد البشري ضمن الثوابت الكبرى التي تشكل العلامات الكبرى الموجهة للسائرين على الطريق.

و من هنا فإن التأصيلية لها نظرتها الخاصة:

1- ترى أن الإسلام بعبقريته استوعب جهود أبناء الديانات الأخرى و جعلهم يشاركون في بناء هذه الحضارة الإسلامية، و هكذا فإن جهود الأطباء و الفلكيين و غيرهم، النصارى والصابئة شكلت جزءا من الحضارة الإسلامية.

2-و من هنا فإن التأصيلية يهمها ما يجري في الساحة الثقافية لأبناء الديانات الأخرى التي تشاركنا في الوطن، فمن الخطأ ألا يأخذ الإسلاميون موقفا من الصراع بين الكنيسة القبطية في مصر و النزعات التبشيرية ذات العلاقات القوية مع أمريكا، و ربما مع الحركة الصهيونية، و هي لا تقف ببرود من موقف بابا الأقباط المعادي للتطبيع إذ أنه بهذا الموقف يؤكد وضع النصارى بصفتهم جزءا أصيلا من نسيج الحضارة الإسلامية و ليس جزءا غريبا ذا طبيعة معادية.

3- و التأصيليون، الذين هم "عمال ثقافيون" أساسا يناصرون في ميدان عملهم نضال التيارات الدينية التي تكافح تغريب المجتمع و بصفة خاصة تكافح تحطيم الأسرة غير أنهم يقفون بقوة في وجه بعض الجماعات الصغيرة التي نقلت عداءها من الأنظمة السياسية إلى المجتمع العربي نفسه، إن هذا المجتمع ليس كافرا كما يقول هؤلاء بل هو من الناحية الجوهرية مجتمع إسلامي يحتاج منا أن ندعمه في جهوده للحفاظ على هويته.

(5)

شهدت الثقافة العربية ،منذ ما يسمى بعصر النهضة،انبهارا بالغرب تجلى عند أغلب المثقفين المؤثرين :مفكرين وأدباء وأيضا علماء دين (مثل الطهطاوي ومثل محمد عبده وتلاميذه لاحقا وهناك في بلاد الشام وفي المغرب نظائر لهؤلاء)

وفي رأيي ،لا يجب على التيار التأصيلي أن يعامل هؤلاء العاملين الثقافيين باحتقار طالما كانوا عناصر مخلصة لم تكتسب من التجربة التاريخية خبرة كافية تمكنها من فصل الحب عن الزوان على أن بعض النهضويين كانوا مدفوعين بدوافع بعيدة عن الإخلاص للمجتمع الأهلي : لقد كان بعضهم عونا وعينا للمستعمرين ويدا لهم وأما الذين يجب أن نعذرهم فكانوا لم يمروا بعد بالتجربة التي تؤهلهم لمعرفة استحالة مشروع التحويل الشامل للمجتمع وفق النموذج الأوروبي الجاهز.

لقد لجأ المثقفون ببساطة إلى حل ساذج لمعرفة "سر تقدم الغرب وتأخر الشرق" وهو البحث عن السمات المميزة للغرب(أي السمات الموجودة هناك ولا توجد عندنا)واعتبروها هي "سر تقدم الغرب "والبحث عن السمات التي تميز"الشرق"

واعتبروها "سر التخلف". 

و النتيجة الثانية تختلف في المضمون اختلاف النظر إلى السمة الجوهرية المميزة للمسلمين التي هي الإسلام فبينما وجد بعض المنبهرين كليا (و الذين صادر جزء منهم عن كراهية خفية للإسلام) أن الإسلام بالذات هو سبب تخلف الشرق ، رأى آخرون (و خصوصا من العلماء أمثال عبده و رشيد رضا أيضا الذي يختلف عن أستاذه في بعض النقاط) أن الإسلام الحقيقي هو عنصر تقدم و ليس عنصر تخلف. غير أنهم في تحديدهم لماهية "الإسلام الحقيقي" تورطوا في رأيي في تحوير للإسلام تضمن إدخال عناصر مكونة للحضارة الغربية، و لا تتناسب مع الإسلام، على الإسلام كما يرونه (و عند المفكر النمساوي المسلم-كتاب"الإسلام على مفترق طرق"-نجد انتباها لهذه النقطة، و أحسبه انتبه إليها لأنه أعرف للغرب و أكثر انتباها لواقعة ارتباط أجزاء البنية الثقافية الغربية بحيث يصعب فصل بعض العناصر منها و إلصاقها بالبنية الثقافية الإسلامية).

(6)

العناصر الثقافية الغربية دخلت ثقافتنا لتحول هذه الثقافة إلى كيان هجين عديم التجانس وعناصره المكونة أصبحت متناقضة أو غير منسجمة على الأقل،وقد تم دخول هذه العناصر من طرق عديدة منها الطريق الفنية والأدبية (الشعر والقصة والمسرح والسينما)ومنها الطريق الفكرية والفلسفية(دخول فلسفات الغرب بما تحتويه من رؤى لم يعرفها مجتمعنا للكون والإنسان ،ومنها الطريق السياسية –وهي في غاية الأهمية-إذ أننا استوردنا النماذج السياسية والنظريات السياسية الأوروبية،وخصوصا منها تلك النماذج التي تؤله البعد المادي-الاقتصادي وتجعله العامل الوحيد المهم في السياسة وهذا يتناقض مع النموذج الإسلامي الذي يضع الرؤية الدينية في المرتبة الأولى من الأهمية في الممارسة السياسية

(7)

ومن خلال السياسة تورطت التيارات الفكرية العربية في معارك ذات طابع مزدوج سياسي-فكري هي ليست من طبيعة البنية الثقافية –السياسية الإسلامية(وبسبب المواجهة الناصرية الإخوانية رأينا بعض الإسلاميين ينساق إلى المعركة الأمريكية السوفييتية لصالح الأمريكان وكان هذا خطأ مؤسفا لا تكفي الضرورة السياسية لتبريره).

وحين كان السؤال:اشتراكية أم رأسمالية؟حاولت بعض التيارات الإسلامية الخروج من هذا الفخ بطرح التصور الإسلامي الخاص،غير أن الحقيقة تظل،كما أرى،أن هذه التيارات انساقت إلى ردود الأفعال التي جعلتها أحيانا تبدو كأنها تقف في صف أحد الطرفين (خصوصا صف الرأسمالية،وراجعوا ما قاله الغنوشي في نقد من وقف من الإسلاميين التونسيين ضد الإضرابات العمالية بدعوى أن الشيوعيين كانوا يساندونها)

ولم تبدأ الأجنحة العقلانية لهذا التيار (وهي الأجنحة الأكبر والأهم لحسن الحظ)في استعادة التوازن وفي البدء بالإمساك بالموقف الأصيل إلا مع مطلع التسعينات من القرن العشرين ،هذا الموقف الأصيل الذي يتجاوز كلا النظامين السوفيتي والأمريكي.

(8)

في مقالات هذا الكتاب اللاحقة محاولات تطبيقية تحتاج إلى مزيد من التعميق عموديا وأفقيا للرؤية التأصيلية النقدية.هذه الرؤية تعمل على نقد الثقافة العربية المعاصرة و فصل حبها الأصيل الملتصق بهمومها الحقيقية و رؤيتها التاريخية و رسالتها الدينية عن زوانها الدخيل الذي يتناقض مع بنيتها و رسالتها. و التأصيلية اتجاه هو أبعد ما يكون عن التعصب (فهو أبعد ما يكون عن ما يسميه الإعلام بالأصولية إذ أن هذه الأخيرة تعني اتجاها غربيا كنسيا يريد فرض مبادئ جامدة على الواقع) التأصيلية تريد السير مع الواقع و مع التجربة التاريخية للمسلمين الذين طبقوا المبادئ الإسلامية بصورة خلاقة قابلة دوما للنقد من الداخل على شرط أن لا يكون هذا النقد استلابيا مستندا إلى عقد النقص تجاه الآخر.

و مأخذنا على بعض الاتجاهات الإسلامية هو أنها عادت المجتمع الإسلامي نفسه انطلاقا من رؤية لهذا المجتمع لا تعترف بالاجتهاد الاجتماعي ضمن نطاق الإسلام، و نعني بمفهوم "الاجتهاد الاجتماعي" الخبرة التاريخية للمجتمع الذي ينظم نفسه و ممارسته التاريخية وفق القواعد الإسلامية بطريقة خاصة تميز هوية كل بقعة إسلامية و تشكل غرزاتها الخاصة في السجادة الإسلامية. هذه التيارات تريد أن تضيق من حجم ما يستطيع المسلمون أن يستفيدوا من تجربتهم رغم الإجماع الفقهي التاريخي على أخذ تغير الزمان و المكان بعين الاعتبار طالما بقيت المبادئ الإسلامية العامة ثابتة لم تنتهك.

و الفكرة التي لعبت دورا سيئا و جعلتنا في بعض مواضع الكتاب نضع الإسلاميين الذين نعنيهم هنا بصف المتغربين هي فكرة جاهلية المجتمع ،ونحن نرى أن المجتمع الإسلامي ليس مجتمعا جاهليا حتى مع التشويه الحضاري الهام الذي أصابه ،ولا يمكن أن نريد إصلاح هذا المجتمع إصلاحا أصيلا ثم نخطط لإبادة هذا المجتمع بكل ما فيه من صواب وخطأ .وقد دخلت فكرة الجاهلية هذه في ظروف خاصة ثم استعملت بصورة مروعة في التسعينات من هذا القرن.

(9)

لقد صار من الواجب علينا أن نبين بوضوح لا مزيد عليه في زماننا هذا الذي يروج فيه الشعار اللاإنساني الوحشي:"صراع الحضارات".

الكتابات الموجودة في هذه الصفحة تؤيد حوار الثقافات لا صراعها بل هي تؤمن أن اختلاف الثقافات سنة من سنن الله والمطلوب أن تتعايش الثقافات المختلفة بسلام واحترام متبادل.وأن تثبت آهليتها وأفضليتها بمقدار ما تحترم إنسانية الإنسان وحقوقه الأساسية.

وموقف هذه الكتابات المعترض على الاستلاب الثقافي وفرض ثقافة على أخرى لا يعني الموافقة على من يريد في صفوف ثقافتنا العربية الإسلامية أن يقدم عن ثقافتنا صورة الثقافة غير المتسامحة المتعصبة التي لا تقبل الحوار.لم تكن ثقافة الإسلام هكذا أبداً فهي التي نشرت في العالم لأول مرة ربما قيم التسامح وقبول الآخرين.ونحن نرفض المتعصبين في صفوف الثقافة العربية الإسلامية كما نطلب من الثقافات الأخرى أن تحارب ظاهرة التعصب في صفوفها.

1