|
المادة لا تنعدم
هكذا يقول علماء
الكيمياء و يشرحون قولهم ، و يبرهنون عليه ، و يرون أن
المادة تتغير و تتحول و تعود إلى عناصرها الأولى ، و لكن
لا تنعدم ، و العالم كله كساقية جحا ، تغرف من البحر ، و
تصب في البحر فقد يحترق هذا المكتب الذي أمامي ، لا قدر
الله ، و لكنه لا ينعدم ، بل يتحلل إلى عوامله الأولية ، و
سيتغذى منها النبات ، و يتكون منها خشب جديد ، قد يكون
مكتب المستقبل .
قال الكيميائيون ذلك ،
و قصروا قولهم على المادة ، لأنها مادة عملهم ، وموضع
تجاربهم .
ولو عرض لهذا فيلسوف
واسع النظر ، غير محدود البحث ، لقال : " لا شيء ينعدم " .
إن الأعمال من خير و شر
لا تنعدم ، بل تنمو و تتحول ، و تؤثر و تتأثر ، و لكن على
كل حال لا تنعدم ، إن كذبة واحدة تكذبها على أولادك في
بيتك – من غير أن تعيرها اهتماما – لا تنعدم ، فسوف تبيض و
تفرخ و تنتج كثيرا من أمثالها ، و سوف يكذب أولادك ، و
ستخرج من المدرسة إلى مصالح الناس ومعاملاتهم ، فكيف تنعدم
؟
قد يدق العمل و يصغر
حتى لا تراه أعيننا ، و لا تسمعه آذاننا ، و لا تشعر به
نفوسنا ، و لكنه موجود ، يعمل عمله في هذا الوجود ، و يفعل
و ينفعل ، و يتسع نطاقه ، و يعمل في دوائر مختلفة قد لا
تخطر بالبال ، و ما أظنك تجهل أن حصاة ترميها في البحر
الأبيض المتوسط لابد أن يتأثر بها المحيط الأطلنطي ، و إن
لم تر ذلك عيوننا ، و الدليل على ذلك بديهي ، فلو كبرت هذه
الحصاة ملايين المرات ، أفلا تؤمن بهذا الأثر ؟ إذًا فآمن
بأن هذه من تلك ، و على نسبتها و مقدار حجمها ، و جزء من
ألف من الشعرة له ظل حقيقي ، و إن لم تره عيوننا ، و لولا
ذلك لما كان لألف ألف شعرة ظل ، و لما كان لثوبك الذي
تلبسه ظل .
و عملك الخير مهما صغر
، له أثره في أمتك مهما صغر ، أعلنته أو أسررته ، نجحت فيه
أو فشلت ، علم الناس أنك مصدره أو لم يعلموا ، و هل مقياس
رقي الأمة و انحطاطها إلا عبارة عن عملية حسابية مركبة من
جمع و طرح ، جمع لما صدر منها من حسنات ، وطرح لما صدر من
سيئات ؟ لتكن هذه العملية أشد ما تكون من صعوبة ، و لتحتج
إلى ما شئت من آلات دقيقة للجمع و الطرح ، فإن طريقة الحل
لهذه المسألة في منتهى البداهة .
......... و على الجملة
فإن قال علماء الكيمياء : إن المادة لا تنعدم ، فكل ما في
الوجود يقرر أن لا شيء ينعدم .
إن كان هذا حقا فويل
للخيّر يقعده عن الخير أنه لم ير بعينه آثار عمله ، و ويل
للخيّر صرفه عن خيره نكران الجميل و جحد المعروف ، و ويل
للمُجد عدل به جده أن لم يسبّح الناس باسمه ، و يشيدوا
بذكره ، و مرحى لمن كان مبدؤه " الخير للخير ، و لا شيء
ينعدم " .
أحمد أمين ( فيض الخاطر )
عودة إلى
الصفحة الرئيسية
|