1- مقدمة :
فلا شك أن
الغش ظاهرة خطيرة و سلوك مشين. و الغش له صور متعددة ، و
أشكالا متنوعة ، ابتداء من غش الحاكم لرعيته ، و مرورا بغش الأب
لأهل بيته ، و انتهاء بغش الخادم في عمله . و حديثي سوف يكون
فقط عن الغش في الامتحانات ، و الذي أصبح يشكو كثير من المدرسين
و التربويين من انتشاره و فشوه . و هذا حق، فان ظاهرة الغش
بدأت تأخذ في الانتشار، ليس على مستوى المراحل الابتدائية فحسب ،
بل تجاوزتها إلى الثانوية و الجامعة . فكم من طالب قدم بحثا
ليس له فيه إلا أن اسمه على غلافه . و كم من طالب قدم مشروعا
و لا يعرف عما فيه شيئا . و بل و قد تعجب من انتكاس الفطر
عند بعض الطلاب ، فيرمي من لم يغش بأنه مقعد و متخلف و جامد الخ
.. تلك الألقاب . و لربما تمادى أحدهم فاتهم الطالب الذي لا
يساعده على الغش بأنه لا يعرف معنى الأخوة و لا التعاون . هذه الظاهرة التي أنتجها الفصام النكد الذي يعيشه كثير منا
في مجالات شتى . نعم لما عاش كثير من طلابنا فصاما نكدا بين
العلم و العمل ، ترى كثيرا منهم يحاول أن يغش في الامتحانات ، و
هو قد قرأ حديث الرسول صلى الله عليه و سلم : ( من غش فليس منا )
، بل ربما أنه يقرأه على ورقة الأسئلة ، و لكن ذلك لا يحرك فيه
ساكنا . لأنه قد استقر في ذهنه أنه لا علاقة بين العلم الذي
يتعلمه و بين العمل الذي يجب أن يأتي به بعد هذا العلم . و
لا أبالغ إن قلت : إن ظاهرة الغش قد تسربت حتى عند بعض المدرسين و المراقبين .
2- أسباب الغش :
هذه بعض الأسباب التي تنتج هذا الخلق المشين :
1- ضعف الإيمان :
فان القلوب
إذا ملئت بالإيمان بالله لا يمكن أن تقدم على الغش و هي تعلم أن
ذلك يسخط الله .
لا يمكن للقلوب التي امتلأت بحب الله أن
تقدم على عمل و هي تعلم أنه يغضب الله .
2- ضعف التربية :
خاصة من قبل الوالدين
أو غيرهما من المدرسين أو المرشدين . فلا نرى أبا يجلس مع
ابنه لينصحه و يذكره بحرمة الغش ، و يبين له أثاره و عواقبه ، بل
تعجب من بعض الإباء إذا قلت له ذلك أجابك مباشرة : لماذا ، هل
ابني غشاش ؟
بل ربما لو وقع الابن في يد المراقب ، لجاء ذلك
الأب يدافع عنه بالباطل .
3- تزين
الشيطان :
فالشيطان يزين لكثير من الطلاب أن الأسئلة
سوف تكون صعبة ، و لا سبيل إلى حلها و النجاح في الامتحانات إلا
بالبرشام و الغش . فيصرف الأوقات الطويلة في كتابة البراشيم
، و اختراع الحيل و الطرق للغش ؛ ما لو بذل عشر هذا الوقت في
المذاكرة بتركيز لكان من الناجحين الأوائل .
4- الكسل و ضعف الشخصية :
فترى كثير من
الطلاب يرى زملائه من بداية العام و هم يجدون و يذاكرون و يهيئون
أنفسهم للامتحان الأخير ، و هو لا هم له إلا اللعب و المرح . فإذا ما جاءت الامتحانات النهائية تراه يطلب المساعدة ، و
يطلب النجاح و لو كان على ظهور الآخرين و لو كان ذلك بالغش . إن الغش هو حيلة الكسول ، و هو طريق الفاشلين . وهو دليل
على ضعف الشخصية حيث أن الذي يغش لا يجد الثقة في نفسه بأنه قادر
على تجاوز الامتحانات بنفسه و جهده و استذكار دروسه لوحده ، و من
ثم الإجابة معتمدا على مذاكرته .
5-
الخوف من الرسوب :
فإن الخوف من الفشل و الخوف من
الرسوب يسبب قلقا مستمرا لكثير من الطلاب مما يجعلهم يلجئون إلى
الغش كسبيل للنجاة .
3- آثار الغش
:
أن الغش كما قلنا له أشكال متعددة ، و يدخل في
مجالات شتى ، و لكن من أخطر أنواع الغش هو الغش في الأمور
التعليمة ، و ذ لك لعظيم أثره و شره ، و من ذلك :
1- أنه سبب لتأخر الأمة ، و عدم تقدمها و
عدم رقيها ، و ذلك لا ن الأمم لا تتقدم إلا بالعلم و بالشباب
المتعلم ، فإذا كان شبابها لا يحصل على الشهادات العلمية إلا
بالغش ، فقل لي بريك : ماذا سوف ينتج لنا هؤلاء الطلبة الغشاشون
؟
ما هو الهم الذي يحمله الواحد منهم ؟
ما هو الدور الذي
سيقوم به في بناء الأمة ؟
لا شيء ، بل غاية همه ؛ وظيفة بتلك
الشهادة المزورة يأكل منها قوته و رزقه .
لا هم له في تقديم
شيء ينفع الأمة ، أو حتى يفكر في ذلك .
و هكذا تبقى الأمة لا
تتقدم بسبب أولئك الغششة بينها .
و نظرة تأمل للواقع : نرى
ذلك واضحا جليا ، فعدد الطلاب المتخرجين في كل عام بالآلاف و لكن
قل بربك من منهم يخترع لنا ، أو يكتشف ، أو يقدم مشروعا نافعا
للأمة ، قلة قليلة لا تكاد تذكر .
2- أن
الغاش غدا سيتولى منصبا ، أو يكون معلما و بالتالي سوف
يمارس غشه للأمة ، بل ربما علّم طلابه الغش .
3- أن الذي يغش سوف يرتكب عدة مخالفات
–إضافة إلى جريمة الغش – منها السرقة ، و الخداع ، و الكذب ، و
أعظمها الاستهانة بالله ، و ترك الإخلاص ، و ترك التوكل على الله
..
4- أن الوظيفة التي يحصل عليها بهذه الشهادة المزورة ، أو
التي حصل عليها بالغش سوف يكون راتبها حراما ، و أيما جسد نبت من
حرام فالنار أولى به .
4- علاج الغش
لاشك أن خطبة واحدة ، بل خطب لن تقاوم هذا المنكر
العظيم .
لذا كان لا بد من تعاون الجميع في مقاومة هذه
الظاهرة ، كل بحسب استطاعته و جهده .
فالأب في بيته ينصح
أبنائه و يرشدهم و يحذرهم بين الحين و الآخر .
و المعلم و
المرشد في المدرسة و الجامعة كل يقوم بالوعظ ، و الإرشاد .
بل لابد من تشكيل اللجان التي تدرس هذه الظاهرة و أسبابها و
كيفية العلاج لها .
و لكن سوف اذكّر ببعض الأمور التي أرجو
من الله أن تكون سببا في الحد من هذه الظاهرة .
أخي الكريم :
تذكر قول الرسول صلى
الله عليه و سلم : ( من غش فليس منا ) رواه البخاري
لاحظ أن
الرسول قال : ( من غش ) ليشمل كل صور الغش ، كبيره و حقيره ، في المواد الشرعية أو الأجنبية ، فكل ذلك داخل في الحديث . فهل ترضي أن يتبرأ منك النبي صلى الله عليه و سلم . أي
خير ترتجي إذا تخلى عنك الرسول صلى الله عليه و سلم و أعلن
البراءة منك . تذكر أنك بمجرد أن تفكر في الغش فقد تخليت عن
أهم صفة يجب أن تتحلى بها في هذا العلم . ألا و هي الإخلاص
لله ؛ و ذلك لأنك بتفكيرك في الغش؛ يكون همك هو الدرجات و
الشهادة فقط ، و هل تدري أي خطر في هذا ؟
إن هذه العلوم التي
تدرسها ؛ أن كانت من علوم الدنيا فقد ضيعت على نفسك أعظم الأجر . و إن كان فيها بعض العلوم شرعية ( كالفقه و التوحيد ..) وهي
مما يجب ابتغائها لوجه لله ، و لو طلبها العبد لغير الله فيخشى
عليه أن يكون من أصحاب هذا الحديث : ( من تعلم علما مما يبتغي به
وجه الله لا يتعلمه إلا لغرض نمن الدنيا زائل ، لم يرح رائحة
الجنة ) .
يا لله ؛ لم يرح رائحة الجنة ! و أعظم من ذلك
كله ، أنك جعلت الله أهون الناظرين إليك . نعم جعلت الله
الذي ( يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور ) أهون من المراقب .
كم من طالب لو وقف المراقب بجواره لأصبح قلبه يرتجف ، و
أوصاله تضطرب ، و العرق يتحدر من جبينه .
و لكن إذا ابتعد
المراقب جاءت النظرات ، و جاءت المحاولات للغش و الخداع . أو
ليس حاله يقول :
يا رب أنت عندي أهون من هذا المراقب . يا رب أنا أخشي المراقب أعظم و أكثر منك .
تذكر
أن
الشهادة التي تحصل عليها و التي سوف تتوظف بها هي شهادة مزورة ،
و بالتالي فسوف يكون الراتب الذي تأخذه حراما .
سوف يكون
مالك من حرام ، و سوف تغذي أبناءك بالحرام ، و زوجتك بالحرام .
و هنا نقطة لا بد من التنبيه عليها :
ألا و هي أن بعض الطلاب يقول : أنا لا أغش ، و لكن
أغشش غيري ، وهذا أهون .
فأقول : لا والله ليس بأهون بل هو
أخطر .
فإنك إذا غششت ثم تبت فانك سوف تصحح شهادتك ، لكنك
إذا غشّشت غيرك ، ثم تبت أنت من ذلك ، فأني لك أن من غششته سوف
يتوب ، أنى لك أن تصحح شهادته ، أنى لك أن توقف أكله للحرام .
و نقطة أخرى : أن بعض الطلاب يرى
غيره يغش و لا يحرك ساكنا ، بل ربما قال : هذا ليس من شأني ،
فأنا و الحمد لله لا أغش . و هذا في الحقيقة شيطان أخرس ،
لأنه رأى منكرا و لم يغيّره .
و الواجب عليه أن ينصح ذلك
الطالب ، فإن لم يستطع فيجب أن يبلغ المراقب ، و أن لا تأخذه في
الله لومة لائم ، و لا يخش إلا الله .
و
نقطة أخرى : إن بعض المدرسين قد يحابي بعض الطلاب في بعض
الدرجات و يظن أن ذلك من صلاحيته، و ربما قاس ذلك على أن من حقه
أن يعطي من ماله ما يشاء . و هذا خطأ عظيم فالمدرس ليس من
حقه أن يعطي بعض الطلاب درجات لا يستحقها ، بل الواجب العدل
، لأنه مستأمن على هذه الدرجات ، و التي لا يملك منها شيئا ، و إنما هو مطبق للنظام .
يقول فضيلة
الشيخ محمد بن عثيمين : ( فإن المعلم الذي يقدر درجات
أجوبة الطلبة و يقدر درجات سلوكهم هو حاكم بينهم لان أجوبتهم بين
يديه بمنزلة حجج الخصوم بين يدي القاضي .
فإذا أعطى طالبا
درجات أكثر مما يستحق ، فمعناه أنه حكم له بالفضل على غيره مع
قصوره ، وهذا جور في الحكم . و إذا كان لا يرضى أن يقدم على
ولده من هو دونه ، فكيف يرضى لنفسه أن يقدم على أولاد الناس من
هو دونهم ) ا.هـ من كتاب ( نصائح في الاختبارات 12).
فيا أخي الكريم :
عليك أن تراقب
الله قبل كل شيء ، و أن تعلم أن روحك التي بين جنبيك بيد الله ،
أنفاسك التي تتردد في صدرك هي بيد الله ، فاتق الله و لا تجعل
الله ينظر إليك و أنت تعصيه .
تذكر أن الأمانة سوف تنصب على
جنب الصراط ، و لن يجوز عليه إلا من كان أمينا ، و الغش ينافي
الأمانة كل المنافاة .
أسأل الله أن يسهل على أبناءنا ، و أن
يحميهم من الغش و الخيانة ، و أن يأخذ بنواصيهم لما يحب و يرضى .
المراجع :
- نصائح في
الاختبارات : للشيخ ابن عثيمين .
- للطلاب فقط : للأخ محمد
العبدلي .
- الغش في الاختبار خيانة و انهيار للأخ أحمد بن
حسن كرزون.
ملحق الفتاوى :
س: ما حكم الغش في أوقات الامتحان علما بأني أرى
كثيرا من الطلبة يغشون و انصح لهم و لكنهم يقولون : ليس في ذلك
شيء ؟
ج: الغش في
الامتحانات و في العبادات و المعاملات محرم لقول النبي صلى الله
عليه و سلم : (( من غشنا فليس منا )) و لما يترتب عليه من
الأضرار الكثيرة في الدنيا و الآخرة .
فالواجب الحذر منه و
التواصي بتركه . ( ابن باز )
س: ما حكم الغش في
دورة اللغة الإنجليزية أو العلوم البحتة كالرياضيات و غيرها ؟
ج : لا يجوز الغش في أي
مادة من المواد مهما كانت لان الاختبار المقصود منه هو تحديد
مستوى الطالب في هذه المادة ، و لما في ذالك أيضا من الكسل و
الخداع ، و تقديم الضعيف على المجتهد .
قال رسول الله صلى
الله عليه و سلم : (( من غشنا ليس منا )) و لفظ الغش هنا عام لكل
شيء ، و الله أعلم ( ابن جبرين ) .
محمد بن عطية الجابري عضو
مركز الدعوة بجدة
jabry@myway.com