:
عمران سامراء في عهد الواثق بالله
كان الواثق بالله يختلف عن ابيه المعتصم بالله في كثير
من صفاته وسجاياه ، وهو بعمه المأمون اشبه، ويقول صاحب
الذهب المسبوك ان المأمون هو الذي رباه فتقبل افعاله(1)
، فقد كان بعيداً عن الروح العسكرية وحياة الخشونة ،
ميالاً الى الاداب والعلوم والمناقشة في المجالس الادبية
والعلمية ، وفناناً بطبيعته مولعاً بالشعر والغناء والتلحين
، ومع اهتمامه بعمران حاضرة الخلافة سامراء التي اسسها
ابوه وانفق عليها اموال طائلة لم يبلغ درجة اهتمامه بما
يتفق وميوله ، فانه استمر في السكن بها باعتبارها عاصمة
الدولة العربية ، وكان قد انتقل من قصور ابيه وبنى له
قصراً على شط دجلة يقال له الهاروني(2) واتخده سكناً
له الى حين وفاته فدفن فيه(3) وزاد في الاقطاعات أي انه
اقطع الناس اراضي جديدة لبناء مساكن لهم واسواق ، مما
ادى الى توسع المدينة وازدياد العمران فيها وزيادة سكانها
، كما انه زاد في الاسواق لتلبية حاجات سكان المدينة
ووسع الفرض التي كانت على نهر دجلة لتستوعب السفن التي
تردها من الموصل وبغداد وواسط والبصرة مما كان عاملاً
مهماً في تنشيط التجارة وتوسيعها .
ان ما اهتم به الواثق بالله من عمران سامراء على قلته
شجع الناس على البناء والتعمير في المدينة لا سيما تجديد
مساكنهم وعماراتهم فاحكموها واتقنوها لما علموا ان سامراء
قد صارت مدينة عامرة(4) .
:
توسيع مدينة سامراء
كان المتوكل على الله مثل ابيه المعتصم بالله يحب البناء
والعمران كثيراً ، وقد تفوق عليه فيما اسسه بسامراء من
القصور والمتنزهات ، وما شقه من الترع بجداول ، وما بذله
من الأموال الطائلة على ذلك ، فقد كان ميالاً للبذخ مسرفاً
بطبيعته ، ولهذا لم تكن النفقات
في عصره من الاعصار ولا وقت من الأوقات مثلها في ايامه(1)
. وكانت فاتحة اعماله العمرانية توسيع مدينة سامراء ،
فشق شارعين جديدين في ناحيتها الشرقية موازيين لشوارعها
الكبيرة الاخرى ، هما شارع الاسكر وشارع الحير الجديد
، وبنى فيها عدداً كبيراً من القصور التي كانت زينة لها
اكملت بهاءها بحيث بلغت اوج عمرانها في عهده ، ويعتبر
بناء جامع الملوية الكبير في آخر الحير ، وشق الشوارع
الفرعية الثلاثة التي توصل إليه من المدينة ن واقامة
الاسواق والحوانيت المختلفة التجارات والصناعات على جوانب
هذه الشوارع ، اهم ما ادى الى توسيع المدينة ، اذ قامت
على هذه الشوارع قطائع للسكنى ، فقد اقطع المتوكل على
الله الكاتبين نجاح بن سلمة واحمد بن اسرائيل ، ومحمد
بن موسى المنجم واخوانه ، وجماعة من القواد والكتاب الهاشميين
وغيرهم في آخر الشوارع المذكورة مما يلي قبلة الجامع
، وبذلك اتسعت على الناس المنازل والدور كما اتسع اهل
الأسواق
ويلاحظ اهتمام المهندسين آنذاك بفتح الشوارع الفرعية
والدروب التي توصل بين الشوارع الرئيسة في المدينة ،
ولا يخفى ان ذلك يتيح لأكثر المساكن ان تكون واجهتها
على تلك الشوارع والدروب ، ويسهل الاتصال بين قطائع السكان
والاسواق ، إضافة الى تخفيف الزحام داخل المدينة .
اما الشارعان اللذان امر المتوكل على الله بفتحهما في
شرقي سامراء فهما شارع الاسكر وشارع الحير الجديد ، وصار
بذلك عدد شوارع سامراء الموازية لنهر دجلة سبعة شوارع(3)
، وكان من إجراءات المتوكل على الله في توسيع مدينة سامراء
جنوباً ، انه انزل ابنه ابراهيم المؤيد بالمطيرة ، وانزل
ابنه المعتز خلفها شرقاً بموضع يقال له بالكوار وكان
قد بنى قصراً فسيحاً هناك ، فاتصل البناء من بلكورا جنوباً
الى آخر موضع المعروف بالدور شمالاً ، مسافة اربعة فراسخ(4)
.
:
الطراز الحيري في البناء
بلغ من حب المتوكل على الله لبناء واهتمامه به انه احيا
طرازاً عربياً قديماً هو الطراز الحيري ذو الكمين والاروقة
، واتبع الناس المتوكل على الله في اتخاذ هذا الطراز
من البناء لبيوتهم في عهده وبعده(1) ، كما صار الطراز
الحيري يتخذ في بناء القصور الكبيرة اذ صار لها مقدم
وعلى جانبيه جناحان ، ولها ثلاثة ابواب اوسطها الباب
الاكبر والى جانبيه البابان الصغيران(2) ، وقد انتقل
هذا الطراز من البناء الى بغداد كما نقله الامير احمد
بن طالون الى مصر .
: تل العليق
يقع هذا التل شمالي الجامع الكبير ، وقطره نحو مائتي
متر ، وهو يرتفع عن السهل المحيط به بمقدار ( 25 ) متر
ويحيط به فندق عريض دائري يبلغ عمقه نحو ثلاثة امتار
وحوله معالم سور مستدير يبلغ قطره نحو ( 450 ) متر(3)
، وفي شمالي التل طريق يمتد من قمته ويعبر الخندق .
ويعلل الناس تسمية التل برواية يتناقلونها هي ان التل
تكون من التراب الذي نقله الجنود الخيالة بعليق خيولهم
، ويروون ان الخليفة المتوكل على الله اراد ان يظهر فخامة
جيشه وكثرة عدد فرسانه بدليل عياني محسوس ، فامران يملأ
كل واحد من جنوده الخيالة عليقة بالتراب ثم يرميه هناك
فتكون التل من التراب الذي تجمع على هذا الوجه(4) وجاء
في خلاصة الذهب المسبوك ان المعتصم بالله هو الذي امر
بعمل تل العليق لما جيش الجيوش الى محاصرة عمورية(5)
.
وقد درس هرزفيلد هذا التل خلال تنقيباته في سامراء واستنتج
انه كان على قمته قصر مربع الشكل مقسم الى تسع غرف متصلة
ببعضها واحدة منها في الوسط واربعة متصلة باضلاع هذه
الفرقة على شكل اواوين مفتوحة والاربعة الاخرى بين اضلاع
الاواوين المذكورة .
والغرض من تكوين هذا التل في وسط السهل وتشييد هذا القصر
فوقه انما كان للتفرج من محل مرتفع يمتد فيه النظر ،
لانه كان يشرف على الحير .
: الحير
حائر الحير هو الحائط أو السور الذي بناه المعتصم بالله
في نهاية ابنية سامراء من جهتها الشرقية وكان يمتد على
طول الأبنية من الجوسق الخاقاني حتى المطيرة ، وقد احتفظ
السهل الواسع الممتد خلف هذا الحائط من غير بناء ليكون
ساحة ترتفع فيه الحيوانات والطيور ، وسميت بساحة الحير
، وكانت ترتع فيه اصنافاً من الطيور والوحوش كالضباء
والحمر الوحشية والابائل والارانب والنعام وغيرها مما
كان محجوزاً في الساحة المذكورة(1) .
وعندما توسع المتوكل على الله في العمران شرقي سامراء
انشأ حائطاً جديداً على الحدود الجديدة للبناء الذي اقيم
في ظهر شارع الحير الجديد ، بعد ان اقتطع جزءاً كبيراً
من ساحة الحير ، وجعل لهذا الحائط باباً رئيسياً عرف
بباب الحير ، جنوبي الجامع الكبير مما يلي الجوسق ، ليوصل
بين الساحة والمدينة ، ان المتوكل على الله وسع الحير
نحو الشرق وانشأ فيه حديقة واسعة للحيوانات تزيد مساحتها
على عشرين الف دونم ،واحاطها بسور بلغ طوله حوالي ثلاثين
كيلو متراً ، وقد جمعت فيه اصنافاً الحيوانات البرية
من الوحش والطير كان بعضها حراً طليقاً وبعضها حبيساً
في الاقفاص .
وقد انشأ في الطرف الجنوبي لهذا المتنزه الواسع قصراً
يشرف على بركة ماء واسعة ينتهي إليها نهر نيزك ، وعرف
هذا القصر باسم قصر البركة ، وكان طوله ( 65 ) م وعرضه
( 125 ) م أي ان مساحته كانت تربوا . على عشرين ألف متر
مربع
سامراء
عاصمة الخلافة
تأسيس سامراء وعمرانها
اسم المدينة
منشآت المعتصم بالله
سامراء في عهد المتوكل
على الله
مشاريع الري في عهد المتوكل
تأسيس الجامع الكبير
تأسيس مدينة المتوكلية
الصفحة
الرئيسية