مأكولات خاصة في شهر رمضان المبارك - لصالح زيادنة

الفصل الثاني عشر


مأكولات خاصة في شهر رمضان المبارك

شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الفضيل الذي تحلّ بقدومه البركة والخيرات، ويأتي معه الرزق الوافر والخير العميم، إنه الشهر الذي تكثر فيه الفضائل، وتزداد فيه الرحمة، وتتجلّى فيه الأُخوّة وتكثر فيه الصدقات، وتزخر فيه الموائد بما لذّ وطاب من الرزق الطيّب الحلال من أصناف الأطعمة وأنواع المأكولات.
ولم يكن شهر رمضان يمتاز في السابق عن بقية الأشهر الأخرى من السنة، فكان يأتي على الناس، لا يجدوا ما يضيفونه إليه أو يستقبلوه به، بسبب الفقر الذي كان مستشرياً في ذلك الزمان وقلة الحيلة وعدم توفر المواد الغذائية. وحدّث رجل مُسِنٌّ عن تلك الفترة فقال:" كنا نتناول وجبة الإفطار معاً في الديوان "الشق"، حيث كان يأتي كلّ إنسان بطعام الإفطار من بيته إلى الديوان، ونتناول نحن الرجال الإفطار معاً في نفس الديوان".
وأضاف قائلاً: " في يوم من الأيام كنا حوالي 30 شخصاً نفطر في الديوان مع بعضنا البعض، وكان رمضان قد هل أيام الربيع، وعند اقتراب موعد الإفطار جاء كلّ واحد من بيته بطعام الإفطار، وإذا بـ 30 شخصاً يأتون جميعهم بالخبيزة فقط"، ولما سألناه عن السبب قال:" يا ابني هو كان في غيرها في ذلك الزمان".
وعن طعام الإفطار والسحور قال:" اللي بنفطر عليه بنتسحر منه وغالباً ما نأكل الخبيزة والمديدة والجريشة في أحسن الأحوال، ويرحم الله زماناً كنا نفطر ونتسحر على خبز الشعير والخبيزة"(1).
أما اليوم فيمتاز هذا الشهر بما يكثر فيه من استهلاكٍ للحلويات والأطعمة التي تحتوي على السكّر والنشويات، والتي تعيد للجسم نشاطه وتُنعشه بعد وهن بما تحويه من مواد وحراريات فنرى تهافت الناس عليها، وإقبالهم إليها، فلا تكاد تخلو منها مائدة أو يخلو منها بيت، ونستعرض في هذا الفصل بعض أخبارها ونذكر أصنافها وأنواعها، ونبدأ بأهمها ثم نتدرج إلى البقية الباقية منها:
التُمُور:
في الحديث الشريف:"اتَّقِ النارَ ولو بشقّ تَمْرة"(2)، واقتداءً بالرسول الكريم فإن الصائمين يُفطرون على التمر، ومن هنا جاءت أهميته في حياة المسلمين، وفي شهر رمضان ينشط سوق التمور ويصبح أكثر رواجاً، ويكثر التجار الذين يعرضون أصناف التمور على محلات البقالة والدكاكين، فنجد معهم التمر الأشقر الصغير، أو البنيّ الكبير، أو الذي تلتصق حباته الناضجة الطريّة بعيدان العثاكيل، ونجد منه الطريّ اللذيذ، ومنه اليابس الأقل حلاوة، ولكنه في نهاية المطاف يدخل في كلِّ بيت ويُقدّم للصائمين في البيوت والمساجد وفي المناسبات الأخرى المختلفة.
العَجْوة:
وهي تصنع من التمر المنزوع النواة، ويوجد منها اليوم في الأسواق أنواع جيدة، أما في السابق فكان التمر المتساقط يُجمع من تحت أشجار النخيل، ثم يُهرس بما فيه من نوى ومن حبات الرمل فكان من الأنواع الرديئة. وتؤكل العجوة كما هي مع الخبز، أو تُنقع في الماء وتُمرس ويضاف إليها شيء من زيت الزيتون وتُقدّم ضمن سُفرة الإفطار مع بقية الأنواع الأخرى. وتستعمل كذلك في حشو الكعك وصناعة المعْمُول المنزليّ(3).
قَمَر الدِّين:
هو عبارة عن لوحة رقيقة مصنوعة من الفواكه الناضجة جداً (الهمطانة) كالخوخ والمشمش وما شابه، ومنها اكتسب لونه البرتقالي الغامق، وقد ثُنِيَت أطراف تلك اللوحة حتى أصبحت مربعة الشكل ليتسنى تغليفها.
يقطع قمر الدين وينقع في صحنٍ فيه ماء بارد حتى يلين بعض الشيء، ثم يُمرس باليد فيذوب في الماء حتى يصبح شراباً برتقاليّ اللون حلو المذاق وطعمه بطعم الفاكهة المذكورة، ورائحته زكية.
يُغمس فيه الخبز بلقم مُصَحَّفَة؛ أي مثنية تشبه الملعقة حتى تُملأ من ذلك السائل، وعندما يتبقّى بعضه في الصحن يشربونه كالعصير. ولأنه يحتوي على رُبّ الفواكه فلذلك كان يفطر عليه الصائمون كما يفطرون على التمر لأنه يُقِيتُ(4) المعدة بما يحتويه من السكر والنشويات، بعكس اللبن والمريسة وحساء العدس الذي يؤدي إلى جفاف الريق والعطش، كذلك كانوا يشربون عصيره على السحور فيكون خفيفاً على المعدة ومغذياً في آنٍ واحد.
المُرَبَّى:
يسمى عند العامة «تَطْلِي»، وقد جاءته التسمية حسب اعتقادي لأنهم يطلون ويدهنون منه قطعة الخبز، ثم يلفّونها على بعضها البعض ويقضمونها ويأكلونها بما تحويه من الطعم الحلو المُرَكَّز، والمربّى يصنع من الفواكه المختلفة كالبرتقال والمشمش والخوخ والبرقوق، ومنه أصناف تصنع منزلياً كمربّى البرتقال والتفاح والسفرجل وغيرها.
الدِّبْس:
يُصنع من العنب الناضج حيث يُغلى في قدور كبيرة على النار حتى ينضج ويصبح لونه أحمر داكناً يشبه لون الشاي الثقيل، وهو كالعسل ولكنه أقل منه لزوجةً، وتُغمس فيه لقيمات الخبز ولا يمكن الإكثار منه بسبب حلاوته الزائدة.
العِنْبِيَّة:
تُشبه المربّى ولونها بنيّ غامق بسبب طبخها لفترة طويلة على النار، وهي تصنع من فضلات العنب التي تتبقى بعد صناعة الدبس، وتظلّ بذور العنب فيها على كثرتها وكذلك قشور حبات العنب، وعندما تؤكل تضايق تلك البذور من يأكلها، ولكن بسبب قلة الطعام والفقر في ذلك الوقت فإن الناس كانوا يلتهمونها على علاتها.
القُطَّيْن:
هو التين المجفّف، وكان أفضله التين العُوريّ نسبة إلى قرية بيت عور بالقرب من رام الله، وهي تقع على جبل عالٍ وبها تين تختلف أنواعه عن التين الذي ينمو في بلادنا، ولا يصيبه الدود بسبب ارتفاع المنطقة التي ينمو فيها وبرودتها، بعكس منطقتنا التي تكون حارة في فصل الصيف فيكثر الذباب على التين ويبيض عليه فيمتليء بالديدان الصغيرة ويتساقط، ولا يستطيع أن ينضج حتى يصبح قطيناً، وهناك أنواع أخرى مستوردة من تركيا وإسبانيا وهي ذات جودة عالية.
الزبيب:
هو العنب المجفف، ويُدهن أحياناً بالزيت فيعطيه بريقاً يجذب إليه الأنظار، وبعضه أشقر صغير، وبعضه بني غامق حسب نوع العنب الذي يُصنع منه، وكان منتشراً بشكل كبير بسبب كثرة الباعة المتجولين القادمين من قرى الخليل، وهو يدخل في حشو القطايف والكعك المنزليّ.
الملبن:
يشبه قمر الدين في صناعته ولكن لونه أكثر بياضاً، بسبب النشأ الذي يضاف إليه، وتبدو عليه بذور الصنوبر الصغيرة التي تُضاف إليه عند صناعته. وهو يؤكل قضماً وطعمه لذيذ ورائحته زكية بفضل رائحة الفواكه التي يصنع منها، وهناك مثل يقول:«فَتّح عينك تأكل مَلْبَن» (5).
القطايف:
القطايف من أشهر الحلويات وأكثرها انتشارها في شهر رمضان المبارك، ويتنافس على صناعتها العديد من المحلات، بعضهم يصنعها من الطحين الأبيض الناعم وهذا هو النوع الجيد منها، وبعضهم يصنعها من الطحين الأسمر الأكثر خشونة، وهي تحشى بالفستق المبروش وجوز الهند والقرفة والسكر والزبيب، وهناك من يقليها في الزيت، وهناك من يضعها في الفرن، ثم يسكب عليها القَطْر وهو السكر المُذاب في الماء المغلي فتصبح أكثر حلاوة وطراوةً.
البَسْبُوسَة:
أصبحت البسبوسة من الحلويات المألوفة في أيامنا، وهي تصنع من السميد وجوز الهند والقرفة واللبن أو العصير وبعض التوابل الأخرى، ويضاف إليها القَطْر وتقدّم لتؤكل مع الشاي أو بدونه وهي لذيذة عندما تكون طازجة ساخنة.
الكعك المنزلي:
هو كعكٌ يكاد يصنع يومياً ويقدّم مع مائدة الإفطار ليؤكل منه مع الشاي أو بدونه، وهو يصنع من الدقيق الناعم والبيض والسكر والعصير ويضاف إليه الكاكاو أو الزبيب أو بعض المُشَهيّات الأخرى.
المعمول:
يُصنع المعمول أو كعك العيد كما يُسمّى في بعض الأحيان من السميد المعجون بالسمن والسكر وبعض البهارات الأخرى، وله عدة قوالب منها ما يشبه الدائرة، ومنها ما يشبه القبة الصغيرة، ويُملأ بعضه بالعجوة، ويُملأ بعضه الآخر بالفستق المدقوق مع القرفة، أو جوز الهند المبروش، وتحافظ كمية السمن التي فيه على هشاشته وطراوته.
وتنشغل ربات البيوت في الأيام الثلاثة التي تسبق العيد في صناعة هذا الكعك، وتضفي عليه كل واحدة منهن لمساتها الخاصة إن كان في الشكل أو الطراوة أو البهارات لتبدي مهارتها في صناعة ذلك الكعك الشهيّ الذي يقدم للعائلة والأقارب والزوار في أيام العيد.
وهناك مثل شعبيّ يقول عن الشيء الرائج المرغوب:«نافِق زي كعك العيد(6) »، أي أن الناس يتخاطفونه بسرعة وينفد من السوق، وهذا يدلّ على ما لهذا الكعك من الأهمية لدى الأوساط الشعبية المختلفة.
وهناك أنواع أخرى من الحلويات التي تصنع في محلات صنع الحلويات كالكنافة والهريسة والبقلاوة، ويتهافت عليها الناس في هذا الشهر المبارك، وكذلك فإن البعض من ربّات البيوت تجيد صناعة هذه الحلويات في المنزل، وربما تكون الصناعة المنزلية أجود لكونها طريّة وطازجة أكثر من التي تصنع في المحلات.
 

أنواع الحلويات:
 

كانت هناك أنواع مختلفة من الحلويات والسكاكر بعضها بطعم الشومر، وبعضها مخلوط بحبات السمسم وبعضها محشو بالفستق أو الحمص، وقد اختفى كثير منها من الأسواق رغم أنها كانت من الحلويات الفاخرة اللذيذة ونذكر منها:
الكَعْكَبَان:
هو نوع من الحلوى على شكل أساور أو دوائر، لونه أبيض وبه خطوط ملونة بالأزرق والأخضر والأحمر، وهو هشّ وطريّ، وعندما يُكسر يمكن رؤية تجاويف هوائية فارغة فيه بسبب تخميره قبل صناعته، وكان من أكثر أنواع الحلوى انتشاراً، وكنا صغاراً ننتظر رجوع أبي من السوق ليأتينا بهذا الكعكبان الشهيّ.
بيض الحمام:
هو نوع من الحلوى على شكل البيض الصغير، والحبة منه بحجم حبة الزيتون، ولونه أبيض أو زهري فاتح أو أخضر فاتح، وقد اكتسب اسمه من شكله وحجمه والذي هو في شكل بيض الحمام وحجمه، وهو يصنع من الدقيق الناعم الممزوج بالسكر المطحون ويُحشى بحبّات الفستق بعد تحميصها. وله شهرة لا تقِلّ عن شهرة الكعكبان.
الملَبَّس:
يشبه بيض الحمام في صناعته ولكنه كرويّ الشكل وبه نتوءات صغيرة، ويُحشى بحبات الحمص الهشّة المحمصّة، فيكون بحجمها أو أكبر منها قليلاً، وألوانه تشبه ألوان بيض الحمام، وهو صنوٌ للنوعين السابقين ولا يقلّ عنهما شهرة وانتشاراً.
الحلاوة:
أما الحلاوة فتنتشر أيضاً في شهر رمضان المبارك ومنها الحلاوة السمسمية الفاخرة، والحلاوة اللوزية والحلاوة الفستقية، ومنها حلاوة الشَّعْر؛ وهي حلاوة مفرومة ومنفوشة انتشرت حديثاً ولكنها من نفس الحلاوة السمسمية المعروفة.
راحة الحلقوم:
هي نوع من الحلوى على شكل مكعبات مختلفة الأحجام والألوان، ومنها أصناف جيدة وأصناف أقل جودة، ويُزيّن بعضها بحبات اللوز أو الفستق، وربما جاءها الاسم بسبب نعومتها وسهولة انزلاقها عند البلع وفي ذلك راحة للحلق والله تعالى أعلم.
الأرز المفلفل:
أما في اليوم الأول من أيام العيد فكان الناس في السابق يقدمون الأرز المفلفل، وهو عبارة عن كمية من الأرز تُسلق في الماء حتى تنضج، ثم تقدم ساخنة في صحون كبيرة وتُرشّ عليها حفنة من السكر، وقد يضاف إليها شيء من السمن البلدي، وكان من أمثال العامة في ذلك الزمان:«لولاك يا عيد ما ذقناك يا رزّ»، لندرة الأرز وقلة استعماله في تلك الفترة.

----------------------------

(1) - الأسبوع العربي، العدد 256، ص 13 .
(2) - صحيح البخاري، الحديث رقم (1351).
(3) – نوع من الكعك يصنع ليقدم في عيد الفطر.
(4) – لسان العرب: مادة "قوت": أَقاتَه يُقِيتُه إِذا أَعطاه قُوتَه.
(5) – موسوعة الأمثال الشعبية في النقب (مخطوط).
(6) - المرجع السابق.
 


رجوع