|
الفصل الثاني:هدي النبي صلى الله عليه وسلم في
التعليم لماذا هدي النبي
صلى الله عليه وسلم ؟ ترتفع الرؤوس كثيراً اليوم، ويتطلع
منظرو التربية في العالم الإسلامي إلى فلاسفة التربية الغربية ورموزها؛
فهم الذين نظَّروا لهذا العلم ورسموا خطوطه العريضة، والمؤلف الناضج
والكاتب الرصين هو الذي يدبج مقاله بالنقل عن علماء الغرب وأساتذته،
والتربية عند هؤلاء علم حديث النشأة إنما بدأ مع العصر الحديث: عصر
النهضة والتقدم العلمي. ونحن إذ لا ننكر ما بذله علماء الغرب من
جهود في هذا العلم وغيره، ولا نغلو فندعو المسلم إلى هجر ورفض جميع ما
عند أولئك - نحن إذ لا نقف هذا الموقف- فلسنا بحال مع من يدعو الأمة
إلى أن تختزل تاريخها، وتطوي صفحاته، فتغضَّ الطرف جهلاً أو تجاهلاً،
وتهيل الركام على تراثها الحق. لقد بعث الله نبيه صلى الله عليه
وسلم في أمة سيطر عليها الجهل، واستولت عليها الخرافة، فصنع بإذن الله
منها أمة حاملة للهداية للبشرية أجمع، أمة حاملة منهج العلم، ومنهج
التعليم والتفقه. لقد وصف الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله
عليه وسلم بأنه معلم فقال [هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو
عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال
مبين] (الجمعة: 2). وامتن على المؤمنين بذلك [ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ
بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب
والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين] (آل عمران: 164). وقال : [كما أرسلنا
فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما
لم تكونوا تعلمون] (البقرة
:151). وما أجمل ذلك الوصف، وأبر هذا القسم
الذي صدر من معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه" فبأبي هو وأمي، ما
رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه" (رواه مسلم ( 537 ).). بل وهل يظن مسلم أن يوجد أسمى وأعلى، وأشرف منه صلى الله
عليه وسلم معلماً ومربياً، بل وهل يظن ظان أن سيرد مشرب التعليم
والتربية من غير حوضه، أو يدخل إلى ساحة البناء دون بابه. فما
أحوجنا معاشر المعلمين والمربين إلى التماس هديه صلى الله عليه وسلم في
التعليم، والتأسي بسنته، وهل ثمة رمز نتطلع إليه، وموجه نتلقى منه
غيره؟ ومن ثَمَّ كانت هذه المحاولات لتلمس بعض معالم هديه صلى الله
عليه وسلم في التعليم. أولاً :إيجاد الدافع
للتعلم: لا شك أن للترغيب في العلم دوراً كبيراً في إيجاد
الحماسة لدى طالب العلم للتعلم؛ إذ هو مهما علت حماسته وارتفعت عزيمته،
لايخلو من أن تعصف به رياح الكسل، ويصيبه العجز والفتور، ومن ثم كان
لابد من تعاهد هذه النبتة بالرعاية، وهو أمر لا يمكن أن يغفل عنه معلم
البشرية صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يسلك مبدأ إثارة
الدافع لدى المتعلم من خلال: أ - بيان فضل
العلم وطلبه: فيقول صلى الله عليه وسلم :"من سلك طريقاً يبتغي
فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها
رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض
حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر
الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا
درهماً؛ إنما ورثوا العلم؛ فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر"(رواه الترمذي (2682) وأبو داود (3641) وأحمد
(21208) وابن ماجه (223).). وحين جاء ثلاثة
نفر وهو جالسٌ مع أصحابه، فجلس أحدهم خلف الحلقة، والآخر رأى فرجة فجلس
فيها، وأما الثالث فأعرض.قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك:"أما أحدهم
فأوى إلى الله فآواه، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر
فأعرض فأعرض الله عنه"(رواه البخاري
(66) ومسلم (2176).). ب -
إشعار المتعلم بحاجته إلى العلم: فحين جاء المسيء صلاته وصلى قال له النبي
صلى الله عليه وسلم :"ارجع فصلِّ فإنك لم تصل". فأعاده صلى الله عليه
وسلم مراراً حتى أحسَّ - رضي الله عنه - بالحاجة للتعلم فقال:"والذي
بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني"(
رواه البخاري (757) ومسلم (397) ). وفرق بين
أن يعلمه صلى الله عليه وسلم ابتداءً، وبين أن يشعر هو بحاجته للعلم
فيأتي سائلاً باحثاً عنه. ثانياً: جمعه بين
التعليم والتربية: فقد وصفه الله سبحانه وتعالى بذلك فقال:
[هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم
الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ] (الجمعة : 2). فمن وظائفه
صلى الله عليه وسلم تعليم العلم، والتزكية، وتلاوة الكتاب على أصحابه.
ولذا لم يكن صلى الله عليه وسلم يخرج أقواماً يحفظون المسائل فقط، بل
ربَّى أصحابه تربية علمية، وتربية جهادية، وقيادية، وإدارية، وقبل ذلك
كله تربية إيمانية، فهذا حنظلة- رضي الله عنه - يحكي عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه كان يشهد معه مجالس التذكير والعلم، فكأنه يرى الجنة
والنار(رواه مسلم
(2750).) فهي إذاً مجالس مع ما فيها من التحصيل
المعرفي تنقل المسلم بمشاعره إلى الدار الآخرة، وما يلبث أن يظهر ذلك
على سلوكه وهديه. ثالثاً:عنايته بتعليم المنهج
العلمي: ففي تربيته العلمية لأصحابه لم يكن صلى الله عليه
وسلم يقتصر على تعليم أصحابه مسائل علمية فقط، بل ربَّى علماء
ومجتهدين، وحملة العلم للبشرية. ولقد ظهرت أثار هذه التربية على صحابته
بعد وفاته في مواقفهم من حادثة الردة، وجمع القرآن، وشرب الخمر، واتخاذ
السجون، والخراج، وغير ذلك من المسائل التي اجتهد فيها صحابته رضوان
الله عليهم، فلم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام النوازل التي واجهتهم،
واستطاعوا أن يتوصلوا فيها للحكم الشرعي، ولقد واجه أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم دولة ممتدة الأطراف، متنامية النواحي، وتعاملوا مع
أصناف أخرى من الشعوب، وأنماط جديدة من المعيشة والسلوك، واستطاعوا أن
يستوعبوا ذلك كله. كل ذلك كان نتاج التربية العلمية التي ربَّاهم عليها
صلى الله عليه وسلم. ومن معالم تعليمه المنهج العلمي: 1 - كان يعودهم على معرفة العلة ومناط الحكم:
فلما سئل عن شراء التمر بالرطب، قال:"أينقص الرطب إذا يبس؟"
قالوا:نعم فنهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك (رواه أبو داود (3359) والنسائي (4545) والترمذي (1225) وابن
ماجه (2264).)، وقد كان معلوماً له صلى الله عليه
وسلم ولغيره أن الرطب ينقص إذا يبس، لكنه أراد تعليمهم مناط الحكم
وعلته. وحين نهاهم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها قال لهم : "أرأيت
إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟"(رواه البخاري (2198) ومسلم
(1555).). وحين قال صلى الله عليه وسلم :"وفي
بضع أحدكم صدقة" قالوا له: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال:
:"أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في
الحلال كان له أجراً"(رواه مسلم (
1006 ).). ففي هذه النصوص علَّم صلى الله عليه
وسلم أصحابه علةَ الحكم ومناطه، ولم يقتصر على الحكم وحده. 2 - كان يعودهم على منهج السؤال وأدبه: ففي
موضع يقول:"إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرِّم من
أجل مسألته" (رواه البخاري ( 7289 )
ومسلم ( 2358 ).) . وفي آخر يقول:" إن الله
كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"(رواه البخاري (1477) ومسلم (1715).). فهاهنا يذم السؤال. لكنه في موضع آخر يأمر بالسؤال، أو
يثني عليه فيقول:"ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال"
(رواه أحمد (3048) وأبو داود (336)
وابن ماجه ( 572 ) .). ويقول:"لقد ظننت يا أبا
هريرة أن لايسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على
الحديث"(رواه البخاري ( 99
).). ولا يمكن أن يخلو متعلم من السؤال
والحاجة إليه، ومن هنا كان عليه أن يتعلم متى يسأل؟ وعم يسأل؟ ومن
يسأل؟ وكيف يسأل؟ وهو منهج سعى صلى الله عليه وسلم لتأكيده، وتعليمه
لأصحابه. 3- كان في إجابته لا يقتصر على موضع
السؤال بل يجيب بقاعدة عامة: سئل: إنا نركب البحر ونحمل
معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فلم
يقتصر صلى الله عليه وسلم في إجابته على قوله نعم، وإلا كان الحكم
قاصراً على الحالة موضع السؤال وحدها. إنما أعطاه حكم ماء البحر وزاده
فائدةً أخرى يحتاج إليها حين قال:" هو الطهور ماؤه الحل ميتته"
(رواه أبو داود ( 83 ) والترمذي (
69 ) والنسائي ( 332 ) وأحمد (7192) وابن ماجه (386)وصححه). ويعنى هذا أن ماء البحر له سائر أحكام الماء الطهور، وليس فقط
يجوز الوضوء به في هذه الحالة. وسئل صلى الله عليه وسلم: ما يلبس
المحرم من الثياب؟ فقال:"لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات
ولا البرنس، ولا ثوبا مسه زعفران ولا ورس…"(رواه البخاري (1842) ومسلم (1177).). فلم
يعدد له ما يجوز للمحرم لبسه؛ إنما أعطاه قاعدة عامة فيما لا يحل
للمحرم لبسه؛ ليعلم أن ما سواه غير محظور. 4 -
تربيته لأصحابه على منهج التلقي: عن العرباض بن سارية- رضي
الله عنه - قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل
علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب، قلنا
أو قالوا: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فأوصنا، قال:"أوصيكم بتقوى
الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً؛ فإنه من يعش منكم يرى بعدي
اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا
عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وإن كل
بدعة ضلالة"(واه أحمد
(16694)الترمذي ( 2157 ) وأبو داود ( 4607 )وابن ماجه (42 ). )
. وقال في وصف الطائفة الناجية:"من كانوا على
مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي". فهو هنا يسن لهم الطريق، ويرسم
لهم المحجة. وحين يرى خللاً في هذا المنهج، أو اعوجاجاً فإنه يأخذ بيد
صاحبه، فحين رأى مع عمر صحيفة من التوراة غضب، ونهاه عن ذلك،
وقال:"أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها
بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل
فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حياً
ما وسعه إلا أن يتبعني"(رواه أحمد (
3/387 ) والدارمي ( 1/115 ).) . إن المعلم
الحق هو الذي يعطي المتعلم الأداة التي يصل من خلالها إلى النتيجة
بنفسه، لا الذي يعوده في كل موطن أن يملي عليه موقفاً محدداً.
5 - تربيتهم على منهج التعامل مع
النصوص: إن التعامل مع المصادر الشرعية دون سواها، ليس
نهاية الطريق، إنما هو مرحلة مهمة وأساسة، ويبقى بعد ذلك كيفية التعامل
مع هذه المصادر، وهو ما سلكه صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه
وتربيتهم. خرج صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتكلمون في
القدر، وكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب قال: فقال لهم:"ما لكم
تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم" ( رواه أحمد ( 2/196 ) وابن ماجه ( 85 ) وقال في
الزوائد :( هذا إسناد صحيح ). وصححه أحمد شاكر .)
. ولقد ضل فئام من المبتدعة، حين تنكبوا هذا المنهج، وانحرفوا عن
هذا الهدي، فما أحوج المعلمين إلى تسنم ذرى هذا المنهج، فيربون طلابهم
على تعظيم النص، وإجلال كلام الله ورسوله، والوقوف عند نصوص الوحيين،
والبعد عن التلاعب بالنصوص وضرب بعضها ببعض. فالجدير بنا معشر
المدرسين أن نعلِّم طلابنا أن هناك أطراً للبحث لا تتعداها؛ فالمسائل
الشريعة التي ثبتت بالنص لا مجال للمناقشة فيها، أو جعل الدين في معامل
الاختبار الفعلية. 6 - تعويدهم على
الاستنباط: سأل صلى الله عليه وسلم أصحابه يوماً، فقال:"إن
من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟" فوقع
الناس في شجر البوادي، قال عبد الله - يعني ابن عمر-: ووقع في نفسي
أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال:"هي
النخلة"( رواه البخاري (61) ومسلم
(2811) ). وجاء رجل ذات يوم فقال: رأيت الليلة
في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها فالمستكثر
والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم
أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر
فانقطع ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت والله لتدعني
فأعبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:اعبرها. قال: أما الظلة
فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف،
فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض
فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك
فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به،
ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرْني يا رسول الله - بأبي أنت - أصبتُ أم
أخطأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم :"أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً"
قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت، قال:"لا تقسم"
( رواه البخاري (7046) ومسلم (2269)
وانظر النظرية التربوية في طرق تدريس الحديث النبوي ليوسف)
. وما أحوج الأمة في هذه المرحلة إلى التربي
على المنهج العلمي، وعدم الوقوف عند حفظ المسائل المجردة، أو الجمود
على المتون والمختصرات والحواشي. 7 - تعويدهم
على المناقشة والمراجعة: وتروي لنا هذا المنهج عنه صلى الله
عليه وسلم أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها- فقد كانت لا تسمع شيئاً
لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم
قال:"من حوسب عذب" قالت عائشة: فقلت: أوليس يقول الله تعالى : [فسوف
يحاسب حساباً يسيرا] ؟ قالت : فقال:"إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش
الحساب يهلك"( رواه البخاري (103 )
ومسلم (2876).وانظر أساسيات في طرق التدريس العامة . لمحب الدين أبو
صالح) . والقضية ليست سلوكاً ذاتياً لعائشة رضي
الله عنها -وإن كان ذاك محل تقدير واحترام - بل هو مما تعلمته واعتادته
من المعلم الأول صلى الله عليه وسلم. وبعد هذه الجولة مع هدي
المعلم الأول في العناية بتعليم المنهج العلمي نشعر أن تساؤلاً يفرض
نفسه، ويقفز إلى أذهاننا: هل نحن نعنى بتعليم طلابنا وتهيئتهم ليكونوا
أهل علم يستنبطون ويبدعون ويبتكرون؟ أم أننا نربيهم على تلقي أقوال
أساتذتهم بالتسليم دون مراجعة وربما دون فهم لمضمون القول؟ هل نرى
أن من أهدافنا في التعليم أن نربي ملكة التفكير والإبداع لدى طلابنا،
وأن نعودهم على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، وعلى الجمع بين ما
يبدو متعارضاً؟ وهل من أهدافنا تربيتهم على تنزيل الأحكام الشرعية
على الوقائع التي يرونها؟ إن المتأمل في واقع التعليم الذي نقدمه
لأبنائنا يلحظ أننا كثيراً ما نستطرد في السرد العلمي المجرد، ونشعر
بارتياح أكثر حين نقدم للطالب كمًّا هائلاً من المعلومات، والطالب هو
الآخر يقيس مدى النجاح والإنجاز بقدر ما يسطره مما يسمعه من أستاذه،
والتقويم والامتحان إنما هو على أساس ما حفظه الطالب من معلومات،
واستطاع استدعاء ذلك وتذكره. وشيء من ذلك حق، لكن توجيه الجهد لهذا
النوع وهذا النمط من التعليم لا يعدو أن يخرج جيلاً يحفظ المسائل
والمعارف - ثم ينساها بعد ذلك - أو يكون ظلاً لأستاذه وشيخه. ولأن
تعلم الجائع صيد السمك خير من أن تعطيه ألف سمكة. وحتى دروس
المساجد وحلق العلم ليست بأحسن حظاًّ، ولا أفضل حالاً. إن هذا
يدعونا لمراجعة هادئة، مراجعة تتضمن أهدافنا وحجمها وأولوياتها، وتتضمن
طرق التعليم والتدريس ووسائله وأساليبه. والاقتداء بالنبي صلى الله
عليه وسلم ليس قاصراً على مسائل الطهارة والذكر والصلاة - وإن كانت من
أولى ما يدخل في ذلك-بل هو معنى أشمل يظلل برواقه جوانب الحياة
المختلفة، فيطبعها بهديه وسنته صلى الله عليه وسلم. رابعاً:تربيته لأصحابه على القيام بواجب التبليغ:
عن أبي هريرة- رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم :"من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة"
( رواه أبو داود (3658) والترمذي
(2649) وابن ماجه (266) وأحمد ( 2/236 ) وصححه أحمد شاكر
.). والأمر لايقف عند طائفة خاصة، أو مستوى معين
من التحصيل، بل يدعو صلى الله عليه وسلم حتى صغار المتعلمين، وأولئك
الذين لم يبلغوا منزلة عالية في التحصيل، يدعوهم إلى المشاركة في تعليم
العلم ونشره قائلاً:" بلغوا عني ولو آية"(رواه البخاري (3461). ) . وهي دعوة
للمشاركة والمساهمة المنضبطة، لا فتحاً للباب لتصدير من تعلم مسألة
واحدة. وقال صلى الله عليه وسلم :"نضر الله امرأً سمع مقالتي
فوعاها، فأداها كما سمعها، فَرُبَّ مبلغ أوعى من سامع" ( سبق تخريجه ) . وقد روى
هذا الحديث أكثر من(16) من أصحابه مما يشعر أنه صلى الله عليه وسلم
قاله في أكثر من مناسبة، أو قاله في أحد المجامع العامة تأكيداً لشأنه.
وانظر إلى أثر هذه التربية في قول أبي ذر - رضي الله عنه - :" لو
وضعتم الصمصامة (السيف) على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ
كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا عليَّ
لأنفذتها"( رواه البخاري تعليقاً
كتاب العلم باب العلم قبل القول والعمل .).
ويتحرج معاذ- رضي الله عنه - فيرى أن من الإخلال بواجب العلم أن
يكتم حديثاً سمعه منه صلى الله عليه وسلم مع أنه نهاه أن يحدث به
الناس"هل تدري ما حق الله على عباده؟… "( رواه البخاري(6500) وموضع الشاهد برقم (128) ومسلم
(32).) فيخبر- رضي الله عنه - به قبل موته تأثماً
. إن هذا كله بعض نتاج ما ورثه ذاك الجيل من المعلم الأول صلى الله
عليه وسلم. خامساً : تشجيع الطالب والثناء
عليه: سأله أبو هريرة- رضي الله عنه - يوماً :من أسعد الناس
بشفاعتك يوم القيامة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" لقد ظننت يا أبا
هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على
الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً
من قلبه أو نفسه" ( رواه البخاري (
99 ) .) . فتخيل معي أخي القارئ موقف أبي هريرة،
وهو يسمع هذا الثناء، وهذه الشهادة من أستاذ الأساتذة، وشيخ المشايخ
صلى الله عليه وسلم ، بحرصه على العلم، بل وتفوقه على كثير من أقرانه،
وتصور كيف يكون أثر هذا الشعور دافعاً لمزيد من الحرص والاجتهاد
والعناية؟!. وحين سأل أبيَ بن كعب فقال:"يا أبا المنذر، أتدري أي
آية من كتاب الله معك أعظم؟" فقال أبي: الله لا إله إلا هو الحي
القيوم. قال له صلى الله عليه وسلم:"والله ليهنك العلم أبا المنذر"
((رواه مسلم ( 810 ).) . إن الأمر قد لا يعدو كلمة ثناء، أو عبارة تشجيع، تنقل
الطالب مواقع ومراتب في سلم الحرص والاجتهاد، والنفس أيًّا كان شأنها
تميل إلى الرغبة في الشعور بالإنجاز، ويدفعها ثناء الناس - المنضبط -
خطوات أكثر. سادساً:العناية بالمتعلم:
كان صلى الله عليه وسلم يحدث فجاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى
رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره
ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال:"أين أراه
السائل عن الساعة؟" قال: ها أنا يا رسول الله، قال:"فإذا ضيعت الأمانة
فانتظر الساعة" قال:كيف إضاعتها؟ قال:"إذا وسِّدَ الأمر إلى غير أهله
فانتظر الساعة" (رواه البخاري ( 59
). ) فرغم أنه صلى الله عليه وسلم لم يقطع حديثه
إلا أنه لم ينس هذا السائل ولم يهمله، وهو أمر يكشف عن تلك النفس
العالية، والخلق السامي من المعلم الأول صلى الله عليه وسلم . وحين
خطب في حجة الوداع قال أبو شاه:اكتبوا لي، قال صلى الله عليه
وسلم:"اكتبوا لأبي شاه" (رواه
البخاري (2434) . ومسلم ( 1355 ). ) . سابعاً: معرفته لقدرات تلامذته وإدراكهم العقلي:
فهو يقول لأبي هريرة- رضي الله عنه - حين سأله عن الشفاعة: "لقد
ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت
من حرصك على الحديث" (رواه البخاري
( 99 ). ) فهو صلى الله عليه وسلم يعلم أن تلميذه
أبا هريرة - رضي الله عنه - من أحرص أصحابه على الحديث، ويظن أن يسبقهم
بالسؤال. ويقول صلى الله عليه وسلم :"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر،
وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام
معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أُبي، ولكل أمة أمين، وأمين
هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح"(
رواه الترمذي (3790) وابن ماجه (154) وأحمد (12493). ) . أفليس هذا مظهراً من مظاهر إدراكه صلى الله عليه وسلم لمدارك
واستعداد أصحابه؟ أفلا يجدر بمن يتأسى بمنهجه، ويقتدي بهديه في
التعليم أن يعنى بالتعرف على قدرات تلامذته، ومدى حرصهم واستعدادهم ؟
إن معرفة المدرس لتلامذته تنعكس على تدريسه وعطائه، فالذي يعرف
تلامذته معرفة دقيقة هو القادر أن يعلمهم ما يحتاجون إليه ويتناسب
معهم، وهو القادر على توجيههم للتخصص المناسب، وعلى الإجابة الدقيقة عن
تساؤلاتهم، وهو القادر أيضاً على العدالة والدقة في تقويمهم وإعطائهم
الدرجات التي يستحقونها. ثامناً:مراعاة الفروق
الفردية: عن أبي رفاعة -رضي الله عنه- قال:انتهيت إلى النبي
صلى الله عليه وسلم وهو يخطب قال: فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء
يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، قال: فأقبل عليَّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديداً،
قال: فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه
الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها(رواه
مسلم (876) ). فالناس معادن، وقدرات وطاقات
متفاوتة، حرصاً، وذكاءً، واستعداداً، وتحصيلاً. والمعلم يتعامل مع
الجميع، ويخاطب الكل، وهنا تكمن مهارته في إقناع الجميع، وتحقيق
التوازن بينهم. والاعتناء بالفروق الفردية أمر لم تبتكره التربية
المعاصرة، بل أشار إليه أسلافنا الأوائل وأدركوه وأوصوا المعلم به، قال
النووي:"وينبغي أن يكون باذلاً وسعه في تفهيمهم، وتقريب الفائدة إلى
أذهانهم، حريصاً على هدايتهم، ويفهم كل واحد بحسب فهمه وحفظه، فلا
يعطيه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عما يحتمله بلامشقة، ويخاطب كل واحدٍ
على قدر درجته، وبحسب فهمه وهمته، فيكتفي بالإشارة لمن يفهمها فهماً
محققاً، ويوضح العبارة لغيره ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار، ويذكر
الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا ينحفظ له الدليل، فإن جهل
دليل بعضها ذكره له"(المجموع شرح
المهذب (1/31). ). وكان السلف ربما خصوا بعض
الطلاب بالتعليم والتحديث دون غيره. قال أبو عاصم:"ربما رأيت سفيان
يجذب الرجل من وسط الحلقة فيحدثه بعشرين حديثاً والناس قعود"، قالوا:
لعله كان ضعيفاً. قال:لا(أخرجه
الرامهرمزي في المحدث الفاصل (785)). تاسعاً: التوجيه للتخصص المناسب: عن زيد بن
ثابت- رضي الله عنه - أن قومه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم :هاهنا
غلامٌ من بني النجار حفظ بضع عشرة سورة، فاستقرأني فقرأت سورة ق،
فقال:" إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا، فتعلم
السريانية" فتعلمها- رضي الله عنه - في سبعة عشر يوماً، وفي رواية :
خمسة عشر(رواه البخاري)
. والأمة أحوج ما تكون إلى طاقات أبنائها
وقدراتهم، فبدلاً من تشتيتها وبعثرتها، أليس من حق الطالب على أستاذه
أن ينصح له ويوجهه لما يناسبه حين يبدع في فن دون غيره، ومن جانب آخر
فالأمة لن تستغني عمن يسد ثغراتها، فالتخطيط السليم، والإعداد المتكامل
يقضي أن توجه طاقات الأمة لسد هذه الثغرات، ومن أين يبدأ التوجيه إن لم
يكن من التعليم؟ والتلميذ قد يسعى لتخصص لايناسبه، أو يوجهه والده
لما غيره أولى منه، فحين يساهم المدرس في توجيهه لما يرى أنه أولى يقدم
خيراً للتلميذ، بل وللمجتمع أجمع. عاشراً:
الجمع بين التعليم الفردي والجماعي: في كثير من النصوص نقرأ
:كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً مع أصحابه، بينما كنا جلوساً مع
النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا نموذج للتعليم الجماعي، وأما التعليم
الفردي فنماذجه كثيرة، قال ابن مسعود - رضي الله عنه - :" علمني رسول
الله صلى الله عليه وسلم وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من
القرآن…"( رواه البخاري (6265)
ومسلم (402) ). ومن ذلك ما ورد عن غير واحد من
أصحابه: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك حديث معاذ -
رضي الله عنه -: بينا أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني
وبينه إلا آخرة الرحل فقال: "يا معاذ" قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم
سار ساعة ثم قال: "يا معاذ" قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة،
ثم قال: "يا معاذ" قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال:"هل تدري ما حق
الله على عباده؟" قلت:الله ورسوله أعلم، قال:"حق الله على عباده أن
يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" ثم سار ساعة ثم قال:"يا معاذ بن جبل" قلت:
لبيك رسول الله وسعديك، فقال:"هل تدري ما حق العباد على الله إذا
فعلوه" قلت: الله ورسوله أعلم، قال:"حق العباد على الله أن لا
يعذبهم"( رواه البخاري (5967) ومسلم
(30) ). الحادي عشر:
العناية بتعليم المرأة: حين صلى العيد صلى الله عليه وسلم
اتجه إلى النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما
- قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فصلى ثم خطب،
ثم أتى النساء فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة( رواه البخاري (975) ومسلم (884) مطولاً. ). بل تجاوز الأمر مجرد استثمار اللقاءات العابرة، فعن أبي
سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قالت النساء للنبي صلى الله عليه
وسلم : غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن
فيه فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن :"ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من
ولدها إلا كان لها حجاباً من النار" فقالت امرأة: واثنتين،
فقال:"واثنتين"( رواه البخاري (101)
ومسلم (2633).) . إن المرأة في المجتمع
الإسلامي تناط بها أدوار ومسؤوليات جسام، وهي لن تستطيع أداء هذه
الأدوار حين لا يعنى بتعليمها ورعايتها. الثاني عشر: التشويق والتنويع في عرض المادة :
فهو أحياناً يطرح المسألة على أصحابه متسائلاً:"أتدرون ما
الغيبة؟"(رواه مسلم
(2589).)."أتدرون ما المفلس؟" ( رواه مسلم ( 2581 ).). "إن من الشجر
شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟" (رواه البخاري
(61) ومسلم (2811). ) . ولاشك أن السؤال
مدعاةٌ للتفكير وتنميته، ومدعاة للاشتياق لمعرفة الجواب مما يكون أرسخ
في الذهن. وأحياناً يغيِّر نبرات صوته، فكان إذا خطب احمرَّت
عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم
ومساكم(رواه مسلم (867)
). وأحياناً يغيِّر جلسته، كما في حديث أكبر
الكبائر: وجلس وكان متكئاً فقال:"ألا وقول الزور" ( رواه البخاري ( 2654 ) ومسلم ( 87 ).
). فنهدي هذه القبسات إلى كل من حبس نفسه في
إطار قوالب جامدة، وأساليب موروثة، فحول الأسلوب هدفاً، والوسيلة غاية.
الثالث عشر: الربط بين المواقف
التعليمية: عن أنس- رضي الله عنه - قال: قدم على النبي صلى
الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت
صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله
عليه وسلم :"أترون هذه طارحة ولدها في النار؟" قلنا: لا، وهي تقدر على
أن لا تطرحه، فقال:"لله أرحم بعباده من هذه بولدها"(رواه البخاري ( 5999) ومسلم ( 2754 ). )
. فلا يستوي أثر المعاني حين تربط بصور
محسوسة، وحين تعرض في صورة مجردة جافة. إن المواقف تستثير مشاعر
جياشة في النفس، فحين يستثمر هذا الموقف يقع التعليم موقعه المناسب،
ويبقى الحدث وما صاحبه من توجيه وتعليم صورة منقوشة في الذاكرة، تستعصي
على النسيان. الرابع عشر:استعمال الوسائل
التعليمية: أ - فهو صلى الله عليه وسلم
يشير تارة كقوله:"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار
بالسبابة والوسطى وفرَّج بينهما شيئاً (رواه البخاري ( 5304 ) .) . وقوله:
"الفتنة من هاهنا" وأشار إلى المشرق ( رواه البخاري (5296) ومسلم ( 2905 ) . ).
ب - وتارة يضرب المثل، أو يفترض قصة كما في
قوله:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا
على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا
استقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا
خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن
أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً" (رواه البخاري (2493) .) . وكما في قوله
صلى الله عليه وسلم:"لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا وبه مهلكة
ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت
راحلته، حتى اشتدَّ عليه الحرُّ والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى
مكاني، فرجع فنام نومة، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده"( رواه البخاري (6308) ومسلم (2744) ).
ج - وتارة يستعمل الرسم للتوضيح
فقد خطَّ خطًّا مربعاً، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجاً منه، وخطَّ خططا
صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال:
"هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج
أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه
هذا نهشه هذا"( رواه البخاري (6417)
). د - وأحيانا يحكي قصة
واقعية من الأمم السابقة، كما في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى
غار فدعوا الله بصالح أعمالهم (رواه البخاري (3465) ومسلم (2743).)، وقصة
الذي قتل تسعة وتسعين إنساناً (رواه
البخاري ( 3470 ) ومسلم ( 2766 ).)، وأمثلتها
كثير. هـ - وأحياناً يربط المعنى المعقول
بالصورة المحسوسة، فينظر مرة إلى القمر ليلة البدر ثم يقول:"إنكم سترون
ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا
على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: [ وسبح
بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب]( رواه البخاري ( 554 ) ومسلم ( 633 ).).
وقال لعلي - رضي الله عنه - :" قل : اللهم اهدني، وسددني، واذكر
بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم"(رواه مسلم (2725).). فاستعماله صلى
الله عليه وسلم لما أتيح في عصره من وسائل، يعني لنا أن من تمام
الاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم أن نستعمل خير ما تفتق عنه العصر من
وسائل وأساليب حديثة في التربية والتعليم، مادامت مباحة. الخامس عشر: تأكيد ما يحتاج للتأكيد: فقد حلف
صلى الله عليه وسلم على مسائل كثيرة تزيد على الثمانين : والله لايؤمن…
والذي نفسي بيده.. وأيم الله.. وغيرها كثير، وكرر بعض العبارات
كقوله:"ألا وقول الزور" فما زال يكررها حتى تمنى أصحابه سكوته إشفاقاً
عليه صلى الله عليه وسلم (سبق
تخريجه .). السادس عشر:
البعد عن مشتتات الفهم: ويدل على هذا المعنى حديث السائل عن
الساعة. ، إذ أعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى لا يشتت فهم أصحابه، ثم
عاد إليه (انظر : أساسيات في طرق
التدريس العامة . لمحب الدين أبو صالح (110) .) .
ومن ثَمَّ فأولئك الذين يتيهون بطلابهم في أودية من التفرعات، والخروج
عن مقصود الدرس، بحاجة إلى مراجعة هديه صلى الله عليه وسلم . ويشير
القرآن الكريم إلى شيء من هذا المعنى، فيقول تعالى في شأن تدبر القرآن
[إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد] (ق: 37) فهو حين يريد أن
يتدبر القرآن التدبر الأمثل لابد أن يفرغ قلبه من الشوارد والصوارف.
وفي صلاة الجمعة ينهى صلى الله عليه وسلم عن الانشغال عن الخطبة،
أو إشغال الآخرين، ولو لإسكات من كان يتحدث "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة
أنصت والإمام يخطب فقد لغوت"(رواه
البخاري (934) ومسلم (851) ). كل هذا دعوة لأن
يتهيأ المسلم للإنصات والاستماع. ولما كانت الصلاة تتطلب حضور
القلب وخشوعه، وتدبر المصلي لما يكون في صلاته من تلاوة وذكر نهى صلى
الله عليه وسلم عن الصلاة بحضرة ما يشغل المصلي، ومن ذلك:الصلاة بحضرة
الطعام، ومدافعة الأخبثين، ووجود ما يشغله في قبلته. السابع عشر:مراعاة نشاط الطلاب واستعدادهم:
ويدل لهذا المعنى ما رواه ابن مسعود- رضي الله عنه - قال: كان
النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة
علينا (رواه البخاري (68) ومسلم
(2821) وانظر المصدر السابق (108) .) . أما
الذين يشعرون أن التعليم يقف عند سرد معلومات جافة، فلا يعنيهم مدى
استعداد الطالب، وتهيئه للتعلم، فأولئك بعيدون كلَّ البعد عن هدي
المعلم الأول صلى الله عليه وسلم . إن المتعلم ليس آلة صماء تستقبل
كل ما يرد إليها، بل هو بشرٌ له قدرات محددة، وغرائز، وصفات بشرية لابد
من مراعاتها. الثامن عشر: مراجعة العلم
والحفظ: فقد أوصى صلى الله عليه وسلم حفاظ القرآن بتعاهده
والعناية به فقال:"تعاهدوا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من
الإبل في عقلها" (رواه البخاري (
5033 ) ومسلم ( 791 ) .) . وكان جبريل يدارسه
القرآن في رمضان (رواه البخاري
(4997) ومسلم (2308).) . هذه بعض المعالم التي
استطعت أن أقبسها من خلال مراجعتي الهادئة لبعض نصوص السنة، وأجزم أن
ما بقي أكثر مما أوردت لكنه جهد المقل، لا أدعي فيه الكمال، ولا أبرئ
نفسي فيه من القصور، والمقررات السابقة، وقد حرصت قدر الإمكان على
الاختصار في التعليق والاستطراد. ويظهر من خلال تلك المعالم أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان المعلم الأول بحق، ويظهر من ذلك أيضاً
عظم الجرم والتقصير في حق تراثنا حين نتجاوزه جهلاًً بقدره، أو
استخفافاً بحقه. وإني أجزم أن ثمة جوانب عدة نستطيع اكتشافها من
خلال مزيد من المراجعة والقراءة المتأنية لسيرته وسنته صلى الله عليه
وسلم .
|