ثورة الزنج

الفصل الرابع عشر

ثورة يوليو 1952

 

الضباط الأحرار

****

" كنا نقول : نحن الشبح الذي يؤرق به الطاغية أحلام الشعب , وقد آن لهذا الشبح أن يتحول إلى الطاغية فيبدد أحلامه هو ... "

                                                                   جمال عبد الناصر

                                                                        فلسفة الثورة

 

مما لا شك فيه أن ثورة الضباط الأحرار في مصر تركت بَصماتها , ولا تزال على الأمة العربية وعلى القارة الأفريقية , لم يسجل التاريخ العربي الحديث بطلا قوميا وطنيا يقف في وجه الإمبريالية  مثل : جمال عبد الناصر.

رغم الفشل العسكري الذي مر به عام 1967 ظل حتى بعد مماته قدوة للكثيرين , ويفتقده بعضهم في ذروة الأزمات والخنوع العربي للبيت الأبيض , والتشرذم العربي المحزن .

 

أسباب الثورة

***

1)  استغلال الطبقة البرجوازية والإقطاعية للفلاحين, وخاصة أن جمال عبد الناصر ينتسب إلى قرية بني مر, إحدى قرى الصعيد المصري(211).

2) الاستهتار الإنجليزي بالشعب المصري , وحتى بالملك فاروق وخاصة عندما قام السير " مايلز لا مبسون " بمحاصرة القصر وإذلال الملك في 4 فبراير 1942 .(212)

3) التبذير والفسق الذي غرق به الملك فاروق وحاشيته في القصر .

4) حرب فلسطين والحصار في الفالوجة , أثار سخط الجيش والشعب .

5) الاستهتار بمطالب الجنود المصريين مثل حل مجلس إدارة نادي ضباط  الجيش فقد شعر جمال عبد الناصر إهانة وبمس بكرامتهم وكرامة الشعب.

6) التكاتف بين فئات الشعب المصري ومن ضمنهم حركة الأخوان المسلمين والتي جندت عددا كبيرا من الشباب للدفاع عن فلسطين , كان للجيش المصري 12 كتيبة مشاة في فلسطين عام 1948 وكان لحسن البنّا 3 كتائب مشاة تقاتل مع الجيش المصري , ولكن رئيس الوزراء وبإيحاء من الملك فاروق الذي لوح له الإنجليز بخطورة الإخوان المسلمين (213) فقام بحل حركة الإخوان المسلمين وبعدها تم اغتيال الإمام حسن البنّا 12-2- 1949  - مما زاد من سخط حركة الإخوان والشعب المصري . ويشار إلى أن عبد الناصر نفسه قام بتدريب مجموعة من شباب الإخوان على استعمال الأسلحة .(214) وعندما نفذت الثورة 22-23 يوليو 1952 بواسطة 99 ضابطا من ضباط الجيش معظمهم من الإخوان (215) .

7) رغبة المصريين بالحصول على الاستقلال الحقيقي والتنصل من      

    التبعية والهيمنة الأمريكية – البريطانية .

8) اقتصار السياسات البرلمانية على نخبة صغيرة من الشعب (216) .

9) رفض بريطانيا الانسحاب من قناة السويس .

1)     القضاء على الفساد الداخلي كما وضح قادة الثورة للسفارة البريطانية في القاهرة (217) .

 

نتائج الثورة

***

1)     سيطرة الضباط وكانوا حوالي الألف على مرافق الدولة الحيوية .

2)     ملاحقة الحزب الشيوعي والزج بأعضائه في غياهب السجون .

3)     إلغاء الملكية والقضاء على أُسرة محمد علي باشا .

4)  فك الشراكة مع الإخوان المسلمين الذين رأى بهم جمال عبد الناصر خطراً على مجلس الثورة ولا سيما أنهم يملكون تنظيما دقيقا مبني بشكل هرمي ويملكون السلاح والإرادة , فقد ذاقوا أبشع صنوف العذاب ... والتجويع ...والاعتقال وتهديد الأهل , استعمال أساليب البطش والضغط على الأُسر والزوجات ليطلبن الطلاق من أزواجهن المسجونين . (218)

5)     تشجيع حركات التحرر الوطنية في العالم العربي .

6)  إقصاء محمد نجيب عن الحكم عام 1954 بسبب الخلاف مع عبد الناصر وكان عبد الناصر هو الحاسم والآمر في مصر .

7)  توزيع الأراضي على الفلاحين الصغار ومصادرة أراضي الملاكين الكبار الذين ازدادوا غنىً على أكتاف الشعب المصري .

8)  تأميم قناة السويس , مما أدى إلى حرب السويس 1956 العدوان الثلاثي على مصر ( إسرائيل – فرنسا – بريطانيا ) رغم نجاح الدول عسكرياً إلا أنهم فشلوا سياسياً , حيث أدانت كل من روسيا والولايات المتحدة الهجوم وكانت الأزمة نصرا لعبد الناصر وسياسته مما رفع من مكانته في العالم الثالث .(219)

9)  إنشاء سد السويس لتأمين حاجة مصر من المياه وإيقاف الفيضانات المدمرة , إقامة محطات لتوليد الطاقة , تطوير طرق المواصلات النهرية , استغلال بحيرة ناصر , كمصدر للثروة السمكية وجذب للسياح مما ينعش خزينة الدولة(220), وقد قارن المصريون إنجازه في عهد عبد الناصر كأهرامات مصر بالرغم من بعض السلبيات التي رافقت إنجازه .

10)    حاول عبد الناصر تطبيق الوحدة مع سوريا 1958- 1961 لكن الفكرة فشلت .

11)    قاد عبد الناصر سياسة عدائية تجاه إسرائيل .

12)  هزيمة حزيران 5. 6 . 1967 , اعتقد عبد الناصر بأن بإمكانه الانتصار عسكريا على إسرائيل لكن المفاجأة أن سوريا ومصر والأردن تحطمت جيوشهم أمام جيش الدفاع الإسرائيلي فخسرت مصر شبه جزيرة سيناء , والأردن للضفة الغربية , وسوريا للجولان .

وكانت لهذه الحرب تداعيات كبيرة لا تزال تثقل كاهل الشعوب  العربية, ولا تزال إسرائيل تحتل الضفة الغربية والجولان السوري , ولم تنجح الدول العربية باسترداد  هذه  المناطق لا سياسياً ولا دبلوماسياً ولا عسكرياً وقد   قدم عبد الناصر استقالته ولكن المظاهرات الشعبية أدت إلى سحبه للاستقالة (221).

كتب محمد حسنين هيكل:- " إن التاريخ سوف ينصف جمال عبد الناصر حتى في هزيمة سنة 1967 .. ابسط ما سوف يقال عنه ! أنه رجل تحمل المسؤولية بشجاعة , وتقبل الحساب عنها في كبرياء .    

ومَثل كرامة وإرادة أمة بأسرها في يوم من أحلك أيامها وكان وسط الظلام والعواصف والمؤامرات الدولية " .(222)

13)    ظهر جمال عبد الناصر كصاحب رغبة عامة في النفوذ , وتقديس لشخصه (223) .

14)  حاول عبد الناصر إن يزعم المثلث العربي والإسلامي والإفريقي كتب في كتابه فلسفة الثورة :- " أيمكن إن نتجاهل أن هناك دائرة عربية -, وأن هذه الدائرة منا ونحن منها , امتزج تاريخنا بتاريخها وارتبطت مصالحنا بمصالحها ... أيمكن أن نتجاهل أن هناك قارة افريقية شاء لنا القدر أن نكون فيها ... أيمكن أن نتجاهل أن هناك عالما إسلاميا تجمعنا وإياه روابط لا تقر لها العقيدة الدينية فحسب , وإنما تشهدها حقائق التاريخ"(224) .

15)  عام 1953 شرعت إذاعة القاهرة ببث برامج تحت اسم " صوت العرب " بغرض إعلاء شأن عبد الناصر ومحاربة وفضح وكلاء الاستعمار أمثال ( الملك حسين , كميل الشمعون , ونوري السعيد ) وكانت تحث على اغتيال بعض الزعماء المشبوه بهم , وقد لاقت هذه المحطة رواجا كبير عند العرب والمسلمين , وأثارت انتباه المخابرات الأمريكية والبريطانية , التي فكرت في نسف الإذاعة أو إقامة إذاعة منافسة , ودرست تأثيرها على المثقفين العرب ( ومثلا حاول الإنجليز قصف الإذاعة عام 1956 لكنهم ضلوا الهدف )(225).

16)  نجح عبد الناصر سياسيا ودبلوماسيا أن يكون هدفا  في الحرب     الباردة,ولاعبا مركزيًا في الحلبة الدولية المعسكر الشيوعي والولايات المتحدة يتسابقان على طلب وده, فقد  وصلت مساعدات الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة 1958- 1962  2,3 مليار  دولار أمريكي (226)  في تدخل في ألازمة اللبنانية 1952- 1957 , واليمن أرسل 15 ألف جندي لدعم الانقلاب الجديد . 

*موت جمال عبد الناصر كان كالصاعقة على قلوب ملايين المصريين والعرب , 28 سبتمبر 1970 , وشاءت الأقدار أن يقرأ بيان وفاته أنور السادات الذي قرأ بيان الثورة :" لقد تعرض البطل الذي سيبقى ذكره خالداً إلى الأبد في وجدان الأمة والإنسانية – لنوبة قلبية حادة ... إن جمال عبد الناصر كان أكبر من كل الكلمات , وكان مجاهدا عن الحرية مناضلاً من أجل الحق والعدل, مقاتلاً من أجل الشرف إلى آخر لحظة من عمره "(227).  

17)  قام العديد من الشعراء والمفكرين بتناول الثورة وشخصية عبد الناصر بين المؤيد والمعارض , أما الشاعر السوري الكبير نزار قباني فخصص له إحدى المجموعات الشعرية بعنوان " لا " وفي قصيدة جمال عبد الناصر (228) -

        قتلناك .. يا آخر الأنبياء

        قتلناك ..

        ليس جديداً علينا

        اغتيال الصحابة والأولياء

        فكم من رسول قتلنا ..

        وكم من إمام ..

        ذبحناه وهو يصلي صلاة العشاء

        فتاريخنا كله محنة

        وأيامنا كلها كربلاء ..

        ***

        قتلناك ..

        يا جبل الكبرياء

        وآخر قنديل زيت ..

        يضيء لنا ليالي الشتاء

        وآخر سيف من القادسية

        قتلناك بكلتا يدينا

        وقلنا المنية ..

        لماذا قبلت المجيء إلينا ؟

        فمثلك كان كثيراً علينا ..

        سقيناك سم العروبة حتى شبعت ..

        رميناك في نار عمانَ .. حتى احترقت

        أريناك غدر العروبة حتى كفرت

        لماذا ظهرت بأرض النفاق ..

        لماذا ظهرت ؟

        فنحن شعوب من الجاهلية

        ونحن التقلب ..

        نحن التذبذب ..

        والباطنية ..

        نُبايع أربابنا في الصباح

        ونأكلهم حين تأتي العشية ..

        ***

        قتلناك ..

        يا حبنا وهوانا ..

        وكنت الصديق , وكنت الصدوق ,

        وكنت أبانا ..

        وحين غسلنا يدينا .. اكتشفنا

        بأنا قتلنا منانا ..

        وأن دماءك فوق الوسادة ..

        كانت دمانا

        نفضت غبار الدراويش عنا ..

        أعدت إلينا صبانا ..

 


(211) - بثينة عبد الرحمن الشكريتي , جمال عبد الناصر , ص 63 .

(212) - محمد حسنين هيكل , سقوط نظام , ص 92 .

(213) - حسين محمدي احمد حمودة , أسرار حركة الإخوان والضباط الأحرار , ص 68 .

(214) - ن.م , ص 73 .

(215) - ن.م. , ص 152 .

(216) - دانييل د. بروار, العالم في القرن العشرين , ص 381 .

(217) - بثينة عبد الرحمن التكريتي , جمال عبد الناصر , ص 157 .

(218) - محمد حامد أبو نصر , الإخوان المسلمين وعبد الناصر , ص 161

(219) - دانييل . ر. براوند – العالم في القرن العشرين , ص 391 .

(220) - ارنون سوفيير , تحولات في جغرافيا الشرق الأوسط , ص 68 .

(221) - بثينة عبد الرحمن التكريتي , جمال عبد الناصر , ص 306 .

(222) - محمد حسنين هيكل , لمصر لا لعبد الناصر , ص 150 .

(223) - صلاح شادي , صفحات من التاريخ , ص 320 .

(224) - جمال عبد الناصر , فلسفة الثورة , ص 40 .

(225) - مايلز كويلاند , لعبة الأمم , ص 260- 282 .

(226) - ن.م , ص 278 .

(227) - مصطفى بكري , يوم الوداع , ص 24 .

(228) - نزار قباني , لا , ص 11- 16 .


رجوع