الرؤى والأحلام ... نموت كل يوم , ولا ندري !!
عشرات الحلقات الحوارية علي الفضائيات تتحدث عن تفسير الأحلام والرؤى هذه الأيام . الكل يحاول أن يعرف ما يخبئه له القدر وكأن لا هم له إلا هذا . "ماذا يعني الثعبان في الحلم ؟!" , "هل اللون الأخضر في المنام يدل علي مال في الطريق؟" , أسئلة كثيرة مثل هذه تسمعها وتجد الجواب عليها حاضرا في الحال , يخرج من فم المفسر ليصل ( للدش) ويحوله ( الريسيفر) في الحال لصورة وكلام يخرج من شاشة تلفازك فيملأك سعادة وتفاؤلا أو _لا قدر الله_ غما وتشاؤما !!
ولكن الموضوع ليس مفتوحا (ع البحري !) لكل من قرأ عدة صفحات من تفسير الأحلام لابن سيرين . بل هو جزء هام من ديننا بحثه علماء الإسلام من أيام الصحابة وحتى أيامنا هذه , وسنساعدك في هذه المقالة على أن تخطو أولى خطواتك الصحيحة نحو ذلك العالم .. عالم الرؤى والأحلام .وأعدك أنك ستعرف الكثير مع نهاية هذه المقالة.
النوم عند علماء الإسلام هو الوفاة الصغرى , أي نوع مبسط من الموت تخرج فيه الروح من الجسد _أو جزء منها كما سنرى_ وتعود إليه عند الاستيقاظ , وذلك كل ليلة . يقول الله تعالى في كتابه العزيز , سورة الزمر الآية رقم 42 " اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" صدق الله العظيم .
وتفسير هذه الآية واضح وصريح عند المفسرين , وسنأخذ هنا بآراء الإمامين القرطبي وابن كثير رحمهما الله لعلمهما الذي لا يخفى على أحد , فهما كالبخاري ومسلم في الأحاديث , وأيضا لأن آرائهما تجاه تفسير هذه الآية تكاد تتطابق . فلقد اتفقا على أن الإنسان نفس وروح وجسد , وعند النوم تفارق النفس الجسد و تترك الروح فيه , فيتنفس النائم ويتحرك عن طريق الروح , في حين أن نفسه تكون قد صعدت في رحلة يومية للسماء حتى تصل للعرش وهي مع ذلك لم تفقد اتصالها الروحي بالجسد النائم على الأرض ! ..
وهناك _في السماء_ تختلط أرواح الأحياء النيام مع أرواح الموتى , كما قال ابن عباس رضي الله عنه , فيتعارف بعضها على بعض وتحدث لقاءات بين الزوار والمقيمين , حتى يأتي موعد العودة . وهنا يفصل الله تعالى بين أرواح كل فريق من الفريقين , فيمسك أرواح الموتى أصلا بالإضافة للذين يموتون في هذه الليلة وهم نيام , ويترك أرواح النيام لتعود لأجسادها عبر رحلتها بين السماء والأرض .
قال عمر بن الخطاب : "النوم أخو الموت" , وعرفنا الآن معنى هذا . وهذا هو سبب أننا في الجنة _بإذن الله تعالى_ لن ننام أبدا , فالجنة لا موت فيها ولا حتى ما يشبهه . ولكن دعنا لا نخرج عن الموضوع , ولنتحدث الآن عن القواعد التي يجب إتباعها عند النوم كما أخبرنا رسول الله بها . والحديث هو في البخاري وينبهنا فيه الرسول صلي الله عليه وسلم لأمر هام جدا وخطير يؤثر على حياتنا كل يوم دون أن ننتبه له :
«يَعقدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاث عُقدٍ، يَضربُ على مكان كلِّ عُقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإِنِ استيَقَظَ فذكرَ اللهَ انحلَّتْ عقدةٌ. فإِن توضَّأَ انحلَّتْ عقدةٌ، فإِن صلَّى انحلَّتْ عقدةٌ، فأصبح نشيطاً طيَّبَ النّفسِ، وإلاّ أصبحَ خبيثَ النفسِ كسلانَ»
هذا إذن هو سر الخمول الذي يسيطر علي الناس الآن كل صباح , حيث تركت الغالبية الصلاة وسمحت للشيطان أن يتلاعب بها !! ..
«عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم فِراشه فلْيَنفضه بصنفةِ (أي طرف) ثَوبهِ ثلاثَ مراتٍ وليَقلْ: باسمكَ ربي وَضعتُ جَنبي وبكَ أرفعُهُ، إن أمسكتَ نفسي فاغفرْ لها، وإن أرسلْتها فاحفظها بما تحفظ به عبادَك الصالحين» صحيح البخاري
كان النبيُّ إِذا أَوَى إِلى فِراشهِ قال: باسمك أموتُ وأحيا. وإذا قام قال: الحمدُ للّهِ الذي أحيانا بعد ما أَماتنا، وإليه النشور .. وقال لأحد أصحابه "إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ "
إلى هنا وينتهي حديثنا عن النوم وآدابه , ليبدأ حديث آخر عن الأحلام والرؤى . فلو فتحت نسختك من صحيح البخاري أو مسلم أو أي من كتب الأحاديث المشهورة , لوجدت بابا كاملا عن الرؤيا , فيه أحاديث الرسول في هذا الموضوع , واضحة ومبينة , لا تترك مجالا بعدها للخرافات أو (النظريات) التي يعرضونها على الفضائيات .
ففي رحلة الروح اليومية صعودا وهبوطا في السماء , تحدث الأحلام . ولقد نقل القرطبي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قوله أن : ما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي الرؤيا الصادقة ، وما رأته بعد وصولها وقبل استقرارها في جسدها هو ما تلقيه الشياطين أي الرؤيا الكاذبة . ولكن كيف تفرق بين الصدق والكذب في المنام ؟! .. تجيب أحاديث الرسول عن هذا التساؤل :
فأولا هناك رؤيا تكون صادقة دائما ويستحيل على الشياطين اختراعها وهي رؤيتك للرسول في المنام , فيحدثك وتحدثه , ويكون هذا مؤشرا- في المعتاد - علي صلاحك وقربك من الله . وباقي الرؤى والأحلام تنقسم قسمين كبيرين خير وشر , وتقسيم آخر : حقيقية ودنيوية
أما الخير فهو كله من الله , بشارة منه لعباده .. والشر في الحلم هو من الشياطين , غرضها تحزين بني آدم وزرع البؤس في صدورهم , وهي قد تضر _لو أذن الله_ عندما ننسى أن نتخذ التدابير الوقائية الفورية ضدها !! .. وسيأتي تفصيل ذلك .
وهناك _غير هذين النوعين_ مشاهد أخرى يراها النائم فيحسبها رؤى أو أحلاما , في حين أنها مجرد إفرازات من عقله الباطن , نتيجة للتفكير المستمر في أمر معين من مشاغل الدنيا , فينتهز العقل فترة النوم وراحة الجسد ليكمل التفكير في هدوء .. والحقيقة أن أغلب أمورنا وهمومنا نحلها ونحن نيام , فنستيقظ وقد جهز عقلنا الحلول اللازمة !!
وفي البخاري " الرُّؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم شيئاً يَكرهُه فلْيَنفثْ(أي ينفخ) حين يَستَيقظُ ثلاثَ مرات، ويَتعوَّذ من شرِّها، فإنها لا تضرُّه."
ونجد سلوكا خاطئا شائعا بين المسلمين الآن , وهو أنهم يحدثون (كل من هب ودب !) عن حلمهم تفصيلا , بل ويطلبون التفسير والتأويل من أول من يرونه في الصباح ... وذلك أمر فيه خطورة شديدة ومخالفة لنصوص صريحة في السنة النبوية . فالصحيح هو أنك لا تخبر أحدا بما رأيت , إلا الدائرة الضيقة التي تعيش حولك ولا تتمنى لك إلا الخير , أما غير ذلك فلا .
وعلى هذا فلو رأيت رؤيا تكرهها , فلا تحدث بها مخلوقا كائنا ما كان , بل تعوذ بالله من الشيطان الرجيم وانفث عن يسارك ثلاثا , فلا يضرك ما بها _بإذن الله تعالى. أما لو رأيت ما تحب وتهوى , فحدث بها من تحبهم فقط , ولا تتعدى ذلك . وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل حديث عن الموضوع نصه : " الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدَّث بها صاحبها، فإذا حدَّث بها وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالماً أو ناصحاً أو لبيباً " ... فلتحترس من أول شخص يعبر لك حلمك ويفسره لك !
وأخيرا .. نشير إلى أنه في آخر الزمان _وقد اقتربت نهايته !_ تكثر الرؤى عند المسلمين وتنتشر بدرجة كبيرة , كما ورد في الأحاديث الصحيحة , وأظن أن ذلك يكون سببه تحذير عامة المسلمين من خطر الأمور القادمة , وتهيئتهم لتقبل أحداث آخر الزمان , وتذكيرهم مرة أخرى بجانبهم الروحي والغيبي _والذي تعتبر الأحلام جزء منه_ بعد أن طغت المادة على ذلك الجزء الأساسي فينا , حتى كادت تخفيه ..