حسن المقصد في فضائل وأحكام الحجر الأسود - الشيخ محمود عمري : القسم الثاني

  *رجوع << فضائل وأحكام الحجر الأسود >> القسم (1)، (2)، (المصادر) *

     الحجر الأسود وفقه العبادات ( الحج )

1- الطواف

الحج ركن من أركان الإسلام ، يجب على المسلم القادر مرة في العمر ، إذا توفرت الشروط ، وما زاد فهو تطوع . والطواف ركن من أركان الحج في جميع المذاهب ( طواف الإفاضة ـ الركن ) وفي العمرة كذلك ، وبحثنا هنا عن علاقة الطواف بالحجر الأسود .

روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان أحب الأعمال إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم مكة ، الطواف بالبيت " (55).

قيل : لما كان البيت أفضل من سائر المساجد ، وجب أن تكون تحيته ، أفضل من تحية سائر المساجد ، والطواف أفضل من الصلاة ، لرواية عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ينزل الله تعالى على هذا البيت في كل يوم عشرين ومائة رحمة ، ستون منها للطائفين ، وأربعون للمصلين ، وعشرون للناظرين ، فيجعل للطائف أكثر من أجر المصلي " (56)

2- بدء الطواف :

 

قال المزني : قال الشافعي رحمه الله : ويفتتح الطواف بالاستلام فيقبل الركن الأسود ".

قال الماوردي : وهذا كما قال ، إذا أراد الطواف ، فيجب أن يبتدئ بالحجر الأسود ، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ به "(57).

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال ارتفاع الضحى ، فلما أتى باب المسجد أناخ راحلته ، ثم دخل المسجد ، فبدأ بالحجر فاستلمه ، وفاضت عيناه من البكاء ، ثم رمل حتى انتهى إلى الركن الآخر ، فاستلمه ، ورمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، فلما فرغ قبل الحجر ووضع يديه عليه ، ثم مسح بهما وجهه "(58) .

وعنه ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحجر ، فاستلمه ، ثم مشى على يمينه ، فرمل ثلاثا ومشى أربعا (59).

قال الشوكاني :" فيه دليل على أنه يستحب أن يكون ابتدأ الطواف من الحجر الأسود بعد استلامه .

وحكي في البحر عن الشافعي والإمام يحيى : أن ابتداء الطواف من الحجر الأسود فرض "(60).

وقال صاحب الهداية (61): (ثم ابتدأ بالحجر الأسود فاستقبله وكبر وهلل ) لما روي ( أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل المسجد ، فابتدأ بالحجر ، فاستقبله ، وكبر ، وهلل ).

وقال صاحب بداية المجتهد (62) باب القول في الصفة ـ يعني صفة الطواف ـ:والجمهور مجمعون على أن صفة كل طواف واجبا كان أو غير واجب ، أن يبتدئ من الحجر الأسود ... .

3- الطواف من الحجر إلى الحجر

 

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة ؛ إذا استلم الركن الأسود ، أول ما يطوف يَخُبّ ثلاثة أطواف من السبع .

وفي أخرى ، قال :" رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا "(63).

وجاء في كيفية الطواف : أن يدور الحاج ( أو المعتمر ، أو الطائف ) حول الكعبة بنية الطواف ، سبع مرات ، يبدأ كل شوط من الحجر الأسود ، محاذيا له بجميع البدن ، ويختمه بالحجر جاعلا الكعبة عن يساره ، خارجا بجميع بدنه عن حجر إسماعيل عليه السلام ، وعن الشاذروان ( وهو بناء مسنم قدر ثلثي ذراع خارج عن عرض جدار الكعبة ) (64).

قال الإمام النووي (65) في كيفية الطواف أن يحاذي بجميع بدنه على جميع الحجر ، وذلك بأن يستقبل البيت ، ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني ، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ، ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ، ثم ينوي الطواف لله تعالى ، ثم يمشي مستقبلا الحجر ، مارا إلى جهة يمينه حتى يجازو الحجر ، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره البيت ، ويمينه إلى خارج ، ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز ... ثم المرور بجميع الأركان ، ثم يمر منه إلى الحجر الأسود ، فيصل إلى الموضع الذي بدأ منه ، فيكمل له حينئذ طوفة واحدة ... وهكذا يفعل سبعا . ثم استمر قائلا :" أن يجعل في طوافه البيت عن يساره ، كما سبق بيانه ، فلو جعل البيت عن يمينه ومر من الحجر الأسود إلى الركن اليماني لم يصح طوافه (66) .

ثم قال : وينبغي أن ينتبه هنا لدقيقة ، وهي : أن من قبّل الحجر الأسود فرأسه في حد التقبيل في جزء من البيت ، فيلزمه أن يقر قدميه في موضعهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائما ، لأنه لو زالت قدماه من موضعهما إلى جهة الباب قليلا ، ولو قدر بعض شبر في حالة تقبيله ، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل عليهما ، في الموضع التي زالتا إليه ، ومضى من هناك في طوافه ، لكان قد قطع جزءا من مطافه وبدنه في هواء الشاذروان ، فتبطل طوفته تلك (67) وهذا خطأ شائع يقع فيه الطائفون ، دون أن ينتبهوا لذلك . والله أعلم .

وفي المغني قولان يجزئه ولا يجزئه (68) .

4- استلام الحجر وتقبيله

 

عن عابس بن ربيعة رحمه الله ، قال : رأيت عمر يقبل الحجر ، ويقول : إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ". أخرجه الجماعة (69).

إلا أن الموطأ أخرجه عن عروة " أنه رأى عمر ".

وقد أخرجه البخاري أيضا عن أسلم عن عمر .

وأخرجه مسلم عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر ، ونافع عن ابن عمر . ومن رواية غيرهما عنه .

وزاد مسلم والنسائي في إحداهما :" ولكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا " ولم يقل :" رأيت رسول الله يقبلك ".

ومعنى ( حفيا ): أي شديد السرور . في غاية اللطف والاعتناء . وبارا به .

وفي أخرى لمسلم عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال : رأيت الأصلع ـ يعني : عمر ـ يقبل الحجر ويقول : والله ، إني لأقبلك ، وإني أعلم أنك حجر ، وأنك لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك".

وفي رواية : رأيت الأصيلع ".

هذا وقد مر معنا تعليق الحافظ ابن حجر العسقلاني على مقالة عمر رضي الله عنه ، والحكمة منها .

5- السجود على الحجر بعد تقبيله

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الحجر . أخرجه البيهقي (70).

 

6- تقبيل اليد بعد الاستلام

 

عن نافع رحمه الله قال : رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ، ثم قبّل يده ، وقال : ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله (71).

7- الاستلام في الزحام

 

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، قال : طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير ، يستلم الركن بمحجن". هذه رواية البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي (72).

وفي أخرى للبخاري والنسائي والترمذي قال : طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير ، كلما أتى على الركن أشار إليه ".

زاد البخاري في رواية أخرى " بشيء كان في يده وكبر ".

وفي أخرى لأبي داود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قدم مكة ـ وهو يشتكي ـ فطاف على راحلته ، كلما أتى على الركن استلمه بمحجن ، فلما فرغ من طوافه أناخ ، وصلى ركعتين ".

وعن أبي الطفيل رضي الله عنه ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على راحلته يستلم الركن بمحجنه ، ويقبل طرف المحجن ، ثم خرج إلى الصفا ، فطاف سبعا على راحلته (73).

قال في الفتح : ولهذا قال الجمهور : إن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده ، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده وقبل ذلك الشيء فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك (74).

وقد استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر وكذلك المحجن جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره ، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل قبره فلم ير بأسا ، واستبعد بعض أصحابه ذلك .

ونقل عن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين كذا في الفتح (75) .

قال ابن حزم في مراتب الإجماع:"واتفقوا على استلام الحجر الأسود "(76).

 

8- هل يُستلم ويُقبل غيرُ الركن الأسود ؟

 

جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يمس من الأركان إلا اليمانيين (77) (وهما الركن الأسود والركن اليماني ) وإنما اقتصر صلى الله عليه وسلم على استلام اليمانيين لما ثبت في الصحيحين من قول ابن عمر أنهما على قواعد إبراهيم دون الشاميين ، فعلى هذا يكون للركن الأول من الأركان الأربعة فضيلتان ؛ كونه الحجر الأسود ، وكونه على قواعد إبراهيم ، وللثاني الثانية فقط ، وليس للآخرين أعني الشاميين شيء منها ، فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط ولا يقبل الآخران ولا يستلمان على رأي الجمهور . وروى ابن المنذر وغيره استلام الأركان جميعا (78) .

 

9- حكم من لم يستلم

 

جاء في أخبار مكة : أخبرني جريج أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلا يطوف بالبيت ، لا يستلم ، فقال : يا هذا ما تصنع هاهنا ؟ قال أطوف ، قال : ما طفت " (79).

وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يدع الركن الأسود والركن اليماني أن يستلمهما في كل طواف أتى عليهما ، قال وكان لا يستلم الآخرين (80) .

قال صاحب بداية المجتهد :" فإن استطاع أن يقبله قبله ، أو يلمسه بيده ، ويقبلها إن أمكنه ... ويستلم الركن اليماني ، وهو الذي على القطر الركن الأسود ، لثبوت هذه الصفة من فعله صلى الله عليه وسلم .

وكان بعض السلف لا يحب أن يستلم الركن إلا في الوتر من الأشواط ، وكذلك أجمعوا على أن تقبيل الحجر الأسود خاصة من سنن الطواف إن قدر ، وإن لم يقدر على الدخول إليه قبل يده (81) بعد الإشارة إليه .

وذكر صاحب الهداية : قال ( وإن أمكنه أن يمس الحجر بشيء في يده ) كالعرجون وغيره ( ثم قبل ذلك ، فعل ) لما روى أنه عليه الصلاة والسلام طاف على راحلته واستلم الأركان بمحجنه " وإن لم يستطع شيئا من ذلك ، استقبله ، وكبر ، وهلل ، وحمد الله ، وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام (82).

وذكر صاحب مغني المحتاج (83) بعد ذكر واجبات الطواف : وأما السنن فأن يطوف ماشيا ويستلم الحجر أول طوافه ويقبله ، ويضع جبهته عليه ، فإن عجز أشار بيده " .

وأن يقول أول طوافه : بسم الله ، والله أكبر ، اللهم إيمانا بك ، وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتباعا لسنة نبيك محمد ، صلى الله عليه وسلم (84) .

 

10- الزحام على الحجر

 

ذكر الماوردي (85) الاختلاف في الزحام على الحجر ،فقال : واختلف في الزحام لاستلام الحجر ، فقيل : ينتظر حتى يخف الزحام ، وإن علم أن الزحام لا يخف ، ترك الاستلام ، ولم يزحم الناس ، وأشار إليه رافعا ليده ، ثم يقبلها .

وقال النووي (86):" ويستحب أن يستقبل الحجر الأسود ويدنو منه ، بشرط أن لا يؤذي أحدا بالمزاحمة ، فيستلمه ، ثم يقبله من غير صوت يظهر في القبلة ،ويسجد عليه ، ويكرر التقبيل والسجود عليه ثلاثا ، ثم يبتدئ الطواف ".

وحكي عن طائفة أن الزحام عليه أفضل كفعل ابن عمر رضي الله عنهما (87).

والدلالة على أن الزحام مكروه : رواية سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال  : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنك رجل قوي لا تؤذي الضعيف ، فإذا أردت أن تستلم الحجر ، فإن كان خاليا فاستلمه ، وإلا فاستقبله وكبر "(88).

وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : سمعت رجلا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب : يا أبا حفص ، إنك فيك فضل قوة فلا تؤذ الضعيف ، إذا رأيت الركن خِلْوا فاستلم ، وإلا كبر وامض ، قال : ثم سمعت عمر يقول لرجل : لا تؤذ الناس بفضل قوتك (89).

روى الأزرقي(90) أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول : إذا وجدت على الركن زحاما فلا تؤذ ولا تؤذى ، لا تؤذ مسلما ولا يؤذيك ، إن رأيت منه خلوة ، فقبله ، أو استلمه ، وإلا فامض .

ويروى أن عبيد بن عمير قال لابن عمر : إني أراك تزاحم على هذين الركنين فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن استلامهما يحط الخطايا حطا " (91).

أما النساء فلا يختار لهن الاستلام ولا التقبيل ، إذا حاذين الحجر أشرن إليه ، وقد روى عطاء " أن امرأة طافت مع عائشة رضي الله عنها فلما جاءت الركن قالت المرأة : يا أم المؤمنين ألا تستلمين ؟ فقالت عائشة رضي الله عنها : وما للنساء واستلام الركن امض عني .

وأنكرت عائشة ذلك على مولاة لها .

فإن أرادت المرأة تقبيل الحجر فعلت ذلك في الليل عند خلو الطواف (92).

وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن عوف :" كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن ؟" قال استلمت وتركت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أصبت " (93).

قال الإمام الشافعي رحمه الله : وأحسب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن أصبت أنه وصف له أنه استلم في غير زحام ، وترك في زحام (94).

وجاء في حاشية المغني والشرح الكبير (95) تعليق مقابل حديث عمر السابق :" إيذاء الناس محرم ، واستلام الحجر مستحب ، فمن الجهل الفاضح ما يجري دائما في وقت الزحام من إيذاء الأقوياء للضعفاء وضغطهم للنساء لأجل استلام الحجر فالرجل يرتكب عدة معاص لأجل مستحب واحد ".

 

11- استلام الركنين اللذين يليان الحجر :

     الأسود واليمانيين 

 

عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، قال : لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين (96).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين (97).

 

12- ختم الطواف

 

جاء في رواية جابر عند ذكر بدء الطواف قوله ، فلما فرغ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبّل الحجر ووضع يديه عليه ثم مسح بهما وجهه ".

وذكر صاحب الهداية : ( ويختم الطواف بالاستلام ) يعني استلام الحجر . وبعد أن ذكر صلاة ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام ( ثم يعود إلى الحجر فيستلمه ) لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما صلى ركعتين عاد إلى الحجر ، والأصل أن كل طواف بعده سعي يعود إلى الحجر لأن الطواف لما كان يفتتح بالاستلام ، فكذا السعي يفتتح به بخلاف ما إذا لم يكن بعده سعي .

فهكذا نرى مما ذكر أن الحجر الأسود له علاقة وثيقة ترتبط بأهم أركان الحج ألا وهو الطواف حيث يبتدأ منه كل شـوط وينتهي إليـه ، ويقبل أو يستلم أو يستقبل أو يشـار إليـه بشيء أو باليد وتقبل مع ذكر الله فلا يصح طواف ولا حج إذا لم تراع أحكام البدء والانتهاء ، فالبدء من الحجر بالكيفية المتيسرة أمر ضروري لأنه لا بد منه وقد رفع الحرج عن المسلمين بكراهية المزاحمة والايذاء إن لم يكن الحجر خاليا وإلا فمن السنة الاجتهاد للتقبيل والاستلام أو الإشارة رفعا للمشقة وحماية لضرورة المحافظة على الدين ونفس الإنسان وسلامة جوارحه وعبادته بعدم التكليف فوق الطاقة ، او التكليف مع المشقة البالغة ، ويمكننا القول بأن الإشارة باليد والبدء من الحجر في الطواف من الضروريات ، والاستلام من الحاجيات ، أما التقبيل والسجود على الحجر فمن الكماليات في هذه الجزئية ، فهي مكملة لتقديس وتعظيم وكمال الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم والطواف والحج والله اعلم .

 

تلخيص خصائص الحجر الأسود وفضائله

 

إن لهذا الحجر خصائص ومزايا عظيمة صحيحة ثابتة من طرق صحيحة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبي هذه الأمة الصادق المصدوق ، فمنها :

1- أنه يشرع تقبيله واستلامه .

2- أنه في أشرف مكان في بيت الله المعظم " الركن الشرقي " وهو المكان الذي يقع على نفس القواعد الأولى الأصلية التي رفعها إبراهيم عليه السلام .

3- أنه في المكان الذي يشرع ابتداء الطواف بالبيت منه . (وكذلك يختم عنده ) .

        4- أن من استلمه كان كمن فاوض يد الرحمن ،وكمن بايع الله ورسوله .

5- أنه كان له نور عظيم مضيء ، ولكن الله تعالى قد طمس هذا النور ـ لحكمة ما ـ .

6- أنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه بحق ، مؤمنا صادقا. 

7- أنه شافع ومشفع يوم القيامة ، كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني ـ وفي سنده كلام .

8- ومن فضائله أنه تسكب عنده الدموع ، وتحطّ الخطايا ، ويستجاب الدعاء .

9- ومنها ما جاء أنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته (98).

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :" إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ ".

وفي الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم ، قيل : إنه الحجر الأسود (99).

8- أنه في الأرض بمنزلة يمين الله كما ثبت في الحديث . وله طرق وشواهد يقوي بعضها بعضا . وقد تستنبط حكمة استلامه من هذا الحديث : وهي أن كل مسلم أمين على الإسلام والإيمان ، وهذه الأمانة عاهدة الله عليها وبايعه على تحملها وأدائها ، ولما كانت النفوس تحتاج إلى ما يثبت لها المعاني المحسوسة ، أقام الله تعالى هذا الحجر في بيته وجعل له هذه الخصوصية ليكون بمثابة المحسوس الذي يتيقن المسلم باستلامه أنه قد أدى البيعة وعاهد ربّه سبحانه وتعالى على تحمل واداء الأمانة والقيام بها خير قيام .

وهذه إنما هي حكمة مستنبطة فقط ، والحكمة الأصلية هي امتحان العقول ومعرفة واستجابة النفوس وطاعتها وعبوديتها لله فيما قد تجهل حكمته أو تخفى عليها علته ، وحينئذ لا يكون لإقدامها عليه معنى سوى تمام عبوديتها لخالقها الحق سبحانه وتعالى .

والحجر الأسود ربما يكون هو الأثر الوحيد في بناء الكعبة المشرفة الباقي منذ عهد إبراهيم عليه السلام إن لم يكن من قبله وقبل آدم عليه السلام ، ومن هنا جاء التبرك به وتقديسه واستلامه حفاظا على عهدنا مع بيت الله الحرام ، وأبي الملة الحنيفية السمحاء ، جد الأنبياء والمرسلين خليل الرحمن عليه السلام ، الذي ختم الله من ذريته بسيد الرسل الكرام جميع الرسالات وأحسن الختام ببقاء الركن الأسود على عهده القديم دون تغيير أو تبديل ليكون مع البيت مثابة للناس وأمنا .

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم

آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .

الهوامش _____________________________             التالي >>

55- الحاوي الكبير للماوردي 5/172.

56- أخرجه ابن عدي في الكامل 6/2280 . وانظر : اتحاف السادة المتقين 4/272 .

57- الحاوي الكبير 5/174 ـ 175 .

58- سنن البيهقي 5/74 ، مسلم باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم 1218 ، الموطأ 1/364.

59- أخرجه مسلم في الحج : باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم رقم (1218) ، وباب استحباب الرمل في الطواف والعمرة ، رقم (1263) ، والموطأ 1/364 في الحج : باب الرمل في الطواف ، والترمذي رقم (856) في الحج : باب ما جاء كيف الطواف ، و857 باب ما جاء في الرمل من الحجر إلى الحجر ، والنسائي 5/228 في الحج : باب طواف القدوم واستلام الحجر ، وابن ماجه رقم (2951) في المناسك : باب الرمل حول البيت ، والدارمي في السنن 1/42 كتاب المناسك ، وأحمد في المسند 3/320، 340، 373، 388، 394، 397 ، وابن الجارود في المنتقى رقم (454، 455)، والبيهقي في الكبرى 5/74 .

60- نيل الأوطار للشوكاني 5/117 .

61- الهداية شرح بداية الميتدئ للمرغيناني 1/140 ، المكتبة الإسلامية .

62- بداية المجتهد ونهاية المقتصد محمد بن رشد القرطبي 1/340 .

63- أخرجه البخاري 3/377 في الحج : باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة ، ومسلم رقم (1262) في الحج : باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة ، والموطأ 1/365 في الحج : باب الرمل في الطواف ، وأبو داود رقم (1893) في الحج : باب الدعاء في الطواف ، ورقم (1891) باب في الرمل ، والنسائي 5/229 ، 230 ، في الحج : باب الخبب في الثلاثة من السبع ، وباب الرمل في الحج والعمرة ، وابن ماجه 2/986 في المناسك : باب الركعتين بعد الطواف رقم (2959) ، وأخرجه  الدارمي في السنن 1/42 كتاب المناسك : باب من رمل ثلاثا ومشى أربعا ، وأحمد في المسند 2/30 .

64- العبادات الإسلامية ص189 د. بدران أبو العينين بدران .

65- كتاب متن الإيضاح في المناسك ص68 .

66- المصدر السابق ص73 .

67- متن الإيضاح ص74 .

68- المغني لابن قدامة والشرح الكبير للمقدسي 3/384 ـ 385 .

69- البخاري 3/369 في الحج : باب ما ذكر في الحجر الأسود ، وباب الرمل في الحج والعمرة ، وباب تقبيل الحجر ، وأخرجه مسلم رقم (1270) في الحج : باب استحباب تقبيل الحجر الأسود ، والموطأ 1/367 في الحج : باب تقبيل الركن الأسود في الإستلام ، والترمذي رقم (860) في الحج : باب ما جاء في تقبيل الحجر ، وأبو داود رقم (1873) في المناسك : باب تقبيل الحجر ، والنسائي 5/227 في الحج : باب تقبيل الحجر ، وابن ماجه رقم (2943) في المناسك : باب استلام الحجر ، والدارمي 1/52، 53 في المناسك : باب في تقبيل الحجر الأسود ، وأحمد في المسند 1/21، 26، 34، 35، 39، 46، 51، 53، 54، وابن الجارود في المنتقى رقم (452)، والبيهقي في السنن الكبرى 5/74 ، وفي الباب من حديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله ابن سرجس .

70- السنن الكبرى 5/75 .

71- أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب الحج ، باب تقبيل الحجر ، ومسلم في الحج : باب استحباب استلام الركنين اليمانيين ، والبيهقي في الكبرى 5/75 .

72- البخاري 3/378 في الحج : باب استلام الركن بالمحجن ، وباب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه ، وباب التكبير عند الركن ، وباب المريض يطوف راكبا ، وفي الطلاق : باب الإشارة في الطلاق ولأمور ، واخرجه مسلم رقم (1272) في الحج : باب باب جواز الطواف على بعيرغيره واستلام الحجر بالمحجن ، وأبو داود رقم (1877) في المناسك : باب الطواف بالواجب ، والنسائي 5/233 في الحج : باب استلام الركن بالمحجن ، والترمذي رقم (865) في الحج : باب ما جاء في الطواف راكبا ، وابن ماجه رقم (2948) في المناسك : باب من استلم الركن بمحجن ، وأحمد في المسند 1/214، 237، 248، 304 ، وابن الجارود في المنتقى رقم (463).

73- أخرجه ابن ماجه في سننه : كتاب المناسك ، باب من استلم الركن بمحجنه 2/983 رقم (2949) وابن الجارود في المنتقى رقم (464) .

74و 75- نيل الأوطار للشوكاني 5/115 .

76- مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والمعتقدات لابن حزم ص51 .

77- رواه الجماعة إلا الترمذي لكن له معناه من رواية ابن عباس .

78- نيل الأوطار للشوكاني 5/116 .

79- أخبار مكة للأزرقي ص336 .  

80- المصدر السابق ص332 .

81- بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1/340ـ 341 ، بتصرف .

82- الهداية للمرغيناني 1/140 .

83- مغني المحتاج إلى معرفة معاني الألفاظ المنهاج ـ الشربيني 1/487 .

84- المصدر السابق ص488ـ489 .

85- الحاوي الكبير للمارودي 5/178 .

86- كتاب متن الإيضاح في المناسك ص68 .

87- الحاوي الكبير 5/178 بتصرف .

88- الأثر عن عمر أخرجه البيهقي 5/81 ، وعبد الرزاق ص8907 .

89- أخرجه الإمام الشافعي في مسنده (2/43 ـ بدائع المنن ) من حديث عبد الرحمن بن عوف . وأحمد في المسند رقم (190) عن عمر نفسه . وفي إسناده رجل مجهول . وأخرجه البيهقي في الكبرى 5/80 .

90- أخبار مكة للأزرقي ص334 .

91- أخرجه البيهقي 5/81 ، وفي الأم للشافعي 2/172 .

92- الحاوي الكبير للماوردي 5/178 .

93-   أخرجه مالك في الموطأ 1/366 في الحج : باب الاستلام في الطواف، ومن طريقه الطبراني في الكبير 1/127 رقم (257) . وأخرجه البيهقي في الكبرى 5/80 . وهو مرسل فإن عروة بن الزبير لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الزرقاني في شرح الموطأ : وقد أخرجه ابن عبد البر موصولا من طريق سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عوف . وأخرجه البرتي في مسند عبد الرحمن بن عوف (31، 32) ومن طريقه الحاكم في المستدرك 3/306 .

94- البيهقي في الكبرى 5/80

95- المغني ـ لابن قدامة المقدسي 3/384 .

96- أخرجه البخاري 3/379 في الحج : باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين ، وباب الرمل في الحج والعمرة ، وباب تقبيل الحجر الأسود ، ومسلم رقم (1267) في الحج : باب استحباب استلام الركنين اليمانيين ، وأبو داود رقم (1874) في المناسك : باب تقبيل الحجر ، والنسائي 5/231، 232 ، في الحج : باب استلام الركنين في كل طواف ، والبيهقي في الكبرى 5/75 .

97- أخرجه مسلم رقم(1269) في الحج : باب استلام الركنين اليمانيين .

98- فتح العلام 4/278 .

99- الشفا ـ للقاضي عياض 1/307 .

<< السابق    (1 ) ، ( 2 ) ، ( 3 )    التالي >>