من مذكرات سعد زغلول

 

 السبت 5 يناير 1907 م

 زار سعادة الناظر و معه المدير و رئيس المحكمة الأهلية المدرسة الأميرية ، فسر من نظامها و نظافتها و تقدم تلاميذها ، فيما عدا القرآن و الديانة ، و حالة العلوم العربية متوسطة فيها . و وجد حجرتي السنة الأولى و الفصل الثاني من السنة الرابعة صغيرتين مزدحمتين بالتلاميذ .

و يرى ناظر المدرسة إزالة الحائط الفاصل بين السنة الأولى و حجرة المعلمين ، كما يرى عمل مظلة في الحوش للاستظلال و الاستغناء بها عن خيام الشهادة الابتدائية التي تعمل كل سنة .

و يرى سعادة الناظر موافقته على ذلك ، إذا لم يكن بناء المدرسة الجديدة بعد زمن قريب ، و عند ذاك يلزم الاتفاق مع ديوان الأوقاف المالك لبناء المدرسة ، و في أثناء الزيارة حضر الشيخ محمد الطوخي قاضي أسيوط و الشيخ علي هاني مفتيها ، و شهدا اختبار بعض التلاميذ ، و في الساعة الثانية عشرة زار بالطريقة عينها الورشة الصناعية ، و تفقد معالمها و وجد أنها لم تستكمل تلاميذها و معداتها بعد ، و أنها آخذة في التكون .

و بعد ذلك زار المديرية و تفقد غرفها و أعجب بحسن نظامها ثم ذهب إلى المحكمة الأهلية ، و دخل قاعة الجلسة المدنية ، ثم قاعة جلسة محكمة الجنايات حال انعقادها ، و في أثناء الزيارة قدم له حضرة الرئيس و رئيس النيابة و قضاة المحكمة و أعضاء النيابة و من وجد من المحامين ، و لم تعجبه حالة بناء المحكمة لضيق قاعات الجلسات و ظلامها ، و صغر قاعات المداولة ، و بالجملة فهي غير لائقة بأن تكون محكمة لإقليم مهم كأسيوط ، و من هناك عاد إلى الباخرة في أول الساعة الثانية , و بعد الغداء حضر المدير ، و رافقه هو و حضرة رئيس المحكمة و ناظر المدرسة و مساعد التفتيش لزيارة الكتاتيب فلم يتمكن إلا من زيارة  خمس منها لضيق الوقت و انصراف طلبتها ، وهذه الكتاتيب هي :

أولا : كٌتّاب علي كمون التابع للنظارة ، و قد سأل تلاميذ ، فوجده على العموم راقيا ، فيما يختص بتعليم الفرقتين الراقيتين ، و أما فيما يختص بتعليم الفرق الأخرى و البنات فليس على ما يرام ، و أما النظافة و المباني فحالتها متوسطة .

ثانيا : كُتّاب جامع الأفندي ، و جده عبارة عن فرقتين : فرقة الكبار ، و تلاميذها جلوس على الحصير ، و يجيدون تلاوة القرآن ، و بعضهم يحفظه كله ، و لكنهم لا يعرفون شيئا يذكر غير ذلك ، و نظافتهم قليلة ، و فرقة الصغار و هم جلوس على الحصر أيضا ، و حالتهم قذرة ، و رائحتهم كريهة ، و لا يعرفون شيئا لصغر سنهم ، و مباني هذا الكتاب رديئة .

ثالثا : كُتّاب سيدي جلال ، و هو فيما يقول مساعد المفتش أحسن كتاتيب الإعانة بمدينة أسيوط ، و سلمه مرتفع الدرجات ، مظلم ، و يصعب الارتقاء عليه ، و لا بأس بالنظافة و التعليم فيه ، غير أن و ضع البنات فيه غير لائق لأنهن في دخلة بالحجرة فيها الزير .

رابعا : كُتّاب سليم كاشف التابع للنظارة ، و به فرقتان و كثير من البنات ، و تعليمهن فيه على غير ما يرام ، أما تعليم الذكور فجيد ، و قد سأل سعادته بالصدفة غلاما لم يبلغ العاشرة من العمر ، فأحسن الإجابة عن كل ما سُئل فيه من جميع المواد التي تعلم في الكتاب ، و تبين أنه ابن رجل فقير كان موظفا في وقف أهلي بأربعة جنيهات ، ثم انفصل عن خدمته ، و لشدة ذكاء هذا الغلام (   )[1] و فرط استعداده ، استصوب سعادته إلحاقه بالمدرسة الأميرية مجانا و أمر ناظرها بقبوله فيها بالسنة الأولي .

خامسا : كتاب حسن فيروز ، و هو عبارة عن حجرة وسخة يجلس فيها التلاميذ على حصر ، و هم على درجة من الوساخة و لا يكادون يعرفون شيئا ، لأن المعلم نفسه قليل المعلومات ، و من بينهم شاب يقرأ القرآن بصوت حسن , و حسن الترتيل ، و سلم هذا الكتاب رديء مرتفع الدرجات ، و لا يرجى تقدم للتعليم فيه إلا إذا تغير معلمه .

و كان العشاء في هذا المساء عند المدير حسن باشا واصف .


[1] قوسان بينهما بياض بالأصل ، لتسجيل اسم التلميذ على الأرجح  ، و قد علم الدكتور عبد الخالق محمد من الدكتور بهي الدين بركات أن هذا التلميذ هو إسماعيل القباني ، الذي أصبح وزيرا للمعارف فيما بعد .

و قد ثارت مشكلة بين سعد زغلول و كرومر بسبب الأمر الذي أصدره بنقل هذا التلميذ إلى المدرسة الأميرية بالمجان ، إذ أبلغ دنلوب ( المستشار الإنجليزي المشرف على التعليم ) كرومر بالحادثة ، فراجع سعد زغلول فيها ، و لكن سعد تمسك بالأمر الذي أصدره ، فاتفق الاثنان على أن يبقى الولد في المدرسة و ألا نعود إلى هذه المسألة مرة أخرى .

و فد أكد سعد زغلول اسم هذا التلميذ في الكراسة 8 ص 369 ، حين كتب يقول : " خرجنا من المدرسة غير مسرورين إلا من نظافتها و نجابة التلميذ إسماعيل ، الذي كنا وجدناه في كتاب الكاشف عام أول ، و أمرنا بإدخاله هذه المدرسة مجانا . "

عودة إلى الصفحة الرئيسية