الحِبُّ بن الحِبَّ
(اللهم إنى أحبهما فأحبهما)

إسمه ولقبه       نشأته       جهاد أسامة فى عهد النبى
أسامة فى خلافة أبى بكر       أسامة فى خلافة عمر
موقفه من الفتنة             وفاة أسامة بن زيد

إسمه ولقبه
أسامة بن زيد بن حارثة الكعبى
نشأته
كانت السنة السابعة قبل الهجرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد ما يكابده فى سبيل نشر الدعوة ويلقى ما يلقاه من أذى المشركين، فإذا بالبشير يأتى مبشرا بأن " أم أيمن" أو " بركة الحبشية" قد وضعت لزيد بن حارثة، مولى رسول الله، ولدا، ففرح النبى صلى الله عليه وسلم بهذا الغلام فرحا شديدا لحبه الشديد لزيد بن حارثة حيث كان يعتبره ولده قبل نزول الوحى بتحريم التبنى وكذلك لحبه الشديد لأمه بركةلأنها هى التى عهدت على تربية النبى (ص) عندما توفيت أمه آمنة بنت وهب، وقد فرح المسلمون جميعا بمولد أسامة بن زيد كما لم يفرحوا بمولود سواه، ذلك لأن كل ما يفرح النبى يفرحهم، فأطلقوا على الغلام المحظوظ لقب " الحِبُ وابنُ الحِبِ"، وقد كان أسامة مقاربا فى السن للحسن بن فاطمة الزهراء، وكان الحسن أبيض أزهر رائع الحسن شديد الشبه بجده رسول الله، وكان أسامة أسود البشرة أفطس الأنف شديد الشبه بأمه الحبشية، ولكن الرسول (ص) ما كان يفرق بينهما فى الحب، فكان يأخذ أسامة فيضعه على إحدى فخذيه، ويأخذ الحسن فيضعه على فخذه الأخرى ثم يضمهما معا إلى صدره ويقول:" اللهم إنى أحبهما فأحبهما"، وكما أحب الرسول(ص) أسامة فى صغره فقد أحبه فى شبابه، فلقد أهدى حكيم بن حَزام أحد أشراف قريش لرسول الله (ص) حُلة ثمينة شراها من اليمن بخمسين دينارا ذهبا كانت " لذى يَزَن " أحد ملوكهم، فأبى رسول الله (ص) أن يقبل هديته لأنه كان يومئذ مشركا، وأخذها منه بالثمن، وقد لبسها النبى الكريم مرة واحدة فى يوم جمعة، ثم خلعها على أسامة بن زيد، فكان يروح بها ويغدو بين أترابه من شبان المسلمين
جهاد أسامة فى عهد النبى
لما بلغ أسامة بن زيد أشده، بدا عليه الذكاء والشجاعة وكريم الخصال التى جعلته جديرا بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى يوم أحد جاء أسامة بن زيد مع نفر من صبيان الصحابة يريدون الجهاد فى سبيل الله، فأخذ منهم الرسول من أخذ، ورد منهم من رد لصغر سنه، فكان أسامة من المردودين، فعاد وعيناه الصغيرتان تفيضان من الدمع حزنا ألا يجاهد تحت راية رسول الله (ص). وفى غزوة الخندق، جاء أسامة بن زيد أيضا ومعه نفر من فتيان الصحابة، وجعل يشد قامته إلى أعلى ليأذن له رسول الله (ص) فَرَقَّ له النبى (ص) وأذِن له، فحمل أسامة السيف جهادا فى سبيل الله وهو ابن خمس عشرة سنة. وفى يوم حنين حين انهزم السلمون، ثبت أسامة بن زيد مع العباس، عم الرسول(ص) وأبى سفيان بن الحارث وستة نفر آخرين من كرام الصحابة، فاستطاع الرسول (ص) بهذه الفئة الصغيرة المؤمنة أن يحول الهزيمة إلى نصر. وفى يوم مؤتة جاهد أسامة تحت لواء أبيه زيد بن حارثة وسنه دون الثامنة عشرة، فرأى بعينيه مصرع أبيه فلم يضعف، وإنما ظل يقاتل تحت لواء جعفر بن أبى طالب حتى استشهد، ثم تحت لواء عبد الله بن رواحة حتى لحق بصاحبيه، ثم تحت لواء خالد بن الوليد الذى استنقذ الجيش الصغير من براثن الروم، وعاد بعدها أسامة إلى المدينة محتسبا أباه عند الله، مخلفا جسده الطاهر على تخوم الشام، راكبا جواده الذى استشهد عليه. وفى السنة الحادية عشرة من الهجرة، أمر الرسول (ص) بتجهيز جيش لغزو الروم، وجعل فيه أبا بكر وعمر وسعد بن أبى وقاص وأبا عبيدة بن الجراح وغيرهم من شيوخ الصحابة، وأمَّرَ علي الجيش أسامة بن زيد، وهو لم يجاوز العشرين بعد، وأمره أن يوطئ الخيل "تخوم البلقاء" و"قلعة الدَّاروم" القريبة من غزة من بلاد الروم، وفيما كان الجيش يتجهز، مرض رسول الله (ص) ولما اشتد عليه المرض، توقف الجيش عن المسير، وقال أسامة فى هذا الأمر : لما ثَقُلَ المرض على نبى الله، أقبلت عليه وأقبل الناس معى، فدخلت عليه فوجدته قد صمت فما يتكلم من وطأة الداء، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عَلَىَّ، فعرفت أنه يدعو لى
أسامة فى خلافة أبى بكر
ما لبث أن فارق الرسول صلى الله عليه وسلم الحياة، وتمت البيعة لأبى بكر، فأمر بإنفاذ بعث أسامة، لكن فئة من الأنصار رأت أن يؤخر البعث، وطلبت من عمر بن الخطاب أن يكلم فى ذلك أبا بكر وقالت له: فإن أبى إلا المضى، فأبلغه عنا أن يولى أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة، وما إن سمع الصديق من عمر رسالةالأنصار،حتى وثب وكان جالسا وأخذ بلحية الفاروق وقال مُغْضَباً: ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب، إستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرنى أن أنزعه؟! والله لا يكون، ولما رجع عمر إلى الناس، سألوه عما صنع فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم، فقد لقيت ما لقيت فى سبيلكم من خليفة رسول الله، ولما انطلق الجيش بقيادة قائده الشاب، شيعه أبو بكر الصديق ماشيا وأسامة راكبا، فقال أسامة: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن، فقال أبو بكر: والله لا تنزل، ووالله لا أركب، وما على أن أغبر قدمى فى سبيل الله ساعة؟، ودعا له أبو بكر، وانطلق أسامة بن زيد بالجيش، وأنفذ كل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوطأ الخيل "تخوم البلقاء" و" قلعة الدَّاروم" من أرض فلسطين، ونزع هيبة الروم من قلوب المسلمين، ومهد الطريق أمامهم لفتح ديار الشام، ومصر، والشمال الأفريقى كله حتى بحر الظلمات، ثم عاد أسامة ممتطيا صهوة الجواد الذى استشهد عليه أبوه، حاملا من الغنائم ما زاد عن تقدير المقدرين، حتى قيل: إنه ما رُئِىَ جيش أسلم وأغنم من جيش أسامة بن زيد
أسامة فى خلافة عمر
ظل أسامة بن زيد، موضع إجلال المسلمين وحبهم، وفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجلالا لشخصيته، فقد فرض له الفاروق عطاء أكثر مما فرض لأبنه عبد الله بن عمر، فقال عبد الله لأبيه:" يا أبت، فرضت لأسامة أربعة آلاف وفرضت لى ثلاثة آلاف، وما كان لأبيه من الفضل أكثر مما كان لك، وليس له من الفضل أكثر مما لى" فقال الفاروق: "هيهات.. إن أباه كان أحب إلى رسول الله من أبيك، وكان هو أحب إلى رسول الله منك.. فرضى عبد الله بن عمر بما فُرِض له من عطاء" وكان عمر بن الخطاب إذا لقى أسامة بن زيد، قال:" مرحبا بأميرى" فإذا رأى أحدا يعجب منه قال: لقد أَمَّرَهُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم
موقفه من الفتنة
تلقى أسامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم درسا بليغا عاشه أسامة ووعيه جيدا حتى نهاية حياته جعله يعرف كيف يتعامل مع الفتنة، فقبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين بعثه عليه السلام أميرا على سرية خرجت للقاء بعض المشركين الذين يناوئون الإسلام والمسلمين، وكانت تلك أول إمارة يتولاها أسامة، وقد أحرز في مهمته النجاح والفوز، وسبقته أنباء فوزه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرح بها وسر، وقد روى أسامة فى هذا :".. فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم، وقد أتاه البشير بالفتح، فإذا هو متهلل وجهه، فأدنانى منه ثم قال: حدثنى، فجعلت أحدثه، وذكرت له أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت إليه بالرمح، فقال : لا إله إلا الله فطعنته فقتلته، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ويحك يا أسامة، فكيف لك بلا إله إلا الله؟ ويحك يا أسامة، فكيف لك بلا إله إلا الله؟، فلم يزل يرددها حتى لوددت أنى انسلخت من كل عمل عملته واستقبلت الإسلام من جديد، فلا والله، لا أقاتل أحدا قال لا إله إلا الله بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم". كذلك فعندما نشبت الفتنة الكبرى بين الإمام على وأنصاره من جانب، ومعاوية وأنصاره من جانب آخر، يلتزم حيادا مطلقا، وكان أسامة يحب على رضى الله عنه أكثر الحب، وكان يبصر الحق فى جانبه، ولكن كيف يقتل بسيفه مسلما يؤمن بالله وبرسله، وهو الذى لامه الرسول (ص) لقتله مشركا محاربا قال فى لحظة انكساره وهروبه: لا إله إلا الله؟!، هنالك أرسل إلى الإمام على رسالة قال فيها: " إنك لو كنت فى شدق الأسد، لأحببت أن أدخل معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره" ولزم أسامة داره طوال هذا النزاع وتلك الحرب، وحين جاءه بعض أصحابه يناقشونه فى موقفه قال لهم :" لا أقاتل أحدا يقول لا إله إلا الله أبدا" واستمر على موقفه هذا ما بقى له من عمر
وفاة أسامة بن زيد
وفى العام الرابع والخمسين من الهجرة، اشتاق أسامة للقاء الله، ولقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وتفتحت أبواب الجنان، لتستقبل واحدا من الأبرار المتقين

فهرس الصحابة                            الصفحة الرئيسية