English تأملات في الشريعة تاريخ المدينة من نحن أتصل بنا الصفحة الرئيسية
بقلم : بلال السامرائي

مأسات شعب مسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد :

أمضيت في بلاد الغربة ردحاً من الزمن كنت خلالها كالطائر البري الذي لايعرف الإستقرار وأحسب أن الأقدار الإلهية قد حتمت علي أن أكون كذلك الطير الذي يحب مناطق الدفء في بلاده ولكن لامجال للرحيل إليها .

حزمت أمري متحسباً كافة النتائج , وبعد رحلة زادها المتاعب وصلت حدود بلدي فهالني مارأيت وحزنت لذلك أشد الحزن فلم يدر بخلدي ولاجال بخاطري أن أرى مثل الذي رأيت .

ولقد هزني عند الحدود تصرف موظفي الجمارك والحدود فلقد احترفوا بالإضافة الى وظائفهم مهنة الإستجداء من القادمين وتفننوا في ذلك كل الفن .. نحن نعرف أن الذي يسأل الناس يكون في غاية الألم والخجل وفي عسر من أمره أما مارأيته في حدود ديارنا فكان مثاراً للسخرية والأشمئزاز بالإستجداء من قبل الموظفين كان في غاية العلنية وفي أساليب تحرج القادمين إلى البلد تمام الإحراج وخصوصاً الأجانب منهم .

لقد كان الأسى يعتصر النفوس ونحن نرقب مايحدث فهذا وجه البلد وبوابته كالحاً إلى هذا الحد فالله المستعان على ما سوف نرى وما يحدث في داخل البلاد .

بعد أن وصلت إلى بلدتي كان لي رغبة شديدة بعد الذي رأيت في أن أرى وأسمع ما أمكنني ذلك , لكي أنقل ما أرى وما أسمع إلى من يهمه أمر المسلمين أينما كانوا .

وجدت في بلدي أن راتب الموظف الاعتيادي ( كالـمدرس مثلاً ) مابين ( 3000 – 5000 ) دينار أما كبار الموظفين كالمدراء والأطباء والمهندسين فلا يتجاوز راتب الواحد منهم ( 12000 ) دينار مع العلم أن أسعار المواد الغذائية باهضة جداً وفي إرتفاع مستمر : فطبق البيض المكون من (24) بيضة يباع في السوق بمبلغ (2200) دينار , ولقد رأيت أن الناس يشترون البيض (فرادى) بعد أن كان الفرد في وقت من الأوقات يخجل أن يشتري نصف طبقة بيض بل كان البيض لايباع أبداً بهذه الطريقة (الفرادى) .

وأما اللحوم فوجدت أن سعر الكيلو الواحد بمبلغ (1700) دينار . وروى لي أحد معارفي من القصابين أن بعضاً من الناس يأتي إلى سوق اللحم لينظر فقط إلى قطع اللحم المعلقة في المحلات أو ليشم على أقل تقدير فهناك من لم يذق طعم اللحم منذ شهور عديدة بسبب ضعف اليد وعسر السؤال .

وجدت لحم الدجاج في بلادي كالين الياباني في أسواق البورصة العالمية لايمكن شراؤه بسهوله . وهذه العملة الغالية (الدجاج) لايؤكل إلافي الدعوات الفخمة والمناسـبات العزيزة , فسعر الدجاجة الواحدة يتراوح ما بين (2200-2500) دينار .

إنها معادلة عجيبة صعبة التصديق ونادرة الوجود ولكنها موجودة ( ولله الحمد على كل حال ) في أرض الهلال الخصيب وأرض السواد العامرة فلا هلالاً خصيباً رأينا ولا في أرض سواد مشينا .

كان لي فيما مضى صديق غاب عن سواد عيني منذ أن فارقته وانقطعت بيننا حلاوات الرسائل فلم أدر ماوصل به الحال , فلقد تركته سريع النكته تألفه النفوس ويؤنس الحاضرين .. ولقد وجدته بعد وصولي في حزن وفي شدة من أمره , فلقد ذبلت بفعل الويلات تلكم الزهرة اليانعة وأصبح مدرساً لمادتي التربية الإسلامية واللغة العربية وبالإضافة الى ذلك فهو يزاول إعمالاً أخرى ويجهد نفسه غاية الإجهاد فهو يعمل إمام وخطيب في إحدى المساجد الريفية وكذلك في جمعية إسلامية خيرية مهمتها توزيع الإعانات والمواد الغذائية على الفقراء والمساكين ويعمل بعد كل هذا حارساً ليلياً لإحدى المحال التجارية في المنطقة .. كل هذا الجهد الجهيد من أجل أن يوفر لأهله وأطفاله مايسد الرمق . ولكم سمعت ممن أثق بهم أن الصدقة تحل عليه وتوجب له لما يمر به من ضيق وعسر وعوز .

لقد رأيت الناس ملأى بالأحزان .. الناس هنالك في بلدي أصبحوا لايحبون المستقبل ولايأمنون له جانباً فالأيام الصعاب علمتهم أن اليوم لاشك أفضل من الغد .

لقد اصبح الناس لاهم لهم ولاشاغل إلا الركض وراء لقمة العيش وهذا لاضير فيه ولكن المفجع أنهم فقدوا القناعة في الرزق والرضا بالمقسوم إلام مارحم ربي ( وقليل ماهم ) .

وجدت الأمان بضاعة يصعب الإتيان بأثمانها فلا أمن من جوع ولا أمن من الخوف .. الناس في بلدي حرموا من الطعام وفقدوا اثمن الآلاء .. إنه الأمان .

وجدت الجميع في البلد وكأنهم ينتظرون أمراً جللاً قد يحدث في أية لحظة ..

بركاناً خامداً قد يثور .. أسد في غابة يزأر .. لقد شابت رؤوس شباب وهم في ربيع أعمارهم وتفشت امراض الشيوخ بينهم فلكم سمعت أن شباباً في مقتبل العمر يسقطون صرعى وهم يسيرون على قارعة الطريق ولكم سمعت أن نساءاً يافعات أصبن بأمراض القلب وأوجاع الدماغ من الكمد على ذويهن ..  كل هذا يحدث في تلك الديار والمتفرجون على المسرحية يضحكون ولايرضون مغادرة المكان .

قابلت الأغنياء فوجدتهم أكثر خوفاً من الفقراء وهنا تستحضرني رواية مفادها أن مدينة بغداد داهمها الغرق في زمن الإمام أبي حنيفة ( رحمه الله ) فخرج الناس في الطرقات وهم يحملون أشياء منازلهم على الدواب فإذا بالإمام الأعظم أبي حنيفة يأتي راكباً على حمار له فقال له الناس : يا إمام لقد فاضت بغداد واتلفت الزروع وهلكت الأنعام والناس خرجت إلى الطرقات تحمل أغراض منازلها , فقال لهم الإمام : وأنا أيضاً أحمل أغراضي معي .. فما وجدوا معه إلا مصحف وكتاباً وعدة وضوء وسجادة يصلي وينام عليه ..

جالست الفقراء والمساكين وكنا نستحضر بين الفينة والأخرى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الله أحيني مسكيناً وامتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين ) فكان هذا يخفف عنهم بعض ما يعانون , ولقد كنا نتذاكر معاً قول الله تبارك وتعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) فكان ذلك يبعث البهجة والفرح في النفوس ويزيدهم صبراً على صبرهم ويزيد الإيمان في الأفئدة , فالإيمان قد ينقص عن النوازل والشيطان شديد التربص بالإنسان عن النازلة .

لقد رووا لي روايات قد لاتصدق فلقد ذكروا لي أن بعض العوائل تمنع نصف أولادها من الغداء حتى مجيء وجبة العشاء أي أن العائلة إذا كانت مكونة من أربعة افراد فإثنان منهم لايتغدون والإثنان الذين تناولوا طعام الغداء لايأكلون طعام العشاء , مع العلم أنه لاوجود لوجبة الإفطار في قاموس تلك العائلة الغذائي بتاتاً .

لقد قابلت أحد أصدقائي قبل أن أغادر البلاد فآلمني كثيراً ما سمعت منه فلقد قال لي انه خرج من بيته بدون فطور وأنا لا اشك في صحة حديثه بتاتاً .

لقد أصبح الناس في بلدي يطبقون بعض السنن النبوية التي غفل عنها الناس ويقتفون بعض الآثار التي وردت عن الصحابة والتابعين من حيث لايشعرون فلا غرابة   أن تدخل بيتاً ولايقدم لك إلا الماء فقط أو أن يعرض الرجل ابنته أو أخته للزواج ولا من مستجيب , فقد عزف الشباب عن الزواج لتكاليف المعيشة الباهضة والخوف مما يحمله قطار الأيام القادمة من ويلات .

لقد دخلت بنفسي بيوتاً عدة , وجدتها خالية من مستلزمات البيت الاساسية فعلمت بعدها أن كل شيء أساسي في الدار تم بيعه فالجوع سلاح فتاك وفعال لمن أحسن أن يحارب به , والفقر مرض مهلك والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر يومياً بل وفي كل صلاة .

وعلمت أن هذا الأمر اصبح مألوفاً لدى الكثير من البشر هناك فليس بعجيب أن يبيع الرجل حاجات البيت الأساسية كالتلفزيون والثلاجة والمكيف بل وحتى فرش الأرض .

لقد سمعت من أناس كثيراً أن هنالك عوائل يحتلفون ليلاً نفس الفراش الذي يجلسون عليه نهاراً فالجميع في بلدي يتعرضون إلى نفس المأزق ولربما جنحت حرة عن درب الفضيلة تحت وطأة الجوع والمرض ففي بلدي كثرت الأرامل وازداد عدد الأيتام فالحروب مستمرة والنار مستعرة ولاحطب لها الا الرجال .

قابلت العلماء وجالستهم مدة طويلة فوجدت أن أغلبهم قد أنبرى يجمع من المحسنين ما استطاع أن يجمع لكي يوزعها في نهاية المطاف على المعوزين . لقد رأيت علماءنا – حفظهم الله – قد أصبحوا وكأنهم موزعي مواد غذائية فما أن تدخل بيتاً من بيوتهم حتى تجد أكداساً من الرز والسكر والدقيق وعلب الزيت وكلها توزع بإنتظام على الفقراء والمساكين .

إني وجدت العلماء في ديرتي يقومون بأعمال خيرية جليلة مما أكسبهم حب الناس ومما جعلهم منارات يهتدى بها ورموز يقتفي أثرها فالكل شمر عن ســاعد الجد وخلعوا رداء ( العالم التقليدي ) الذي أرادوه أن يرتديه فكانوا بحق مصابيح تنير ظلام المحنة وبلسماً يخفف آلام الحياة .

 الجانب التعليمي :

لقد كان التعليم في ديارنا مجاناً من الروضة إلى الدراسات العليا فالذي وجدته أن أجوراً للتعليم قد فرضت وأثمانا للكتب قد وضعت وقد أصبحت هذه الأجور والأثمان مرتفعة جداً , فليس بمقدور أي طالب أو أي رب أسرة أن يتحمل تلك التكاليف ناهيك عن أن معيل الأسرة أخذ يوجه أبناءه إلى حقول العمل المختلفة لكي يعينوه في تدبير مايمكن تدبيره من شؤون منزله , لذلك فقد أحجم عدد لايستهان به من أرباب الأسر عن إرسال أولادهم للدراسة والاستعاضة عن ذلك بالتحاقهم في مجالات العمل المرهقة , هذا بالإضافة الى أن قلة الرواتب التي تعطى للموظفين من خريجي الجامعات أدت إلى عزوف الطلاب عن الإستمرار في الدراسة مما نتج عنه احتقار الشهادة العلمية حتى ولو كان المتخرج قد جاء بشهادة من جامعة أكسفورد .

لقد علمت أن الأمر أصبح مألوفاً بأن يعطي الطلاب للأساتذة مبالغ مالية وخصوصاً في أوقات الإمتحانات , فالرواتب شحيحة والحياة غالية ومتطلباتها في تزايد مما أدى الى تداعي الاحترام من قبل الطلاب لأستاذه ... ولقد سألت بنفسي أحد هؤلاء الاساتذة الذين وقعوا في هذا الشرك فأخذ يعلل ويؤول ولكن أنا أعرف أن الحاجة هي التي دفعتهم إلى أن يهبطوا إلى هذا الدرك الأسفل فإن الفقر كاد أن يكون كفراً ولو كان الفقر رجلاً لقتله الإمام علي كرم الله وجهه .

هذا غيض من فيض الأحزان التي حدثت والتي يحدث مثلها الكثير في حقل التعليم , فما حدث الذي حدث إلا كنتيجة لا أقول أنها طبيعية ولكن أقول أنها محزنة للعوز والحرمان والفقر .

 

الجانب الصحي :

فالطب في بلدي أصبح هزيلاً بسبب نقص المستلزمات الطبية ونقص الأدوية , فالأدوية غير موجودة وإن موجودة وإن وجدت فأثمانها عالية جداً . وكم طفت على صيدليات عدة أبحث عن إبرة أو قرص فلم أجد ما أريد . كما أن أغلب الأدوية الموجودة هي من صنع محلي وهي ضعيفة الفعالية أما الماركات العالمية فإنها تستورد من بلد مجاور , لذلك يرتفع سعرها , وأن ستة إبر وشريط حبوب مستورد يساوي راتب موظف اعتيادي أي 3500 دينار تقريباً .

أما المستشفيات العامة وهي شبه مجانية فلقد أصبحت تعاني أيضاً من نقص حاد في المعدات والأدوية الطبية وبشكل واضح , فعندما يذهب المريض إلى طبيب الأسنان مثلاً ليقلع ضرسه يقال له بأن المخدر قد إنتهى وعلى المرضى أن يشتروا المخدر من الصيدليات .

لقد أصبح الأطباء يتعاملون مع المرضى مادياً وعلناً , فيقول الطبيب للمريض هذه العملية لايمكن إجراؤها في المستشفيات العامة , تعال إلى المستشفى الخاصة وهذا يعني للمريض كيساً من النقود يجب عليه أن يدفعه للطبيب , فلكم رأيت من مريض مقعد ينتظر قرص الدواء والإبرة من الخارج أو أنه لايمكلك أثمانها , وكم من طفل فارق أمه على فراش الولادة لشحة العلاج .

لقد حضرت بنفسي مجلس عزاء لإمرأة فثي الأربعين من عمرها توفيت تاركة خلقها أطفالاً وزوجاً عجز عن أن يدفع ثمن الدواء لزوجته المسكينة , فلقد كان دوائها في البلد المجاور ولاطاقة له بجلبه .. سمعت ورأيت بكل هذا وكنت أرى وأسمع مثله يومياً .

لقد رأيت بعض الناس في بلدي يتطلعون الى الدول النصرانية بدل المسلمين .. فالمسلمون ( ولا أقول كلهم ) خذلوهم وتخلوا عنهم حتى وهم يموتون .. ولقد أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريراً حذرت فيه العالم من كوارث صحية شاملة ورهيبة قد تحدث في البلاد , وهذه منظمة الإغذية العالمية تضع تقريراً  أمام مجلس الأمن الدولي مفاده أن أربعة ملايين شخص في البلاد على حافة الهلاك جوعاً

لقد كتب المسلمون ويكتبون عن الأوضاع في أفغانستان والبوسنة والهرسك ( مأجورين ) ولكنهم نسوا أو غضوا الطرف عن إخوة لهم في الدين بجانبهم قد اجتمعت كل نوازل الحياة عليهم .

لقد كتب المسلمون عن المسلمين في كل مكان ولم يكتب أحد عن أهل بلادنا باستثناء كتابات بسيطة وبأعمدة صغيرة تناثرت هنا وهناك في بطون الصحف والمجلات , فلم تكن هناك كتابات جادة ومستمرة بإستثناء مقالات الصحفي ( عبد الرحمن الراشد ) في مجلة ( المجلة ) التي تصدر في لندن فهو دائم الكتابة عن الأوضاع في العراق ولو سنحت له الفرصة وزار البلاد واطلع على الأوضاع هناك لكانت أكثر جدية ولكانت أكثر حرصاً على التعريف بمآسي المسلمين هناك .

إن أهل البلاد المقيمين في الخارج هم أول المعنيين بهذا الأمر ولو أن قلماً منهم قد كتب وشفاه تحركت بصدق لما وصل الحال إلى هذا المنزلق المظلم , فأهل البلاد الآن في أمس الحاجة إلى قلم كالراشد يكتب بصدق وبتعقل ولا حاجة لأهل البلاد إلى ترهات وأحاجي وأشعار كالتي يكتبها ( خالد القشطيني ) في جريدة الشرق الأوسط الصادرة في لندن .. فهو يكتب عن سوق الشورجة وشارع الرشيد وقصائد السياب ونكات الكرخي ..كل هذا لاحاجة لأهل البدل به الآن وياليته لازم الصمت فإذا كان الكلام من فضة فالسكوت له أغلى من الذهب .

أنا أذكر نفسي والمقيمين من أهل ديارنا في الخارج بأن علينا أن لانضرب يداً  على الأخرى عندما نسمع بآلام البلاد بل علينا أن نمد يد العون لهم ونؤازرهم ونكتب عنهم سواء كانت المعونات مادية وهذا الأهم أم معنوية بالدعاء لهم ولقد حملني العلماء الأفاضل في بلدتي أمانة إيصال هذه الصرخة إلى المقيمين وإلى المسلمين في أرجاء المعمورة فإن في البلاد كما ذكرت مصابيح منيرة تعمل وتجاهد حتى في لجج الظلام وهم ينتظرون مد يد العون والمساعدة ولو بقينا ندور في فلك الأسباب والمسببات لهذا الأزمة وهذا فعل الساسة الآن ودوران الصحفيين . أقول لو بقينا ندور في هذه الأفلاك لهدمت بيوت عامرة ولهلك من في تلك الأرض .. فالوقت الآن ليس لهذه أو تلك بل للإسراع بالمؤازرة والمناصرة والاهتمام بأمرهم فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً  

الجوانب الإيجابية :

بعد ذلك لابد لي أن أذكر بأني قد رأيت جوانباً مشرقة مضيئة وطموحات قد تثمر مستقبلاً إذا أحسن التعامل معها وإذا قوبلت هذه الطموحات بالدعم والتأييد .. فلقد رأيت أن هنالك توجه سليم نحو الدين وهذا التوجه قوي جداً ويشمل شريحة واسعة جداً من الشـباب .. فبعد أن كن شباب الديرة يتوجهون في أوقات العطل الدراسية إلى أوربا .. أصبح التوجه الآن عكسياً تماماً .. فتوجه الشباب الآن إلى المساجد وحلقات الدرس . فالمساجد عامرة بالمصلين , والشباب يطلقون اللحى بلا خوف أو تردد .

ولقد رأيت حلقات الدروس تقام في المساجد وفي البيوت وحضرت بنفسي تلك الدروس التي تعطى في المساجد والبيوت أيضاً .. ولقد كان لي هناك أخ صديق وشيخ فاضل أنعم الله عليه بالعلم والتقوى والصلاح , كان لاينفك عن التدريس من ساعات الصباح الأولى حتى المساء وحتى في جلسات السمر الليلية كان بعضاً من طلاب العلم اليافعيين يحضرون جلساته فيكتبون ما يقول .

ولقد أنشئت في بلدتي منذ أربع سنوات خلت مدرسة للعلوم الشرعية تستقبل الطلاب من خريجي الدراسة الإبتدائية والذين تتراوح أعمارهم مابين 11-13 سنة وهذه المدرسة غنية بأساتذتها فهم من العلماء الأجلاء وثرية بالمواد التي تدرس للطلاب .. ولقد رأيت نفسي كثافة الطلاب المتقدمين لهذا المدرسة وحتى من أولاد المسؤولين والأغنياء من تدافع مع الطلاب الفقراء للجلوس على كرسي الاختبار فلا واسطة فيها ولا تزكيات ولافرق بين غني وفقير , فالاختبار واحد والطلاب كلهم في المعاملة سواء مما أكسبها شهرة واحتراماً كبيرين حتى من المسؤولين أنفسهم .

وهذه المدرسة تقدم بالاضافة الى الدروس الشرعية كسوة صيفية وشتوية للطلاب الفقراء وهم الأغلب , كما تقدم وجبتي غداء وعشاء للطلاب أجمعين , وفي المدرسة سكن داخلي للطلاب , فبعض الطلاب يأتون من مناطق ريفية ولايتمكنون من الذهاب والمجيء يومياً .

كما أن المدرسة تقدم إعانات مالية ولو بسيطة إلى الطلاب . ولقد انبرى موسرو المدينة بتقديم المساعدات المالية والغذائية لهذه المدرسة الفتية . وعلمت أن أحد أهل البلدة المقيمين خارج البلاد قد زار المدرسة وتبرع بمبلغ 2000 دولار أو يزيد , فقامت إدارة المدرسة بصرف جزء من المبلغ لشراء كسوة الشتاء للطلاب والجزء الآخر يصرف على شراء المواد الغذائية .

هذه المدرسة قائمة على حب أهل البلدة للعلم والعلماء وقائمة على مساعدات الموسرين لها .. فأساتذة المدرسة هم من أفاضل علماء المدرسة في حاجة إلى المعونات المالية لاستمرار تدريس العلوم الشرعية فيها .

وكان لي هناك وقفة أخرى مع إحدى الجمعيات الخيرية الإسلامية , فهي الجمعية العلنية الوحيدة في البلدة ويديرها باخلاص وأمانة نفس العلماء الذين يدرسون في المدرسة الشرعية , وتقوم هذه الجمعية بمهام عديدة فهي توزع المواد التموينية على المعوزين وتوزع رواتب عينية على أئمة المساجد وخطبائها ويشترك في عضوية الجمعية عدد من أغنياء البلدة لديمومة الإتصال بين الجمعية والأغنياء وهذه الجمعية لها الآن وزن ثقيل ومكانة واسعة بين أهالي المدينة .. وهناك بعض الجمعيات السرية وهي صغيرة في حجمها وتنحصر مهامها في جمع التبرعات لهذا المسجد أو ذاك ثم سرعان ماتحل بانتهاء مهامها .

أنا لا أريد أن أكون متشائماً أو أزيف الحقائق لأجذب القلوب ولكنها حقائق رأيتها بأم عيني وسمعتها بأذناي فأول مايعنيه كلامي إخواني المقيمين في خارج البلاد , وأرجوا منهم أن يتذكروا أن لهم أهلين في تلك الديار يعانون مما كتبت , وأرجو منهم أن ينظروا حال إخوانهم فيذكرون في هذه الساعات العسيرة ويدعون لهم بأن يفرج الله عنهم ماهم فيه وأن يخفف عنهم مايعانون ويزيدهم صبراً على صبرهم .

ولابد لي قبل ختام كلامي أن أعرج على المحسنين الموسرين من المسلمين ونتذكر معاً أن الصدقة تحط الخطايا وتطفيء غضب الرب فمن كان له فضل مال أو صدقة أو زكاة فلا أحوج (والله أعلم) من تلكم النساء اللاتي قدر لهن أن يعشن أرامل ومقعدات يفترشن قارعة الطريق وأبواب المساجد أو تلكم المفجوعات بفقدان أزواجهن واللاتي إغلقن أبوبهن ويحسبهن الجاهل إغنياء من التعفف .

وفي الختام : غادرت بلدي بحزن وبأمل بعد أن شاركت الناس هناك أحزانهم وتعايشت مع آمالهم فكنت منهم وما وددت أن أفارقهم ولكن قدر الله تعالى لي أن إغادر البلاد أحمل معي كل الآمال في  أن ينظر الموسرون إلى حال المعسرين فهم منهم وأبناء جلدتهم والأقربون بالمعروف أولى .

قال تعالى : ( وماتقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا ) قال الإمام إبن كثير في تفسير هذه الآية : أي جميع ماتقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل خير وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا .

وصلى الله على سيدنا محمد صلى وعلى آله وصحبه أجمعين

وكتبه
بلال السامرائي
albazi72@hotmail.com


أخي الزائر :
نحن في موقع سامراء نبذل قصارى جهدنا في توفير المعلومات عن مدينة سامراء التاريخية , فاذا وجدت ماهو غير مناسب فلا تتردد بالأتصال بنا


جميع الحقوق محفوظة لسامراء ©2002