التطبيع وحكاية الدعم الأمريكي لإسرائيل :

من ويلسون إلى كلنتون

 

لقد درج حكام العرب على أن يميزوا دوماً بين أمريكا وإسرائيل، فالأولى حليف لا يمكن الاستغناء عنه والثانية معتدية ومغتصبة لحق تاريخي للعرب والمسلمين، فهل ما زال هذا الاعتقاد عند الحكام العرب مستمراً إلى اليوم ؟.

وهل صحيح أن أمريكا هي غير إسرائيل ؟ وهل يمكن فعلاً التمييز بينهما في الموقف من الحقوق العربية الإسلامية في فلسطين خصوصاً بعد التطورات التي أعقبت حرب الخليج ؟.

يقول الفريق سعد الدين الشاذلي : (( جاءت أزمة الخليج لتزيد الموقف وضوحاً، ولتفضح المنافقين الذين كانوا يريدون أن يفرقوا بين أمريكا وإسرائيل فيدعون أن صداقتهم لأمريكا شيء وعداءهم لإسرائيل شيء آخر . وهذا وهم وخداع لم يعد ينطلي على أحد ، فإما أن يقف الفرد في صف الشعوب العربية الإسلامية ، فيجد نفسه بالضرورة في الصف المعادي لأمريكا ، وإما أن يختار أن يقف في صف أمريكا فيجد نفسه بالضرورة في صف إسرائيل أيضاً اعترف بذلك أو أنكر )) (1) .

ولكن دعنا نتساءل هل تغير شيء ما في الآونة الأخيرة ؟ إنه لم يتغير شيء كل ما في الأمر أن الأوراق كشفت ولم يعد بالإمكان ممارسة اللعبة على الطريقة القديمة . فالحقيقة التي لا غبار عليها هي أن إسرائيل هي الولاية الواحدة والخمسون من الولايات المتحدة الأمريكية من أجل ازدهارها ورفاهيتها. وهي بالنسبة لأمريكا الغاية والوسيلة : غاية لأنها تحقق حلم اليهود بوطنهم القومي ووسيلة لأنها تضبط جيرانها العرب وتلعب دور الدركي لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وبالتالي فإن العرب والمسلمين اليوم لا يواجهون إسرائيل فحسب بل يواجهون إسرائيل وحلفاءها وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية .

ولكن ، هل هذه الحقيقة جديدة ؟ ، لا إنها ليست جديدة ولكن الذاكرة العربية المثقوبة سرعان ما تنسى فلا تستفيد من التاريخ وكأنها كما يقول الدكتور عمر عبيد حسنة قد فهمت من حديث رسول الله (ص) (( لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين )) أنه ينبغي ألا يلدغ مرتين فقط بل ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك . لذا نرى أنه صار لزاما علينا أن نذكر بتاريخ هذه العلاقة الحميمة بين الدولتين والتي بلغت أوجها هذه الأيام وهذا التذكير أصبح من الأولويات في هذه المرحلة . يقول الدكتور منير شفيق : (( فقد أصبح لزاما مرة أخرى ، أن ندرس أو نعوض أن يحتاج بعض الفلسطينيين والعرب اليوم إلى الاقتناع أن الصهيونية مغتصبة وعنصرية وتوسعية ...

وغداً لزاما ، مرة أخرى ، أن ندرس ، أو نعرف علاقة الإدارة الأمريكية والكيان الإسرائيلي ، ونعرف أن الإدارة الأمريكية إسرائيلية السياسة في بلادنا ، وأحياناً أكثر ملكية من المالك الإسرائيلي الصهيوني )) (2) .

إن ما وصلت إليه العلاقة الإسرائيلية الأمريكية اليوم ما هو إلا تتويج لتاريخ طويل يجدر بنا أن نبسطه اليوم لكل ذي نظر لعله يبصر . وتبادر منذ البدء إلى القول وبدون تحفظ إن رؤساء أمريكا الذين عاصروا الصهيونية من ويلسون إلى كلينتون كلهم صهاينة ، فما أشبه الليلة بالبارحة ، ولكن الليلة أشد حلكة وسواداً .

وفيما يلي شهاداتهم وقد قيل (( من فمك أدينك )) :

1- توما ويلسون : 1913-1922 .

حينما خاض ويلسون حملة الانتخابات الرئاسية سنة 1912 تولى بنك (( كوهن لوب )) تمويل الحملة فلما نجح كان لزاما عليه أن يرد الجميل لمن أوصلوه إلى سدة البيت الأبيض . ومنذ ذلك الحين أصبح تعلق اليهود من اجل أصواتهم ودعهم ثابتا من ثوابت الانتخابات الرئاسية الأمريكية ، وبالطبع فإن تعلق اليهود لا يتم إلا عبر سب العرب والتصريح بالحق الأزلي لليهود في فلسطين .

وكان من خطة اليهود على عهد ويلسون أن يدخلوا الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الأولى ، فنسقوا الموقف مع بريطانيا مستغلين فرصة إغراق الألمان للباخرة الأمريكية لوزيتانيا وقد لعب لويس برانديز – هو يهودي مكين كان يشغل منصب رئيس المحكمة الأمريكية العليا – دورا كبيراً في إقناع ويلسون لخوض غمار الحرب إلى جانب بريطانيا وفرنسا مما يجعله يرضخ في النهاية لمطالب اليهود ويدخل الحرب في مارس 1917 .

وكان من نتائج هذه الحرب أن فرنسا وبريطانيا اتفقتا في معاهدة سايكس بيكو على أن تكون فلسطين تحت الإدارة الدولية بعد فصلها عن سورية وذلك ليسنى تهجير اليهود إليها والاستيطان بها ، توطئة لنحت الدولة اليهودية المرتقبة فيها (3) .

ولقد اعتاد المؤرخين في العصر الحديث أن ينسبوا وعد بلفور إلى بريطانيا وفعلاً فهي التي تولت كبره ولكن دور الولايات المتحدة فيه على عهد ويلسون ليس دورا هامشيا بل هو دور مهم جداً يقول سامي حكيم :((ووصل إلى أمريكا يوم 20 إبريل 1917 أثر بلفور وزير خارجية بريطانيا فالتف حوله زعماء اليهود وعلى رأسهم ( برانديز ) قاضي المحكمة العليا، وأعربوا عن تأييدهم للمطالب الصهيونية، كما أن الرئيس ويلسون وعد بتقديم كل عون في هذا المضمار، بل إن بلفور طلب من برانديز أن يكون على اتصال دائم مع حاييم وايزمن لتنسيق الخطوات في هذا الشأن. وبعد أن تحقق بلفور من تأييد ويلسون للأهداف الصهيونية أذاع إثر عودته إلى لندن في مايو 1917 تصريحا أوضح فيه تأييده لأطماع اليهود في فلسطين .. وكان وايزمن على اتصال دائم ببرانديز في أمريكا الصديق المقرب للرئيس ويلسون، ليرفع إليه آخر أنباء المباحثات وتطوراتها مع آرثر بلفور حتى اتفقت في النهاية كلمة المتآمرين السفاحين على إصدار التصريح البريطاني الذي عرف باسم وعد بلفور يوم 2 من نونبر 1917 )) (4) .

وبعد ذلك باركت أمريكا الخطوات الموالية وهي منح بريطاني الانتداب على فلسطين من قبل مؤتمر الصلح بتاريخ 25 إبريل 1920 قد خلت إلى فلسطين بوصفها دولة حامية لتحمي اليهود طبعاً ، فشجعت الهجرة وأصدرت قرارا يبيح للوكالة اليهودية إدخال 156 ألف يهودي في السنة ، فرحبت الولايات المتحدة بهذه الهجرة وشجعتها بالأموال الطائلة ثم شاركت في وضع صيغة صك الانتداب حيث طلبت من اليهودي الأمريكي بنيامين كوهن الاشتراك مع سكرتير اللوردكيرزن وزير الخارجية البريطاني لاتمام الصيغة المطلوبة التي وضعها خبراء من أمريكا وبريطانيا توطئة لتقديمها إلى مجلس عصبة الأمم الذي أقرها يوم 24 يوليو 1922 (5) .

2- الرؤساء : هاردنغ وكوليدج وهوفر : 1922-1932 .

يكفي أن نشير أنه على هؤلاء الرؤساء الجمهوريين بلغ تكديس اليهود للأموال أوجه وتوجت هذه المضاربات المالية بالأزمة الاقتصادية سنة 1929 (6) .

 

3- فرانكلين روزفلت : 1932-1945 .

لم يشذ فرانكلين روزفلت عن القاعدة التي سلكها سابقوه من الرؤساء وهى الصعود إلى سدة الحكم على جماجم المعذبين في فلسطين فقد قطع على نفسه عهداً في حملته الانتخابية لمساعدة اليهود في إنشاء دولة يهودية في فلسطين وهى معزوفة المفضلة عند اللوبي الصهيوني في أمريكا .

وعندما عقد يهود أمريكا مؤتمراً استثنائياً في نيويورك يوم 11 مايو 1942 وقررو فيه جعل فلسطين دولة يهودية وبعد إخراج العرب منها رحب روزفلت بهذا القرار (7) .

4- هاري ترومان : 1945 – 1953 .

لقد عرف اليهود في عهد ترومان نقله نوعية ففي عهده قامت دولة إسرائيل . واليهود من عادتهم أنهم كلما أرادو الإقبال على خطوة كبرى آلا وهيأ لها الظروف الملائمة وعلى رئس هذه الظروف اختيار الرئيس المناسب الذي يخدم الأهداف الصهيونية بحماس وإتقان منقطعين النظير .

وهكذا فبمجرد مجيء ترومان إلي الحكم في صيف 1945 صادف مجيئه موعد انتهاء الهجرة اليهودية إلى فلسطين وفقاُ لسياسة الكتاب الأبيض فكانت أول بادرة قام بها هي أنه أرسل في غشت 1945 كتاباً رسمياً إلى الحكومة البريطانية يطلب فيه فتح أبواب فلسطيني لمائة ألف فلسطيني . وحين طالب الإنكليز بقيام دولة اتحـاد بين العرب واليهود ليؤكـد صهيونيتـه فصرح يوم 4 أكتـوبر 1946 (( مشروع الدولة الاتحادية يلقى في أمريكا معارضة شديدة من أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري وأن حل قضية فلسطين يكون بإنشاء دولة يهودية خالصة )) (8) .

ويقول الرئيس الصهيوني الأول لدولة إسرائيل حاييم وايزمن في كتابه (( التجربة والخطأ )) متحدثاً عن لقائه مع الرئيس الأمريكي ترومان حول مشكلة صحراء النقب بتاريخ 19 نوفمبر 1947 :

(( أن ترومان استقبلني بكل ضروب الحفاوة والود ، ثم تحدث أليه عن أهمية النقب بالنسبة لإسرائيل والضرر الذي يعود عليها من تقسيم النقب ، وعرضت عليه المشروعات الصهيونية حول أحياء هذه البقعة ، وأوضحت له بأن مصر ستغلق قناة السويس إذا امتلكتها في وجه الدولة اليهودية ، وكذلك الحال بالنسبة للعراق الذي سيقيم العراقيل في الخليج العربي ، وحتى يمكن التغلب على هذه المصاعب لا بد من إنشاء قناة من حيفا إلى تل أبيب …

لقد كنت سعيداً للغاية لأن الرئيس الأمريكي درس الأمر بدقة على الخريطة ووعدني بأنه سيتصل حالاً بالوفد الأمريكي في (( ليك سيكس )) لأجراء اللازم …

وفي نحو ساعة من بعد ظهر ذلك اليوم اتصل السفير هرتش جونسون رئيس الوفد الأمريكي في الأمم المتحدة بموشي شرتوك لمقابلته لبحث المشروع الخاص بعدم ضم كل النقب إلى الدولة اليهودية ، قبل أن يتحدث معه في الموضوع دق جرس التلفون في مقر الوفد الأمريكي وكان المتحدث الرئيس ترومان الذي ابلغ المستر هرتش ضرورة ضم النقب والعقبة إلى الدولة اليهودية )) ( 9) .

وهكذا توسط رومان لليهود فأقطعهم النقب والععقبة والساحل الفلسطيني برمته بما فيه عكا وحيفا ويافا كما شمل صفد وطبريا وبيسان وغيرها أي ما يشكل 65 % من أرض فلسطين المغتصبة . وبلغ به الهيام بالصهيونية انه صرح في صباح يوم 14 مايو 1948 انه على استعداد على الاعتراف حالاً بإسرائيل إذا تسلم طلباً بذلك . وفعلاً فقد سلمت رومان إعلان الاعتراف إلى الصحافة بعد 11 عشر دقيقة من إعلان الاستقلال (10) .

والواقع إن النفوذ الذي بلغه اليهود على عهدة رومان لم يصلوه فبعهدة رئيس قبله وقد شمله هنا الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء بل امتدا ليشمل حتى الحزب الشيوعي الأمريكي فقد كان رئيسه إلى نهاية الأربعينيات يهودياً يدعى جير هارت اسلر ومساعده الأول أيضاً يهودي هوغولد برغر وأخته نشيطه في الحزب متخصصه في أعمال التجسس تسمى روث فيشر كمى إن سته من اصل تسعه من باقي أعضاء المكتب السياسي يهود وهم :

وحين اعتقلت هذه القيادة بكاملها بسنة 1949 متلبسة بجريمة التجسس تسلم القيادة مكتب سياسي جديد من رجال الصنف الثاني في الحزب فكان أربعة عشر منهم من اصل واحد وعشرين يهود من بينهم : ايزيدوبيفون / - ماريان مكسويل /- إسرائيل أمتر /- جورج تشالرني /- لويس فاينشتوك /- الكسندر بتلمان /- بتي غانيت /- سايمون غرسون /- فكتور جيروم /- جاكوب مندب /- الكسندر تراشتننبرغ (11).

 

5- دويت ايز نهاور : 1953 – 1961 .

إن علاقة ايزنهاور مع اليهود قديمة قبل إن يصبح رئيساً. وهي تهود إلى الفترة التي كان فيها قائداً لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية حين كان يرسل الطائرة تلو الطائرة إلى معسكرات الاعتقال اليهودية في ألمانيا محملة بالمعلمين والكتب العبرية، ولما اصبح رئيساً للولايات المتحدة آمر وزراء الخارجية الأمريكية في عام 1954 بإصدار كتيب عن إسرائيل وسياسة أمريكا نحوها جاء فيه:(( إن إسرائيل ولدت بعد الحرب الثانية وأنها قامت لتعيش مع غيرها من الدول التي اقترنت مصالح الولايات المتحدة بقيامها )) (12) .

وكان لاتفوته مناسبة إلا واستغلها للتهنئة والتبريك وكسب ود الصهاينة . فقد بعث برسالة إلى الرئيس الإسرائيلي حملها إليه الحاخام ابا هلل سلفر أحد زعماء الصهيونية في أمريكا ونشرتها جريدة جيروزاليم بوست يوم 19 مارس 1956 جاء فيها :(( احب إن انتهز فرصة زيارة صديقي الدكتور ابا هلل سلفر لإسرائيل لابعث عن طريقه تحياتي الشخصية الخالصة بمناسبة الاحتفال بعيد الفصح وفي غداة الذكرى الثامنة لإنشاء إسرائيل … واسمحوا لي إن أذكر لكم إن الحكومة الأمريكية تسعى بكل وسيلة وبأعز ماتكنه من روح الصداقة إلى أيجاد حل سلمي مرضي للمشكلات التي تواجه إسرائيل وجاراتها )) (13) .

وبلغ من تعلقه باليهود انه لم يترك للرئيس كنيدي الذي جاء بعده ألا وصية واحدة أوصاه فيها بإسرائيل ( اتواصوا به بل هم قوم طاغون ) ألذ رايات / 53 . وقد نشرت جريدة جويش كرونيكل هذه الوصية في عددها الصادر يوم 27-1-1961 جاء فيها :

(( لقد تبلور في ذهني اعتقاد جازم نتيجة اتصالي الوثيق بكم بأن شخصية إسرائيل القومية هو عصارة نقية للقوة والعظمة ، وهذا ما يحفزني على تتبع شؤون إسرائيل يحدوني في ذلك عطف واندفاع نحو رعاية شؤونها . مع تقديم تحياتي واحتراماتي )) (14) .

 

6- جون كنيدي : 1961 – 1963 .

وإذا كان الممثل المغربي يقول : (( لا توص اليتيمة على البكاء )) لأنها تبكي دون إن يوصيها أحد بذلك ، فكذلك كنيدي فإنه لم يكن في حاجة ألي هذه الوصية لكي يبكي من اجل إسرائيل فقد دشن تطلعه إلى الرئاسة برسالة بعث بها إلى الصهيوني الأمريكي جولد شتاين بتاريخ 10 غشت 1960 جاء فيهـا بأنه (( سيعمل جاداً لو انتخب لرئاسة الولايات المتحدة على إنهاء حالة الحرب بين العرب وإسرائيل )) ثم القي يوم 25 غشت من بقاء إسرائيل لأنها لم تخرج إلى حيز الوجود لتختفي ، بل إنها ستبقى وليدة الأمل ، وموطن الرجاء ، وليست إسرائيل مسألة حزبية ، بل التزام قومي ، والحزب الديمقراطي مرتبط بهذا الالتزام الذي سنه (( ويلسون )) والذي تنبأ بإنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين ، وعمل بعده فرانكلين روزفلت لإحياء آمال اليهود في الخلاص أثناء الحكم النازي .

ثم أكد ذلك هاري تومان، فكان أول من اعترف بإسرائيل (( وسأواصـل أنـا السير في هذا الطريق … )) (15) .

إلا أنه بعد هذا العزل المعتاد بين إسرائيل ورؤساء أمريكا الذي مردوا عليه حدث سوء تفاهم بين كنيدي وابن غوريون الذي كان يلح أن توقع الولايات المتحدة اتفاق أمن متبادل مع إسرائيل ، لكن كنيدي رغم تبعيته للصهيونية رفض أن يكون تابعاً إلى حد الانبطاح فبقي يراوغ ويكتفي بدغدغة عواطف الإسرائيليين بالتصريحات المعتادة ، فلم يخرج من القول إلى الفعل . فقد صرح كنيدي في مؤتمر صحفي يوم 8 مايو 1963 بأن (( أمريكا تؤيد سلامة إسرائيل )) فاستغلت إسرائيل هذا التصريح أبشع استغلال وطلبت من محكمة كنيدي أن يفرض الأسطول السادس حصاراً على مصر وسورية والعراق والأردن ولبنان ثم تجاوز ابن غوريون هذه الخطوة وأرسل رسالة إلى الرئيس كنيدي يطالب فيها بضمان أمريكي رسمي بحماية حدود إسرائيل )) لكن كنيدي كان يكتفي بالوعود المعسولة والوعيد الموجه للعرب فانتهت لعبة أن شد الحبل بين كنيدي وابن غوريون بأن قدم هذا الأخير استقالته بعد أن ساءت العلاقات بين الرجلين إلى حد أصبح يهدد بالانفجار فاستقال فعلا يوم 17 يونيو 1963 بدعوى أنه اتجه بالسياسة الإسرائيلية نحو محور بون – باريس ، وهذا يهدد بضياع أكبر حليف لإسرائيل فخلفه ليفي أشكول ولكن ابن غوريون لم يبس هذه (( الإهانة )) وظل يتحن الفرصة المناسبة للإيقاع بصاحبه . بقول سامي حكيم : (( ومما لا شك فيه أنه لم يكن في استطاعته ليفي أشكول إحداث تغيير جذري في سياسة أبن غوريون لا سيما وأن أنصاره ما زالوا مسيطرين على أجهزة الحكم المدنية والعسكرية يوجهون سياستها بوحي من ابن غوريون والتي ترمي في النهاية إلى حمل الولايات المتحدة على عقد معاهدة عسكرية مع إسرائيل تلتزم بموجبها السياسة الأمريكية بالدفاع المسلح عنها عند تعرضها للخطر …

وإزاء تردد الرئيس كنيدي في تنفيذ هذه المطالب الصهيونية طالب ابن غوريون بشن حرب ضد العرب كما استخدم شتى الأسالايب غير المشروعة ضد كنيدي وعلى رأسها الجهاز الخاص الذي يرأسه سواء أكان في الحكم أم خارجه ، ووظيفة هذا الجهاز ملاحقة من تحكم عليه الصهيونية ثم تنفذ حكمها فيه ، وصفحات التاريخ مليئة بالحوادث ومنها على سبيل المثال اغتيال الكونت برنادوت …

واغتيال كنيدي يوم 22 نونبر 1963 في مدينة دالاس واعتقال لي هارفي اوزوالد الذي قتل بعد ذلك بطلقات مسدس جاك رويشتاين ، وسبق أن اتهم اوزوالد بمحاولة اغتيال إدوين ووكر المناوئ للصهيونية … )) (16) .

ويبدو من خلال خصوصية المرحلة أن إسرائيل كانت في حاجة إلى رئيس مطيع فهي كانت تخطط لعدوان 1967 وقد قلنا أنها حينما تريد أن تخطو خطوة نوعية تهيئ لها ظروفها العامة وقد خاب ظنها في كنيدي ، فلما أتعبها بالمواعيد العرقوبية اغتالته فقفزا إلى منصب الرئاسة رجل متوثب يصلح للمرحلة وهو نائبه ليندون جونسون . ومأساة كنيدي مع اليهود مأساة خطيرة فيها أهدافهم التوسعية ولو كان الرئيس الأمريكي نفسه فحين حدث سوء التفاهم مرة واحدة صفي الحساب بهذه الطريقة التراجيدية فكان كنيدي هو الرئيس الأمريكي الوحيد المغتال من بين سائر الرؤساء الأمريكان الذين عاصروا الصهيونية . ومن هنا نفهم لماذا يتهافتون كلهم على إسرائيل كما يتهافت الفراش على النار …

ثم إن اغتيال كنيدي يدل على أن الأمريكيين ليسوا كلهم مرتاحين لهذا النفوذ في البلاد ، فالأمريكيون ذوو الأصل الانكلوسكسوني البروتستانتي كثيراً ما يحرجهم هذا النفوذ الأهوج لليهود فيثورون بين الفينة والأخرى وينفثون بعض غضبهم لكنها نفثة مصدور . فلنستمع إلى بعض أصوات فئة " الوسبس ( 17 ) المتذمرة التي تعلو بين الحين والحين، يقول بنيامين فرانكلين أحد

أبطال استقلال أمريكا في خطاب له أمام المجلس الشرعي عام 1789 : " كل بلد حل فيه اليهود، افسدوا مستوى حياته الاجتماعية وشوهوا سمعته الاقتصادية فهؤلاء يقفون بعيدا عن شعب ذلك البلد ويقيمون حكومة داخل حكومته، وإذا قامت ضدهم معارضة حاولو خنقها عن طريق المال، إن اليهود يتذمرون منذ اكثر من1700 سنة لبقائهم بلا وطن، ولكن اعلموا أيها السادة انه لو أعطى لهم العالم فلسطين لوجد كثير من اليهود شتى الأعذار حتى لا يذهبوا هناك، والسبب في ذلك إن مصاصي الدماء لا يستطيعون العيش معا فهؤلاء اليهود لا يمكنهم الحصول على الخبز فيما بينهم لأنهم اعتادوا العيش في كنف الشعوب الأخرى، وإذا لم يطرد اليهود من أمريكا عن طريق القانون ، فانههم سيزحفون إلى بلادنا حتى يصبحوا حكاما وعندئذ سيمحوننا في اقل من مائتي عام ويبدلون صورة أمريكا رويدا رويدا. أنذركم … لأنه إذا لم يطرد اليهود فسيعلن أحفادنا أجدادهم لان اليهود خطر على هذه البلاد وسوف يمحون كياننا ولهذا يجب إخراجهم من ديارنا" ( 18) . وبعيدا عن كل تهويل أو تهوين فان ما انذر منه بنيامين فرانكلين قد وقع بعضه خلال القرنين اللاحقين والوضع مرشح إلى مزيد من التسلط اليهودي على الولايات المتحدة ولكن بني قوم هذا البطل الرائد رغم انه محضهم نصحه عند منعرج اللوبي ولكنهم لم يستبينوا النصح ألا في ضحى الغد وان غدا لناظره قريب . ولآت حين مندم ، وسينجلي كثير من الضباب حول هذه الحقيقة حينما سنتحدث عن بيل كلينتون الذي يعتبر قمة النفوذ اليهودي عبر العصور . فقد خفت حدة الرفض لليهود إلى درجة كبيرة ولم يعد الأمريكان اليوم يستاؤون حين يعين يهودي في منصب حساس في حين كان هذا العمل يثير غضباً شديداً على عهد ويلسون مثلا . فقد ثار الأمريكيون حينما عين ويلسون (( لويس برانديز )) رئيساً للمحكمة العليا وحمل مجلس الشيوخ الأمريكي على قبول هذا التعيين بتاريخ 5 يونيو 1916 رغم أن منافسة على هذا المنصب كان رئيس جمهورية سابق هو المستر شافت وهو أمريكي أصيل ورغم ذلك تجاهل ويلسون كل هذه الاعتبارات المنطقية وأهدى المنصب إلى هذا اليهودي القادم من براغ والمعروف بتعصبه الشديد لليهودية السياسية (19) .

 

7- ليندون جونسون : 1963 – 1969 .

إذا كانت إسرائيل قد خاضت حرب 1948 على عهد تومان لأنه الرجل المناسب للمرحلة فإنها قد خاضت حرب 1967 على عهد جونسون لأنه أيضاً الرجل المناسب للمرحلة وكيف لا وقد نكبت في كنيدي وهي لا تلدغ – مع كامل الأسف – من جحر مرتين !!! وتحتاط لنفسها أشد الاحتياط حتى لا تتكرر تجربة كنيدي إلى الأبد فجونسون هو الرئيس الذي سينفذ لإسرائيل ما كان يصرح به كنيدي قولا دون أن يخرج إلى حيز الفعل بالشكل الذي تريده . وكيف لا وليندون جونسون هو المعروف بدفاعه المستميت عنها وعن جرائمها في الكونغرس الأمريكي قبل أن يصبح رئيسا ، وحين تسلم مقاليد الرئاسة جاء لي في أشكول إلى الولايات المتحدة فاستقبله في 1 يونيو 1964 وألقى بين يديه خطابا متملقا ينم عن صهيونيته جاء فيه : (( إننا معجبون أعظم الإعجاب بالتقدم الذي نشاهده في إسرائيل ، وكيف تغلبتم على المشاكل الاقتصادية ، وستؤدي زيارتكم لواشنطن إلى زيادة العلاقات بين أمريكا ولإسرائيل )) (20) . وقد كانت هذه الزيارة تمهيداً لحرب 5 يونيو 1967 المرتقبة . وبعد هذه الحرب بأسبوع نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ 12 يونيو 1967 مقالا جاء فيه : (( إن هذه الخطة دخلت البيت الأبيض في اجتماعات رأسها جونسون ، واشترك فيها قائد القوات المسلحة الأمريكية ، ورئيس هيئة المخابرات الأمريكية وإن (( جولد برج )) ( يهودي ) ممثل أمريكا في مجلس الأمن قد أخبر بالخطة ، وهذه الخطة كما أوضحها رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة الأمريكية للرئيس جونسون قبل أسبوع من نشوب الحرب هي أن تبدأ إسرائيل بالعمليات الجوية العسكرية ، وأن القوى التي وضعت لمساندة إسرائيل بالعمليات الجوية العسكرية ، وأن القوى التي وضعت لمساندة إسرائيل كفيلة بإنهاء المعركة بعد أربعة أيام بشرط أن يبدأ العدوان الجوي فجأة )) ( 21) .

 

8- ريتشارد نيكسون : 1969 – 1974 .

أما ريتشارد نيكسون فقد كان خاض حملة انتخابية ممثلا للحزب الجمهوري ضد كنيدي ممثل الحزب الديمقراطي وتبنى شأنه شأن كنيدي ما انتهى إليه مؤتمر الصهيونية الأمريكية الذي سبقت الإشارة أليه والذي انعقد بنيويورك في غشت 1960 إذ (( حث حكومة الولايات المتحدة على الجمع بين العرب وإسرائيل لإجراء مفاوضات مباشرة للصلح ، ودعا الحكومة الأمريكية إلى القيام بعمل إيجابي لتحقيق مبدأ حرية المرور في قنـاة السويس وطالـب بتنفيذ برامج عملية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين )) (22 ) .

ولكن نيكسون لم ينجح في تلك الحملة المبكرة وإنما سيصعد إلى الرئاسة في سنة 1969 بعد ليندون جونسون وبقي فيها إلى أن استقال بعد فضيحة واتزغيت المشهورة سنة 1976 .

ولا ينبغي أن ننسى الدور الخطير الذي لعبه اليهودي هنري كيستجر في الشرق الأوسط على عهد نيكسون

 

9- جيرالد فورد : 1974 – 1976 .

لقد ظل كيسنجر على عهد فودر يلعب نفس الدور الذي لعبه أيام نيكسون وهو دور خطير كما قلنا ، جنت منه إسرائيل منافع لا حصر لها وظل فورد طوال الفترة المتبقية من رئاسة نيكسون مخلصاً لنفس الخطة التي سار عليها سلفه ، وحين ذهب رابين لمفاوضة فورد حول خطة السلام ( يناير 1976 ) أبلغه كسسنجر أن الرئيس فورد قد وافق على قائمة إضافية بمبلغ 500 مليون دولا إضافة لما قرره مجلس الأمن القومي ، وأنه أمر بإعطاء إسرائيل الأولوية المطلقة بعد الجيش الأمريكي مباشرة .

كما ذكرت الواشنطن بوست أن فورد انفرد بقرار تزويد إسرائيل بأسلحة تشتمل على قنايل هوائية ذات إنتاج كبير ، وعلى أجهزة ذات حساسية حرارية تعمل كالرادار ، وذلك دون استشارة وزراء الدفاع أو الخارجية .وتتضمن الصفقة دبابات من نوع م 60 ومدافع هاورتز بالإضافة للقنابل الهوائية ، وكانت أمريكا قد زودت إسرائيل بدبابات تبلغ حوالي 600 دبابة أخذت 400 منها من احتياطي الجيش الأمريكي في أوروبا ، مما أثار انتقاد عنيفا من الجيش الأمريكي … وقال فورد في مؤتمر صحفي : (( إن هذا قراري الشخصي )) .

وقد انتهت حكومة فورد عملها بأن تقدمت في آخر عمل للكونغرس الأمريكي بطلب أسلحة قيمتها 188 مليون دولا لسبعة دول بينها إسرائيل ، تماما كما فعل جونسون حين وافق في آخر أيامه الرئاسية على طلب إسرائيل لـ 58 طائرة فانتوم )) ( 23) .

لقد تم على عهد جيمي كارتر توقيع أخطر معاهدة في الصراع العرب الإسرائيلي في العصر الحديث ألا وهي معاهدة كامب ديفيد التي وقعها السادات في مارس 1979 فقاطعته الدول العربية ونبذه الحكام العرب وجمدوا مقعد مصرفي الجامعة العربية ولكنهم عادوا فيما بعد ليسيروا في نفس الطريق الذي عبده لهم أنور السادات كما تقدم .

فمن هو الرجل صاحب العصا السحرية الذي دفع السادات إلى توقيع كامب دبفبد ؟ إنه جيمي كارتر الذي لعب نفس الدور في التوقيع – أو أن شئت في الإيقاع – بين بيغن والسادات ، أقول نفس الدور الذي لعبه اليوم بيل كلينتون في (( الإيقاع )) بين رابين وعرفات ولكن هل كان كارتر صهيونياً ؟ فلنصغ إليه يحدثنا عن نفسه في الصفحة 274 من كتابه : Keeping Faith فيقول : (( إن الأخلاق اليهودية المسيحية ودراسة الكتاب المقدس هي موضوع مشترك يربط بين اليهود والمسيحيين .وكانت قناعتي بذلك هي جزء من كياني طوال حياتي ، وكنت علاوة على ذلك على قناعة بأن اليهود الذين نجوا من عمليات الإبادة ( خلال الحرب العالمية الثانية ) يستحقون أن يكون لهم وطن ، وأن من حقهم أن يعيشوا في سلام مع جيرانهم ، وكنت على قناعة ، بأن إيجاد وطن لليهود هو من تعليمات الرب ونتيجة لتلك القناعات الدينية والأخلاقية فقد أصبح التزامي بأمن إسرائيل ثابتا لا يهتز …

كنت مقتنعاً بهذه الأفكار قبل أن أصبح رئيسا للولايات المتحدة ، وكان الكثير من الشعب الأمريكي يشاركني في تلك الأفكار . أما بعد أن أصبحت رئيساً للولايات المتحدة فقد أصبح لتلك الأفكار أبعاد أخرى … أما الدول العربية ، فلم يكن لدي أي شعور متعاطف معها فلم أزر أيا منها ، ولم تكن لدي أي معرفة بأي زعيم عربي )) (24 ) .

ومن هنا يبدو أن المستجير من إسرائيل بأمريكا كالمستجير من الرمضاء بالنار .

 

11- رونالدريغن : 1980-1992 .

إن ريغن على وزن بيغن ويكفيه صهيونية أن يصفه الفريق سعد الدين الشاذلي بأنه كان حين تولى الرئاسة بعد كاتر أكثر اندفاعا منه في تأييد إسرائيل : (25) وخطاباته وتصريحاته تطفح بالروح الصهيونية يقول لأحد أعضاء اللوبي اليهودي الأمريكي : (( إنني أعود إلى نبوءاتكم القديمة في التوراة ، حيث تخبر في الإشارات بأن المعركة الفاضلة بين الخير والشر مقبلة …وأجد نفسي أتساءل : إذا ما كنا الجيل الذي سيشهد وقوع ذلك ، إنني لا أعرف إذا ما كنت قد لاحظت هذه النبوءات مؤخرا صدقني أنها تصف الأوقات التي تجتازها الآن )) (26) .

 

 

12- جورج بوش : 1988 – 1992 .

مما لا شك فيه أن بوش قد خاض غمار حرب الخليج دفاعا عن إسرائيل ونيابة عنها فإسرائيل بالنسبة لأمريكا غاية ووسيلة كما تقدم ، وقد أدلى الجنرال الأمريكي شوار سكوف بتصريح حول حرب الخليج بتاريخ 23 مايو 1991 قال فيه للإسرائيليين : ( أريد أن أقول لكم جميعاً إن الولايات المتحدة دولة صديقة لكم وبإمكانكم أن تثقوا بها ، وتعتمدوا عليها وأنها لن تتخلى عنكم …

إن الحرب التي خاضها رجالنا في منطقة الخليج كانت من أجلكم ومن أجل إسرائيل ، وقد عمل الرجال على تحطيم عدوكم العدو الرئيسي لكم في المنطقة )) (27 ) .

ويحكي الفريق سعد الشاذلي بأن أمريكا (( قد قامت بربط البنتاجون ربطا مباشرا مع القيادة العسكرية الإسرائيلية بخطوط تلفونية مؤمنة وخطوط فاكس مؤمنة بحيث تصبح غرفة العمليات في تل أبيب وكأنها جزء من غرفة العمليات الأمريكية في واشنطن … وقد فوض الرئيس الأمريكي بوش وزير الدفاع تشيني بأن يخبر إسرائيل بالحرب قبل أن تبدأ وأن يخبرها بأحدث المعلومات التي تتعلق بأي هجوم إليها )) (28 ) .

كما أن اليهود الأمريكيين قد شاركوا بفعالية في هذه الحرب (( فاليهود الذين يخدمون في القوات المسلحة الأمريكية يمثلون 3% من إجمالي عدد القوات المسلحة الأمريكية وعددهم يصل إلى 75000 . حيث إن جميع الضباط والجنود اليهود الذين يخدمون في القوات المسلحة الأمريكية يحملون الجنسية المزدوجة الأمريكية والإسرائيلية ومسجلون ضمن قوائم القوات المسلحة الإسرائيلية الاحتياطية … وقد أطد شيني في تصريح له يوم 24 غشت أنه يوجد 7.700 ضابط وجندي يهودي ضمن القوات الأمريكية التي أرسلت إلى الخليج ، وأوضح شيني في تصريحه أن السعودية لم تطلب من أمريكا استبعاد الجنود اليهود من القوات التي ترسل إلى السعودية ثم أضاف بعنجهية لا تخلو من إهانة للدولة المضيفة فقال : لو طلب منا السعوديون عدم إرسال يهود لما قبلنا ذلك منهم )) (29 ) .

وقد بلغ من نفوذ اليهود بأمريكا في عهد بوش على المتسويين السياسي والاستراتيجي أن أربعة أخماس الوفد الأمريكي في مباحثات السلام المرسومة في الشرق الأوسـط لمتابعـة لقـاءات مدريـد يهود وهم :

  1. دبنس روس : رئيس الفريق ، ورئيس مجموعة تخطيط السياسة الخارجية الأمريكية .
  2. دانيال كورتسير : نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون التخطيط السياسي ، وقد أسهم في تصميم الحوار الأمريكي مع منظمة التحرير الفلسطينية .
  3. أرون ميلر : يحمل دكتوراه في تاريخ الشرق الأوسط وله كتابان عن الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية وسبق له أن عاش في إسرائيل ، ويتقن اللغة العربية .
  4. رتشارد هاوس : مساعد خاص للرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي ، وسبق له أيضاً أن عاش في إسرائيل ( 30) .15

 

13- بيل كلينتون : 1992 _______ ؟

بعد الترويع والركيع والتوزيع جاء دور التطبيع . هذه هي الخطة التي سارت عليها أمريكا وحليفتها إسرائيل فقد روعت أمريكا الشرق الأوسط ومن ورائه العالم العربي والإسلامي في حرب الخليج وركعت العراق وحجمته ووزعت الغنيمة بينها وبين حلفائها من بترول ونفوذ في المنطقة وكان مما وزع أيضاً ولاءات العرب فقد خرجوا من الحرب موزعين ممزعين ، لكن حرب الخليج لم تحقق الهدف الرابع الذي هو التطبيع وكانت هذه هي المهمة التي أوكلت إلى من جاء بعد بوش أولا وهو بيل كلينتون . يقول الفريق سعد الدين الشاذلي : (( يمكن أن نستنتج بجلاء أن الأهداف الحقيقية للتدخل الأمريكي تختلف تماماً عما أعلنه بوش يوم 8 أغسطس (1990 ) ، وأن هذه هي الأهداف الحقيقية يمكن تلخيصها فيما يلي :

1- تدمير القوات العراقية تدميراً شاملاً ، أو تحجيمها بحيث لا تشكل خطراً ضد المصالح الأمريكية في الخليج ، أو ضد أمن وسلامة إسرائيل .

2- السيطرة الفعلية على مصارد البترول .

3- تكريس التجزئة العربية .

4- تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية وجردول المنطقة إلى التوقيع ... )) ( 31 ) .

وقد بين الفريق سعد اليد الشاذلي بأنه (( لن يمر وقت طويل قبل أن تحقق الهدف الرابع )) (32) .

والوصول إلى هذا الهدف يعتبر قمة الاستعلاء الصهيوني في العصر الحديث ، وما هو في الواقع إلا مؤشر على درجة التغلغل اليهودي في الأجهزة المتنفذة في الولايات المتحدة بشكل لم يسبق له مثيل عبر تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية . فأين يتجلى هذا التغلغل إذن ؟ .

والجواب أنه واضح على كل المستويات : على مستوى مكتب الرئيس ، على مستوى مجلس الأمن القومي ، على مستوى وزارة الخارجية ، على مستوى المستشارين ، على مستوى المجلس الوزاري ، على مستوى الكونغرس ، وأخيراً على المستوى الشعبي (33) .

1- مكتب الرئيس : حطم كلينتون الرقم القياسي في تقريب اليهود من إدارته فهم يصولون ويجولون في مكتبه ويسيطرون عليه بنسبة 100% وقد تكلفوا بكل المهام على الشكل التالي :

2- مجلس الأمن القومي : تقول صحيفة معاريف الإسرائيلية (( إن هناك في مجلس الأمن القومي الأمريكي سبعة من أصل أحد عشر عضوا بتبوؤون أهم المناصب في هذا المجلس . من أصل يهودي ، وقد وضعهم الرئيس كلينتون في أكثر المواقع حساسية في هيسة الشؤون الأمنية والخارجية للولايات المتحدة وهم يتحدثون بالعبرية داخل الاجتماعات الرسمية ويصلون من أجل جنود جيش إسرائيل وهؤلاء الأعضاء السبعة الخطرون هم :

1- صمويل برغر : نائب رئيس مجلس الأمن القومي .

2- مارتن أنديك : مدير شعبة عالي المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الأوسط وجنوب آسيا

3- دان شيفتر : مدير شعبة رفيع المستوى ومستشار كلينتون ومسئول عن شبعة أوربا الشرقية .

4- سندي ورشفار : مدير شعبة أوربا الغربية ومستشار للرئيس كلينتون .

5- دون شتا ينبرغ مدير شعبة أفريقيا ومستشار للرئيس كلينتون .

6- ريتشاردفا ينبرغ : مدير شعبة أمريكا اللاتينية ومستشار ورفيع المستوى للرئيس كلنتون .

7- ستانلي روس : مدير شؤون آسيا ومستشار كلينتون .

فهؤلاء يمثلون الولايات المتحدة في الهيمنة على جميع أصقاع الدنيا وقاراتها . في عصر ما يسمى بالنظام الدولي الجديد قصد تسخيرها لمصلحة أمريكا وإسرائيل .

3- وزارة الخارجية : إن نفوذ اليهود في وزارة الخارجية الأمريكية قديم جدا فلا ينبغي أن ننسى دور هزي كيسنجر وطاقمه في السبعينات أيام الرئيس ريتشارد نيكسون وكذلك دور الطاقم اليهودي بوزارة الخارجية على عهد كارتر في توقيع معاهدة كامب ديفيد سنة 1979 . أما اليوم فرئيس طاقم السلام في الشرق الأوسط بأكمله يهودي يدعى دنيس روس ، ومن مؤشرات قوة التمكن تعيين سفير يهودي للولايات المتحدة في إسرائيل لأول مرة في تاريخ العلاقات الديبلوماسية بينها وهذا السفير هو مارتن أنديك .

4- المستشارون : ليس المقصود هنا المستشارون العاديون فقد تقدم ذكر بعضهم ولكن المقصود هم المستشارون الكبار ، فاثنان من أصل خمسة من أبرز مستشاري الرئيس كلينتون الذين يلتقي بهم عادة كل صباح للتباحث حول مضمون التقرير اليومي الأكثر سرية والذي يتلقاه من أجهزة المخابرات الأمريكية يهوديان هما صويل برغر نائب رئيس مجلس الأمن القومي وليئون فبرات مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأمريكي .

ومن أكبر مستشاري الرئيس الأمريكي ايضارهام عما نويل الذي لا يبعد مكتبه عن مكتب كلينتون إلا بضع خطوات ، وهو مسؤول عن تنسيق المشاريع الخاصة في البيت الأبيض .

وتقول صحيفة معاريف الإسرائيلية في ملحقها الأسبوعي الصادر في أوائل شهر شتنبر 1994 : (( إن غالبية مستشاري الرئيس الأمريكي والمسؤولين عن الشؤون الخارجية والأمن في الإدارة الأمريكية هم من اليهود ... وإن هؤلاء المستشارين والموظفين اليهود يملأون ردهات البيت الأبيض ومكاتب وزارء الحكومة الأمريكية )) .

5- المجلس الوزاري : في المجلس الوزاري الأمريكي اليوم وزيران يهوديان خطيران هما : ميكي كنطور وزير التجارة الدولية وروبرت رايخ وزير العمل .

6- الكونغرس : يشكل الكونغرس اليوم بؤرة للنفوذ اليهودي في الولايات المتحدة ، فبعد أن كان عدد اليهود في مجلس الشيوخ الأمريكي لا يتجاوز عضوين أثنين عام 1963 أصبح عدد اليهود الآن 10 في مجلس الشيوخ و33 في مجلس النواب ، ولكن فعاليتهم ونجاعة تحركاتهم يفوقان حجمهم بكثير .

وقد بلغ من جنون كلينتون وسعاره تجاه حماس أن أصبح يتوعدها بالاسم صراحة في خطاباته وهذه سابقة في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية ، فقد عقب لقائه في القاهرة مؤخرا مع عرفات بأن هذا الأخير تعهد بمكافحة حماس ، مؤكدا أن النجاح في هذا المسعى لا يمكن أن يكون 100% لكنه مقتنع بعزم عرفات على بذل الجهود في هذا المضمار 100% .

وبلغ حقد الولايات المتحدة الأمريكية أوجه على عهد كلنتون حين تدخلت بقضها وقضيضها مستغلة نفوذها في مجلس الأمن لإصدار بيان تنديد بعملية تل أبيب بعد ساعات فقط من العملية وسعت لحشد تأييد غربي أوربي واسع النطاق لتأييد حكومة رابين في حربها ضد حماس بل إن الرئيس كلنتون صار ينعتها هذه الأيام بأبشع النعون وآخرها مصطلح (( تجار الإرهاب )) حيث قال مخاطبا حماس ومن على شاكلتها من الحركات الإسلامية : (( دعونا نقول لتجار الإرهاب مرة أخرى لا يمكنهم أن تنجحوا ويجب ألا تنجحوا ولن تنجحوا ، إنكم الماضي ولستم المستقبل ، صناع السلام هم المستقبل )) ( 34 ) .

7- أما على المستوى الشعبي : هنالك أكثر من 200 منظمة صهيونية في أمريكا تعمل ليل نهار لخدمة إسرائيل سياسيا وماليا واجتماعيا ونظراً لكثرتها نكتفي بذكر أهمها :

- الوكالة اليهودية .

- عصبة الصداقة الإسرائيلية الأمريكية .

- اللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشؤون العامة .

- الأمريكيون المناصرون لإسرائيل آمنة .

- رابطة الصهيونيين الإصلاحيين في أمريكا .

- الاتحاد الصهيوني الأمريكي .

- مجلس الاتحادات اليهودية .

- المنظمة الصهيونية النسائية في أمريكا .

- منظمة سندات دولة إسرائيل .

- المؤسسة اليهودية لشؤون الأمن القومي .

- الصندوق القومي اليهودي .

- اللجنة القومية للعمل السياسي .

- اللجنة القومية للعمال في إسرائيل .

- صندوق إسرائيل الجديد .

- المجلس الاستشاري لعلاقات الطائفة اليهودية القومية .

- الشركة الاقتصادية الإسرائيلية .

- صندوق وقفية إسرائيل .

- مؤتمر المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى .

- النداء الإسرائيلي المتحد .

- المنظمة الصهيونية العالمية .

- مؤسسة الشباب للسلام في الشرق الأوسط .

- المنظمة الصهيونية في أمريكا .

وهكذا فرغم أن اليهود في أمريكا لا يتجاوز عددهم 5.5 مليون نسمة أي حوالي 2% من إجمالي السكان البالغ عددهم 260 مليون نجدهم يحرزون على كل هذا النفوذ الواسع ويتغلغلون كل هذا التغلغل السرطاني في جسم المجتمع الأمريكي ، مما جعل حاخام كنيس طائفة إسرائيل بمنطقة كليلان بارك في واشنطن يعبر عن ارتياحه لهذه النتائج المهمولة التي حققها اليهود فيقول : (( لأول مرة في التاريخ لم يعد هناك مجال بعد الآن لأن شعر بالغربة ... إنه هناك سلطة للأغيار ( أي غير اليهود ) )) ( 35 ) .

وتحالف اليهود مع الأقوياء ليس شيئا جديداً فهو قديم في التاريخ البشري وذلك لأنهم يعبدون (( القوة )) ويقدسونها إلى درجة أنهم جعلوا نبيهم يعقوب في توراتهم المحرفة ينتصر على ربهم في المصارعة التي دارت بينهما . وفيم الاستغراب ألم يقولوا إن الله فقير ونحن أغنياء ؟ فقد جاء في سفر التكوين أن يعقوب بعد أن عبر المخاضة مع أولاده وأهله وأجتاز الوادي ثم جلس في خيمة وحيدا (( فصارعه إنسان حتى طلوع الفجر )) ولما وجد قوة من يعقوب ضربه على حق فخذه فانخلع ، وطلب الرجل من يعقوب أن يتركه فلم يفعل حتى يباركه وبعد أن سأله عن أسمه قال لا يكون أسمك يعقوبا بل إسرائيل ، والسبب أنه جاهد مع الله .

ولما سأله يعقوب عن أسمه لم يجبه ، بل سأله عن سبب سؤاله ثم باركه ، وعند ذالك أطلق يعقوب على المكان أسم (( فينئيل )) وقال مسببا ذلك (( نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي )) ولعد شروق الشمس ترك المكان وهو يخمع على فخذه )) وتقول التوراة بعد ذلك (( لذلك لا يأكل بنوا إسرائيل عرق النسا الذي على حق الفخذ إلى هذا اليوم (( والقصة بما توحي وترمز فإن يعقوب خرج منتصراً في هذه المصارعة ، التي امتدت ليلة كاملة ، كان يعقوب هو الأقوى لولا أن الله ضربه على فخذه )) (36) .

وتقديسهم للقوة هو الذي جعلهم يبحثون على الأقوياء ليحالفوهم ، فقد تحالفوا مع كورش الفارسي ( 37 ) وتحالفوا مع المصريين في حربهم ضد بختنصر زعيم الكلدانيين وتحالفوا مع المسلمين أحياناً خلال مرحلة الفتوح فراحوا يتجسسون لهم على الروم ثم تحالفوا مه هولاكو عندما علموا أنه سيداهم المسلمين وتحالفوا في الأندلس مع النصارى لما تسرب الضعف والى المسلمين ، ويحكي الضبي في (( الملتمس )) أنه بلغ من مكر اليهود أنهم (( لما قدم ألفونسو إلى معركة الأرك بما يزيد عن مائتي ألف رجل وخمسة وعشرين ألف فارس كانت معه جماعات من ( 38 ) تجار اليهود قد وصلوا لشراء أسرى المسلمين وأسلابهم وأعدوا لذلك أموالا )) وفي عهد ملوك الطوائف أصبح اليهود وزراء فكان هناك بنوحسداي في الإمارة اليهودية بسرقسطة وبنوا النغريلة في البلاط الزيري بغرناطة ، فقد ألقى ياديس بن حبوس رأس بني زيري - زمام دولته بين يدي وزيره اليهودي يوسف بن النغريلة رغم أنه كان يجاهز بجرأته على مقدسات المسلمين إذا ألف كتابا يزعم فيه أن هناك تناقصاً في القرآن الكريم ، وكان يدعى بدون خجل أنه ينظم القرآن شعرا وموشحات ، وأصبح من الوجاهة بحيث يمدحه الشعراء وفعلا فقد مدحه ابن المنفتل القرطبي وغيره ، إلا أن هذه الوجاهة لم تمنع شعراء آخرين كأبي إسحاق الألبيري مثلا من أن يجعلوه محط سهامهم وهجائهم فحرض عليه الصنهاجيين ودعاهم إلى قتله وتخليص الأندلسيين من شره ،وأنحى باللوم على باديس بن حبوس لتوليته إياه رغم وجود الأكفاء من المسلمين فقال :

لقد زل سيدكم زلة تقربها أعين الشامتين

تخير كاتبه كافـرا ولو شاء كان من المسلمين

فعز اليهودية وانتخوا وتاهوا وكانوا من الأرذلين

وإني احتللت بغرناطة فكنت أراهم بها عابثيـن

وقد قسموها وأعمالها فمنهم بكل مكان لعيـن

وهم يقبضون جباياتها وهم يخضمون وهم يقضمون

ورخم قردهــم داره وأجري إليها نمير العيـون

فصارت حوائجنا عنده ونحن على بابه قائمــون

ويضحك منا ومن ديننا فإنا إلى ربنــا راجعـون

فبادر إلى دبحه قربــة وضح به فهو كبش سميـن

ولا ترفع الضغط عن رهطه فقد كنزوا كل علق ثميـن

ولا تحسبن قتلهم غـدرة بل الغدر في تركهم يعبثون (39 )

لكن النصارى حينما أجلوا المسلمين من الأندلس أجلوا معهم اليهود فآراهم المسلمون من جديد في كنف الدولة العثمانية قرونا طويلة ، وحينما سنحت لهم الفرصة لتخريب هذه الدولة التي أمضوا فيها أحسن مراحل تاريخهم وحققوا فيها الثراء الفاحش لم يتأخروا في ذلك حيث حركوا الحركات الماسونية في طول البلاد وعرضها وقد كان (( ليهود الدونمة )) الذين جاءوا أصلاً من الأندلس دور كبير في إسقاط السلطان عبد الحميد الثاني فقد كانوا يشكلون ما يزيد على 65 % من سكان مدينة سالونيك التركية ، ومن يهود الونمة هؤلاء مصطفى كمال أتاتورك الذي ألغى الخلافة الإسلامية لأول مرة في التاريخ الإسلامي سنة 1924 ، وذلك بتوجيه من دول الغرب بعد مؤتمر لوزان سنة 1923 . وقد بلغ من نفوذ اليهود على عهد حكومة (( الاتحاد والترقي )) التي مهدت لمصطفى كمال أتاتورك أن أصبح لهم أربعة وزراء هم (( جاويد )) وزير المالية (( وبساريا أفندي )) وزير الأشغال العامة و (( نسيم مازلياح )) وزير التجارة والزراعة و (( أوسكان أفندي )) وزير البريد والتلغراف )) فرغم أن اليهود كانوا أصغر أقلية في الدولة العثمانية ومع ذلك عندهم أربعة وزراء بينما نجد العرب الذين يمثلون نصف عدد السكان وأرضهم تشكل ثلاثة أرباع المساحة العامة للدولة ليس لديهم ولو وزير واحد . (40 ) وأخيراً تحالفوا مع الاستعمار الغربي حين دخل العالم الإسلامي . بل إنهم غيروا حليفهم ثلاث مرات خلال هذه المرحلة الأخيرة وحدها ، فقد حالفوا فرنسا في البداية واهتموا بتعليم اللغة الفرنسية ردحا من الزمن ولما تبين لهم أن بريطانيا أقوى منها وأجلب لمصالحهم تحالفوا معها فكان دورها كبيراً في التمكين لهم في فلسطين وحينما تخلفت بريطانيا عن قيادة العالم بعد الحرب العالمية الثانية نقل اليهود ثقلهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية فهي اليوم قوتهم الحقيقية .

ونادرا ما يخطئون في اختيار الحليف القوي فمن بين كل هذه التحالفات المذكورة أخطأ اليهود الهدف مرة واحدة حين تحالفوا مع المصريين ضد يختنصر . يقول نعمان عبد الرزاق السامرائي : (( عندما كانت العلاقات بين الكلدانيين والمصريين لذلك سارعوا للتحالف معهم وخالفهم في ذلك النبي (( أرميا الكاهن )) فقد كان اعتقاده بأن النصر سيكون من نصيب بختنصر وجيشه ... ولم يسمع اليهود لنصيحة أرميا مما اضطره إلى أن يحتال للاتصال بجيش بختنصر وقائده ويجري معه مفاوضات مطولة وبقي اليهود على قناعتهم وتحالفهم ، حتى اقتحم القدس ، وساق اليهود أسرى إلى بابل ، وقدر للنبي (( أرميا )) مرقفه فترك له الحرية في البقاء أو الهجرة ، وكان يخشى على نفسه من قومه ، فهاجر سرا ، ولكن اليهود لم يلبثوا أن قتلوه ، وأحدث ذلك صدمة كبيرة لليهود ، ومن ذلك اليوم وهم يراقبون بدقة وحذر (( مراكز القوة )) من أجل معرفة النجم القوي الصاعد ليتحالفوا معه )) (41 ) .

لقد صاروا كما يقول نعمان عبد الرزاق السامرائي أشبه (( بحرار الزئبق )) يتحسسون القوة ليتحالفوا مع صاحبها وربما قبل أن يشعر هو بأنه سيكون قوياً في المستقبل .

يذكر الكاتب اليهودي (( سجيف )) صاحب كتاب (( المثلث الإيراني )) : العلاقات السرية الإسرائيلية الإيرانية الأمريكية )) أن محادثات دارت بين اليهود والأمريكان بشأن قوة الشاه ونفوذه ، وكان الرأي بأنه قوي وسيحكم ما بين 10إلى 15 سنة . أما الجانب الإسرائيلي فكان رأيه بأن الشاه قد انتهى وهذا ما حصل .

وبالفعل تحرك اليهود تجاه القوة الجديدة للتحالف معها ، وبدأ الإعلام اليهودي في أمريكا حملة شعواء على الشاه لم يفهم هو نفسه مغزاها . ورغم أن هذه القوة الجديدة هي قوة إسلامية ولكن بما أن التفاهم معها ضروري حرصا على سلامة اليهود في إيران وقعت اتصالات كثيرة بالخميني لأجل هذا الغرض ويقول سيجيف بأنه (( في أعقاب انتقال الخميني من النجف إلى باريس في 3 تشرين أول 1978 ذهب إليه عدد من اليهود وحصلوا نته على وعد بعدم المساس باليهود في طهران ... ووعد بتوجيه تعليمات إلى رجاله في إيران بعدم المساس باليهود )) وفعلا ، فحين نزل الخميني من جديد على أرض إيران خرج خمسة آلاف من يهود طهران وعلى رأسهم الحاخام الأكبر لاستقبال الخميني وهم يحملون صوره ويهتفون ( اليهود والمسلمون إخوان ) (42 ) .

بل إن حلفاء اليوم من الغربيين هم أعداء اليهود التاريخيين بالأمس ، فاليهود عند المسيحيين هم قتلة المسيح ، ولا تجدهم مذكورين في الأدبيات الأوربية إلا في سياق سلبي مثل الوصف بالشجاعة والقذارة والغدر . لكن الذي جمعهم وألف بينهم هو الكره للإسلام والكبد يقول الفريق سعد الدين الشاذلي : (( كان هناك إجماع بين الدول الصليبية على إقامة دولة إسرائيل ... لا حباً في اليهود بل كراهية وخوفا من الإسلام والمسملين ، فرغم كراهية النصارى لليهود ... ورغم أنهم التمسوا من أمير المومنين عمر بن الخطاب عند تسليمهم مدينة القدس للمسلمين عام 639 م /17 هبلا يسمح المسلمون لليهود بدخولها ... ورغم أن اليهود قد تحملوا أقصى أنواع العذاب على يد النصارى طوال القرون العشرين الماضية .. إلا أن الدول الصليبية هي التي عملت وأيدت وساهمت في قيام دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي والأمة الإسلامية ... حتى تكون عنصر تهديد دائم للمسلمين )) (43 ) .

فالمسيحيون الموجودون في أوربا وأمريكا اليوم لا يمكن أن نعتبرهم مسيحيين أو نصارى فقد صاروا أقرب إلى اليهودية منهم إلى المسيحية وهذا من الآثار (( الطيبة )) للقديس بولس ، اليهودي الذي تسلل إلى المسيحية وخربها من الداخل . وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكن إن تسلل إلى التصريحات الصهيونية لكل رؤساء أمريكا من ويلسون إلى كلينتون . يقول عمر عبيد حسنة : (( وقضية تسلل اليهود إلى الأديان والأفكار والأحزاب ... لا يحتاج إلى دليل وشاهد ، وقد لا نأتي بجديد إذا ذكرنا بدورهم في تخريب النصرانية وبقصة بولس الذي كان من أشد الناس عداوة للنصرانية ، وهو لم ير عيسى عليه السلام ، ولم يسمعه ، وكان من أبرز وأنشط المضطهدين للحواريين ، فانقلب فجأة إلى أشد المتحمسين لها ، وادعى أن المسيح ظهر له ، وطلب إيصال تعاليمه الجديدة إلى النصارى ، فأصبح ( بولس الرسول ) أو ( القديس بولس ) الذي يشرع للنصارى دينهم )) (44 ) .

هذا دون أن ننسى أن (( كالقين )) رائد حركة الإصلاح الديني في أوربا كان يهودي الأصل ، وأن (( مارتن لوثر )) صاحب الإصلاحات الدينية المعروفة كان محاطا بثلة من اليهود يوحون إليه بأفكارهم ويكفي أن اليهود وصلوا بحركاتهم هذه إلى البراءة من دم المسيح رغم أن المسيحيين ظلوا يعتقدون ذلك قروناً طويلة ، فهذه القضية أكبر من أن تتراجع هيئة الأمم المتحدة عن قرارها المتعلق باعتبار الحركة الصهيونية حركة عنصرية (45)

وعليه فالصليبية والصهيونية توأمان ، بين الأستاذ إدوار سعيد في كتابه الاستشراق بعض مظاهر هذه التوأمة فلا نستغرب إذا وجدنا أن (( المشروع الصهيوني بشأن فلسطين قد صيغ على غرار الأساليب ذاتها التي انتهجها البريطانيون والفرنسيون والألمان والأمريكيون والروس في مشاريعهم الرامية إلى التوسع الإقليمي ... )) (46) .

بل إن هنالك تشابها كبيراً على مستوى النشأة بين كل من أمريكا وإسرائيل فكلاهما قد أقامت دولتها على حساب شعب أصيل الهنود والفلسطينيون وقد أشار إلى هذا التشابه غير واحد من الباحثين كروجي جارودي وإدوارد سعيد وغيرهما .

يقول الجنرال الأمريكي شيرمان (( وفقاً لأدق التقديرات التي أمكنني التوصل إليها ، بلغ عدد الجاموس في السهول الواقعة بين نهر الميسوري وجبال روكي عام 1865 نحو 9 ملايين رأس أمكن الآن القضاء عليها كلها ، إذا استخدمت لحومها للطعام وجلودها وعظامها لأغراض مختلفة ، وقد يبدو ذلك عملا قاسيا أشبه ما يكون بالقتل ... ومع ذلك فقد أمكن الاستعانة عنها بضعف هذا العدد من الأبقار النظيفة .. وفي ذلك العام نفسه كان هناك نحو 165 ألف نسمة من القبائل الهندية الغربية المختلفة التي كانت تعتمد في غذائها على تلك الجواميس ، هؤلاء أيضاً ذهبوا وحل محلهم ضعف عددهم من الرجال والنساء البيض الذين حولوا الأرض إلى أرض مزهرة كالورد )) (47 ) ، ولا نملك إلا أن نتساءل كما تساءل نعمان عبد الرزاق السامرائي : ليت شعري أين (( ذهبوا )) هؤلاء الهنود ؟ وفيهم استخدمت لحومهم وجلودهم وعظامهم ؟! .

فمن هذه التجربة الفريدة استفادت الصهيونية حين رفعت شعار (( فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض )) . ووجدت مع ذلك من يشيد (( بعبقريتها )) من الرؤساء من أمثال جونسون . ولا تتريب عليهم في ذلك فإن إسرائيل أيضا ستحول أرض فلسطين إلى (( أرض مزدهرة كالورد )) لكن أين تذهب بأهلها ، فهذا ليس مهما . أما إسرائيل فلها الحق أن تمتلك كل أساب القوة … (( وعلى الغانيات جر الذيول )) فهذه (( نصوص بناة الإمبراطوريات )) الغربية ونصوص الحالمين ببناء (( الإمبراطورية الشرقية )) شاهدة عليهم ، وما تخفي صدورهم أكبر ، فمتى يستفيق زعماء العرب الذين لم يتقنوا لحد الآن إلا حرب الجبناء أو (( سلام الشجعان )) ، في حين يصرح مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل الأسبق في كتابه التمرد أنه (( لولا دير ياسين لما أقمنا دولة إسرائيل )) ويصرح اسحاق شامير من نفس الموقع بعده أنه(( لو التزمنا بقرارات الأمم المتحدة لما بقينا يوما واحداً في فلسطين )) .

وكيف طلب من زعمائنا أن يعدوا (( القوة والرباط )) وقد ألغوا مصطلح الجهاد من قواميسهم تملقا للغرب وتزلفا لإسرائيل . يقول الفريق سعد الدين الشاذلي :(( لقد أخذ حكام المسلمين على أنفسهم موثقا أمام الله في مكة يوم 22 ربيع الأول 1401 هجرية ( 28 يناير 1981 ميلادية ) عندما اجتمعوا في مؤتمر القمة الإسلامية الثالث في السعودية ثم أكدوا التزامهم بهذا الميثاق وأضافوا إليه بنودا أخرى عند اجتماعهم في مؤتمر القمة الإسلامي الرابع في الرباط في يناير 84 . وفي مؤتمر القمة الإسلامي الخامس في الكويت في يناير 87 . أما مؤتمر القمة الإسلامي السادس الذي عقد في العاصمة السنيغالية دكار أيام 9-12 دجنير 1991 فقد جاء مخيبا لآمال المسلمين كافة ، فإنه لم يكتف بالصمت تجاه التزاماته السابقة أمام الله والأمة الإسلامية ، بل قرر أن يحذف كلمة الجهاد من شعاراته ، وبذلك تكون منظمة المؤتمر الإسلامي قد تخلت عن ميثاقها وعن القرارات التي أصدرتها في مؤتمرها الثالث ( ميثاق مكة ) ... التي جاء فيها النص التالي : (( ينظر المؤتمر بقلق شديد إلى التطورات الأخيرة التي طرأت على إقدام النظام المصري على تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني واستمراره في تنفيذ مؤامرة الحكم الذاتي ويرى أن تحرير القدس وعودتها إلى السيادة العربية وتخليص المقدسات الدينية من الاحتلال الصهيوني هو من مستلزمات الجهاد المقدس ، الذي يتوجب على جميع الدول الإسلامية أن تنهض به وتسهم فيه بما هي قادرة عليه )) . فإذا تحللت الدول الإسلامية من هذا الالتزام الذي تشكلت المنظمة من أجله - في أعقاب إحراق المسجد الأقصى في 21-8-69 -فلست أرى أي سبب لوجودها إلا أن تكون قد تحولت إلى منظمة تعمل في خدمة الإمبريالية )) (51) . ولم يبقى لنا في نهاية هذا الفصل إلا أن نعيد التساؤلات التي طرحناها في بدايته : فهل أمريكا هي غير إسرائيل وهل هنالك شك في صهيونية الرؤساء الأمريكان ؟ وهل يستساغ أن تلعب الولايات المتحدة دور المقنع للعرب حينما يتلكأون ويباطأون في التطبيع مع إسرائيل ؟

وقد تبين لكل ذي بصيرة من خلال ما تقدم أن الولايات المتحدة هي خالة إسرائيل أو هي كما يسميها الدارسون (( إسرائيل الأم )) .