إسمه ولقبه
جندب بن جنادة أو أبو ذر الغفارى، نسبة إلى قبيلة غفار
نشأته
نشأ أبوذر فى قبيلة غفار، ومسكنها فى قلب الصحراء العربية على بعد مسيرة ثلاثة أيام من البحر الأحمر، وتتوسط المسافة بين مكة والمدينة. وقد اشتهرت القبيلة بالسطو وإغتصاب أموال التجار المسافرين فى الصحراء
إسلامه
علم أبو ذر عن محمد صلى الله عليه وسلم وعن دينه الجديد فرحل إلى مكة وأخذ يتسمع أحاديث الناس عن هذا الأمر، وفى ذات صباح وجد سيدنا محمدا جالسا وحده فتوجه إليه وطلب منه أن ينشده مما عنده، فأجابه رسول الله (ص): ماهو بشعر فأنشده ولكنه قرآن كريم، فقال له أبو ذر: أقرأ على، فقرأ رسول الله (ص) عليه وهو مصغى.. ولم يمضى وقت طويل حتى هتف أبو ذر " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول"، وسأله النبى: ممن أنت يا أخا العرب؟ فأجابه أبو ذر: من غفار، وتألقت ابتسامة واسعة على فم الرسول (ص) واكتسى وجهه بالدهشة والعجب.. وضحك أبو ذر كذلك، فهو يعرف سر العجب الذى كسا وجه الرسول عليه السلام حين علم أن هذا الذى يجهر بالإسلام أمامه إنما هو رجل من غفار، فغفار قبيلة لا يدرك لها شأو فى قطع الطريق وأهلها مضرب الأمثال فى السطو غير المشروع. ويقول أبو ذر وهو يروى القصة بنفسه:" .. فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ويصوبه تعجبا، لما كان من غفار، ثم قال: إن الله يهدى من يشاء" . ويذكر أن ترتيب أبو ذر فى الإسلام الخامس أو السادس، ولقد توجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فور إسلامه بهذا السؤال: يا رسول الله، بم تأمرنى؟، فأجابه الرسول: ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمرى، فقال أبو ذر: والذى نفسى بيده لا أرجع حتى أصرخ بالإسلام فى المسجد، وهنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته:" أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمدا رسول الله" وكانت هذه الصيحة أول صيحة بالإسلام تحدت كبرياء قريش وقرعت أسماعها، صاحها رجل غريب ليس له فى مكة حسب ولا نسب ولا حمى، فأحاط به المشركون وضربوه حتى صرعوه. وعلم العباس فجاء يسعى وما استطاع أن يخلصه إلا بالحيلة فقال لهم:" يا معشر قريش، أنتم تجار وطريقكم على غفار، وهذا رجل من رجالها، إن يحرض قومه عليكم، يقطعوا على قوافلكم الطريق" فثابوا إلى رشدهم وتركوه، وبعدها لقى أبو ذر امرئتين تطوفان بالصنمين ، أساف ونائلة، وتدعوناهما، حتى وقف يسفه الصنمين تسفيها مهينا.. فتصرخ المرأتان ويهرول الرجال فيضربونه حتى يفقد وعيه وحين يفيق يصرخ بالشهادة، فأشفق عليه النبى صلى الله عليه وسلم وأمره بالعودة إلى قبيلته حتى يسمع بظهور الدين، ويعود أبو ذر إلى غفار ويدعو أهلها للإسلام فيدخلوا فيه الواحد تلو الآخر وينتقل إلى قبيلة اسلم ليدعو أهلها، ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ويستقر المسلمون فى المدينة. وذات يوم اقترب موكب كبير من المدينة فإذا بهذا الموكب قبيلتى غفار واسلم، جاء بهما أبو ذر مسلمين جميعا، رجالا ونساء، شيوخا وشبابا وأطفالا، لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوهم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا ونظر إلى قبيلة غفار وقال: "غفار غفر الله لها" ثم إلى قبيلة أسلم وقال: " وأسلم سالمها الله" ، وقد أختص رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو ذر بتحية مباركة حيث قال :" ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضرء أصدق لهجة من أبى ذر". وقد كان أبو ذر الغفارى رضى الله عنه يحيا حياته صادقا، لا يغالط نفسه وكان مؤمن تماما بأن الصدق جهر وعلن ، جهر بالحق وتحد للباطل، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى ببصيرته الثاقبة عبر الغيب القصى كل المتاعب التى سيفيئها على أبى ذر صدقه وصلابته، فكان يأمره دوما أن يجعل الأناة والصبر نهجه وسبيله، فألقى الرسول عليه يوما هذا السؤال:" يا أبا ذر، كيف أنت إذا أدركك أمراء يأكلون الفئ؟" فأجاب قائلا:" إذا والذى بعثك بالحق، لأضربن بسيفى" فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:" أفلا أدلك على خير من ذلك، اصبر حتى تلقانى" وقد وعى أبو ذر هذه النصيحة الغالية جيدا
أبو ذر وجهاده فى سبيل الله
علم النبى صلى الله عليه وسلم بأن ملك الروم يعد جيشا عظيما للهجوم على المدينة فاستعد المسلمون لملاقاة جيش الروم عند تبوك، وتم تجهيز جيش المسلمين بصعوبة شديدة لأن السنة كانت مجدبة وليس لدى النبى (ص) المال الكافى لتجهيز الجيش لولا عثمان بن عفان رضى الله عنه الذى جهز الجيش من ماله الخاص، وعلم أبو ذر بمسيرة الجيش فخرج خلفهم ولم يكن لديه إلا ناقة ضعيفة، ما إن اشتد الحر بالصحراء حتى بركت ولم تقوى على السير، فأكمل أبو ذر رضى الله عنه مسيرته مترجلا وقال القوم للرسول (ص) أن أبو ذر تخلف عن الجهاد، ولكنه أجابهم بأنه سيأتى، وقد ظهر بعدها أبو ذر مقبلا فقال رسول الله (ص) :" رحم الله أبا ذر، يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده" ، وكان النصر للمسلمين بهذه الغزوة. مضى عهد رسول الله (ص) ومن بعده عصر أبى بكر وعصر عمر فى تفوق كامل على مغريات الحياة ودواعى الفتنة فيها، ولقد طال عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فارضا على ولاة المسلمين وأمرائهم وأغنيائهم زهدا وتقشفا وعدلا يكاد يكون فوق طاقة البشر، وهكذا تفرغ أبو ذر لعبادة ربه، وللجهاد فى سبيله.. غير لائذ بالصمت إذا رأى مخالفة هنا أو هناك، وقلما كان ُيرى
أبو ذر وخلافة عثمان
ينتقل الزاهد الورع خليفة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى جوار ربه ورسوله، تاركا خلفه فراغا هائلا، ويبايع المسلمون عثمان بن عفان رضى الله عنه وتستمر الفتوحات وتتدفق الأموال من البلاد المفتوحة، فارس والروم ومصر، وظهرت بين العرب طبقات غنية كنزت الأموال وبنت القصور وعاشت عيشة الأمراء، كما ظهرت بجانبهم طبقات فقيرة لا تجد ما تقتات به. وخرج أبو ذر إلى معاقل السلطة والثروة، يغزوها بمعارضته معقلا معقلا وأصبح فى أيام معدودات الراية التى التفت حولها الجماهير والكادحون، وكان إذا نزل بأرض ردد قول الله تعالى { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون}صدق الله العظيم ، ولقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة، هناك بالشام حيث معاوية بن أبى سفيان يحكم أرضا من أكثر بلاد الإسلام خصوبة وخيرا وفيئ، ويستشعر معاوية الخطر، وتفزعه كلمات الثائر الجليل، ولكنه يعرف قدره، فلا يقربه بسوء، ويكتب من فوره للخليفة عثمان بن عفان رضى الله عنه، ويكتب عثمان لأبى ذر يستدعيه إلى المدينة، ويجرى بينهما حوارا طويل ينتهى بأن يقول له أبو ذر:" لا حاجة لى فى دنياكم" وطلب أبو ذر من عثمان ، رضى الله عنهما، أن يسمح له بالخروج إلى" الربذة " فأذن له
موقفه من الفتنة
أتى أبا ذر وفد من الكوفة وهو فى الربذة، يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد عثمان بن عفان، رضى الله عنه، فزجرهم بكلمات حاسمة قائلا:" والله لو أن عثمان صلبنى على أطول خشبة، أو جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورأيت ذلك خير لى ولو سيرنى ما بين الأفق إلى الأفق، لسمعت وأطعت وصبرت وأحتسبت ورأيت ذلك خير لى، ولو ردنى إلى منزلى، لسمعت وأطعت وصبرت وأحتسبت ورأيت ذلك خير لى" وهكذا أدرك ما تنطوى عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاها
موقفه من الإمارة
لقد عاش أبو ذر ما استطاع حاملا لواء القدوة العظمى للرسول عليه السلام وصاحبيه، أمينا عليها، حارسا لها، وكان أستاذا فى فن التفوق على مغريات الإمارة والثروة، فقد عرضت عليه إمارة العراق، فقال:" لا والله لن تميلوا على بدنياكم أبدا"
ليس هذا فقط، بل بلغ الأمر بأبى ذر إلى تجنب إخوانه إن لم يكن مقاطعتهم، لأنهم ولوا الإمارة وصار لهم بطبيعة الحال ثراء ووفرة، فقد لقيه أبو موسى الأشعرى يوما فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وهو يصيح من الفرح بلقائه :" مرحبا أبا ذر، مرحبا بأخى" ولكن أبا ذر دفعه عنه وهو يقول:" لست بأخيك، إنما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا" كذلك لقيه أبو هريرة يوما ما فاحتضنه، ولكن أبا ذر نحاه عنه بيده وقال له:" إليك عنى، ألست الذى وليت الإمارة، فتطاولت فى البنيان، واتخذت لك ماشية وزرع" فمضى أبو هريرة يدافع عن نفسه ويبرئها من تلك الشائعات، وقد يبدو أبو ذر مبالغا فى موقفه من الحكم والثروة، ولكن أبا ذر كان له رؤية خاصة لهذا الأمر
وفاة أبو ذر الغفاري
بعد مضى حوالى عشرين عاما على غزوة تبوك التى قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبو ذر:" يرحم الله أبا ذر.. يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده" مات أبو ذر وحيدا فى فلاة الربذة بعد أن سار حياته كلها وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه، ولسوف يبعث عند الله وحيدا لأن زحام فضائله المتعددة، لن يترك بجانبه مكانا لأحد سواه