
المشهد الأول:
[تفاصيل
المنظر نستقيها من كلام الراوي – حين يرفع الستار نرى
الشحاذ جالسا تحت أحد أعمدة النور – ذراعه يحيطها الجبس
وقد شدت إلى عنقه بعصابة – ساقاه يحيطهما الجبس كذلك –
الراوي يؤدى دوره من خارج خشبة المسرح].
الراوي: قصتنا الليلة عن شحاذ.
وأذكركم أن الشحاذ
اسم مشتق من فعل
شَـحَـذَ
ش .. ح .. ذ
يعنى سن
[يأتي
بحركة مقلدا من يشحذ مدية]
..
ولأنّـا نعنى ما نعنيهْ
فلقد لزم التنويهْ
المنظر يا سيادة دربُ شعبي مغمور
هذى أعمدة النور
أكثرها مطفأة
إلا من بقعة ضوء شاحبة.
تكشف ما خبأه المقدور
هذا شحاذ يشحذ همته في طلب الرزق
الشحاذ: يا كريم .. يا رزاااااااق.
الراوي: الشارع قفر
إلا من صوت الشحاذ: يسلى وحدته
ويواسيه
يعلو بين الحين وبين الحين
...
الشحاذ: لله يا مؤمنين
لله يا محسنين
حسنة قليلة
تمنع بلاوى
[يسمع
صوت أقدام .. آتية من بعيد]..
الراوي: [يشير إلى مصدر الصوت]
...رجل
عادى
يعمل في عمل ليلى
أنهى نوبة منتصف الليل
[يدخل
إلى خشبة المسرح.. رجل يرتدى ملابس عليها معطف رث.. مضطرب
الخطوات.. يبدو عليه أنه قد ضل طريقه].
الراوي: [مشيرا إلى الرجل]
صاحبنا هذا في كل مساء
يسلك نفس الدرب المعروف المألوف القسمات
لكن في هذى الليلة بالذات
جال بخاطره أن يختصر السكة..
بالسير خلال الحارات
ها هو ذا مضطرب الخطوات
تسلمه العطفات إلى المنعطفات.
والمنعطفات إلى العطفات
الشحاذ:
من هنا يا مؤمن…
الطريق من هنا،
حسنة قليلة تفتح لك الطريق إلى نعيم الله
…
حسنة لله يا مؤمن
الرجل (يسير نحو الشحاذ.. إلى أن يصل إليه ثم يبتعد عنه
)
–
ربنا يرزقك يا عم
(يمضى
في طريقه)
الشحاذ: لله يا محسن
لله يا مؤمن
لله يا مواطن
للمرة الأخيرة .. لله
ستندم والله العظيم
لله يا نذل
[الرجل
يختفي عن بصر الشحاذ]
الراوي: انتبهوا .. فالآن
سنرى ما لم يك يخطر في الحسبان
[الشحاذ
يجذب يده المشدودة إلى عنقه.. ويصفق هاتفاً بأعلى صوته]
-
يا مجاهد...
[يندفع
إلى خشبة المسرح رجل ذو لحية كثيفة .. في إحدى يديه خنجر
وفى الأخرى سوط.. يشير له الشحاذ .. فيندفع مهرولاً في
الاتجاه الذي سار فيه عابر الطريق.. ثم يعود ممسكا به من
تلابيبه].
مجاهد: مخاطباً عابر الطريق
–
يا قاسى القلب.. يا عديم الرحمة والإحساس تمر بهذا الرجل
المسكين ولا تتصدق عليه ! (يشير إلى الشحاذ).
الرجل: والله أنا موظف غلبان ومسكين .. وبائس
.
مجاهد: (ينظر إلى ملابس الرجل الرثة): بائس .. إلى حد ما …
ربما … ولكن ليس مثل هذا الرجل…. أما رأيت ذراعه الموضوعة
في الجبس؟ [الشحاذ يعيد إدخال ذراعه في العصابة التي تشدها
إلى رقبته] أما رأيت ساقه العاجزة؟ يا للرجل المسكين ! ..
أما سمعت نداءه الذي يمزق القلب (مخاطباً الشحاذ) .. أسمعه
إياه مرة أخرى.
الشحاذ: لله يا مؤمن… حسنة قليلة تمنع بلاوى.
مجاهد: متظاهراً بالتأثر – كفى … كفى … مزقت نياط قلبي
(يخاطب الرجل).
تسمع هذا الكلام الموجع ولا تتصدق عليه
!
(يضع
الخنجر على رقبة الرجل)
هيا تصدق عليه يا مؤمن.. بأي
شيء
مما يجود به الله.
الرجل: والله العظيم لو كان معي
شيء
ما كنت منعته .. أنا موظف غلبان ومفلس.
مجاهد: كفاك شحا وتقتيراً.. وتصدّق بأي
شيء
..
أي
شيء
.. هيا كن من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خ…. خ…
الراوى: ها هو ذا يجهد أن يذكر قول الله تعالى.
[ويؤثرون
على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة].
مجاهد: … ولو كان بهم خَـ… خـ… خـ…. لو كان بهم … ما كان
بهم
هيا.. يا رجل … هيا فإن الصدقة تطهر المال.
الرجل: [يقبل يديه هو … باطناً وظاهراً] – الحمد لله على
الفقر… إن راتبي يتطهر في بداية الشهر … يطهره البقال
والجزار وبائع الخضار..يطهرونه تماماً تماماً.. وبعد ذلك
اشترى منهم على الحساب حتى بداية الشهر التالي.
مجاهد: لا تخدعني بهذا الكلام.. إني أنذرك للمرة الأخيرة
.. أحسن إلى هذا الرجل المسكين.. وإلا فإن الله سوف يغضب
عليك ويدخلك النار.
[يضغط
بالخنجر على رقبة الرجل فيصرخ متأوهاً].
الرجل: أتوسل إليك .. في عرضك .. ليس معي
شيء.
مجاهد: حسن .. أرنى إذن … ماذا في جيوبك.
[يبدأ
فى تفتيشه.. ويساعده الرجل على قلب جيبه إلى الخارج..تسقط
سلسلة من المفاتيح ومنديل متسخ على الأرض .. وبعض الأوراق].
الرجل: ها أنت رأيت بنفسك .. ولا مليم .. يرزقها الكريم.
مجاهد: ألا تخبئ بعض النقود في مواضع حساسة من جسمك.
الرجل: لو كان معي أي مليم لما احتجت إلى إخفائه في مواضع
حساسة أو غير حساسة، كنت صرفته فوراً واشتريت شيئاً للبيت
والأولاد … [تسود فترة من الصمت].
مجاهد: [بعد لحظات من الصمت] : اسمع يا هذا
..
هل معك ساعة؟
الرجل: لماذا؟
الشحاذ: صدقة عينية يا جاهل.
الرجل: آه .. فهمت .. لقد رهنتها إلى البقال منذ شهرين ..
واستولى عليها الملعون في مقابل عشرة جنيهات مع أنها تساوى
خمسين جنيهاً بأسعار هذه الأيام.
مجاهد: ليست معك ساعة إذن؟
الرجل: كلا.
مجاهد: معك دبلة زواج؟
الرجل: كلا
مجاهد: لكنك منذ قليل تكلمت عن البيت والأولاد..
منى هذا انك متزوج.
الرجل: نعم
مجاهد: إذن معك دبلة زواج.
الرجل: كلا .. لقد بعتها منذ عامين واستبدلت بها دبلة من
الصفيح.
مجاهد: هات الدبلة الصفيح.
الرجل: لقد تآكلت بفعل الصدأ بعد شهرين فقط من استعمالها
هذه أصابعي لكي يصدقه (يمد إليه أصابعه الخالية).
مجاهد: (مخاطباً الجمهور).
يا لليوم النحس
!
هذا ثالث جربوع مفلس.
في يوم واحد
(يستدير
إلى الرجل)
-اسمع
يا هذا .. اخلع معطفك.
الرجل ــ -حرام عليك .. سيقتلني البرد.
مجاهد: (يضربه بالسوط) : اخلع وكن كما نصحتك منذ قليل من
الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم .. ! … ! … ! .. لو
كان بهم ما كان .. هيا اخلع
[الرجل
يخلع معطفه].
مجاهد: إنه معطف رث.. لكن ربما وجدنا من يشتريه ولو
بجنيهين.
الرجل: إنه يساوى عشرة جنيهات بأسعار هذه الأيام… لقد
اشتريته من الوكالة منذ ثلاثة أعوام بسبعة جنيهات ونصف.
مجاهد: [يحمل المعطف ويعرضه على الجمهور]: من يشترى هذا
المعطف الذي سوف يخصص ثمنه لأغراض الخير.. من يشترى
بجنيهين... معطفاً يساوى عشرة جنيهات؟
الراوي مردداً : بجنيهين اثنين.
بجنيهين.
بجنيهين.
مجاهد: لا أحد .. إذن من يشترى بجنيه واحد؟ جنيه واحد فقط
ندفعه صدقة إلى هذا الشحاذ المسكين.. جنيه واحد فقط تطهر
به روح هذا الجربوع [يشير إلى الرجل].
الراوي: مرددا: من أجل الرحمة والخير.
بجنيه لا غير.
بجنيه لا غير.
مجاهد:
أيضاً .. لا أحد..
إذن من يشترى بعشرة قروش…
عشرة قروش نفتدى بها هذا المنكود من عذاب الدنيا والآخرة.
الراوي: مردداً: مدوا أيديكم للكف الممدودة.
بقروش معدودة
بقروش معدودة
مجاهد: لا أحد .. لا أحد .. لا أحد يريد أن يشترى هذه
الخرقة البالية
!
[يلقى
بالمعطف إلى الرجل الذي يتلقفه في لهفة].
الرجل: الحمد لله .. كم أنت كريم يا رب ! [يرتدى معطفه] ..
والآن لعله ثبت لسيادتكم بالدليل القاطع أنى لا املك شيئاً
له قيمة… بهذه المناسبة هل يمكن لي أن انصرف ؟
مجاهد: (ساخراً) : تنصرف ؟ . هكذا بكل بساطة ؟ . دخلت هذه
الأرض الحرام في هذه الساعة الحرام دون أن تدفع الصدقة
الواجبة.. ثم تقول: أنصرف!. هكذا تنصرف دون مؤاخذة أو
محاكمة ؟ هل تظن أن الدنيا ليس فيها عدل [ يمسك به من
رقبته ويجرجره].
الراوي: في جانب هذا الدرب.
درجات حجرية. تفضي لزقاق.
ها هو ذا يستخدمها كمنصة عدل.
[مجاهد
يصعد الدرجات الحجرية .. ثم يجلس واضعاً قدميه على كتفي
الرجل..يلحق بهما الشحاذ الذي نلاحظ أنه يتحرك برشاقة لا
تتناسب مع كمية الجبس المحيطة بساقيه].
مجاهد: والآن تبدأ المحاكمة .. [إلى الشحاذ] .. أتلُ التهم
المنسوبة للجربوع.
الشحاذ: (يتلو)
في ساعة نحس من ساعات النحس الأبدية
اجتاز الجربوع الماثل .. درب الجوع إلى ميدان الجزية.
مجاهد: صحح … "درب الجوع إلى ميدان الصدقات
النورانية".
الشحاذ: في ساعة نحس من ساعات النحس الأبدية
اجتاز الجربوع الماثل درب الجوع.
إلى ميدان الصدقات النورانية.
قابله الملكان : ملاك الرحمة (يشير إلى نفسه) . وملاك
العدل (يشير إلى مجاهد .. الذي يخرج جناحين من جراب مثبت
في وسطه.. ويثبتهما على كتفيه .. الشحاذ ينتزع الجناحين
ويثبتهما على كتفيه هو .. ويشير إلى الجراب. .. فيخرج
مجاهد ميزاناً يرفعه بيده رمزاً للعدل)
الشحاذ: مواصلاً : قابله الملكان: ملاك الرحمة وملاك العدل
فتح ملاك الرحمة باب الرحمة للجربوعْ
لكن الجربوع تولى
أوشك أن يهرب لولا
لولا أن ملاك العدل تجلى
أمسك بالملعون وعامله بالحسنى.
لكن ما أغنى عنه النصح وما أغنى
من بعد النصح الاستجداء
فى ساعة نحس واحدة سوداء
ارتكب جرائم شتى شنعاء
طمرته الآثام. وغطته الآثام
وعلى هذا ......وبما أن الجربوع ضليع في
الإجرام
وبما أن الجرم الأول في شرع عدالتنا
يستوجب حكم الإعدام
وبما أن الثاني يستوجب حكم الإعدام
والثالث يستوجب حكم الإعدام أو الإعدام ، لهذا
نترك لكم أن تختاروا بحصافتكم وعدالتكم ما يتناسب وظروف
المجرم من أحكام.
مجاهد: عظيم.. انتهت المحاكمة.. والآن الحكم بعد المداولة.
[يتهامس
لحظات مع الشحاذ .. ثم ينطق بالحكم]
مجاهد: بناء على الالتماس الذي قدمه ملاك الرحمة.. والذي
طلب فيه استخدام أقصى حدود الرأفة.. فقد قررنا تخفيف
العقوبة عن الجريمة الأولى لتكون الجلد بدلاً من الإعدام
.. وتخفيف العقوبة عن الجريمة الثانية لتكون السلخ بدلا من
الإعدام .. أما الجريمة الثالثة فقد رأت المحكمة أن تظل
عقوبتها كما هي .. وهى الإعدام.. على أن يبدأ التنفيذ
فوراً ابتداء من تنفيذ العقوبة الأخف ثم الأشد.
الرجل: منهاراً: مظلوم والله العظيم.. أنا موظف غلبان
وصاحب عيال حرام عليكم.. تعدموني وتيتمون أولادي.. حرام
عليكم.. حرام.. حرام
!
[مجاهد
والشحاذ يتبادلان الهمس .. ويقهقهان.. ثم يتبادلان الهمس
ويقهقهان مرة أخرى .. بينما يستمر الرجل في الاستغاثة].
مجاهد: اسمع يا هذا .. هناك أمل آخر لك.. لقد عرض علينا
ملاك الرحمة التماساً جديداً لإنقاذك من الموت.. وقد قبلت
المحكمة هذا الالتماس.
مجاهد: والآن سوف يشرح لك ملاك الرحمة تفاصيل ما جاء في
التماسه.
الشحاذ: اسمع يا هذا .. أنا أرى أنك معذور إلى حد ما.
الرجل: مظلوم والله .. مظلوم يا مولاي.
الشحاذ: كلا لست مظلوما .. أنت معذور فقط. .مذنب معذور.
الرجل: أمرك يا مولاي.
الشحاذ: إن ما يشفع لك إلى حد ما أنك مفلس.
الرجل: مفلس جداً … أنا على الحديدة يا مولاي.
الشحاذ: وجربان
!
الرجل: أمرك يا مولاي.
الشحاذ: ولا تملك ما تتصدق به.
الرجل: سموكم تأكدتم من هذا
الشحاذ: ولكن الكلمة الطيبة صدقه.. أليس كذلك ؟
الراوي: صاحبنا يتحير من كلمات ملاك الرحمة لا يدرك ما
مرماه. وماذا يعنيه
لكن قال لنفسه: --- "سأجاريه".
الرجل: فعلاً… الكلمة الطيبة صدقة يا مولاي.
مجاهد: إذن حكمت عليك المحكمة ، بأن تتصدق علينا بكلمة
طيبة وسوف تمنح ثلاث فرص، في كل منها توجه إلينا عبارة
معينة، فإذا ما وجدنا إحداها طيبة، اعتبرناها صدقة وعفونا
عنك، أما إذا استنفدت الفرص الثلاث دون توجيه كلمة طيبة حق
عليك العقاب.
الرجل: أمرك يا مولاي.
مجاهد: والآن .. الفرصة الأولى.
الرجل: بعد تفكير : ربنا يزيد كم من نعيمه.
الشحاذ: غاضباً: تريده
سبحانه أن يزيدنى من هذا الجبس في قدمي وفى ذراعي؟
مجاهد (غاضبا)ً: أم تريده أن يزيدني
من مقابلة الجرابيع من أمثالك؟
[ينهالان
عليه ركلاً.. وضربا].
مجاهد: والآن.. الفرصة الثانية.
الرجل: بعد تفكير أطول: أطال الله أعماركم.
مجاهد: غاضباً: تريد لنا طول التعب والشقاء يا منكود؟ أما
سمعت قول الشاعر "تعب كلها الحياة"
!
الشحاذ: يركله : أما إنك غبي حقاً.. لا تريد أن تفلت بجلدك.
مجاهد: والآن الفرصة الثالثة والأخيرة.
الراوي: صاحبنا مازال يفكر في الأمر.
يخشى أن تفلت فرصته هذى فيضيع العمر.
ها هو ذا مسكين ….. حين يهم بفتح فمه يسمع حشرجة في الصدر.
فيعود ويقفله ، ثم يعود ليسمع حشرجة في الصدر.
مجاهد: تكلم .. هيا .. تصدق علينا بكلمة طيبة.
الرجل: أخشى أن أتكلم يا مولاي .. فيخونني لساني في هذه
المرة .. كما خانني في المرتين السابقتين.
الشحاذ: لكن لابد أن تتكلم.. أنا لن أتنازل عن حقي في
الصدقة.
مجاهد: والشحاذ معاً: تكلم .. تكلم .. تكلم..
الرجل: يا مولاي قولا لي ما تريدان.. وأنا أقوله .. أنا
رجل جاهل ، عرفاني ما هي الكلمة الطيبة وأنا أرددها..إني
أترك لكما الأمر ..إنكما أدرى منى بالكلم الطيب [مجاهد
والشحاذ يتهامسان].
مجاهد: عظيم.. عظيم.. قبلنا منك هذا التفويض.. والآن قل
أنا خدام مطيع.
الرجل( مسروراً جدا) – أنا خدام مطيع.
مجاهد: قل أنا أفعل أي
شيء
يرضيكما.
الرجل: أنا أفعل أي
شيء
يرضيكما.
مجاهد: والآن..وعد الحر دين عليه … وباعتبارك حراً فإن ما
وعدتنا دين عليك.
الرجل: أنا لست حراً.. أنا خدام مطيع.
مجاهد (غاضباً): بل أنت حر .. أنت تكلمت بمحض اختيارك ..
ونحن لم نغصب عليك (يدنو منه بالخنجر).. أنت حر .. مفهوم.
الرجل: مفهوم.
مجاهد: إذن تنفذ وعدك.
الرجل: أنفّــذ.
الراوي: ينسدل الآن ستار.
لكن لا تنصرفوا
...لحظات
ثم نعود
إلى نفس الدرب المغمور المقبور الخالي من كل الأنوار
إلا من بقعة ضوء شاحبة.
تكشف ما هو باق في جعبته من أسرار.
المشهد الثاني
الراوي: مشهدنا الثاني .. هو مشهدنا الأول
هذا شحاذ يشحذ همته في طلب الرزق.
الشحاذ: (الذي نتبين أنه هو الآن عابر الطريق في المشهد
السابق) – يا كريم .. يا رزاق.
الراوي: الشارع قفر
إلا من صوت الشحاذ يسلى وحدته ويواسيه
ويذكره .. ماذا كان عليه .. وماذا أصبح فيه
الرجل(الشحاذ حاليا) – منك العوض وعليك العوض
عوض علينا يا رب.
الراوي: صاحبنا هذا منحوس
حتى لما أصبح شحاذاً منذ تولى منصبه الحالي
مرت ساعات
لم يطرق فيها الشارع إنسي أو جنى
ها هو ذا .. يتململ في وحدته.. في هذا الليل الشتوي.
الشحاذ: يا مجاهد .. [يندفع إلى المسرح رجل ذو لحية ..
نتبين فيه الشحاذ السابق.. بعد أن أزال السيف ووضع اللحية
وتمنطق بالخنجر والسوط].
مجاهد: في أي اتجاه ذهب الملعون؟
الشحاذ: أي ملعون؟
مجاهد: الملعون الذي هرب من أداء الصدقة.
الشحاذ: لم يهرب أحد .. فقط أنا مللت من الوحدة فناديت
عليك .. كي نتسلى معاً بعض الوقت … نتآنس.
مجاهد: (غاضباً): أنا لست مسئولا عن المؤانسة.. أنا الآن
مجاهد .. مسئول عن الإمساك بالذين حاولوا الإفلات.. وأنت
مسئول عن الشحاذة .. مفهوم؟ أنا أجلس في الدفء وأنت تجلس
في البرد.. مفهوم؟ لكل واحد دوره .. مفهوم؟
الشحاذ: يا مجاهد .. منذ عدة ساعات لم يعبر هذا الطريق
أحد.. وأنا أجلس وحدي حتى مللت
مجاهد: أنت نحس ! ما ذنبي أنا ؟ هل تعلم أنك قد تم اصطيادك
بعد نصف ساعة من جلوسي؟ قبلها مر عشرة من هنا غيرك..
ودفعوا الإتاوة وهم صاغرون .. خمسين جنيها كاملة في نصف
ساعة فقط، أما مجاهد الأول فقد حقق رقماً قياسياً ..
خمسمائة جنيه.
الشحاذ: منبهراً: أنت كنت تجلس قبل منتصف الليل. أما أنا
فأجلس بعد منتصف الليل.. حيث الناس قليلون.
مجاهد: ومن قال لك أن تأتى بعد منتصف الليل أيها النحس
!
الشحاذ: لولاي ولولا إفلاسي.. كنت أنت ظللت في مكانك إلى
الآن.
مجاهد: نحس بعض الناس من رزق بعض الناس.. أنا أعترف .. لقد
كان نحسك من حسن طالعي.. وها أنا الآن في منصب مجاهد ..
وأنت في منصب شحاذ.. عليك أن تتقبل دورك ولا تزعجني مرة
أخرى بالبلاغ الكاذب… هذا هو الاتفاق.
الشحاذ: يعنى .. إذا لم يمر أحد.. أبقى هنا إلى الأبد؟
مجاهد: هذا هو الاتفاق.. أنت تسهر في
الخارج.. وأنا أسهر في الداخل.. ومجاهد الأول يغط في النوم
لأن دوره في المسرحية قد انتهى .. أنت إذا مر بك فاعل خير
ودفع الصدقة أخذتها منه .. فإذا أبى تستنجد بي .. وهنا
يبدأ دوري فأرغمه على الأداء ورزقي ورزقك على الله.
الشحاذ: فإن كان مفلساً.
مجاهد: تبدأ مسرحية المحاكمة .. أنت ملاك الرحمة .. وأنا
ملاك العدل وفى هذه الحالة سوف يتحقق خلاصك من البرد
والوحدة.. هذه هي الفرصة الوحيدة للخلاص.. مفهوم؟ [ينصرف].
الشحاذ: خلاصنا عليك يا رب.
ابعث إلينا بواحد مفلس يا رب.
جربان وجربوع
الراوي: صاحبنا يتذكر مازال ما كان عليه الحال وما آل إليه
الحال.
صاحبنا يحلم ما زال.
أن تجتاز الدرب ضحية
تنقذه من طعنات البرد الشتوية
صاحبنا يحلم أن يتدرج في السلك ويرقى.. في الترقية الأولى
يمسك بالخنجر والسوط في الترقية الأعلى يخلد للنوم .. يغط
.. يغط
[نسمع
شقشقة
عصفور].
الراوي: صاحبنا يسمع
شقشقة
العصفور
يتذكر فجأة
أن نهاية هذا الليل النور
لكنى لا أدرى هل هذا يضنيه
أم هذا يرضيه؟
إني لا أعلم إلا ماضيه، وحاضره.
هذا الغارق فيه
أما آتيه ، فإني أخشى
أن الغارق في ليل التيه
يستمرئ ليل التيه
إني لا أملك إلا أن انتهز الفرصة..
كي أنذره … وأحذره.. وأمنيه
[يتجه
إلى الشحاذ].
لا تستسلم.
أصمد لحظات للديجور.
بعد قليلٍ سوف يجئ النور
بعد قليل سوف يجئ النور
ستار