English تأملات في الشريعة تاريخ المدينة من نحن أتصل بنا الصفحة الرئيسية
بقلم : بلال السامرائي القرآن الكريم

بسم الله والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه :

يظن كثير من الناس أن القرآن الكريم كتاب المسلمين الخالد ما أنزل يوم أنزل إلا ليكون وسيلة لاستجلاب الرزق أو أنه ترانيم حزينة تقال غالباً عندما تودع الحياة شخصاً عزيزاً  ملأ جوها حركة ونشاطاً .. ولربما ظن ظان أن كتاب الله المعجز ما هو إلا فأل حسن يتفاءل به أول الصباح وعند الخلود إلى النوم أن أنه سفر ديني يقرأ في زمان مخصوص " شهر رمضان " وبانتهاء ذلك الزمان يوضع على رفوف عالية لا يمسه بعد ذلك إلا الغبار .

إن هذه النظرة المجتزأة تنبئ عن تخرصات وغفلات وهجر لكتاب الله المجيد وكانت شكاية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه شكاية عظيمة بسبب إعراض أهل مكة عن هذا القرآن وهجرهم له , يقول تعالى : ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) الفرقان – 30

يقول الإمام ابن كثير في تفسيره " ترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه وترك تدبره وتفهمه من هجرانه وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه "

ويقيناً أن هذا التصور الخاطئ لدور القرآن الكريم في الحياة ومحاولة حصر هذا الدور في مجالات ضيقة محدودة كان نتيجة جهود فكرية مضنية قام بها مصدرو الظلام الفكري في الغرب وفي مقدمة هؤلاء " المستشرقون " .

لما جاء المستشرقون بلاد المسلمين أعملوا كل فكرهم وجهدهم في التماس أسباب القوة التي بها افتتح جيل المسلمين الأول بلاد شاسعة في سنين قلائل وبقوا يمتلكون ناصية قيادة العالم قروناً عديدة وبعد البحث المتأني والتنقيب وسبر أغوار نفسيات العرب المسلمين وجدوا أن مكامن القوة ترتكز في ثلاثة أشياء أولها ( القرآن الكريم ) وثانيها ( مكة المكرمة ) وبعدها ( صلاة الجماعة ) .

بدء المستشرقون بالقرآن الكريم باعتباره ذو صلة وشيجة بفكر المسلمين وقلوبهم فدرسوه من كل جوانبه وعرفوا جزماً مقدار تأثيره في قلوب المسلمين وانعكاس هذا التأثر على سلوكهم وأفعالهم فلم يألوا جهداً في توهية الصلة بين القرآن وبين متبعيه وذلك " بالتشكيك في – مصدره تارة – وبالزعم بأنه يتضمن تناقضاً تارة أخرى كما أدعى ذلك جولد تسيهر ولوسيان كليموفتش "

وكان من الأهداف التي نصبوا أنفسهم لها وحاولوا تجريد عقول ونفوس المسلمين منها فكرة العودة إلى القرآن الكريم واتخاذه منهاجاً ودستوراً في الحياة فلقد " وقفوا على هذه الفكرة ورأوا أثرها الإيجابي في حياة المسلمين وشرحوها بأن معنى العودة إلى القرآن وإلى عصر الصحابة رضوان الله عليهم هو الرجوع إلى الحياة البدائية التي كانت للجماعة الإسلامية الأولى فهي عندهم ليست سوى جماعة بدائية يقول المستشرق شاتلي " وإذا أردتم أن تغزوا الإسلام وتخضدوا شوكته وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة لها , والتي كانت السبب الأول والرئيس لاعتزاز المسلمين وشموخهم , وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم – عليكم أن توجهوا جهود هدمهم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وتاريخهم وكتابهم القرآن وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتهم وتاريخهم ونشر روح الإباحية وتوفير عوامل الهدم المعنوي حتى لو نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء لكفانا ذلك لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها .

وقد ألفوا كتباً تناولت القرآن وعلوم الحديث والعربية فدسوا في هذه الكتب سموماً وأكاذيب كان لها ولا يزال قبولاً واضحاً بين طبقات المثقفين العرب ومن أخطر هذه الكتب المشوهة للإسلام والمتداولة بي أيدي الطلاب اليوم ( دائرة المعارف الإسلامية ) والتي صدرت بعدة لغات ويعاد طبعها بين الفينة والأخرى .

ومن المحزن أن نقول  بأن عمل المستشرقين لم يكن مقصوراً على تأليف الكتب الهدامة والرسائل الاستشراقية المدخولة لكنهم تجاوزوا حدود ذلك بأن أوجدوا لهم مستشرقين عرباً يتكلمون بكلامنا ويدينون بديننا خلفوهم في بلادنا بعد أن غادروها وكان لهم نفس الدور التخريبي فلم يكن أحد يفطن إلى هذا الدور الفكري الهدام إلا من أوتي لباً حصيفاًَ .

يقول الشيخ محمد الغزالي المصري رحمة الله " إن هذا النفر من حملة الأقلام الملوثة أخطر على مستقبلنا من الأعداء السافرين فان النفاق الذي برعوا فيه يخدع الأغرار بالأخذ عنهم "

إن صنيع المستشرقين هذا يؤكد يقينهم بأن القرآن الكريم بقي محفوظاً من تلاعب المحرفين ويبقى كذلك إلى أبد الدهر وإن كتب السماء السابقة وأسفارها قد مسها التبديل والخلط فعملوا بكل جراءة على إضعاف يقين المسلمين بكتاب ربهم وجعل علائقهم به مبتورة الصلة .

القرآن الكريم كلام الله الأزلي وخاتمة الشرائع السماوية له مزية الاختلاف عن بقية الكتب المنزلة والصحف المطهرة وإن كان المنهاج العام لها واحد ذلك أن الله تعالى تعهد بحفظه من التحريف بحكم كونه كلمة الله الأخيرة لهداية البشر أراد الله جل في علاه لها أن تبقى على الدهر وتخلد على الزمن فصانها من أن تمتد إليها يد بالتحريف أو التصحيف أو التغيير أو التبديل قال سبحانه وتعالى : ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) الحجر – 99 .

أما بقية الكتب والصحف فقد امتدت إليها أيدي التحريف والتبديل فحرف الأحبار التوراة تبعاً لأهوائهم ولم تبق على ما أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسوله موسى عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام يقول السيد سابق " فقد قام بكتابتها أكثر من كاتب وفي أزمان مختلفة وقد أثبت القرآن هذا التحريف ونعى على اليهود التغيير والتبديل الذي أدخلوه على التوراة فقال تعالى : ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) البقرة – 75

أما الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام فلم يسلم من تحريف القسسة فقاموا بإخفاء كثير من صحف الإنجيل واستبدالها بكتابات بشرية , حيث يوجد لدى النصارى الآن اربعة أناجيل كل يعرف باسم كاتبه , اختصرت من بين سبعين إنجيلا , وقد ظهر في الفترة الأخيرة أتجيل خامس هو أتجيل " برنابا " يخالف بقية الأناجيل مخالفة كبيرة حيث أنه لم يعتبر المسيخ ابن الله , ولم يعتبره إلهاً , كما أن الذبح الذي تقدم به إبراهيم الخليل عليه السلام للفداء هو إسماعيل وليس بإسحاق كما هو مذكور في التوراة كما أن الأمر الآخر هو أن المسيح المنتظر ليس هو يسوع بل محمد والأمر الآخر الذي خالف فيه هذا الإنجيل بقية الأناجيل أن هذا الإنجيل يبين أن المسيح عليه السلام لم يصلب ولكن شبه لهم .

أما صحف إبراهيم وزبور داود عليهما السلام فقد دخلهما تبديل وتحريف ويكادان أن ينعدما .. وقد أحتوى القرآن الكريم على كل ما سبقه من هدى فكان القرآن هو الكتاب الإلهي المصدق لما قبله والمهيمن عليه قال تعالى (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ) المائدة –48

وبعد فأقول : إن هذا القرآن الخالد معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم باق ويبقى إعجازه ما بقي الليل والنهار وما من يوم يمر إلا ويكتشف العلماء المسلمون فيه معجزات أخر .. حتى علماء الغرب شهدوا لهذا القرآن بالإعجاز وانه كتاب سماوي وليس من صنع البشر ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق ) فصلت – 54

إن القرآن الكريم كتاب هداية ورشد وليس ورد أحزان يقرأ في ذكريات الموتى .

إن القرآن الكريم كتاب علم وعمل لا دخل للأهواء فيه والتمنيات ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذي لا يعلمون ) الجائية – 37 .

إن هذا القرآن محفوظ بحفظ الله له ولن تمسه أيدي المحرفين والمبطلين ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) الإسراء – 111 , والله أعلم .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

 

وكتبه
بلال السامرائي
albazi72@hotmail.com


أخي الزائر :
نحن في موقع سامراء نبذل قصارى جهدنا في توفير المعلومات عن مدينة سامراء التاريخية , فاذا وجدت ماهو غير مناسب فلا تتردد بالأتصال بنا

جميع الحقوق محفوظة لسامراء ©2002