هذه المقالة نقلتها نصا من الإنترنت

مفاهيم خاطئة عن الطب النفسي

يكتبها د. طارق بن علي الحبيب

استشاري وأستاذ الطب النفسي المساعد ورئيس قسم الطب النفسي بكلية الطب والمستشفيات الجامعية بالرياض

الحلقة الأولى

تمهيد

لقد كان علاج المرضى النفسيين في أوروبا في القرون الوسطى يتم على يد رجال الكنيسة ، ولذلك فقد انتشرت الخرافات وساد التطرف بالإيمان في الأمور الغيبية كالسحر وتلبس الجان. وقد كان يتم احتجاز المرضى آنذاك في أماكن سيئة ، ويتعرضون لأسوأ أنواع المعاملة مثل التقييد بالأغلال المثبتة في الحيطان لفترات قد تصل إلى عشرات السنين . كما كانت تلك الأماكن أو الملاجئ مستقلة وبعيدة عن المستشفيات المعتادة ، مما أدى إلى ركود الأبحاث في الطب النفسي وإلى تخلف هذا الفرع من فروع الطب ، وبالتالي عدم إدراك الناس لحقيقته ومدى فائدته

إضافة إلى ذلك فإن الصراع بين العلم والكنيسة في أوربا في القرن الماضي ربما كان أحد الأسباب الأساسية في رفض الناس للطب النفسي . فلقد استطاعت جميع العلوم تقريبا أن تثبت مكانتها وجدارة علمائها مقابل عجز وتخلف رجال الكنيسة -الذين كانوا وللأسف يعتبرون رمزا للدين وأهله في ذلك الوقت في حين أنه قد عجز الطب النفسي أن يحقق ذات المكانة ، وأن ينجح بنفس الجدارة التي نجحت بها غيره من العلوم ، بل إن بعض مؤسسة قد اتخذ موقفا معاديا للدين وابتدع بعض الفرضيات التي زادت من هذا الفصام النكد كتعريف سيجموند فرويد - وهو طبيب نمساوي من أصل يهودي -للدين بأنه وسواس الشعوب

ونظرا لمكانة أوربا في العالم فلقد انتقلت نظرة الرفض تلك إلى الشعوب التي مازالت في بدايات التحضر ( دول العالم الثالث ) ، والتي رفضت بدورها الطب النفسي بدرجة أكبر مما حدث في أوربا ، وذلك لعدة أسباب منها

الأول : أن هذه الشعوب مازال فيها بقية من خير وصلاح وسلامة فطرة إلى حد ما ، مما يجعلها ترفض في أغلب الأحوال أي شيء يبدو في ظاهره وكأنه يتعارض مع الدين .

الثاني : أن كثيرا من أوائل المتخصصين في الطب النفسي في دول العالم الثالث - إلا من رحم الله منهم - كانوا مجرد نسخة لعلماء الغرب ، ولا يختلفون عنهم إلا أنهم كانوا يتحدثون بلغة قومهم .

الثالث : أن الصحوة الإسلامية التي عمت أرجاء العالم الإسلامي في العشرين سنة الماضية قد دعمت هذه النظرة الرافضة في العالم الإسلامي ، وخصوصا في العالم العربي ، دون أن توجد نماذج جيدة كافية من المتخصصين في الطب النفسي ينقحون للناس ويبينون لهم الغث من السمين في الطب النفسي وعلومه .

وفي المقابل فعلى الرغم من بعض البقع السوداء في تاريخ الطب النفسي إلا أن فيه جوانب كثيرة مضيئة تنتفع منها الأمة بشكل كبير إن أحسن القائمون عليه توظيف تلك الجوانب . فليس الطب النفسي وعلومه مجرد عقاقير دوائية وأساليب علاجية ، بل إنه يمكن استخدام شيء منه في خدمة المجتمع وتطويره ، وكذلك أيضا في مجال الدعوة إلى الله

ومما يبهج قلب المسلم انتشار الصحوة الإسلامية في أوساط الأطباء النفسانيين المسلمين ، وحرص عدد منهم على خدمة الإسلام من خلال تخصصه . ولعل بعضا من أولئك المتخصصين المخلصين يصطدم بعض الشيء ويضايقه بعض من تلك النظرات الخاطئة لدى أفراد مجتمعه ، ولذلك فلقد حاولت من خلال هذا الكتيب الذي بين يديك - أخي القارئ - أن اجتهد في توضيح وتصحيح بعض من تلك النظرات الاجتماعية السلبية تجاه الطب النفسي ، راجيا من الله التوفيق والسداد

تعريفـات

من هو الطبيب النفساني ؟

وما طبيعة عمله ؟

وما دراسته التي أهلته لذلك العمل ؟

وما الفرق بينه وبين الاختصاصي الاجتماعي والاختصاصي النفسي ؟

 

الطبيب النفساني : هو ذلك الشخص الذي تخرج من الثانوية العامة – القسم العلمي – ثم التحق بكلية الطب ودرس فيها تقريباً لمدة سبع سنوات جميع التخصصات الطبية دون تركيز على تخصص محدد ، مثله في ذلك مثل أي طالب في كلية الطب. ثم حين يتخرج يعمل في جميع التخصصات الطبية الرئيسة لمدة عام واحد ، مثله في ذلك مثل أي طبيب آخر ، يحصل بعدها على بكالوريوس الطب والجراحة ، مما يؤهله للعمل في أي تخصص طبي شاء . وكما يختار زميله الذي تخرج معه في قسم الجراحة أو الباطنة مثلاً فإن من يرغب في أنْ يكون طبيباً نفسانياً فإنه يتجه للعمل في قسم الطب النفسي ، ويمكنه بعد ذلك مواصلة دراساته العليا في الطب النفسي ، والتي يتدرج خلالها من رتبة طبيب مقيم إلى طبيب اختصاصي ( أخصائي ) ثـم إلى رتبة طبيب استشاري إذا حصل على ما يكفي من الشهادات العلمية والخبرة الإكلينيكية . ويتمثل دور الطبيب النفساني في تشخيص الحالة المرضية والبحث في أسبابها النفسية وكذلك العضوية لأنه في الأصل طبيب – كما أسلفنا – ثم يسعى في اختيار العلاج المناسب لها . وقد تحتاج بعض الحالات المرضية إلى بحث اجتماعي فيستعين بالاختصاصي الاجتماعي ، أو عمل بعض المقاييس النفسية مثلاً فيستعين بالاختصاصي النفسي . ويُعد الطبيب النفساني في الأقسام النفسية العمود الفقري للفريق المعالج الذي يتكون عادة من : الطبيب النفساني ، والاختصاصي النفسي ، والاختصاصي الاجتماعي ، وفريق التمريض . كما أن الطبيب النفساني هو الوحيد الذي يحق له صرف الأدوية من بين أفراد الفريق المعالج لما عنده من خلفية طبية . ويقوم الطبيب النفساني أيضاً بعلاج ما يعترض مرضاه من أمراض أخرى ، إن لم يقتض الحال تحويلها إلى طبيب مختص

أما الاختصاصي النفسي : فهو ذلك الشخص الذي تخرج من الثانوية العامة – القسم الأدبي عادة – ثم التحق بقسم علم النفس في إحدى الكليات النظرية ( التربية أو الآداب عادة ) حيث يدرس فيها ويتلقى تدريبه لمدة أربع سنوات ، يحصل بعدها على بكالوريوس علم النفس ، ثم يتجه بعد ذلك للعمل في أحد القطاعات الحكومة كالمدارس والمستشفيات العامة أو النفسية . ويتمركز عمل الاختصاص النفسي في عمل المقاييس النفسية ، واختبارات الذكاء ، وكذلك عمل بعض الجلسات العلاجية كالعلاج المعرفي ، والعلاج السلوكي ، والعلاج المساند . ويُعد دور الاختصاص النفسي رائداً ومهماً في تكامل عمل الفريق الطبي .

أما الاختصاصي الاجتماعي : فهو ذلك الشخص الذي تخرج من الثانوية العامة – القسم الأدبي عادة – ثم التحق بقسم الخدمة الاجتماعية أو علم لاجتماع أو ما شابه ذلك من الأقسام على اختلاف مسمياتها في إحدى الكليات النظرية ( التربية أو الآداب عادة ) حيث يدرس فيها ويتلقى تدريـبه لمدى أربع سنوات ، يحصل بعدها على درجة البكالوريوس في ذلك التخصص ، ثم يتجه بعد ذلك للعمل بوظيفة اختصاصي أو مرشد اجتماعي في أحد القطاعات الحكومية كالمدارس والمستشفيات وغيرها . ويتمركز عمل الاختصاص الاجتماعي في بحث المشكلات الاجتماعية والمساهمة في حلها ، وإعداد التقارير الاجتماعية للأفراد الذين يتم تحويلهم إليه . وللاختصاصي الاجتماعي الذي يعمل في المستشفيات دور بارز في تكامل الخدمة الطبية

ويمكن للاختصاصي النفسي وكذلك الاختصاصي الاجتماعي مواصلة الدراسات العليا في تخصصاتهم والحصول على شهادات الماجستير والدكتوراه ، ثم العمل بعدها أستاذا في إحدى الجامعات أو موظفاً في أحد القطاعات الحكومية الأخرى بما يتناسب مع طبيعة تخصصه ودرجته العلمية

المفهوم الأول

أعتقد بعضهم بأن الصالحين والأتقياء لا يمكن أنْ تصيبهم الأمراض النفسية ، وذلك لأن الأمراض النفسية - في ظنهم – إنما هي فقط بسبب تسلط الشيطان على ضعاف الإيمان

ويبـدو أن هذا الاعتقاد إنما جاء من أمرين

الأول : عـدم إدراك الناس لمعنى المرض النفسي

الثاني : نظرة الناس للأمراض النفسية على أنها مركب نقص

ولبحث هـذا الأمر علينا إبتـداءاً أنْ نفـرّق بين العوارض النفسية والأمراض النفسية

فالعوارض النفسية هي تلك التفاعلات النفسية التي تطرأ على الفرد نتيجة تفاعله مع ظروف الحياة اليومية ، وتستمر لفترات قصيرة ، وقد لا يلاحظها الآخرون ، ولا تؤثر عادة على كفاءة الفرد وإنتاجيته في الحياة ، كما لا تؤثر على عقله وقدرته في الحكم على الأمور . وتعد هذه العوارض النفسية جزءاً من طبيعة الإنسان التي خلقه الله بها ، فيبدو عليه الحزن عند حدوث أمر محزن ، ويدخل في نفسه السرور والبهجة عند حدوث أمر سار . وهذا أمر مشاهد معلوم لا يحتاج لإثباته دليل ، ويحدث لكل أحد من الصحالين والطالحين

أمـا الأمراض النفسية فأمرها مختلف ، وهي لا تقتصر على ما يسميه الناس بالجنون ، بل إن معنى المرض النفسي معنى واسع يمتد في أبسط أشكاله من اضطراب التوافق البسيط إلى أشد أشكاله تقريباً متمثلاً في فصام الشخصية شديد الاضطراب . كما أنه ليس شرطاً أنْ تُستخدم العقاقير في علاج ما يسميه الأطباء النفسانيون بالأمراض النفسية ، بل إن منها ملا يحتاج إلى علاج دوائي فهي تزول تلقائياً ، وربما لا يحتاج معها المريض سوى طمأنته كما يحدث عادة في اضطرابات التوافق البسيطة .

ويعتمد الطبيب في تشخيص الاضطراب أو المرض النفسي – بشكل كبير – على ثلاثة أمور

نوع ( طبيعة ) الأعراض

شـدة الأعـراض

مدة بقاء تلك الأعراض

ولتشخيص المرض النفسي فإنه يجب أنْ يحدث عند المريض أعراض غريبة ، أو ربما أعراض غير مألوفة كالضيق والحزن مثلاً ، وتستمر لمدة ليست بالطارئة أو القصيرة وبأعراض واضحة تكون كفيلة بتشخيص المرض النفسي في تعريف الأطباء . ولذلك فإن من يحزن لفقد قريب أو عزيز ويتأثر بذلك فإننا لا نصفه بأنه مريض نفسي إلا إذا استمر حزنه لمدة طويلة ربما تصل لعدة أشهر أو بضع سنوات وبدرجة جلية تؤثر على إنتاجية ذلك الفرد في أغلب مجالات الحياة ، أو أنْ تظهر عليه أعراض بعض الأمراض النفسية الأخرى كالاكتئاب مثلاً

ولتبسيط الموضوع فإننا نقسم الأمراض النفسية إجمالاً إلى نوعين

الأول : تلك الأمراض التي تؤثر على عقل الفرد فيفقد استبصاره بما حوله ، وتضعف كفاءته وإنتاجيته وقدرته في الحكم على الأمور ، ويحدث فيها أعراض غريبة لم تعهد عن ذلك الفرد ولم تعرف عنه كالاعتقادات والأفكار الغريبة الخاطئة التي لا يقبل معها نقاش ، أو أنْ تتأثر أحد حواسه أو بعضها بما هو غير مألوف له كسماعه لبعض الأصوات التي لا وجود لها حقيقة ، أو وصفه لنفسه بأنه يرى بعض الأجسام دون أنْ يكون لها أي وجود على أرض الواقع

ويمكن أنْ يصيب هذا النوع من الأمراض أي أحد من الناس سواءاً كانوا من الصالحين أو الطالحين إذا توفر ما يدعو لحدوثها من أقدار الله

الثاني : تلك الأمراض التي لا تؤثر على عقل الفرد ولا يفقد معها استبصاره أو قدرته في الحكم على الأمور لكنها تُنقص نشاطه بعض الشيء ، كالحزن الشديد المستمر لفترات طويلة وعـدم قدرة البعض على التوافق مع بعض مستجدات الحياة (اضطراب التوافق ) وغيرها كثير . وقد تصيب هذه الأمراض أيضاً الصالحين وغيرهم من الناس إذا توفر ما يدعو لحدوثها من أقدار الله

ولعلي أعجب من البعض الذين يربطون درجة التقوى والإيمان بامتناع الإصابة بالأمراض النفسية دون العضوية !! فلقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه

وهذا البيان النبوي شامل لجميع الهموم والغموم صغيرها وكبيرها ، وأياً كان نوعها . وفي الأصل أن الأمراض النفسية مثل غيرها من الأمراض ولا شك ، وهي نوع من الهم والابتلاء ، ولذلك فإنها قد تصيب المسلم مهما بلغ صلاحه . كما إنه لم يرد في الكتاب الكريم ولا في السنة المطهرة ما ينفي إمكانية إصابة المسلم التقي بالأمراض النفسية حسب تعريفها الطبي ، ومن نفي إمكانية ذلك فعليه الدليل

ولقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين

هل المؤمن يمرض نفسـياً ؟

فأجاب – حفظه الله - : لا شك أن الإنسان يصاب بالأمراض النفسية بالهم للمستقبل والحزن على الماضي ، وتفعل الأمراض النفسية بالبدن أكثر مما تفعله الأمراض الحسية البدنية

ولعل ما نلاحظه من مراجعة بعض أهل العلم والصلاح للعيادات النفسية ما يشهد بذلك

ولقد وصف أبو حامد الغزالي – رحمه الله – نوبة الاكتئاب الحادة التي أصابته ، وهو المعروف بعلمه وتقواه وورعه . يقول أبو حامد الغزالي " فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مائة . وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أنْ أدرس يوماً واحداً تطبيباً لقلوب المختلفة إليّ ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قـوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج إلا أنْ يتروح السر عن الهم الملم

وبالإضافة إلى ذلك فإن انتقال أغلب الأمراض النفسية عبر الوراثة يعكس بوضوح الطبيعة المرضية لتلك الأمراض

وبالرغم من ذلك كله فإن المسلم يتميز عن الكافر وكذلك التقي عن الفاجر في انه يحتسب ما يصيبه عند الله ويستعين بحول الله وقوته على مصائب الدنيا ولا يفقد الأمر مثلما يفقد غيره مما يخفف من أثر المصائب عليه بعض الشيء . ولذلك فإننا نلاحظ حدوث حالات الانتحار في المجتمعات الغربية تفوق بكثير ما يحدث في المجتمعات الإسلامية رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لذلك في المجتمعات الإسلامية ، لكن من عمل من الأطباء النفسانيين في كلا المجتمعين يدرك بوضوح ذلك الفرق

 

المفهوم الثاني :

 

اعتقاد بعضهم بأن الأدوية النفسية ما هي إلا نوع من المخدرات ، ولذلك فإنها – في ظنهم – تؤدي إلى الإدمان .

 

ولعل هذا الاعتقاد جاء من عدة أمور ، منها :

 

أن صرف الأدوية النفسية كان يتم – وللأسف أنه لا يزال كذلك في بعض المناطقبوصفات خاصة ذات لون مختلف عن الوصفات العادية ، ولا يتم استلامها إلا بعد إظهار البطاقة الشخصية وتوقيع المريض أو ولي أمره خلف الوصفة الطبية .

 

 

حدوث النعاس والخمول كأثر جانبي لتلك الأدوية ، مما يربطها في حس كثير من الناس بآثار المخدرات .

 

 

وجود بعض الأمراض النفسية المزمنة التي تستدعي العلاج المستديم فيظن البعض أن عدم قدرة المريض على التكيف مع الحياة والعيش بطمأنينة بدون تلك الأدوية هو بسبب إدمانه عليها لا بسبب طبيعة تلك الأمراض التي تحتاج إلى علاج ربما يمتد مدى الحياة .

تعميق بعض الرقاة – هداهم اللههذه النظرة الخاطئة في نفوس الناس ، حيث يشترط بعض الرقـاة لرقيته أنْ يتوقف المريض أولاً عن تناول أدويته النفسية لأنها – كما يزعمون – مخـدرات تحبس الجن في العروق !! وتنشف الدماغ !! وتمنع بلوغ أثر القرآن !!.

توقف بعض المرضى النفسيين عن تناول أدويتهم عند حدوث بعض التحسن الجزئي في حالاته النفسية ، مما يؤدي إلى حدوث الانتكاسة ، فيظنون أن تلك الانتكاسة إنما حدثت بسبب إدمانهم على تلك الأدوية .

انتشار الأمراض النفسية بين مدمني المخدرات والكحول .

ولعلنا نتوقف مـع هـذه الأسباب ونناقشها بشيء من التفصيل حسب تسلسلها الذي ذكرناه :

 

أصبح صرف الأدوية النفسية يتم بطريقة عادية مثل غيرها من الأدوية منذ صدور توجيه مدير عام الرخص الطبية والصيدلة بوزارة الصحة برقم 653/20/5525 في 26/10/1415هـ ، والذي تم بعد جهود مضنية قام بها بعض المخلصين من أبناء هذا البلد الذين لم يروا ما يدعو لبقاء تلك الأدوية تحت الرقابة الدوائية ، إضافة إلى الأثر الاجتماعي السلبي لبقاء الحال كما كان عليه . ولقد استثنى ذلك القرار بعض أدوية القلق ومجموعة قليلة أخرى نظراً لاحتمال استخدام بعض الناس لها بطريقة غير صحية .

ولعل بعض الناس يتخوف من الأدوية النفسية ، لأن المريض النفسي قد يقـدم على

الانتحار في أية لحظة مستخدماً جرعات كبيرة من تلك العقاقير ( الخطيرة في ظن أولئك

البعض) ، ولذلك فإنه يجب حظرها في نظره . لكنه يجب أنْ نتذكر بأن تعاطي 20 حبة

بندول دفعة واحدة كاف لحـدوث تلف في الكبد ، وأن تعاطي 30 حبة بندول يؤدي إلى

الموت في أغلب الأحيان إلا أن يشاء الله . ورغـم ذلك يحرص بعض المسؤولين مـن

غير المتخصصين على تقييد استخدام الأدوية النفسية خوفاً من استخدامها فـي الانتحار

في حين أن علب البندول تزدحـم بها أرفف الصيدليات والبقالات ، بـل ربما تجدهـا

في بعض محطات الوقود في الخطوط السريعة !! .

 

أما النعاس والخمول فإنه لا يحدث كأثر جانبي للأدوية النفسية فقط ، بل يحدث كذلك عند استخدام بعض الأدوية الأخرى كأدوية السعال التي يحتوي بعضها على بعض مشتقات الأفيون !! ونظراً لجهل الناس بذلك ونظرتهم السلبية للأمراض النفسية أكثر من تلك التي تحدث عند استخدام أدوية أخرى .

أنه كما توجد أمراض نفسية مزمنة تستدعي علاجاً مستديماً فإنه يوجد أيضاً أمراض عضوية تستدعي علاجاً مستديماً ، مثل السكر والضغط وغيرها كثير . وفي حين أن إيقاف مرضى السكر والضغط وغيرها من الأمراض العضوية لأدويتهم قد يؤدي إلى أضرار خطيرة قد تصل إلى الموت في بعض الأحيان ، فإن إيقاف المريض النفسي للأدوية النفسية لا يؤدي في العادة إلى مثل ذلك .

إنَّ اعتماد بعض الرقاة – وفقهم الله – على عواطفهم في نقد مثل هذا الأمر دون أنْ يكون لديهم خلفية علمية ضرره أكثر من نفعه. ولعل اجتهاد أولئك الأخوة ربما كان بسبب إخلاصهم وكذلك بسبب تقصير أهل الاختصاص في تثقيف الناس ونشر الوعي الصحي بينهم .

إن الانتكاسة التي تحدث عند الانقطاع عن العلاج ليست دليلاً على الإدمان ، بل لأن العلاج لم يأخذ مجراه بعد القضاء على العلة النفسية التي استخدم من أجلها . ولذلك لو عـاد المريض ثانية لاستخدام العلاج لشعر بالتحسن ، كما أنه لو استمر فيه ولم يوقفه إلا بمشورة الطبيب فلا تحدث له عادة تلك الانتكاسة التي تحدث عند الإيقاف المبكر للعـلاج.

نظراً لإصابة بعض الناس بالعلل النفسية فإنهم يلجأون خطأً إلى استخدام الكحول والمواد المخدرة كوسيلة للهروب من واقعهم . وفي المقابل فإن بعض مدمني المخدرات تصيبهم العلل النفسية فيصف لهم الأطباء النفسانيون بعض الأدوية النفسية مثلهم مثل غيرهم من الناس . ولذلك فإنه يخطئ من يربط الأدوية النفسية بالمخدرات لا لشيء إلا لأنها تصرف للمرضى النفسيين من متعاطي المخدرات ، أو لأنها يمكن أنْ تستخدم في علاج فترات انسحاب المواد المخدرة من الجسم .

وبعد ذلك كله يجب أنْ نتذكر عـدة أمـور :

الأول : أن الأدوية النفسية لا تؤدي إلى الإدمان مطلقاً باستثناء مجموعة صغيرة منها كبعض أدوية القلق ، وذلك فقط إذا استخدمت فترة طويلة وبدون إشراف طبي مباشر .

الثاني : أن الآثار الجانبية البسيطة التي تحدث عند استخدام بعض الأدوية النفسية لا تعادل بأي شكل من الأشكال تلك الفائدة المرجوة منها .

الثالث : أن بعض الأدوية النفسية ذات فعالية في علاج بعض الحالات غير النفسية كالصداع النصفي مثلاً . والغريب في الأمر أن المرضى يقبلون دون تردد تناول تلك الأدوية إذا صرفها غير الطبيب النفساني !!. وفي المقابل تجد بعض المرضى يحذر من تناول بعض العقاقير غير النفسية إذا تم صرفها بواسطة طبيب نفساني كعقار الإنديرال ( أحد أدوية القلب ) مثلاً الذي يستخدم علاجاً مساعداً في بعض حالات القلق والمخاوف المرضية .

الرابع : أن بعض الناس يتردد تورعاً من استخدام بعض الأدوية النفسية ، في حين أنه يقبل دون نقاش تلك الممارسات غير الشرعية – بل الشركية أحياناً – عند بعض من يتسمون بأسماء الرقاة !!.

المفهوم الثالـث :

 

اعتقاد بعضهم بأنه لا فائدة من الأدوية النفسية لما يلاحظونه من عدم شفاء بعض المرضى رغم استخدامهم لتلك الأدوية لفترة طويلة ، ولذلك فإن تلك الأدوية – في نظرهم – هي مجرد مسكنات ومنومات .

ولعل هذا الاعتقاد قد جاء نتيجة ما اعتاده بعض الناس من الاستجابة السريعة عند استخدام بعض الأدوية الأخرى (غير النفسية). فقد اعتاد بعض الناس عند الشعور بالصداع أنْ يتناول حبيتن من البندول ، وعند الشكوى من السعال أنْ يتناول أدوية السعال ، وربما امتد فقط لعدة أيام . وربما أن الحال يختلف عند استخدام الأدوية النفسية ، فلذلك ويجب التنبيه إلى عـدة أمور :

أن الأثر الفعال لبعض الأدوية النفسية لا يظهر إلا بعد أسبوعين إلى أربعة أسابيع من بداية استخدامها ، وربما بعد أكثر من ذلك .

أن تحسن المريض وحتى شفاءه التام ليس معناه إيقاف الدواء ، بل يجب عليه الاستمرار فيه حتى يوقفه الطبيب وذلك بطريقة تدريجية ربما تمتد لعدة أشهر . وليس معنى ذلك أن المريض قد أصبح مدمناً على ذلك الدواء ، ولكن هذه هي طبيعة الأمراض النفسية وأدويتها .

أن الأمراض النفسية كغيرها من الأمراض في التخصصات الأخرى ، فمن المرضى من يستجيب للعلاج استجابة كاملة ، ومنهم من لا يستجيب للعلاج مطلقاً ، ومنهم من يستجيب جزئياً ، لأن العلاج فعال في نسبة معينة من المرضى .

أنَّ من الأمراض النفسية ما تتحكم به الأدوية النفسية فقط دون أنْ يُشفى المريض تماماً ، كما هو الحال في بعض الأمراض العضوية المزمنة كالضغط والسكري . ولذلك فإنه إذا ما أراد المريض أنْ تبقى حالته مستقرة فيجب عليه أنْ يستمر في العلاج فترة طويلة من حياته.

ولعل تقصير الطبيب النفساني في توضيح تلك الأمور لمريضه في أول لقاء بينهما يؤدي إلى انقطاع المريض عن تناول الدواء لأتفه سبب ، خصوصاً وأن أهل المريض وذويه ليسوا في العادة أحسن حالاً من المريض فيما يتعلق بموقفهم من الأمراض النفسية وأدويتها . والطريف في الأمر أن الوقت الذي يستغرقه الطبيب النفساني في إقناع المريض وأهله بضرورة استخدام الدواء قد يفوق أحياناً الوقت الذي يستغرقه في فحص المريض وتشخيص علته ‍‍. ولقد أثبتت الأبحاث العلمية أن مستوى قناعة المريض ومن حوله بدواء معين قد تؤثر سلباً أو إيجاباً في درجة استجابة المريض لذلك الدواء .

المفهوم الـرابع :

 

اعتقاد بعض الناس بـأنه لا يمكن للعقاقير الدوائية المادية المحسوسة أنْ تعالج المعاناة النفسية غير المحسوسة .

 

ولعلي أناقش هذا الاعتقاد بسؤال أبدأ : ما الذي يمنع من ذلك ؟ فلقد أثبتت التجارب العلمية والممارسة العملية المتكررة في مختلف بلاد العالم نفع الأدوية النفسية في علاج الأمراض النفسية تماماً كنفع الأدوية الأخرى في علاج مختلف الأمراض . وقد يؤتى بالمريض وقد فقد القدرة على الحركة من شدة الاكتئاب وبإذن الله ثم بفضل تلك الأدوية النفسية يعود إلى طبيعته تدريجياً خلال فترة قصيرة .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن " . قال ابن القيم – رحمه الله - : " التلبين هو حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته ، وهي تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة ، فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية " ، انتهى كلام ابن القيم .

والأدوية مثل الأغذية ، فمنها ما يذهب الحزن والغم دون أنْ يكون فيها محذور شرعي .

وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – حفظه الله - حكم استعمال الأدوية لعلاج المرض النفسي ، فأجاب :

المشروع لكل من لديه علم بشيء من الأدوية الشرعية أو المباحة التي يعتقد أن الله ينفع بها المريض أنْ يفعل ذلك سواءاً سُمى ذلك طباً نفسياً ، أو شرعياً ، أو دواءاً عادياً أو غير ذلك من الأسماء . المطلوب أنْ يتحرى الطبيب المعالج ما يراه نافعاً في علاج المرضى الذين بين يديه بما ليس فيه محذور شرعاً سواءاً كان بالقراءة أو بمأكول مباح أو بمشروب مباح أو أشياء أخرى لا محذور فيها، قد جُرب أنه تزيل ما أصاب المريض من الخلل في عقله ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أنزل الله داءاً إلا أنزل له شـفاء علمه مـن علمه وجهله من جهلـه " ولقـوله صلى الله صلى الله علـه وسـلم " عـباد الله تـداووا ولا تـداووا بحرام " .

كما أثبتت التجارب العلمية العديدة أن أكثر الأمراض النفسية يصاحبها خلل يتمثل في تغير مستوى بعض النواقل العصبية في الدماغ ، وأن هذه الأمراض تزول – بإذن الله – إذا تم إصلاح ذلك الخلل بواسطة الأدوية النفسية .

ولذلك فلقد توافق العقل والنقل مدعوماً بالتجربة العلمية والمشاهدة اليومية على إمكانية نفع بعض الأسباب المادية في علاج الأعراض النفسية .

المفهوم الخامس :

 

اعتقاد بعض الناس بأن الأمراض النفسية لا شفاء منها .

اعتاد الناس في مجالسهم حينما يكون بين الحضور طبيب أن يدور الحوار حول بعض الأمراض وعن الجديد الذي توصل إليه الطب ، ويتسابق الحضور بكل جرأة وبمسمع من الجميع بالاستفسار الدقيق عن ما يعانونه وذووهم من أمراض . فالأول يشكو من مرض السكر الذي أرهق أمه ، والثاني يشكو من ارتفاع ضغط الدم الذي أصاب والـده بجلطة دماغية ، والثالث ، والرابع … وفي المقابل فإن الناس لا يفعلون الشيء نفسه فيما يخص الأمراض النفسية ، وإذا تحدثوا عنها فإنما هو غالباً على سبيل الاستغراب والسخرية !! .

والعجيب في الأمر أن بعض من أصيبوا بأحد الأمراض النفسية ، أو أصابت أحداً من ذويهم ثم منّ الله عليهم بالشفاء فإنهم لا يتحدثون بذلك عند الناس تفادياً لتلك النظرة الدونية التي ربما ينظر بها بعض الناس إليهم !! بل الأعجب من ذلك أن بعضاً من أولئك ينتقد الطب النفسي بشكل مبالغ فيه ، في حين أنه كان من المفترض أنْ يحدث العكس .

ولنتذكر بأنه أهون على المريض وذويه أنْ يعترفوا بأن ما اعتراهم من علل نفسية إنما كان بسبب الجن أو السحر أو العين وليست أمراضاً نفسية . وذلك لأنهم يرون أنْ تلك الأمور الغيبية إنما حدثت بفعل فاعل قد تعدى عليهم مما يعطيهم الحق في المعاناة ، أمـا الاعتراف بالمرض لنفسي فمعناه عندهم الاعتراف بالنقص والقصور .

وتعباً لذلك فإن الناس لا يسمعون ولا يرون أي نتائج إيجابية للطب النفسي ، لأن من استفادوا من الطب النفسي يتجنبون الحديث عنه فضلاً عن أن بعضهم ربما ينتقدونه .

ولذلك فإن من يراهم الناس من المرضى النفسانيين هم فقط تلك الفئة من المرضى الذين لم يستجيبوا للعلاج النفسي ، أو أنهم يعانون من بعض الأمراض النفسية المزمنة التي تتحكم بها الأدوية دون أن تشفيها تماماً ، أو أنهم لم ينشدوا العلاج النفسي أصلاً .

ولو نظرنا إلى الأمراض غير النفسية – باستثناء الأمراض التي تعالج بالجراحة – لوجدنا أن الحال لا يختلف كثيراً عن الأمراض النفسية ، فأغلب تلك الأمراض ليس لها علاج شاف ، بل هي مهدئات ومسكنات تتحكم بالمرض دون أن تنهيه ، كأدوية السكر والضغط وأمراض القلب ، وغيرها كثير ، بل إن المريض يتدهور تدريجياً رغـم استخدامه لتلك العقاقير . فلماذا الكيل بمكيالين ، والنظر بعينين؟ فلا يتذكر بعض الناس تلك الأمراض النفسية التي كتب الله الشفاء لأهلها ، ويرددون ويكررون أن الأمراض النفسية مزمنة لا شفاء منها دون أن يفعلوا الشيء نفسه مع الأمراض الأخرى !! فيصدق فيهم قول الشاعر :

وعـين الرضا عن كل عيب كليلـة ولكـن عيـن السخط تبـدي المساويا

ولعلي أضرب هنا مثالاً واحداً فقط بأحد الأمراض النفسية ، وهو الوسواس القهري الذي يعاني منه عدد ليس بالقليل من الناس . فهذا المرض لا يعلم أكثر الناس أن بعض حالاته تستجيب للعلاج النفسي ، بل إن بعضهم لا يدري أن هناك مرضاً نفسياً اسمه الوسواس القهري !!.

ويمكن أن يكون لبعض الرقاة دور كبير في نمو هذا الاعتقاد في أذهان الناس ، لما يرددونه من أن بعض المرضى – حسب خبرتهم – قد شـفاهم الله بالرقية ولـم يشفوا في المستشفيات . ولذلك فإنه يجب أن تتذكر عـدة أمور .

 

أن الأمر نفسه يردده الأطباء . فهناك العديد من المرضى قد أنفقوا عدة سنوات في السفر والترحال بين الرقاة دون فائدة ، وعندما راجعوا الأطباء تحسنت أحوالهم ، بل ربما شفيت أمراضهم تماماً . وليس هذا انتقاصاً من شأن القرآن ، فإن من نزل القرآن هو الذي خلق الدواء ، ويجعل بركته حيث يشاء .

لا غرابة مطلقاً في أن يشفى المريض بالرقية ، ولا يُكتب له الشفاء بالدواء .

عدم شفاء المريض بالدواء لا يدل بالضرورة على أن ما به بسبب الجن أو العين أو السحر ، فما أكثر الأمراض النفسية والعضوية التي يجهلها البشر ، فمنّ الله على بعض من خلقه وشفاهم منها ببركة القرآن . كما أنه ليس شرطاً أن يُشفى كل من عانى من تلك العلة بالقرآن .

المفهوم السادس :

اعتقاد بعض الناس بأن الطب النفسي مجرد جلسات كلامية .

ولذلك فهم يعتقدون بعدم الحاجة إلى الطبيب النفساني فبإمكانهم أن يتكلموا مع مريضهم ويطمئنونه . بل إن بعضهم يبالغ فيقول : إننا نخاف أن " يلخبط " الطبيب النفساني أفكار مريضنا بفكره المشوش .

ولعلي أوضح هنا أن العلاج النفسي ليس مجرد حوار بين الطبيب والمريض وإنما شيء أكثر منذ ذلك ، وهو على عدة أنواع :

الأدوية النفسية التي أثبتت التجارب العلمية على مدى عدة عقود من الزمن فعاليتها بنسبة كبيرة في شفاء أو تهدئة بعض الأمراض النفسية .

الجلسات النفسية ( العلاج النفسي غير الدوائي ) ، والتي ليست مجرد حوار مـع المريض ، وإنما تتبع منهجاً وبرنامجاً خاصاً ، ولذلك فإن من يقوم بها يجب أن يكون من المتخصصين . وهذا العلاج على عدة أنواع منها :

العلاج المساند ( المساعد ) : وفيه يقوم المعالج بطمأنة المريض ، وتوجيهه ، وإرشاده ، وتوضيح مختلف الأمور له .

العلاج السلوكي : وفيه يقوم المعالج بتعديل بعض سلوكيات المريض المرضية ، واستبدالها بسلوكيات مناسبة .

العلاج المعرفي : وفيه يقوم المعالج بتقويم وتصحيح أساليب التفكير الخاطئة لدى المريض التي ينظر بها إلى نفسه ومستقبله والناس من حوله ، ومحاولة استبدالها بأساليب صحيحة .

العلاج بالرجفة المحدثة كهربياً : وهي عبارة عن إمرار تيار كهربي منخفض عبر رأس المريض يؤدي إلى حدوث رجفة بسيطة في مختلف أعضاء جسم المريض دون أن يشعر بذلك ، لأنه يكون عادة تحت تأثير البنج . ولهذا النوع من العلاج فعالية كبيرة في علاج عدد من الأمراض النفسية ، خصوصاً الاكتئاب الشديدة .

الجراحة النفسية : والتي يقتصر استخدامها على بعض الحالات النفسية الشديدة التي استعصت على العلاج .

ولعل هذا الاعتقاد عند بعض الناس – وهم قلة – بأن الطب النفسي مجرد جلسات كلامية قد جاء نتيجة عدم إدراكهم لطبيعة بعض الأمراض النفسية المزمنة التي تبدأ تدريجياً ، ويميل المريض معها إلى العزلة ، وربما تبدو عليه بعض مظاهر التدين فلا يحلق لحيته مثلاً – رغم أن حلقها كان عادة له – ولم يكن ذلك تديناً منه وإنما نتيجة إهمالهلمظهره بشكل عام جراء تدهور حالته النفسية . وربما يبدأ المريض أيضاً بالشعور بأفكار غربية ( مرضية ) يظن من يحاوره من البسطاء أنها علامة رجوع إلى الله . ثم تظهر بعد ذلك مظاهر القلق فيذهب إلى الراقي فلا يسـتفيد منه . وحينما يزداد القلق أكثر يحضره أهله مضطرين إلى الطبيب النفساني ، والتي تكون الحالة حينها في أوجها ، فيصف له العلاج فلا يظهر على المريض التحسن الكافي لسبب أو لآخر ، وكأني بأهله كانوا ينتظرون ذلك ليعللوا ما أصاب ابنهم أنه كان بسبب الطبيب النفساني حيث يقولون : إن ابننا كان بخير وعافية تماماً !! اللهم إلا إنه كان يعاني من شيء بسيط من القلق ، لكننا بمجرد زيارتنا للطبيب النفساني تدهور بشكل مفاجئ . وما كان قولهم ذلك في الحقيقة إلا هروباً من وصمة المرض النفسي وتعليلاً منهم بأنه حدث بفعل غيرهم لا نقصاً فيهم ، كما يظنون .

المفهوم السابع :

اعتماد بعض الناس في نظرتهم للطب النفسي على ما تقدمه وسائل الإعلام ، والتي يمكن توضيح شيء من دورها السلبي من خلال ما يلي :

إظهار الطبيب النفساني بشكل مشوه ، فهو ذلك الشخص غريب الأطوار ، ذو المشية الغريبة والنظرات الزائغة والملابس غير المتناسقة. كما أنهم يقومون بفلفلة شعره ونفشه ، وجعله يرتدي نظارات سميكة تتدلى على أرنبة أنفه ، مما يزيد في غرابة مظهره .

يبدو الممرض النفسي في تلك الوسائل الإعلامية ضخم الجسم ، عابس النظرات ، عنيفاً في حديثه وأسلوب تعامله . بل إن طريقة التصوير الفني لهيئة أولئك الممرضين تحرص على أن تثير الرعب منهم في نفس المشاهد .

إظهار العلاج بالرجفة المحدثة كهربياً على أنه نوع من العقاب ، فإذا شاغب مريض حمله مجموعة من الممرضين الذين أسلفنا ذكرهم – تصحبهم موسيقى تصويرية مرعبة – إلى غرفة العلاج بالرجفة المحدثة كهربياً ( والتي تبدو حينها كالمقصلة في حس المشاهد ) ، ثم – بكل غضب – يصعقونه بتيار كهربي يصرخ معه صرخة تجعل المشاهد يرفض معها شيئاً اسمه الطب النفسي ، ويستغرب أيضاً من ذوي أولئك المرضى : كيف تطيق قلوبهم بأن ينشدوا علاج ذويهم في المستشفيات النفسية ؟!! .

وبوصفي متخصصاً في الطب النفسي أقول باختصار : إن العلاج بالرجفة المحدثة كهربياً هو من نعم الله التي هدى ابن آدم إليها وقد انتفع به جداً عدد كبير من المرضى . فهـو علاج فعال ، وليست له آثار جانبية تذكر ، ولا يكاد المريض يشعر بأي ألم عند استخدامه .

تركيز تلك الوسائل الإعلامية في عرض المرضى النفسيين ذوي الحالات المزمنة غير القابلة للشفاء ، مما يثير رعب واشمئزاز المشاهد . وفي المقابل فإنهم نادراً ما يعرضون حالات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وغيرها من الاضطرابات النفسية التي تصيب الناس بكثرة وينشدون لها العلاج ، وتحدث بنسبة لا تكاد تقارن بنسبة حدوث الأمراض التي ذكرناه ابتداءاً . ولعل السبب في ذلك – إضافة إلى انعدام الوعي – أن البعد الكوميدي أكثر أهمية من البعد الاجتماعي عند بعض المنتجين .

المفهوم الثامـن :

اعتقاد بعض الناس بأن الأمراض النفسية أعراضها نفسية بحتة ، ولا يمكن أن تظهر بأعراض عضوية .

وهـذا اعتقاد خاطئ بلا شك ، فالأمراض النفسية يمكن أن تظهر بإحـدى ثلاث صور :

مجموعة من الأعراض النفسية دون أن يصاحبها أية أعراض عضوية .

مجموعة من الأعراض العضوية كالغثيان والقيء وألم الظهر والأطراف ، دون أن يكون هناك أعراض نفسية واضحة مصاحبة ، مما يجعل المريض وذويه يعتقدون بأن المرض عضوي لا نفسي .

ولقد زارت العيادة النفسية امرأة متزوجه تبلغ من العمر ثلاثين عاماُ تشكو فقط بأنها تتقيأ أي شيء تأكله تقريباُ ، دون أن يكون عندها أية أعراض نفسية واضحة . ولقد تم التدخل الجراحي في حالتها عدة مرات ، ونومت في العديد من المستشفيات دون فائدة تذكر . وفي النهاية – كما هي العادة – تم تحويل هذه المريضة إلى العيادة النفسية ، وبفضل الله بعد عدة جلسات من العلاج النفسي – دون الحاجة لاستخدام العقاقير – انقطع القيء عنها ، فلم يكن عند تلك السيدة سوى بعض المعاناة والمشاعر النفسية التي لم تستطع أن تعبر عنها بشكل نفسي فعبرت عنها بشكل عضوي .

وكذلك الاكتئاب عند كبار السن في المجتمعات الشرقية – بشكل خاص – فإنه يظهر في أحيان كثيرة بأعراض عضوية . وما تلك النوبات المتكررة من آلام البطن وأوجاع الظهر التي تصيب بعض العجائز – في بعض أحيانها – إلا نوبات متكررة من الاكتئاب ، ولكن العامة يصفونها بأنها أعراض الروماتيزم !! . وكذلك الحال عند بعض الرجال المسنين الذين فقدوا – مع تقدم العمر بهم – دور الآمر الناهي بسبب زواج الأولاد واستقلالهم بآرائهم ، فلم يعد لأولئك المسنين دور مهـم ، وبدأ يتسرب إلى أنفسهم الشعور بأنهم أصبحوا على هامش الحياة . ولذلك فإنهم ما بين الفينة والأخرى يشكون من بعض الأوجاع ، أو يبالغون في الشكوى من بعض ما يعانونه من أمراض سابقة بطريقة لا شعورية ، كل ذلك من أجل جلب اهتمام من حولهم والشعور بأنهم ما زالوا محط احترام وتقدير الآخرين .

وقد يحدث العكس فتظهر الأمراض العضوية بأعراض نفسية ، كما هو الحال في اضطرابات الغدة الدرقية والحمى المالطية وغيرها .

أما في الصورة الثالثة فقد تظهر الأمراض النفسية بمجموعة من الأعراض النفسية والعضوية في آن واحد ، وهو ما يحدث في أغلب الأحول ، كشكوى مريض القلق مثلاً من خفقان القلب والتعرق والرجفة في بعض أنحاء الجسم ( كأعراض عضوية ) ، إضافة إلى الخوف والتوجس وعدم الشعور بالاستقرار والطمأنينة ( كأعراض نفسية ) .

المفهوم التاسع :

 

ارتباط الأمراض النفسية بالجنون والتخلف العقلي في حس كثير من الناس .

ويؤدي هذا الأمر إلى التردد عند زيارة الطبيب النفسي ، والخجل من ذلك ، بل ربما الامتناع عن الإقدام عليه أصلاً ، رغم الحاجة الشديدة إلى ذلك .

ولذلك فإنك ترى بعض المرضى يجلس متلثماً في صالة الانتظار ، والبعض الآخر يتأخر في الحضور إلى العيادة حتى يتأكد من أن أكبر عدد من المراجعين قد انصرف . بل قد تجد بعض المرضى أحياناً يحاول جاهداً مع طبيبه أن يكون لقاؤهما خارج العيادة !! .

ومن مضار هذا الاعتقاد الخاطئ أن يتأخر الناس في إحضار مريضهم حتى يستفحل فيه المرض جداً ، مما ربما يجعل من الصعب علاجه ، كما أنه سيحتاج لفترة أطول من العلاج .

ولعل الأمر الأشد غرابة هو تناقض بعضهم ، فتجده يطلق النكات ويسخر من الطب النفسي لكن ما إن تصب أحد ذويه علة نفسية حتى يهرع إلى أقرب طبيب نفساني باحثاً عن العلاج .

ولذلك يجب أن نتذكر – ما مر بنا سلفاً – بأن معنى المرض النفسي معنى واسع يمتد في أبسط أشكاله من اضطراب التوافق البسيطالذي لا يحتاج إلى علاج في بعض الأحيان سوى مجرد طمأنة المريض – إلى أشد أشكاله متمثلاً في فصام الشخصية شديد الاضطراب .

ولعل عزل المرضى النفسيين في مستشفيات خاصة يعزز هذه النظرة الخاطئة وغيرها من النظرات السلبية تجاه الطب النفسي . ولذلك فكم نتمنى أن تعود الأقسام النفسية إلى المستشفيات العامة كغيرها من التخصصات – كما هو الأمر في أكثر بلاد العالم المتقدمة علمياً – وأن تلغى المستشفيات النفسية ، أو أن يقتصر دورها على علاج حالات محددة .

المفهوم العاشـر :

اعتقاد بعض الناس بأن منشأ مرض الوسواس القهري من الشيطان فقط وأن لا علاقة للطب النفسي به من قريب أو بعيد.

يرى الكثير من الأطباء النفسانيين أنه لا علاقة للشيطان بمرض الوسواس القهري ، في حين يرى الكثير من طلبة العلم الشرعي أن الشيطان هو مصدر جميع أنواع الوسواس .

ولعله لتوضيح مصدر اللبس في شأن مرض الوسواس القهري أن نصنف الوساوس بشكل عام إلى ثلاثة أنواع :

النوع الأول : تلك الوساوس التي تدعـو الإنسان عادة أن ينظر أو يستمع أو يفعل أمراً محرماً . ويعد هذا النوع من الوساوس من طبيعة النفس البشرية ( أي ليس مرضاً ) ، ويعتري كل أحد من بني آدم. وتختلف هذه الوساوس عن غيرها من الوساوس – كما سنرى لاحقاً – بأنها تدعو الإنسان إلى محبوبات النفس المحرمة شرعاً. كما أنه إذا لبى الإنسان بشيء من جوارحه نداء هذا النوع من الوساوس فإنه قد عرض نفسه للحساب والجزاء من رب العالمين ، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " عُفي عن أمتي ما حدّثت به نفوسها ما لم تتكلم به أو تعمل به. وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يقول للحفظة إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها …" .

ويُعد مصدر هذا النوع من الوساوس عادة أحد ثلاثة أمور :

النفس : وهي النفس الأمارة بالسوء . قال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) .

شياطين الجن : ودليل ذلك قوله تعالى : ( من شر الوسواس الخناس ) . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره لسورة الناس : وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة برب الناس وملكهم وإلههم من الشيطان الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها الذي من فتنته وشره أنه يوسوس في صدور الناس فيحسن لهم الشر ، ويريهم إياه في صورة غير صورته . وهو دائماً بهذه الحال يوسوس ثم يخنس ، أي يتأخر عن الوسوسة إذا ذكر العبد ربه واستعان به على دفعه .

شياطين الإنس : ودليل ذلك قوله تعالى : ( من الجنة والناس ) . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره : والوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس ولهذا قال : ( من الجنة والناس ).

النوع الثانـي : تلك الوساوس العابرة ( غير المرضية ) التي تعرض للإنسان في صلاته وطهارته وعبادته ومعتقداته ، وكذلك في شؤون حياته الدنيوية . وهذا النوع من الوساوس يلهي العبد عن عبادته فينسى كم ركعة صلى ؟ أو هل غسل ذلك العضو من جسمه ؟ وغير ذلك من الوساوس