![]() |
|
الجهاد لقد كتب اللـه في الأزل أن يخلقَ الإنسان خلقاً سويّاً في أحسن خِلْقَةٍ وتكوين، قال اللـه تعالى: {لقد خلقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويم}، فأبدعه أيّما إبداع، ثمَّ جعله مناطَ التكليف وحَمْلِ الأمانة، قال تعالى: { إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبينَ أن يحملنها وأشفقنَ منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً جهولاً} . وليس الظلم والجهل بسبب حملها، ولكنّه بجهله في قيمة هذه الأمانة، وبظلمه لحقّها. وأكرم اللـه هذا المخلوق بأن سخّر له كلّ شيءٍ خلقه من سموات وأرض، قال تعالى: { ألم تروا أنّ الله سخّر لكم ما في السموات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنة} . وقال تعالى: {وسخّر لكم ما في السموات والأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون}، فقد خلق اللـه كلَّ شيء خدمةً للإنسان، وجعل اللهُ الإنسانَ له وحده من أجل عبادته، قال تعالى: {وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلاّ ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إنّ الله هو الرزّاق ذو القوّة المتين}، وقد أخذ اللـه على الإنسان العهود والمواثيق أن لا يعبد إلاّ اللـه تعالى، قال ربّنا جلّ في عُلاه: { وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبلُ وكنّا ذرّيةً من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} . وروى الإمامان البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ( يقالُ للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنتَ مفتدياً به؟ قال فيقول: نعم. فيقول: قد أردّت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشركَ بي شيئاً فأبيت إلاّ أن تشرك بي. وقال ابن عبّاس رضي اللـه عنهما: إنّ اللـه تعالى أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كلّ ذريّة ذرأها فنثرها بين يديه ثمّ كلّمهم قبلاً ، قال تعالى { ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا} ). [صحيح من قول ابن عبّاس كما قال ابن كثير رحمه اللـه تعالى]. وقد قدّر اللـه تعالى أن ينقسم البشر في عبوديّتهم له إلى فريقين: فريقٍ أوفياء لهذه العبوديّة، وفريقٍ آخر سينكرونها ويتنكّبون عن صراطها، ولتذكير الناس بالميثاق أرسل اللـه الرسل وأنزل الكتب، قال تعالى: {رسلاً مبشّرين ومنذرين لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً} . وقال أبيّ بن كعب ، في تفسير آية الميثاق السابقة : ( يقول اللـه تعالى: فإنّي أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، إعلموا أنّه لا إله غيري ولا ربّ غيري ولا تشركوا بي شيئاً، وإنّي سأرسل إليكم رسلاً ليذكّروكم بعهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي. قالوا: نشهد إنّك ربّنا وإلهنا، لا ربّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقرّوا له يومئذٍ بالطاعة، ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغنيّ والفقير وحسن الصورة ودون ذلك. فقال آدم: يا ربّ لو سوّيتَ بين عبادك. قال: إنّي أحببت أن أُشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج، عليهم النور) . [رواه عبداللـه في مسند أبيه وصحّحه الحاكم وهو كما قال] . وقد جعل اللـه تعالى للطائع مستقرّاً هي جنّته، وللذين رفضوا مستقرّاً هي النار، قال تعالى: {للذين استجابوا لربّهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنّم وبئس المهاد} [الرعد: 18]. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله تعالى لأهونِ أهل النار عذاباً يوم القيامة: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردّت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلاّ أن تشرك بي ) . قال تعالى: {أفمن يعلم أنّما أُنزِل إليك من ربّك الحقّ كمن هو أعمى إنّما يتذكّر أولو الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربّهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا ممّا رزقناهم سرّاً وعلانيةً ويدرأون بالحسنة السيّئة أولئك لهم عقبى الدار، جنّات عدنٍ يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كلّ باب سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} [الرعد: 19-25]. وهكذا
ستكون نهاية هذا الإنسان بقسميه. * * * * *
مهمّـة الأنبــياء وأتــباعهم : قال
تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً
والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم
وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا
فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} [الشورى:
13]. وقال تعالى: {إنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} وهذه هداية الدعوة والدلالة والإرشاد، وأنزل معهم الكتب وعلمهم الحكمة، قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81]. وقذف اللـه في قلوب الأنبياء الرحمة على الخلق والرغبة الشديدة في هدايتهم كما قال تعالى: {فلعلّك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف: 6]، وقد سمّى اللـه نبيّه محمّداً بالرؤوف الرحيم، قال تعالى: {بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128]. وكان
آخر الأنبياء هو نبيّنا محمّد صلى الله
عليه وسلم ، وهو خاتمهم. قال تعالى: {ما كان
محمّدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله
وخاتم النبيّين} [الأحزاب: 40] . وقد
أُرسلَ محمّدٌ صلى الله عليه وسلم إلى جميع
الخلق، من أبيضٍ وأسودٍ وأحمر، وإلى العرب
والعجم، وإلى الوثنيين واليهود والنصارى ،
قال تعالى: {وما أرسلناك إلاّ كافّة للناس
بشيراً ونذيراً} [سبأ: 28]، وقال عليه الصلاة
والسلام: ( والذي نفس محمّد بيده، لا يسمع بي
أحد من هذه الأمّة يهوديّ ولا نصرانيّ ثمّ
يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به إلاّ كان
من أهل النار ) . [رواه مسلم]، وقال صلى الله
عليه وسلم ، فيه كذلك: ( وكان الرسول يبعث في
قومه خاصّة وبُعِثتُ إلى الناس عامّة ) . * * * * *
الطـــائفة المـــنصورة وظـــهور الـــدين : وقد كتب اللـه تعالى لدينه الظهور والرفعة والغلبة بالحجّة والبيان وبالسيف والسنان، قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون} [الصفّ: 9]، وقد جاء ( ابتلاًء للناس، قال : إنّي مبتليك ومُبتلٍ بك [رواه مسلم]. ومن أجل إقامة الدين وحصول الرفعة والغلبة أرسل اللـه مع نبيّه الكتاب والميزان والحديد. قال تعالى: {لقد أرسلنا رُسُلَنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصُرُه ورسُلَه بالغيب، إن الله لقويٌّ عزيز} [الحديد: 25]. فكتابه
يهدي إلى الحقّ، والحديد يُقوِّم من خرج
عنه، والناس لا يُصلِحُهم إلاّ هذا، ومتى
ضعف في الناس أحدُ الأمرين -الكتاب والحديد-
حصل الفساد والخراب، قاصلى الله عليه وسلم :
بُعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتّى
يُعبَدَ اللـه وحده. فمن أقبل على دين اللـه يريده ويبتغيه علّموه وفقّهوه كما قال عليه الصلاة والسلام : نضّر اللـه امرءً سمع مقالتي فوعاها وأدّاها كما سمعها [رواه الترمذي وغيره]، ومن أعرض عنه قاتلوه حتّى يخضع لحكم اللـه تعالى ، كما قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التوبة: 29]. وهكذا كان دور أتباع محمّد ، وهذا كان عملهم، هداية الخلق إلى الحقّ وتقويم من أعرض وتعدّى، لا عمل لهم في حقيقة الأمر إلاّ هذا، فلمّا توفيّ رسول اللـه انتشر الصحابة في الآفاق فخرج جيش أسامة لقتال الروم، وخرجت جموع الصحابة لقتال من ارتدّ من العرب عن الإسلام، ثمَّ حملوا هذا الدين للتابعين ثمّ جيلاً بعد جيل. قال عليه الصلاة والسلام : يحمل هذا العلم من كلّ خَلَفٍ عُدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين [رواه جماعة من الصحابة وصحّحه الإمام أحمد وابن القيّم]، فكان مداد العلماء ودماء الشهداء هما أحبّ ما يتقرّب به إلى اللـه تعالى، مداد العلماء لهداية الخلق وتعليمهم السنّة وكشف البدعة ونشر الحقّ، ودماء الشهداء من أجل نشر التنزيل وحفظ التأويل، وكلّما أظهر الناس بدعة قام لها العلماء حقّ القيام فأزالوا عنها زيفها ونفّروا الناس منها، وكلما جهل الناس سنّة أظهروها وعلّموها الأمّة، وكلّما خرج عن هذه الأمّة من داخلها من يريد لها شرّاً أو جاء من خارجها ليستبيح بيضتها قاموا له بالسيف حتّى يكسروا له قرنه ويردّوه على عقبيه ويدخلوه حجره. كذا فعل الصدّيق مع المرتدّين، وكذا فعل عليّ بن أبي طالب مع الخوارج إذ أرسل لهم عبداللـه بن عبّاس فناظرهم حتى ردّ أكثرهم ثمّ قاتلهم حتّى قتل منهم مقتلةً عظيمة، وهكذا فعل عمر بن عبدالعزيز معهم، وقد كتب اللـه تعالى بقاء طائفة منصورة قائمة بالحقّ والهدى وحاملةً للسيف والسنان إلى قيام الساعة. قال عليه الصلاة والسلام : لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم عليه السلام، فيقول إمامهم: تعالى صلّ لنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة اللـه هذه الأمّة. رواه مسلم من حديث جابر بن عبداللـه ، وفيه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللـه : لا تزال عصابة من أمّتي يقاتلون على أمر اللـه قاهرين لعدوّهم، لا يضرّهم من خالفهم حتّى تأتي الساعة وهم على ذلك. وهؤلاء في كلّ وقت غرباء. وروى الترمذي في سننه وقال: حسن صحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنّ الدين بدأ غريباً، ويرجع غريباً، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنّتي. وفي رواية أخرى عند غيره قال عنهم: الفرّارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى عليه السلام، وفي رواية: ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممّن يطيعهم. فورّاث
النبيّ صنفان: علماء دعاة إلى الحقّ
والهدى، لا يكتمون الناس شيئاً كما قال
تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا
الكتاب لتبيّننّه للناس ولا تكتمونه} [آل
عمران: 187]، وقد أنذر من علم علماً أوجبه
اللـه على الناس ثمّ كتمه بأن يلجمه يوم
القيامة بلجام من نار كما في الحديث الصحيح
. وكان
العلماء على الدوام هم حجّة اللـه على هذه
الأمّة، كما كان شأن الإمام أحمد رحمه
اللـه تعالى في فتنة خلق القرآن، إذ وقف
لهذه الفتنة التي كادت تعصف بالأمّة
وتخرجها إلى الشرك والكفران موقف الأسد
الذي يحمي ذمامه فنصره اللـه وأيّده، وكما
هو موقف علماء المالكيّة من أتباع سحنون في
فتنة الباطنيّة العبيدية حين قاتلوهم
وكشفوا زندقتهم. قال الرعينيّ في كتابه:
أجمع علماء القيروان: أبو محمّد بن أبي زيد،
وأبو الحسن القابسيّ، وأبو القاسم بن
شبلون، وأبو علي بن خلدون وأبو محمد
الطبيقي وأبو بكر بن عذرة: أنّ حال بني
عبيد، حال المرتدّين والزنادقة، فحال
المرتدّين بما أظهروه من خلاف الشريعة فلا
يورثون بالإجماع، وحال الزنادقة: بما أخفوه
من التعطيل، فيقتلون بالزندقة [ترتيب
المدارك، جـ7/247]. وهكذا كان شأن الإمام أحمد بن تيمية في بيانه للحق والهدى والسنة، فكشف أهل البدع من متكلّمين وفلاسفة وصوفيّة، وجلّى الحق الذي غشيته زبالات الأهواء أحسن بيان وأجلاه، ثمّ قام مقام المجاهدين فقاتل التتار وحرّض الناس على قتالهم وحضّ ملوك الإسلام عليهم وخوّفهم إن لم يقوموا بواجب الجهاد ضدّ التتار أنّه ومن معه من المسلمين سيبدلونهم ويختارون ملوكاً عليهم غيرهم، ولما التبس على الناس أمر قتالهم وفي أيّ نوع من الأنواع يدخل قتالهم، بيّن أنّ قتالهم هو قتال من امتنع عن شرائع الإسلام، فعاد الحقّ أبلجاً وكشف اللـه الغمّة وهزم التتار في معركة شقحب (مرج الصفر). ثمّ ما كان من شأن الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب رحمه اللـه تعالى حين دعا إلى التوحيد والسنّة فعُودي ورُمي عن قوس واحدة... وهكذا
هي سلسلة الدعوة والجهاد، حلقاتها تمتدّ من
زمن إلى زمن، لا تنقطع ولا تتوقّف حتّى
يومنا هذا. * * * * *
أخي المسلم: إذا علمت هذا وتبيّن لك على وجه صحيح رأيت الواجب الملقى على عاتقك، وبحثت عن هذه الطائفة التي يمتدّ تاريخها من يومنا هذا إلى النبيّ ، وهي الطائفة التي تدعو الناس إلى التوحيد والسنّة، وتكشف للناس الشرك والبدعة، وتقاتل في سبيل ذلك حتّى تقوم الساعة. والآن تسأل من نحن ولماذا الجهاد؟ لقد نشأنا فوجدنا علماً مفقوداً، وأمّة جاهلة، ومعاصي متفشيّة، وحقوقاً مهدورة، وأرضاً مغصوبة، وحكّاماً مرتدّين. فما هو الواجب الملقى على عاتق من علّمه اللـه وفقّهه؟ لقد قيّض اللـه في زماننا أمراً عظيماً هو انتشار كتب السلف، وقد مرّ وقت طويل كان الناس إلاّ قلّة قليلة لا يعرفون من كتب العقائد إلاّ كتب أهل الكلام، فلا يعرفون إلاّ العقائد النسفية وشرح جوهرة التوحيد وأمثالهما، ولا يقرؤون الفقه إلاّ من كتب المتون ولا يعرفون إلاّ التقليد، ولا يعرفون كتب التربية إلاّ كتب التربية الصوفية كالرسالة القشيرية واللمع للطوسي وإحياء علوم الدين للغزالي.. ثمّ برحمة من اللـه تعالى أن أقبل الناس على طباعة وتحقيق كتب السلف، فطبعت مؤلّفات ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وطبعت كتب السنّة والتوحيد كالسنّة لعبداللـه بن الإمام أحمد والسنّة لابن أبي عاصم والتوحيد لابن خزيمة والشريعة للآجري، ثمّ تتابع السيل المبارك، فأقبل الناس على دراسة هذه الكتب ثمّ بالبحث عن بقايا العلماء الذين هم همزة الوصل للطائفة المنصورة الدائمة الباقية، وبدؤوا يحاولون فهم واقعهم على ضوء فهم أئمّة هذه الطائفة بدءاً من أبي بكر الصدّيق إلى قول أيّ عالم أصاب الحقّ والهداية وارتبط بالكتاب والسنّة. فكان ما خرجوا به أنّ الأمّة غيّرت وبدّلت وأصابها الجهل في كلّ جوانب هذا الدين، وبسبب جهلها وقعت في المعاصي والذنوب واقترفت البدع، بل إنّ بعضها لحق بالمشركين واتّبع دينهم، ثمّ نظروا فوجدوا أنّه قد استولى على أمرهم وقيادتهم حكّام باعوا دينهم للشيطان ودخلوا في دين المشركين، وسرقوا مقدّراتها من خيرات اللـه فيها، ولم يجدوا طريقاً للخير إلاّ أغلقوه، فعطّلوا المساجد ودور العلم ولاحقوا العلماء والدعاة إلى اللـه، ولم يجدوا طريقاً للشرّ إلاّ سلكوه، فنشروا دين الردّة وحسّنوا للناس الباطل والكفر من علمانية وديمقراطية وشيوعية واشتراكية، وأوجبوا على الناس المعاصي فأقاموا مصارف الربا وضيّقوا على الناس سبل الحياة حتّى لا يدخلوا إلاّ من بابه، ونشروا الرذيلة مع الفقر حتّى لا يكون للشاب إلاّ طريق الخبث، ثمّ لم يجدوا منفذاً للشرّ إلاّ وسهّلوه وقرّبوه للناس، والأمّة ترى الأسماء هي الأسماء التي عهدتها في تاريخها وأمّا الحقائق فتخالف ذلك كلّه، ثمّ وجد من حسّن هذا الأمر وأفرغ وسعه من أجل إسباغ الشرعيّة عليه وساعدهم في هذا قلب الأسماء، فالزندقة عندهم هي الحرّية، والدخول في دين الطاغوت ديمقراطيّة، وموالاة الكافرين سلاماً ووحدةً وطنيّة، وأمّا شرع اللـه ودينه فهو التخلّف والرجوع إلى الوراء إلى زمن البعير والسيف والرمح، وسمّوا زنا المرأة فنّاً وحرّية اختيار، وسمّوا بيع الأوطان والديار سلاماً وحسن جوار. هذا
أبصره الشباب المقبل على ربّه ودينه، فعلم
من دينه ما علم، فحمل كلمة الحقّ وقذفها في
صدور الأعداء والمناوئين وبدأ يدعو إلى
اللـه ويكشف للناس حقيقة ما هم عليه
والواجب الملقى على عاتقهم، وكان جماع ذلك
كلّه في كلمتين: الدعوة إلى اللـه والجهاد
في سبيل اللـه. والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال الأمر، ولا تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد الآمر وهو المعبود، ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمراً ناهياً حاكماً على غيره من خلال التشريع والذي معناه تسمية الأشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلهاً مطاعاً معبوداً يُعبَد الأدلّة من القرآن والسنّة إنّ ممّا اتّفق عليه جميع الأنبياء والمرسلين هو الدعوة إلى توحيد اللـه في العبادة والقصد والطلب، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36]، وكان ممّا يدخل في عبادة اللـه تعالى، بل هو قاعدة العبادة وأصلها، هو إفراد اللـه تعالى في الطاعة والامتثال، فاللـه هو الحَكَمُ وله الحُكم. قال تعالى: {إنِ الحكمُ إلاّ لله} [الأنعام: 57]. وقال تعالى: {ألا له الحكم} [الأنعام: 12]. وقال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54]. وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10]. وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحداً} [الكهف: 26]. فهذه الآيات تبيّن بوضوح وجلاء أنّ حقّ الحكم هو للـه وحده، بل إنّ معنى الإله هو المعبود، والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال الأمر، ولا تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد الآمر وهو المعبود. ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمراً ناهياً حاكماً على غيره من خلال التشريع والذي معناه تسمية الأشياء ووصفها بالحلّ والحرمة فقد جعل نفسه إلهاً مطاعاً معبوداً يُعبَد، قال تعالى: {أم لهم شركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21]. فقد سمّى اللـه المشرّع شريكاً وسمّى ما شرّع ديناً، وأصل كلمة الدين تعني الخضوع، وهكذا حال المطيع لشرع غيره فإنّما هو خاضع له، وهو معنى الدين، فهذه الآية جامعة لهذا الباب وهو تسمية المشرّع إلهاً، وتسمية الشرع الذي شرعه ديناً، وتسمية الطائع له مشركاً، وقال تعالى: {إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} [التوبة: 31]، وقد فسّر النبيّ صلى الله عليه وسلم ربوبيّتهم على أتباعهم بطاعة الأتباع لهم في ما أحلّوا وحرّموا، فعن عديّ بن حاتم أنّه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلميقرأ هذه الآية: { إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمِروا إلاّ ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلاّ هو سبحانه عمّا يشركون} [التوبة: 31]، فقال: إنّا لسنا نعبدهم، فقال أليس يحرّمون ما أحلّ اللـه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللـه فتحلّونه؟ فقال: بلى. فقال: فتلك عبادتهم. [رواه الترمذيّ وحسّنه] . وقد
قرّر اللـه في كتابه كفرَ من حكم بغير
كتابه، فقال سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل
الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]. * * * * *
أقوال العلماء في حكم المبدّلين للشريعة: وقد تكلّم علماؤنا في كفر هذه الأديان والتشريعات الباطلة وحكموا على من شرعها وقام عليها بالكفر والردّة: قال ابن حزم رحمه اللـه تعالى: من حكم بحكم الإنجيل ممّا لم يأت بالنص عليه وحيٌ في شريعة الإسلام فإنّه كافر مشرك خارج عن الإسلام [الاحكام في أصول الأحكام، 5/153]. وقال ابن تيمية رحمه اللـه تعالى: معلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتّفاق جميع المسلمين أنّ من سوّغ اتّباع غير دين الإسلام أو اتّباع شريعة غير شريعة محمّد ( فهو كافر [مجموع الفتاوى، 28/524]. ويقول كذلك: الشرع المنزّل من عند اللـه تعالى وهو الكتاب والسنّة الذي بعث اللـه به رسوله فإنّ هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلاّ كافر . [مجموع الفتاوى، 11/262]. ويقول: والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافراً باتّفاق الفقهاء [مجموع الفتاوى، 3/267]. ويقول ابن كثير رحمه اللـه تعالى: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمّد بن عبداللـه خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر [البداية والنهاية، 13/119]. ويقول عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ: من تحاكم إلى غير كتاب اللـه وسنّة رسوله ( بعد التعريف فهو كافر، قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، وقال تعالى: {أفغير اللـه يبغون...} [الدرر السنّية 8/241]. وقال عبداللـه بن حميد: ومن أصدر تشريعاً عامّاً ملزماً للناس يتعارض مع حكم اللـه فهذا يخرج من الملّة كافراً . [أهمّية الجهاد، ص196]. ويقول
محمّد بن إبراهيم آل الشيخ: إنّ من الكفر
الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين
منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمّد
صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين
بلسان عربيّ مبين، في الحكم به بين
العالمين، والرد إليه عند تنازع
المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول اللـه عزّ
وجلّ: {فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله
والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم
الآخر، ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً} . وقد نفى
اللـه سبحانه وتعالى الإيمان عن من لم
يحكّموا النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما
شجر بينهم نفياً مؤكّداً بتكرار أداة النفي
وبالقسم، قال تعالى: {فلا وربّك لا يؤمنون
حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا
في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا
تسليماً} [رسالة تحكيم القوانين]. وقال
الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان: والعجب
ممّن يحكّم غير تشريع اللـه ثمّ يدّعي
الإسلام كما قال تعالى: {ألم ترَ إلى الذين
يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما
أُنزِلَ من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى
الطاغوت وقد أُمِروا أن يكفروا به ويريد
الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً}، وقال: {ومن
لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}،
وقال: {أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي
أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً والذين آتيناهم
الكتاب يعلمون أنّه منزّل من ربّك بالحقّ
فلا تكوننّ من الممترين} . [3/441] . ويقول
الشيخ أحمد شاكر رحمه اللـه تعالى: هذه
القوانين التي فرضها على المسلمين أعداءُ
الإسلام السافرو العداوة هي في حقيقتها
دينٌ آخر جعلوه ديناً للمسلمين بدلاً من
دينهم النقيّ السامي، لأنهم أوجبوا عليهم
طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبّها وتقديسها
والعصبيّة لها، حتّى لقد تجري على الألسنة
والأقلام كثيراً كلمات: تقديس القانون،
قدسيّة القضاء، حَرَم المحكمة، وأمثال ذلك
من الكلمات التي يأبون أن توصَفَ بها
الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء
الإسلاميين. بل هم حينئذٍ يصفونها بكلمات
الرجعيّة، الجمود، الكهنوت، شريعة الغاب [عمدة
التفسير، 3/214]. ويقول الشيخ محمّد حامد الفقي: الذي يُستخلص من كلام السلف : أنّ الطاغوت كلّ ما صرف العبد وصدّه عن عبادة اللـه وإخلاص الدين والطاعة للـه ولرسوله، سواء في ذلك الشيطان من الجنّ الشياطين والإنس والأشجار والأحجار وغيرها، ويدخل في ذلك بلا شكّ: الحكم بالقوانين الأجنبيّة عن الإسلام وشرائعه وغيرها من كلّ ما وضعه الإنسان ليحكم به في الدماء والفروج والأموال، وليبطل بها شرائع اللـه، من إقامة الحدود وتحريم الربا والزنا والخمر ونحو ذلك ممّا أخذت هذه القوانين تحلّلها وتحميها بنفوذها ومنفّذيها، والقوانين نفسها طواغيت، وواضعوها ومروّجوها طواغيت [هامش فتح المجيد]. وهكذا علمنا أن الشرع الذي تُحكم به بلاد المسلمين هو شرع طاغوتيّ وأنّ حكّامنا طواغيت كفرة، بل هم من أشدّ أنواع الكفّار وأغلظهم، فإنّ هؤلاء لم يحكموا بشريعة الشيطان فقط، ولكنّهم صرّحوا بأنّ اللـه تعالى ليس له الحقّ في الحكم والتشريع، فإنّه ما من دولة إلاّ وقد كتبت في دستورها: أنّ السيادة للشعب، والسيادة في دينهم تعني معنى السيّد في دين اللـه تعالى وهو معنى الإله، فإنّ السيادة عندهم هي سلطة مطلقة لها الحقّ في تقييم الأشياء والأفعال، أي هي سلطة التحليل والتحريم، وهذا هو معنى الحاكم وهو معنى الإله والمعبود كما تقدّم. وأمّا الدول التي تزعم أنّها لم تكتب قانوناُ أو دستوراً وتزعم العمل بالكتاب والسنّة، فيقال لهم: ما أشدّ كذبكم وتدجيلكم، فإنّ واقعكم هو واقع الدول التي كتبت دستورها وقانونها، فشبهكم بهم هو شبه الغراب بالغراب، ثمَّ زعمتم أنّكم لم تجعلوا السلطات بيد الشعب، ولم تقولوا أنّ السيادة لغير اللـه، فها أنتم الآن كوّنتم مجلس شورى تغييراً للأسماء فقط وانضممتم بهذا المجلس إلى اتّحاد المجالس الشركيّة البرلمانيّة كبقيّة إخوانكم، ثمّ ها أنتم تدخلون في كلّ مؤسّسة كافرة كالجامعة العربية وهيئة الأمم المتّحدة وغيرها، ثمّ كذلك أنتم فرضتم من الدساتير والقوانين الكافرة التي أبحتم بها ما حرّم اللـه وحرمتم بها ما أحلّ اللـه تعالى، وسمّيتم هذه بالنظم -تغييراً للأسماء مع اتّفاق الحقائق- فأبحتم الربا، فها هي البنوك الربويّة مشرعة الأبواب، فيقال لكم بأيّ قانون تمّ الترخيص لهذا العمل، بل إنّ هذه الدولة المزعومة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنع الترخيص لما يسمّى بالبنك الإسلامي. وهكذا أيّها السائل الصادق رأيت أنّ دولنا محكومة بحكومات مرتدّة كافرة وبحكّام كفّار مرتدين وأنّهم شرّعوا للناس ديناً وأوجبوا على الناس الدخول فيه. ثمّ
إنّ هؤلاء الحكّام قد والوا أعداء اللـه
تعالى وعادوا أهل الإسلام: فما من حاكم من
هؤلاء إلاّ وتراه يقرّب المشركين ويوادّهم
ويناصرهم ويدافع عنهم، ولا يسمح في بلده
قطّ أن يشتم هؤلاء الكفّار أو أن يعلن أحد
بغضهم، وفرضوا في قوانينهم من العقوبات
الشديدة لمن سبّ هؤلاء المشركين أو لعن
دينهم . ثمّ انظروا إلى هؤلاء الملاعين ماذا فعلوا بالمسلمين والدعاة إلى اللـه: لقد علّقوا لهم المشانق وملؤوا بهم السجون وشرّدوهم في الأرض، فما من دولة من هذه الدول إلاّ وقد ابتُلِيَ الدعاة إلى اللـه تعالى فيها فسُجنوا وعُذّبوا وقُتّلوا، وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا باللـه العزيز الحميد، وأخرجوا الشباب من البلاد لطهرهم كما قال تعالى على لسان قوم لوط: {أخرِجُوهم من قريتكم إنّهم أُناسٌ يتطهّرون} [الأعراف]. فهؤلاء
الحكّام خرجوا من دين اللـه تعالى من هذه
الأبواب ومن غيرها، وهذا من العلم الضروري
الذي يجب أن لا يجهله أحد من أهل الإسلام . * * * * * تَبِعَاتِ تكفير الحكّام: قال
القاضي عياض: أجمع العلماء على أنّ الإمامة
لا تنعقد لكافر وعلى أنّه لو طرأ عليه كفر
ينعزل. وقد يسأل سائل: ما أهمّية هذا العلم، وهل من الواجب أن يُكَفِّرَ المسلمُ هؤلاء الحكّامَ الطواغيت؟ فالجواب: نعم، فإنّه مما يجب أن يعلمه كلّ مسلم أن تكفير الكافرين الملحدين هو ركن من أركان عقيدة المسلم، وذلك لما يترتّب على هذا التكفير من الواجبات. فإن
سألت: ما هي هذه الواجبات؟ * * * * *
وجـــوب قـتـالـهـم : ثمّ إعلم أنّ هذه البراءة توجب مقاتلة هؤلاء الحكّام، فإنّه إن كفر الحاكم وارتدّ عن شريعة الرحمن فإنه يُقاتل حتّى يُزال ويُقام بدلاً منه رجلٌ من أهل الإيمان. وهذا هو الواجب الثاني. فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول اللـه صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من اللـه فيه برهان . [متّفق عليه] . قال النووي: قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أنّ الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنّه لو طرأ عليه كفر ينعزل. قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها... قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلاّ إذا ظنّوا القدرة عليه فإنّ تحقّقوا العجز لم يجب القيام فيها وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفرّ بدينه . [شرح النووي على مسلم، 12/229]. وقال ابن حجر: قال ابن التين: وقد أجمعوا أنّه -أي الخليفة- إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنّه يُقام عليه . وقال ابن حجر: وملخّصه أنّه ينعزل بالكفر إجماعاً، فجيب على كلّ مسلم القيام في ذلك [فتح الباري: 13/123]. فأنت ترى إجماع العلماء على أنّه لا يجوز للمسلم أن يرضى بحكم الكافر عليه، بل يجب أن تكون العزّة للـه ولرسوله وللمؤمنين -كما قال تعالى- وإنّ خضوع المسلم للكافر وأحكامه هي صور من صور الذلّة التي لا تنبغي للمؤمن. ثمّ
إعلم حفظك اللـه أنّ حكم المرتدّ في ديننا -كما
هو شأن هؤلاء الحكّام- أغلظُ وأشدّ من حكم
الكافر الأصلي. قال ابن تيمية رحمه اللـه
تعالى: وكفر الردّة أغلظ بالإجماع من الكفر
الأصلي [مجموع الفتاوى، 28/478]. وقد أنكر الإمام أحمد عقد الذمّة للمرتدّ، ففي جامع الخلال: قال الأثرم: سمعت أبا عبداللـه يُسأل عن الزنادقة تُؤخذ منهم الجزية؟ فأنكر ذلك، وقال: لا بل تُضرب أعناقهم، ما سمعنا بهذا في الإسلام. ثمّ قال: سبحان اللـه؟! تُؤخذ الجزية من الزنادقة؟ منكراً لذلك جدّاً، قال الأثرم: وأظهر إنكار ذلك واستعظمه . [فقرة 1340]. بل إنّهم رأوا في المرتدّ أن لا يُدفن: قال إسحق بن منصور: قلت لأحمد: المرتدّ إذا قُتل ما يُصنع بجيفته؟ قال: يُقال: يُترك حيث ضُرب عنقه كأنّما كان ذاك المكان قبره. يُعجبني هذا. [السابق، فقرة 1301]. وقال ابن تيمية: والصدّيق رضي الله عنه وسائر الصحابة بدؤوابجهاد المرتدّين قبل جهاد الكفّار من أهل الكتاب، فإنّ جهاد هؤلاء حفظ لما فُتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين، وحفظ رأس المال مقدّم على الربح . [مجموع الفتاوى، 35/158-159]. فواجب كل مسلم أن يجاهد هؤلاء حتّى يخلعهم ويزيلهم عن ولاية المسلمين، ويجب على المسلمين جميعاً أن ينشغلوا بإعداد أدوات الجهاد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً من أجل إعادة سلطان المسلمين إلى هذه الأرض التي فتحها المسلمون بدمائهم، فجاء هؤلاء الحكّام الملاعين فغيّروا الملّة والدين وبدّلوا الشريعة وأعادوا سلطان المشركين إليها. ثمّ
إعلم أنّ هؤلاء الحكّام مفسدون في الأرض
بسبب ما هم عليه من البغض لهذه الأمّة،
وبسبب حكمهم بشريعة الشيطان واللـه قد أمر
المؤمنين بجهاد المفسدين في الأرض، قال
تعالى: {إنّما جزاء الذين يحاربون الله
ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا
أو يصلبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف
أو ينفَوا من الأرض}. [المائدة: 33] . فهل
بقي للمسلم عذرٌ في عدم القيام على هؤلاء
الحكّام وقتالهم، واللـه تعالى يقول: {وقاتلوهم
حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله} [الأنفال:
39]. فهل الدين في بلادنا للـه، أم أنّه في
أغلبه لغير اللـه، وفيه القليل الذي يزعمون
أخذه من الشريعة الإسلامية؟ * * * * * إنّنا نجاهد أيّها الأخ الحبيب لأنّ الجهاد هو الطريق الوحيد لعودة الأمّة إلى عزّتها ورفعتها، وذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: إذا تبايعتم بالعينة واتّبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وترتكم الجهاد في سبيل اللـه سلّط اللـه عليكم ذلاً لا يرفعه حتّى تعودوا لدينكم ، والدين ها هنا هو الجهاد كما هو ظاهر من سياق وسباق الحديث. إنّنا نجاهد لأنّ الجهاد هو الحياة كما قال تعالى: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24]، وفسّر العلماء الحياة هنا بالجهاد. أمّا إذا قيل لك: اصبر، فاعلم أنّ الصبر على الذلّ والخزي والعار لا يرضاه اللـه للمسلمين، فإنّ اللـه تعالى يقول: {ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8]، وقال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}. وإذا قيل لك أنّ الجهاد فتنة، فقل له ما قاله تعالى لأمثاله: {ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين} [التوبة: 49]، وكيف يكون الجهاد فتنة وبالجهاد تُزال كلّ فتنة كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة}. وإذا قيل لك إنّ الجهاد فيه الموت، فقل له: ما جاهدّت إلاّ لأموت، فإنّ الموت في الجهاد شهادة في سبيل اللـه وهذا الذي نطلب. قال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً} [الأحزاب: 23]. وقال تعالى: {ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون} [آل عمران: 169]. وإن
قيل لك أنت في هذا الطريق وحدك وليس لك من
معين، والناس في شغل عنك بأموالهم وأهليهم،
فقل لهم: هذا هو شأن أهل الحقّ في كلّ زمان،
أنّهم غرباء. واللـه تعالى يقول: {فقاتل في
سبيل الله لا تُكلَّفُ إلاّ نفسَكَ وحرِّضِ
المؤمنين} [النساء: 84]. وهذه أيّها الأخ المحبّ كلمات يسيرة للتعريف بهويّتنا وتجيبك سريعاً على سؤالك: من نحن وماذا نريد ولماذا الجهاد في سبيل اللـه. فهلاّ حملت معنا هذه الأمانة ولم تظلمها بعد أن علمتها؟! قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم وجنّة عرضها السموات والأرض أُعدّت للمتّقين} [آل عمران: 133]. |
||||||||||||||||||||||||||||||
يمكن استخدام أي من الموضوعات في الشبكة بشرط ذكر المصدر