آداب الطعام - لصالح زيادنة

الفصل الثاني


آداب الطعام

للطعام آداب وقواعد تعارف عليها المجتمع الصحراوي، وحدّد فيها بعض التصرفات النبيلة التي يجب أن يتحلّى بها الضيف، وكذلك بعض الآداب التي يجب أن يراعيها المضيف أو صاحب البيت احتراماً لبيته ولضيوفه وحفاظاً على سمعته الطيبة وسمعة عشيرته وقبيلته، والآداب التي تخصّ الضيف هي:
1. الجلوس في وضع يقابل فيه المضيف:
وهو أن يجلس الضيف حيث يكون ظهره جهة المَحْرَم؛ وهو مكان النساء من البيت، حتى لا يرى بعض حركات النساء وتنقلاتهن، لأن في ذلك ما يُحرج المضيف ويقلق راحته.
2. الأكل باليمين:
وهو أن يأكل الضيف بيده اليمنى وألاّ يستعمل يده الأخرى إلا للضرورة، لأن في استعمال اليد الواحدة نوع من الأدب يدلّ على عدم الشَّرَهِ والتلهّف على الأكل والطعام.
3. عدم الإسراع في مدّ اليد إلى الطعام:
وهو أن لا يسرع الضيف إلى مدّ يده إلى الطعام قبل غيره، لأن ذلك يُعدّ منقصة في حقّه، ونرى الشاعر الجاهلي المعروف بالشَّنْفَرَى يفخر بأنه لا يمدّ يده إلى الطعام قبل غيره، فيقول في لاميته المعروفة بـ«لامية العرب»:
         
وإنْ مُدَّتِ الأيْدِي إلى الزَّادِ لم أكُنْ
                                       بأعْجَلِهِمْ إذْ أجْشَعُ القَوْمِ أَعْجَلُ
(1)
وفي موضع آخر من نفس القصيدة يقول:
         
وأغْدو خَمِيصَ البَطْنِ لا يَسْتَفِزُّنِي
                                       إلى الزَّادِ حِرْصٌ أو فُؤادٌ مُوَكَّلُ
(2)
4. الأكل من الجهة التي تليه:
وهو أن يأكل الضيف من الجهة التي تليه دون أن يمدّ يده ليتناول الطعام من أمام الآخرين، لأن في ذلك نوع من الجشع والشَّرَه وقلة الأدب.
5. أن يأكل أكل الجِمَال ويقوم قبل الرِّجَال:
وهو أن لا يطيل المكوث على صحون الطعام، وأن يقوم مع قيام الناس ولا يتأخر عنهم كثيراً، ويقولون في ذلك: «كُلْ أكل الجمال وقم قبل الرجال»(3).
6. عدم الإتيان على ما في الصحن:
وهو الإبقاء على شيءٍ من الطعام في الصحن، وعدم مسحه والإتيان على كلّ محتوياته وإرجاعه فارغاً، لأن ذلك يدلّ على الجوع والشَّرَهِ كما ذكرنا.


أما الآداب التي تخصّ المضيف فتتلخّص في الأمور التالية:
 

1. تقديم الأكل الجيّد للضيف:
لأن من عادة الكرام عدم الشُّحّ وتقديم كلّ ما هو جيّد للضيف لأن «الضيف شاعر»(4)، ينقل الأخبار ويُحدّث بما رأى وشاهد، ولذلك من الأفضل أن ينقل صورة حسنة عن مضيفه. ويجب أن تكون القَطْبَة أو المنسف الذي يقدمه المضيف لضيوفه مليئاً بالقطع الكبيرة من اللحم مثل: المُخَّة والوِرْك والسّاق والكَتف، والقطع الكبيرة المذكورة تسـمى «الجَوَازِل»، والواحدة منها تُسمّى «جَازلة». ويمنع أن تُقدّم بعض القطع على المنسف ومنها الذراع والرقبة وعظمة الظهر التي تحتوي على أصل الذنب أو ما يسمى بـ«العَصْعُوص»(5). ويجب أن يكون اللحم مطبوخاً طبخاً جيداً حتى يسهل تفتيته وتناوله. وإذا كان من بين الضيوف مجموعة من الوجهاء فعادة ما يخصّص لهم المضيف «قَطْبَة» خاصة، يوصي بوضعها أمامهم ويهتم بوضع المزيد من الجوازل عليها.
2. إبعاد الأطفال عن طعام الضيوف:
لأن الأطفال لا يعرفون منزلة الضيف ومكانته ويمدون أيديهم أمامه، الأمر الذي يجعله ينفر من الطعام وربما يقوم قبل أن يُتِمَّ طعامه، مما يسبب إحراجاً وضيقاً للمضيف.
3. الجلوس مع الضيوف:
وهو أن يجلس المضيف مع ضيوفه ويأكل معهم ويفتّت أو (يُفَسِّخ) لهم اللحم ويضعه أمامهم، وغالباًً ما يقوم المضيف ويجلس أمام مجموعة أخرى من ضيوفه وهو يرحّب بهم ويفتّت لهم اللحم. وكثيراً ما يقول: «الزاد كثير وكلّ نفس وْدَاعة راعيها، وسايق عليكم الله من توفيره»، فيردون عليه: «ما قصّرت يا أبو فلان، الله والنبي يخلف عليك».

كذلك يجب على المضيف أن يكون بشوشاً، وأن يقدم القِرَى لضيوفه عن طيب نفسٍ وخاطر، وليس إسقاطاً للواجب وحسب، لأن البشاشة خير من القِرَى كما يقولون.

----------------------------

(1) - ديوان الشنفرى، ص 59.
(2) - المصدر السابق، ص 61.
(3) – من الأمثال البدوية، ص 72 .
(4) - من الأمثال البدوية، ص 138.
(5) – العُصْعُوص: أصل الذنب. لسان العرب: مادة (عصص).
 


رجوع