|
|
|
|
|
الزكــاة
الحمد لله
نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن
محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا.
أما بعد، فإن الله ـ تعالى ـ أنعم على عباده بمحمد صلى
الله عليه وسلم فهو أعظم نعمة عليهم، ومن قبلها، تمت عليه
النعمة، وأكمل له الدين وجعله من خير أمة أخرجت للناس،
فبعثه بالهدي ودين الحق، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وجعل
كتابه مهيمنًا على ما بين يديه من الكتب، وأمر فيه بعبادة
الله، وبالإحسان إلى خلق الله، فقال تعالى: وَاعْبُدُواْ
اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَي وَاليتَامَي
وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَي وَالْجَارِ
الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ
وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ
مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النساء: 36].
وجعل دينه ثلاث درجات: إسلام، ثم إيمان، ثم إحسان.
وجعل الإسلام مبنيًا على أركان خمسة، ومن آكدها الصلاة ـ
وهي خمسة فروض ـ وقرن معها الزكاة، فمن آكد العبادات
الصلاة، وتليها الزكاة، ففي الصلاة عبادته، وفي الزكاة
الإحسان إلى خلقه، فكرر فرض الصلاة في القرآن في غير آية،
ولم يذكرها إلا قرن معها الزكاة.
من ذلك قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ
الزَّكَاةَ} [البقرة: 110]،وقال: {فَإِن
تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ
فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]
وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ
الْقَيِّمَةِ} [البينة:5]
وفي الصحيحين: من حديث أبي هريرة، رواه مسلم من حديث
عمر: أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام
فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول
الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج
البيت). وعنه: قـال صلى الله عليه وسلم: (أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدًا
رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك
عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على
الله). ولما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: (إنك
تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن
لا إله إلا الله، وأني رسول الله. فإن هم أطاعوك لذلك،
فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم
وليلة. فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله قـد افترض
عليهم صـدقـة تؤخـذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم. فإن
هم أطاعوك لذلك، فخذ منهم، وتَوَقَّ كرائم أموالهم، واتق
دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
فصل
وجاء ذكر الصلاة والزكاة في القرآن مجملاً، فبينه الرسول
صلى الله عليه وسلم، وإن بيانه ـ أيضًا ـ من الوحي؛ لأنه ـ
سبحانه ـ أنزل عليه الكتاب والحكمة.
قال حسان بن عطية: كان جبريل ينزل على النبي صلى الله
عليه وسلم بالسنة يعلمه إياها، كما يعلمه القرآن. وقد
ذكرت في الصلاة
فصلاً قبل هذا.
والمقصود هنا ذكر الزكاة. فنذكر مـا تيسـر من أحكامهـا،
وبعـض الأحاديـث، وشيئًا من أقوال الفقهاء. فقد سمي الله
الزكـاة صدقة، وزكاة. ولفظ الزكاة في اللغة يدل على
النمو، والزرع. يقال فـيه: زكـا، إذا نمـا، ولا ينمــو
إلا إذا خلـص مـن الدَّغَل. فلهـذا كانت هذه اللفظة في
الشريعة تدل على الطهارة: {قَدْ أَفْلَحَ مَن
زَكَّاهَا} [الشمس: 9]، {قَدْ أَفْلَحَ مَن
تَزَكَّي} [الأعلى: 14]. نفس المتصدق تزكو،
وماله يزكو، يطهر ويزيد في المعني.
وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة، ولا تكون المواساة إلا
فيما له مال من الأموال، فحد له أنصبة، ووضعها في الأموال
النامية، فمن ذلك ما ينمو بنفسه؛ كالماشية، والحرث. وما
ينمو بتغير عينه والتصرف فيه كالعين، وجعل المال المأخوذ
على حساب التعب، فما وجد من أموال الجاهلية هو أقله تعبًا
ففيه الخمس، ثم ما فيه التعب من طرف واحد فيه نصف الخمس،
وهو العشر فيما سقته السماء. وما فيه التعب من طرفين فيه
ربع الخمس، وهو نصف العشر فيما سقي بالنضح، وما فيه التعب
في طول السنة كالعين ففيه ثمن ذلك وهو ربع العشر.
فصل
وافتتح مالك ـ رحمه الله ـ كتاب الزكاة في موطئه بذكر حديث
أبي سعيد؛ لأنه أصح ما روي في الباب، وكذلك فعل مسلم في
صحيحه. وفيه ذكر نصاب الورق، ونصاب الإبل، ونصاب الحب
والثمر، ثم الماشية والعين، لابد فيها من مرور الحول.
فثني بما رواه عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر ـ رضي الله عنهم
ـ في اعتبار الحول. ولو كان قد خالفهم معاوية، وابن
عباس، فما رواه أو قاله الخلفاء حجة على من خالفهم، لاسيما
الصديق لقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي). وقوله: (إن
يطع القوم أبا بكر، وعمر، يرشدوا).
ثم ذكر نصاب الذهب، والحجة فيه أضعف من الورق؛ فلهذا
أخره.
ثم ذكر ما تؤخذ الزكاة منه، فذكر الأحاديث والآيات في ذلك،
وأجودها حديث عمر ابن الخطاب، وكتابه في الصدقة، وذكر عن
عمر بن عبد العزيز: أن الصدقة لا تكون إلا في العين،
والحرث، والماشية، واختاره. وقال ابن عبد البر: وهو
إجماع، أن الزكاة فيما ذكر، وقال ابن المنذر الإمام أبو
بكر النيسابوري: أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب في
تسعة أشياء: في الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة،
والبر، والشعير، والتمر، والزبيب. إذا بلغ من كل صنف
منها ما تجب فيه الزكاة.
فصل
في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (ليس فيما دون خمسة وْسُق صـدقة، ولا فيما
دون خمس ذَوْد صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة. وأشار
بخمس أصابعه). وفي لفظ: (ليس فيما دون خمسة أوساق
من تمر، ولا حب صدقة). وفي لفظ: [ثمر] بالثاء
المثلثة. وفي لفظ: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق
صدقة). ورواه مسلم عن جابر، وروي مسلم عن جابر عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فيما سقت الأنهار
والغيم العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر). ورواه
البخاري من حديث ابن عمر ولفظه: (فيما سقت السماء
والعيون، أو كان عَثَرِيا العشر، وما سقي بالنضح نصف
العشر).
وفي الموطأ [العيون والبعل]، والبعل: ما شرب بعروقه
ويمتد في الأرض ولا يحتاج إلى سقي من الكرم، والنخل.
و[العَثَرِي] ما تسقيه السماء، وتسميه العامة العِذْي،
وقيل: يجمع له ماء المطر فيصير سواقيًا يتصل الماء
بها.
قال أبو عمر بن عبد البر: في الحديث الأول
[فوائد]:
منها: إيجاب الصدقة في هذا المقدار، ونفيها عما دونه
و[الذود من الإبل]: من الثلاثة إلى العشر.
و[الأوقية]: اسم لوزن أربعين درهمًا، و[النش]:
نصف أوقية، و[النواة]: خمسة دراهم، قاله أبو عبيد
القاسم بن سلام، وما زاد على المائتين ـ وهي الخمـس
الأواق: فظاهر هذا الحديث إيجاب الزكاة فيه لعدم النص
بالعفو عما زاد، ونصه على العفو فيما دونها، وذلك إيجاب
لها في الخمس فما فوقها، وعليه أكثر العلماء، روي ذلك عن
على، وابن عمر، وهو مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي،
والليث، وابن أبي ليلي، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد،
وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور.
وقالت طائفة: لاشيء في الزيادة حتى يبلغ أربعين
درهمًا.
وفي الذهب أربعة دنانير. يروي هذا عن عمر، وبه قال سعيد
والحسن، وطاوس وعطاء، والزهري، ومكحول، وعمرو بن دينار،
وأبو حنيفة. وأما ما زاد على الخمسة أوسق، ففيه الزكاة
عند الجميع.
فصل
فنصاب الورق التي تجب زكاته مائتا درهم، على ما في هذا
الحديث، وهو قوله: (خمس أواق من الورق) وهذا مجمع
عليه. وفي حديث أنس في الصحيحين ـ أيضًا ـ: (وفي
الرقة ربع العشر).
وأما نصاب الذهب، فقد قال مالك في الموطأ: السنة التي لا
اختلاف فيها عندنا: أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا، كما
تجب في مائتي درهم. فقد حكي مالك إجماع أهل المدينة، وما
حكي خلاف إلا عن الحسن أنه قال: لا شيء في الذهب حتى
يبلغ أربعين مثقالاً. نقله ابن المنذر. وأما الحديث
الذي يُرْوَي فيه، فضعيف.
وما دون العشرين، فإن لم تكن قيمته مائتي درهم، فلا زكاة
فيه بالإجماع، وإن كان أقل من عشرين، وقيمته مائتي درهم،
ففيه الزكاة عند بعض العلماء من السلف.
ودل القرآن والحديث على إيجاب الزكاة في الذهب، كما وجبت
في الفضة. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ
اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ إليمٍ} الآيـة
[التوبـة: 34]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(مـا من صاحـب ذهـب ولا فـضة لا يؤدي منها
زكاتها....) الحديث. وسيأتي إن شاء الله،
وسواء في ذلك المضروب منها دراهم، ودنانير، وغير
المضروب.
فصل
وهل يضم الذهب إلى الفضة فيكمل بهما النصاب ويزكي أم لا؟
على ستة أقوال:
قيل: لا يُضْم أحدهما إلى الآخر، وهو قول الشافعي، وروي
عن شريك، والحسن بن صالح.
وقيل: يضم الذهب؛ لأنه تبع، ولا يضم الورق إلى الذهب؛
لأنها أصل.
وقيل: يضم بشرط أن الأقل يتبع الأكثر، وهو قول الشعبي،
والأوزاعي.
وقيل: يضم، لكن بالقيمة. وهو قول أبي حنيفة،
والثوري.
وقيل: يضم بالأجزاء، وهو قول الحسن، وقتادة، والنخعي،
وهو مذهب مالك، وصاحب أبي حنيفة: أبو يوسف. فعند
هؤلاء: من كان معه عشرة دنانير، ومائة درهم، وجبت
الزكاة. فإن كان قيمة العشرة مائة وخمسين، ومعه خمسون
درهمًا، لم تجب الزكاة؛ لأن الدينار في الزكاة عشرة دراهم،
والضم بالأجزاء لا بالقيمة.
فصل
والحول شرط في وجوب الزكاة في العين، والماشية، كما كان
النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عماله على الصدقة كل عام،
وعمل بذلك الخلفاء في الماشية والعين، لما علموه من سنته،
فروي مالك في موطئه عن أبي بكر الصديق، وعن عثمان بن
عفان،وعن عبد الله بن عمر أنهم قـالوا: هـذا شـهر
زكاتكم. وقـالوا: لا تجـب زكاة مـال حتى يحول عليه
الحـول. قـال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي هذا عن
على، وعبد الله بن مسعود، وعليه جماعة الفقهاء قديمًا،
وحديثًا. إلا ما روي عن معاوية، وعن ابن عباس، كما
تقدم.
فمن ملك نصابًا من الذهب أو الورق وأقام في ملكه حولاً،
وجبت فيه الزكاة. وإن ملك دون النصاب ثم ملك ما يتم
النصاب، بني الأول على حول الثاني. فالاعتبار من يوم كمل
النصاب، وإن ملكنصابًا ثم بعد مدة ملك نصابًا، بني كل واحد
منهما على حوله، وربح المال مضموم إلى أصله، يزكي الربح
لحول الأصل، وإذا كان الأصل نصابًا عند الجمهور. وإن كان
الأصـل دون النصاب فتم عند الحول نصابًا بربحه، ففيه
الزكاة عند مالك ـ رحمه الله ـ وإن كان معه عرض للتجارة،
ثم ملك ما يكمل النصاب، فعليه الزكاة.
فصل
وأما العروض التي للتجارة، ففيها الزكاة، وقال ابن
المنذر: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها
التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن عمر
وابنه، وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر
بن زيد، وميمون بن مهران، وطاوس، والنخعي، والثوري،
والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وحكي عن
مالك وداود: لا زكاة فيها. وفي سنن أبي داود عن سمرة
قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج
الزكاة مما نعده للبيع. وروي عن حماس، قال: مر بي عمر،
فقال: أد زكاة مالك، فقلت: مالي إلا جعاب وأدم،
فقال: قَوِّمْها، ثم أد زكاتها. واشتهرت القصة بلا
منكر، فهي إجماع.
وأما مالك، فمذهبه أن التجار على قسمين: متربص، ومدير.
فالمتربص ـ وهو الذي يشتري السلع، وينتظر بها الأسواق،
فربما أقامت السلع عنده سنين ـ فهذا عنده لا زكاة عليه،
إلا أن يبيع السلعة فيزكيها لعام واحد، وحجته أن الزكاة
شرعت في الأموال النامية. فإذا زكي السلعة كل عام ـ وقد
تكون كاسدة ـ نقصت عن شرائها فيتضرر. فإذا زكيت عند
البيع، فإن كانت ربحت، فالربح كان كامنًا فيها، فيخرج
زكاته، ولا يزكي حتى يبيع بنصاب ثم يزكي بعد ذلك ما يبيعه
من كثير، وقليل.
وأما المدير ـ وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول ـ فلا
يستقر بيده سلعة، فهذا يزكي في السنة الجميع، يجعل لنفسه
شهرًا معلومًا، يحسب ما بيده من السلع والعين، والدين الذي
على المليء الثقة، ويزكي الجميع، هذا إذا كان ينض في يده
في أثناء السنة ـ ولو درهم ـ فإن لم يكن يبيع بعين أصلا،
فلا زكاة عليه عنده.
فصل
وأما الحلي، فإن كان للنساء، فلا زكاة فيـه عند مالك،
والليث والشافعي، وأحمد، وأبي عبيـد، وروي ذلك عن عائشة،
وأسماء، وابن عمر، وأنس، وجابر ـ رضي الله عنهم ـ وعن
جماعة من التابعين. وقيل: فيه الزكاة، وهو مروي عن
عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وجماعة من
التابعين، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري، والأوزاعي.
وأما حلية الرجال، فما أبيح منه فلا زكاة فيه، كحلية
السيف، والخاتم الفضة. وأما ما يحرم اتخاذه كالأواني،
ففيه الزكاة. وما اختلف فيه من تحلية المنطقة، والخوذة،
والجَوْشَن، ونحو ذلك، ففي زكاته خلاف، فعند مالك والشافعي
فيه الزكاة، ولا يجوز اتخاذه، وأباحه أبو حنيفة وأحمد إذا
كان من فضة، وأما حلية الفرس كالسرج واللجام والبِرْذَون،
فهذا فيه الزكاة عند جمهور العلماء. وقد منع من اتخاذه
مالك، والشافعي، وأحمد، وكذلك الدواة، والمكحلة، ونحو ذلك
فيه الزكاة عند الجمهور، سواء كان فضة أو ذهبًا.
فصل
وتجب الزكاة في مال اليتامي عند مالك، والليث، والشافعي،
وأحمد، وأبي ثور، وهو مروي عن عمر، وعائشة، وعلي، وابن
عمر، وجابر ـ رضي الله عنهم ـ قال عمر: اتجروا في أموال
اليتامي،لا تأكلها الزكاة، وقالته عائشة ـ أيضًا. وروي
ذلك عن الحسن ابن على، وهو قول عطاء، وجابر بن زيد،
ومجاهد، وابن سيرين.
فصل
المال المغصوب والضائع ونحو ذلك. قال مالك: ليس فيه
زكاة حتى يقبضه، فيزكيه لعام واحد، وكذلك الدين عنده لا
يزكيه حتى يقبضه زكاة واحدة وقول مالك: يروي عن الحسن،
وعطاء، وعمر بن عبد العزيز. وقيل: يزكي كل عام إذا
قبضه زكاة عما مضي، وللشافعي قولان.
فصل
والمعادن: إذا أخرج منها نصابًا من الذهب، والفضة، ففيه
الزكاة عند أخذه: عند مالك، والشافعي، وأحمد، وزاد
أحمد: الياقوت، والزبرجد، والبلور، والعقيق، والكحل،
والسبج، والزرنيخ. وعند إسحاق، وابن المنذر: يستقبل به
حولا ويزكيه، وأبو حنيفة يجعل فيه الخمس، وله قول أنه لا
يخرج إلا فيما ينطبع: كالحديد، والرصاص، والنحاس دون
غيره.
وأما ما يخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان، فلا زكاة فيه عند
الجمهور. وقيل: فيه الزكاة، وهو قول الزهري، والحسن
البصري، ورواية لأحمد.
فصل
والدين يسقط زكاة العين: عند مالك، وأبي حنيفة، وأحمد،
وأحـد قولي الشافعي، وهو قول عطاء، والحسن، وسليمان بن
يسار، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والأوزاعي،
والليث، وإسحاق، وأبي ثور.
واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد قال:
سمعت عثمان ـ رضي الله عنه ـ يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن
كان عليه دين، فليؤده، حتى تخلص أموالكم تؤدون منها
الزكاة. وعند مالك: إن كان عنده عروض توفي الدين، ترك
العين وجعلها في مقابلة الدين، وهي التي يبيعها الحاكم في
الدين ما يفضل عن ضرورته، وإن كان له دين على مليء ثقة،
جعله في مقابلة دينه ـ أيضًا. وزكي العين فإن لم يكن إلا
ما بيده، سقطت الزكاة.
فصل
واختلف: هل في العسل زكاة؟ فكان الخلاف فيه بين أهل
المدينة.
فرأي الزهري أن فيه الزكاة، وهو قول الأوزاعي، وأبي حنيفة
وأصحابه، وهو قول ربيعة، ويحيي بن سعيد، وهو العشر. وعند
مالك والشافعي وأحمد لا زكاة فيه.
فصل
وأما الحديث الثاني: وهو قوله صلى الله عليه وسلم:
(فيما سقت السماء، والعيون العشر.....).
الحديث، ففيه ما اتفق العلماء عليه، وهو المقدار المأخوذ
من المعشرات. ولكن اختلفوا في أي شيء يجب العشر،
ونصفه.
فقالت طائفة: يجب العشر في كل ما يزرعه الآدميون من
الحبوب، والبقول، وما أنبتته تجاراتهم من الثمار، قليل ذلك
وكثيره، ويروي هذا عن حماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة،
وزفر.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب إلا فيما له ثمرة باقية،
فيما يبلغ خمسة أوسق. وقال أحمد: يجب العشر فيما ييبس،
ويبقي، مما يكال ويبلغ خمسه أوسق، فصاعدًا. وسواء عنده
أن يكون قوتًا كالحنطة، والشعير، والأرز، والذرة، أو من
القطنيات كالباقلاء، والعدس، أو من الأبازير كالكسفرة،
والكمون، والكراويا، والبزر، كبزر الكتان، والسمسم، وسائر
الحبوب.
وتجب ـ أيضًا ـ عنده فيما جمع هذه الأوصاف، كالتمر،
والزبيب، واللوز، والبندق، والفستق، ولا تجب في الفواكه،
ولا في الخضر، وهذا قول أبي يوسف، ومحمد.
ويشبهه قول ابن حبيب من المالكية. قال مثل قول مالك،
وزاد عليه فقال: تؤخذ الزكاة من الثمار ذوات الأصول
كلها، ما ادخر منها وما لم يدخر. وقال: إذا اجتمع
للرجل من الصنف الواحد منها ما يبلغ خرص ثمرته خمسة أوسق،
إن كان مما ييبس: كالجوز، واللوز، والفستق، أخرج عشره،
وإن كانت مما لا ييبس: مثل الرمان، والتفاح، والفرسك،
والسفرجل، وشبهه، فبلغ خرصها وهي خضراء خمسة أوسق، وجبت
فيها الزكاة. إن باعه بعشر الثمن، وإن لم يبعها، فبعشر
كيل خرصها.
وقال مالك وأصحابه في المشهور من قولهم: تجب الزكاة في
الحنطة والشعير، والسُّلت، والذرة، والدُّخن، والأرز،
والحمص، والعدس، والجل
باب، والرش، والبسلة، والسمسم، والماش، وحب الفجل، وما
أشبه هذه الحبوب المأكولة المدخرة.
وتجب في ثلاثة أنواع من الثمار: وهي التمر، والزبيب،
والزيتون. وقال الشافعي: تجب الزكاة فيما ييبس، ويدخر،
ويقتات، مأكولا أو طبيخًا، أو سويقًا، وله في الزيتون
قولان، وتجب الزكاة عنده في التمر والزبيب.
وقال الليث بن سعد: كل ما يختبز، ففيه الصدقة، مع أنه
يوجب الزكاة في التمر والزبيب والزيتون. وكذلك الثوري
يوجب الزكاة في الزيتون، والأوزاعي والزهري، ويروي عن ابن
عباس أيضًا. وقال الأوزاعي: مضت السنة أن الزكاة في
الحنطة، وفي الشعير، والسلت والتمر، والعنب، والزيتون.
وقال إسحاق: كل ما يختبز، ففيه الصدقة.
وعند ابن المنذر: تسعة أشياء كما تقدم فقط: التمر،
والزبيب، والحنطة، والشعير، والفضة، والذهب، والإبل،
والبقر، والغنم، وكل هؤلاء يعتبر الخمسة الأوسق، إلا ما
يروي عن مجاهد، وأبي حنيفة: أنه يوجب الزكاة في القليل،
ويعتبر - أيضًا - عندهم اليبس، والتصفية في الحبوب والجفاف
في الثمار، وما لا زيت فيه من الزيتون، وما لا يزبب من
العنب، ولا يتمر من الرطب، تخرج الزكاة من ثمنه، أو من
حبه. قال مالك: إذا بلغ منه خمسة أوسق، فبيع، أخرج
الزكاة من ثمنه.
فصل
ويضم القمح والشعير والسلت في الزكاة، وتضم القطافي بعضها
إلى بعض، ويضم زرع العام بعضه إلى بعض، ولو كان بعضه
صيفيًا، وبعضه شتويًا، وكذلك الثمرة. ولو كان في بلدان
شتي، إذا كان لرجل واحد. وأما الشركاء: فلابد أن يكون
في حصة كل واحد منهم نصاب.
فصل
والوسق ستون صاعًا: والصاع: أربعة أمداد بمد النبي صلى
الله عليه وسلم. والمد خمسة أرطال وثلث بالبغدادي.
والرطل البغدادي ثمانية وعشرون درهمًا. والدرهم هي هذه
التي هي من زمان عبد الملك: كل عشرة منها وزن سبعة
مثاقيل. فمبلغ النصاب بالرطل البغدادي ألف وستمائة
رطل.
وتقديره بالدمشقي: ثلاثمائة رطل، واثنان وأربعون رطلا،
وستة أسباع رطل.
فصل
ومن باع ثمرة، أو وهبها، أو مات عنها بعد بدو صلاحها،
فالزكاة عليه، وإن كان قبل بدو صلاحها، فالزكاة على
المشتري، والموهوب له، والوارث إن كان في حصة كل واحد
نصاب. ويخرص النخل والكرم على أر
بابه، ويخلي بينهم وبينه، فإن شاؤوا أكلوا، وإن شاؤوا
باعوا، ويخفف عنهم. وما أكل من الزرع، أو القطافي وهو
أخضر صغير، فلا زكاة فيه، وقال النبي صلى الله عليه
وسلم: (إذا خرصتم فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث،
فدعوا الربع). رواه أبو داود. وقال: (خففوا على
الناس، فإن في المال الوطية، والآكلة، والعرية). رواه
أبو عبيد. وقال: [الوطية] السابلة، سموا بذلك
لوطيهم بلاد الثمار، مجتازين. و[العرية]: هي هبة
ثمرة نخلة، أو نخلات لمن يأكله. و[الآكلة] أهل المال
يأكلون منه.
فصل
ولا تجب الزكاة إلا في خمسة أوسق من صنف واحد. والقمح
والشعير والسلت عند مالك صنف واحد، فإذا اجتمع من هذه
الثلاثة نصاب، وجبت الزكاة، ويخرج كل بحسابه. وكذلك
القطافي: وهي الحمص، والباقلاء، والعدس، ونحو ذلك صنف
واحد عنده، والقدر المأخوذ بقدر التعب والمؤنة. كما في
الحديث: (ما كان يسقي بماء السماء والأنهار والعيـون
ففيـه العشـر، ومـا كـان يسقي بالنضح أو السانية والدواليب
- وهي أسماء شـيء واحد، كالسانية، والناضح هي الإبل يستقي
بها لشرب الماء - ففيه نصف العشر،ومـا سـقي نصـفه بهذا،
ونصفه بهذا، أو نصف السنة، ففيه ثلاثة أرباع العشر).
فصل
وكل من نبت الزرع على ملكه، فعليه زكاته، قال الله
تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ
مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم
مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ
تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ} الآية [البقرة:
267] وسواء كانت الأرض ملكًا له، أو استأجرها، أو أقطعها
له الإمام، يستغل منفعتها، أو استعارها، أو كانت موقوفة
عليه.
قـال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، على
أن كل أرض أسلم أهلها عليها، قبل قهرهم، أنها لهم، وأن
عليهم فيما زرعوا فيها الزكاة. فأرض الصلح كما قال.
وكذلك أرض العنوة، إذا كان عليها خراج أدي الخراج، وزكي ما
بقي.
فمن استأجر أرضًا للزرع، فعليه الزكاة، عند جمهور
العلماء: كمالك والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد.
وكذلك المقطعين عليهم العشر، فإن كان الزرع كله له، وهو
يعطي الفلاح أجره، فعليه العشر كله، وإن كان الزرع مقاسمة
نصفه أو ثلثه للفلاح، ونصفه أو ثلثه للمقطع، فعلى كل منهما
عشر نصيبه، فإن الزرع نبت على ملكه وهذا قول علماء
الإسلام.
وقـد كـان الصحابة يأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم
العشر يعطيه لمستحقيه، ويأمرهم أن يجاهدوا بما يبقي مـن
أمـوالهم، فإذا كان الجند قد أعطوا من بيت المال ما
يجاهدون به، كان أولى أن يعطوا عشره، فمن أقطعه الإمام
أرضاً للاستغلال والجهاد إذا استغلها، ونبت الزرع على ملكه
في أرض عشرية، فما يقول عالم:إنه لا عشر عليه.
وقـد تنازع العلماء، فيمـن استحـق منفعـة الأرض بعـوض،
كالمسـتأجر لها بـدراهم، أو بخـدمة نفسـه، ونحو ذلك.
فجمهورهم يقول: عليه العشر، وهو قول صاحبي أبي حنيفـة،
ومـالك، والشافعي، وأحمـد. وأمـا أبو حنيفة فإنه يقول:
العشر على رب الأرض.
فهؤلاء المقطعون إذا قدر أنهم استؤجروا بمنفعة الأرض،
فبذلوا خدمة أنفسهم، كان عليهم العشر عند الجمهور، وعلى
القول الآخر على الذي استأجرهم. فمن قال: إن العشر
الذي أوجبه الله لمستحقي الصدقات يسقط، فقد خالف
الإجماع.
وأيضًا، فهؤلاء الجند ليسوا كالأجراء، وإنما هم جند الله
يقاتلون في سبيل الله عباده، ويأخذون هذه الأرزاق من بيت
المال ليستعينوا بها على الجهاد، وما يأخذونه ليس ملكًا
للسلطان، وإنما هو مال الله يقسمه ولي الأمر بين
المستحقين، فمن جعلهم كالأجراء جعل جهادهم لغير الله.
وقد جاء في الحديث: (مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون
ما يعطونه مثل أم موسي ترضع ابنها، وتأخذ أجرها).
فصل
فإن كان على مالك الزرع والثمار دين، فهل تسقط الزكاة؟
فيه ثلاثة أقوال:
قيل: لا تسقط بحال وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي
ورواية عن أحمد.
وقيل: يسقطها. وهو قول عطاء، والحسن، وسليمان بن يسار،
وميمون بن مهران، والنخعي، والليث، والثوري، وإسحاق.
وكذلك في الماشية: الإبل، والبقر، والغنم.
وقيل: يسقطها الدين الذي أنفقه على زرعه،وثمرته، ولا
يسقطها ما استدانه لنفقة أهله.
وقيل: يسقطها هذا وهذا. الأول: قول ابن عباس،
واختاره أحمد بن حنبل، وغيره. والثاني: قول ابن عمر.
فصل
والرطب الذي لا يتمر، والزيتون الذي لا يعصر، والعنب الذي
لا يزبب: فقال مالك وغيره: تخرج الزكاة من ثمنه، إذا
بلغ خمسة أوسق، وإن لم يبلغ ثمنه مائتي درهم، وإن كان
يتناهي فبيع قبل تناهيه، فقيل: تخرج الزكاة من ثمنه.
وقيل:تخرج من حبه أو دهنه.
فصل
فهذه زكاة العين، والحرث التي دلت عليها الأحاديث
المتقدمة، مع الآيات الكريمة. وأما زكـاة الماشية:
الإبل، والبقر، والغنم. فقد دلت عليها الأحاديث الصحيحة،
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وكذلك كتب أبو بكر
وعمر وغيرهما من الصحابة. ففي الصحيح من حديث أنس بن
مالك ـ هذا لفظ البخاري ـ أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب
لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم: هذه
فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على
المسلمين، والتي أمر الله بها ورسوله، فمن سألها من
المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فـلا يعطي:
في أربع وعشرين مـن الإبل فما دونها: الغنم. في كل خمس
شاة. فـإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها
بنت مخاض أنثي، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعـين،
ففيها بنت لبـون أنثي، فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى سـتين،
ففيها حقـة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس
وسبعين، ففيها جذعـة، فـإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين،
ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدي وتسعين إلى عشرين
ومـائـة، ففيها حقتان طـروقتا الجمل. فـإذا زادت على
عشرين ومائـة، فـفي كل أربعـين بنت لبون، وفي كل خمسين
حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع مـن الإبل، فليس فيها شيء،
إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل، ففيها شاة،
وفي صدقة الغنم: في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين
ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين، ففيها
شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه
فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة: شاة، فإذا كانت
سائمة الرجل ناقصة عن أربعين واحدة، فليس فيها صدقة، إلا
أن يشاء ربها. وفي الرقـة ربع العشر. فإن لم يكـن إلا
تسعين ومائة، فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربها.
وعن أنس في هذا الكتاب ـ أيضًا ـ: (من بلغت عنده من
الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل
منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن تيسرتا له، أو عشرين
درهما. ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة
وعنده جذعة، فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين
درهمًا أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده
إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو
عشرين درهمًا. ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وعنده حقة،
فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن
بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها
تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهمًا، أو شاتين)،
(ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية
الصدقة)، (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما
بالسوية)، (ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار،
ولا تيس، إلا إن شاء المصدق).
وعنه في هذا الكتاب ـ أيضًا ـ: (ومن بلغت صدقته بنت
مخاض، وليست عنده وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه ويعطيه
المصدق عشرين درهما أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض
على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه
شيء).
وروي مالك بن أنس كتاب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في
موطئه بمثل هذا اللفظ، أو قريب منه، إلا ذكر البدل مع
العشرين، فإنه لم يذكره.
فصل
قـال الإمـام أبو بكر بن المنذر: وهذا مجمع عليه، إلى
عشرين ومائة، ولا يصح عن على مـا روي في خمس وعشرين خمس
شـياه. وقوله في هـذا الحديث: في سائمـة الغنم، موضـع
خـلاف بين العلماء؛ لأن السائمـة هي التي ترعي. فمذهب
مالك: أن الإبـل العـوامل، والبقـر العـوامل، والكباش
المعلـوفة، فيها الزكاة. قال أبو عمر: وهذا قـول
الليث، ولا أعلـم أحـدًا قال بـه غيرهـما. وأمـا
الشافعي، وأحمـد، وأبـو حنيفـة، وكذلك الثـوري،
والأوزاعـي، وغـيرهم: فلا زكاة فيها عندهم. وروي هذا
عن جماعة من الصحابة: على، وجابر، ومعاذ بن جبل. وكتب
به عمر بن عبد العزيز.
وقد روي في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (في كل سائمة في كل
أربعين بنت لبون). فقيده بالسائمة، والمطلق يحمل على
المقيد، إذا كان من جنسه بلا خلاف، وكذلك حديث أبي بكر في
سائمة الغنم.
وقولـه: (مـن بلغـت عنـده مـن الإبـل صـدقـة الجـذعة
وليست عنـده....) إلى آخره. لم يقل بـه مالك،
بل قـال: إنـه إذا لم يجد السـن ـ كالجذعـة أو غـيرها ـ
فـإنـه يبـتاعها، ولا أحـب أن يعطيـه ثمـنها. وقـال:
إذا لم يجـد السـن التي تجب في المال لم يـأخذ ما فوقها،
ولا ما دونها، ولا يزداد دراهم، ويبـتاع له رب المال
مسنًا.
وقال الثوري والشافعي وأحمد بمثل ما في الحديث: أنه إذا
لم يجد السن أخذ ما وجد، وأعطي شاتين، أو عشرين درهمًا، أو
أخذ مثل ذلك كما في الحديث. ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه إن
شاء أخذ القيمة، وإن شاء أخذ أفضل منها، وأعطي الزيادة.
ومالك لم يقل بذلك؛ لأن مالكًا إنما روي كتاب عمر وليس
فيها ما في كتاب أبي بكر من الزيادة، وهذا شأن العلماء.
وقوله في هذا الحديث: (فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي
كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة). قال أبو
عمر:هذا موضع خلاف ـ يعني إذا زادت واحدة ـ قال مالك:
إذا زادت واحدة على عشرين ومائة، فالساعي بالخيار بين أن
يأخذ حقتين، أو ثلاث بنات لبون، وقال الزهري: فيها ثلاث
بنات لبون، إلى ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة وابنتا
لبون. وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد،
وهو قول محمد بن إسحاق، وهو قول أئمة الحجاز وهو أولى عند
العلماء.
وأما قول الكوفيين:فإنه يستقبل الفريضة بعد العشرين
ومائة،فيكون في كل خمس شاة.
فصل
وقوله: (ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا
تيس)، عليه جماعة فقهاء الأمصار؛ لأن المأخوذ في الصدقات
العدل، كما قال عمر ـ رضي الله عنه ـ: عدل من عدل المال
وخياره. [الهرمة]: الشاة الشارف، و[ذات
العَوار] بفتح العين: التي بها عيب، وبالضم التي ذهبت
عينها. ولا يجزي ذلك في الصدقة، والشاة المأخوذة في
الإبل الجذعة من الضأن، والثنية من المعز، فإن أخرج
القيمة، فقولان.
وقوله: (ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية
الصدقة)، يعني بذلك: تفرقة المواشي، وجمعها خشية
الصدقة، واختلف هل المخاطب بذلك أر
باب الأموال، أو هو الساعي، أو هما جميعًا. وهذا في
الخلطة، فقد يكون على الخلطاء عدد من الغنم، فإذا فرقت، قل
العدد، أو في الفرقة عدد فإذا جمعوها، قل العدد، فنهوا عن
ذلك. ولهذا نظائر: كثلاثة نفر لكل منهم أربعون، ففيها
ـ حينئذ ـ ثلاث شياه، فإذا جمعت، صار فيها شاة، أو يكون
لرجلين من الغنم مائتين وشاتين لكل واحد منهما مائة وشاة،
فعليهما فيها ثلاث شياه، فإذا تفرق، كان على كل واحد منهما
شاة، ونحو ذلك.
وقوله: (وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما
بالسوية)، يعني: إذا أخذت شاة من غنم أحد الخليطين،
فإنه يرجع على الآخر بقيمة ما يخصه.
فصل
وقوله في الحديث: (في الغنم في سائمتها، إذا كانت
أربعين، ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت، ففيها
شاتان، إلى مائتين، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة،
ففيها ثلاث شياه. فإذا زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة
شاة) . هذا متفق عليه في صدقة الغنم ـ أيضًا ـ والضأن
والمعز سواء.
والسوم شرط في الزكاة، إلا عند مالك، والليث -كما تقدم-
فإنهما يوجبان الزكاة في غير السائمة، ولا خلاف بين
الفقهاء أن الضأن والمعز يجمعان في الزكاة، وكذلك الإبل
على اختلاف أصنافها، وكذلك البقر والجواميس.
واختلفوا فيما إذا كان بعض الجنس أرفع من بعض. فقيل:
يأخذ من أيها شاء، وقيل: من الوسط.
فصل
وأما [صدقة البقر]، فقد ثبت عن معاذ بن جبل ـ رضي الله
عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن،
أمره أن يأخذ صدقة البقر من كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة.
ومن كل أربعين مسنة. وأن يأخذ الجزية من كل حالم
دينارًا. رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، عن مسروق
عنه. وكذلك في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتبه
لعمرو بن حزم، ورواه مالك في موطئه، عن طاوس عن معاذ، وحكي
أبو عبيد الإجماع عليه، وجماهير العلماء على أنه ليس فيما
دون الثلاثين شيء. وحكي عن سعيد والزهري أن في الخمس شاة
كالإبل.
ومـن شـرطها أن تكـون سائمـة، كما في حـديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده عـن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(ليس في العوامل صدقة). رواه أبو داود. وروي عن
علي، ومعاذ، وجابر أنهم قالوا: لا صدقة في البقر
العوامل. ومالك، والليث يقولان: فيها الصدقة.
ويخرج في الثلاثين الذكر. وفي الأربعين الأنثي، فإن أخرج
ذكرًا، هل يجزيه؟ قولان. قال ابن القاسم: يجزيه،
وأشهب قال: لا يجزيه وهو مذهب أحمد، وجماعة من
العلماء. فإن كانت كلها ذكورًا، أخرج منها. وإذا بلغت
مائة وعشرين، خُير رب المال، بين ثلاث مسنات أو أربعة
أتبعة، والتبيع: الذي له سنة، ودخل في الثانية.
والبقرة المسنة مالها سنتان.
فصل
و[الجواميس] بمنزلة البقر، حكي ابن المنذر فيه
الإجماع.
وأما [بقر الوحش]، فلا زكاة فيها عند الجمهور. وقال
بعضهم: فيها الزكاة. فإن تولد من الوحشي والأهلي، فقال
الشافعي: لا زكاة. وقال أحمد: تزكي. ومالك يفرق
بين الأمهات والآباء، فإن كانت الأمهات أهلية أخرج الزكاة،
وإلا فلا.
وصغار كل صنف من جميع الماشية تبع يعد مع الكبار، ولكن لا
يؤخذ إلا من الوسط، فإن كان الجميع صغارًا، فقيل: يأخذ
منها، وقيل: يشتري كبارًا.
فصل
والخلطاء في الماشـية ـ وهو إذا كان مال كل منهما متميزًا
عن الآخرـ فإن لم يتمـيز، فهما شريكان، وإذا كانا خليطين،
زكيا زكاة المال الواحد، مثل أن يكون لكل منهما أربعـون،
فعليهـما في الخلطـة شـاة واحـدة، ويترادان قيمتها.
وتعتبر الخلطـة بثـلاثـة شـروط. وقيـل: بشـرطين.
وقيـل: بشـرط واحـد: وهـو الدلو، والحوض، والمراح.
والمبيت، والراعي، والفحل. وقيل: بالراعي وحده؛ لأنه
به يجتمعان ويجتمعون في غير ذلك.
وهل من شرط الخلطة: أن يكون لكل منهما نصابًا أم لا؟
بالأول قال مالك. وقال غيره: لا يعتبر ذلك.
فصل
إذا ملك ماشية فتوالدت، فإن كانت الأمهات نصابًا، زكي
الأولاد تبعًا، وبنى على حول الأمهات عند الجمهور. وإن
كانت دون النصاب فتوالدت ـ ولو قبل الحول بيوم، وتم النصاب
ـ أخرج الزكاة عند مالك وبني الأولاد على حول الأمهات.
وإن باع النصاب بجنسه بني الثاني على حول الأول، وإن اشتري
بنصاب من العين نصابًا من الماشية، وكان الأول لم يتم له
حول، بني الماشية على حول العين، في أحد القولين.
فصل
وتفرقته زكاة كل بلد في موضعه، فزكاة الشام في الشام،
وزكاة مصر في مصر، وهل يجوز نقلها لمصلحة فتنقل من الشام
إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، أو غيرها؟ فيه
قولان لأهل العلم. قال مالك: لا بأس بنقلها للحاجة،
وإذا لم يكن أهل البلد مستحقين، فتنقل بلا خلاف. ولما
نقل معاذ بن جبل الصدقة من اليمن إلى المدينة، أنكر عمر،
فقال: ما بعثتك جابيًا. فقال: ما وجدت آخذًا. فعند
الشافعي، وأحمد: لا تنقل، وعند مالك: يجوز نقلها.
فصل
وأما [قسمة الصدقات]، فقد بين الله ذلك في القرآن
بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء
وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عليها وَالْمُؤَلَّفَةِ
قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي
سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ
وَاللّهُ عليمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
قال الإمام أبو جعفر الطبري: عامة أهل العلم يقولون:
للمتولي قسمتها، ووضعها في أي الأصناف الثمانية شاء، وإنما
سمي الله الأصناف الثمانية: إعلامًا منه أن الصدقة لا
تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها، لا إيجابًا لقسمتها بين
الأصناف الثمانية، وروي بإسناده عن حذيفة، وعن ابن عباس
أنهما قالا: إن شئت جعلته في صنف أو صنفين أو ثلاثة.
قال: وروي عن عمر أنه قال: أيما صنف أعطيته أجزأك،
وروي عنه أنه كان عمر يأخذ الفرض في الصدقة، فيجعله في
الصنف الواحد، وهو قول أبي العالية، وميمون بن مهران،
وإبراهيم النخعي.
قال: وكان بعض المتأخرين يقول: عليه وضعها في ستة
أصناف؛ لأنه يقسمها، فسقط العامل، والمؤلفة سقطوا.
قال: والصواب أن الله جعل الصدقة في معنيين:
أحدهما: سد خلة المسلمين. والثاني: معونة الإسلام
وتقويته. فما كان معونة للإسلام يعطي منه الغني والفقير،
كالمجاهد، ونحوه، ومن هذا الباب يعطي المؤلفة، وما كان في
سد خلة المسلمين.
وقال شيخ الإسلام:
فصل
الأصْل الثّاني: الزكَاة
وهم ـ أيضًا ـ متبعون فيها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم
وخلفائه، آخذين بأوسط الأقوال الثلاثة، أو بأحسنها في
السائمة، فأخذوا في أوقاص الإبل بكتاب الصديق ـ رضي الله
عنه ـ ومتابعته، المتضمن: أن في الإبل الكثيرة في كل
أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة؛ لأنه آخر الأمرين من
رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف الكتاب الذي فيه
استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين، فإنه متقدم على هذا؛ لأن
استعمال عمرو بن حزم على نَجْران كان قبل موته بمدة، وأما
كتاب الصديق، فإنه صلى الله عليه وسلم كتبه ولم يخرجه إلى
العمال حتى أخرجه أبو بكر.
وتوسطوا في المعشرات بين أهل الحجاز وأهل العراق، فإن أهل
العراق ـ كأبي حنيفة ـ يوجبون العشر في كل ما أخرجت الأرض
إلا القَصَب ونحوه في القليل والكثير منه، بناء على أن
العشر حق الأرض كالخراج؛ ولهذا لا يجمعون بين العشر
والخراج. وأهل الحجاز لا يوجبون العشر إلا في النصاب
المقدر بخمسة أوسق، ووافقهم عليه أبو يوسف ومحمد، ولا
يوجبون من الثمار إلا في التمر والزبيب، وفي الزروع في
الأقوات، ولا يوجبون في عسل ولا غيره. والشافعي على مذهب
أهل الحجاز.
وأما أحمد وغيره من فقهاء الحديث، فيوافق في النصاب قول
أهل الحجاز؛ لصحة السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه
ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا يوجبون الزكاة في
الخضراوات؛ لما في الترك من عمل النبي صلى الله عليه وسلم
وخلفائه والأثر عنه، لكن يوجبها في الحبوب والثمار التي
تدخر، وإن لم تكن تمرًا أو زبيبًا ـ كالفستق والبندق ـ
جعلاً للبقاء في المعشرات بمنزلة الحول في الماشية
والجرين، فيفرق بين الخضراوات وبين المدخرات. وقد يلحق
بالموسق الموزونات، كالقطن على إحدي الروايتين؛ لما في ذلك
من الآثار عن الصحابة ـ رضي الله عنهم.
ويوجبها في العسل؛ لما فيه من الآثار التي جمعها هو، وإن
كان غيره لم تبلغه إلا من طريق ضعيفة، وتسوية بين جنس ما
أنزله الله من السماء وما أخرجه من الأرض.
ويجمعون بين العشر والخراج؛ لأن العشر حق الزرع، والخراج
حق الأرض. وصاحبا أبي حنيفة قولهما هو قول أحمد أو قريب
منه.
وأما مقدار الصاع والمد، ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمد ربعه، وهذا قول
أهل الحجاز في الأطعمة والمياه، وقصة مالك مع أبي يوسف فيه
مشهورة، وهو قول الشافعي وكثير من أصحاب أحمد أو أكثرهم.
والثاني: أنه ثمانية أرطال، والمد ربعه، وهو قول أهل
العراق في الجميع.
والقول الثالث: أن صاع الطعام خمسة أرطال وثلث، وصاع
الطهارة ثمانية أرطال، كما جاء بكل واحد منهما الأثر.
فصاع الزكوات والكفارات وصدقة الفطر، هو ثلثا صاع الغسل
والوضوء، وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ممن جمع بين
الأخبار المأثورة في هذا الباب لمن تأمل الأخبار الواردة
في ذلك.
ومن أصولها: أن أبا حنيفة أوسع في إيجابها من غيره، فإنه
يوجب في الخيل السائمة المشتملة على الآثار، ويوجبها في
جميع أنواع الذهب والفضة من الحلي المباح وغيره، ويجعل
الركاز المعدن وغيره، فيوجب فيه الخمس، لكنه لا يوجب ما
سوي صدقة الفطر والعشر إلا على مكلف، ويجوز الاحتيال
لإسقاطها، واختلف أصحابه: هل هو مكروه أم لا؟ فكرهه
محمد، ولم يكرهه أبو يوسف، وأما مالك والشافعي، فاتفقا على
أنه لا يشترط لها التكليف لما في ذلك من الآثار الكثيرة عن
الصحابة.
ولم يوجبها في الخيل، ولا في الحلي المباح، ولا في الخارج،
إلا ما تقدم ذكره، وحرم مالك الاحتيال لإسقاطها، وأوجبها
مع الحيلة، وكره الشافعي الحيلة في إسقاطها.
وأما أحمد، فهو في الوجوب بين أبي حنيفة ومالك، كما تقدم
في المعشرات، وهو يوجبها في مال المكلف وغير المكلف.
واختلف قوله في الحلي المباح، وإن كان المنصور عند
أصحابه: أنه لا يجب. وقوله في الاحتيال كقول مالك:
يحرم الاحتيال لسقوطها،ويوجبها مع الحيلة ، كما دلت عليه
سورة [ن] وغيرها من الدلائل.
والأئمة الأربعة وسائر الأمة ـ إلا من شذ ـ متفقون على
وجوبها في عرض التجارة، سواء كان التاجر مقيمًا أو
مسافرًا، وسواء كان متربصًا ـ وهو الذي يشتري التجارة وقت
رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر ـ أو مديرًا كالتجار
الذين في الحوانيت، سواء كانت التجارة بَزا من جديد، أو
لبيس، أو طعامًا من قوت أو فاكهة، أو أدم أو غير ذلك، أو
كانت آنية كالفخار ونحوه، أو حيوانًا من رقيق أو خيل، أو
بغال، أو حمير، أو غنم معلوفة، أو غير ذلك، فالتجارات هي
أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة، كما أن الحيوانات الماشية
هي أغلب الأموال الظاهرة.
فصل
ولابد في الزكاة من الملك.
واختلفوا في اليد، فلهم في زكاة ما ليس في اليد كالدين
ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تجب في كل دين وكل عين، وإن لم تكن تحت يد
صاحبها كالمغصوب والضال، والدين المجحود، وعلى معسر أو
مماطل، وأنه يجب تعجيل الإخراج مما يمكن قبضه، كالدين على
الموسر، وهذا أحد قولي الشافعي وهو أقواهما.
فصل
وللناس في إخراج القيم في الزكاة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجزئ بكل حال. كما قاله أبو حنيفة.
والثاني: لا يجزئ بحال، كما قاله الشافعي.
والثالث: أنه لا يجزئ إلا عند الحاجة، مثل من تجب عليه
شاة في الإبل وليست عنده، ومثل من يبيع عنبه ورطبه قبل
اليبس. وهذا هو المنصوص عن أحمد صريحًا، فإنه منع من
إخراج القيم، وجوزه في مواضع للحاجة، لكن من أصحابه من نقل
عنه جوازه. فجعلوا عنه في إخراج القيمة روايتين.
واختاروا المنع؛ لأنه المشهور عنه، كقول الشافعي. وهذا
القول أعدل الأقوال، كما ذكرنا مثله في الصلاة، فإن الأدلة
الموجبة للعين نصًا وقياسًا، كسائر أدلة الوجوب.
ومعلوم أن مصلحة وجوب العين، قد يعارضها أحيانًا في القيمة
من المصلحة الراجحة، وفي العين من المشقة المنفية شرعًا.
وسئل ـ رحمه الله ـ عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه
السنون المتوالية لا يمكنها مطالبته به لئلا يقع بينهما
فرقة، ثم إنها تتعوض عن صداقها بعقار، أو يدفع إليها
الصداق بعد مدة من السنين، فهل تجب زكاة السنين الماضية؟
أم إلى أن يحول الحول من حين قبضت الصداق؟
فأجاب:
الحمد لله، هذه المسألة فيها للعلماء أقوال:
قيل: يجب تزكية السنين الماضية، سواء كان الزوج موسرًا
أو معسرًا، كأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد نصره
طائفة من أصحابهما.
وقيل: يجب مع يساره، وتمكنها من قبضها، دون ما إذا لم
يمكن تمكينه من القبض، كالقول الآخر في مذهبهما.
وقيل: تجب لسنة واحدة، كقول مالك، وقول في مذهب أحمد.
وقيل: لا تجب بحال، كقول أبي حنيفة، وقول في مذهب
أحمد.
وأضعف الأقوال: من يوجبها للسنين الماضية، حتى مع العجز
عن قبضه، فإن هذا القـول باطل، فأما أن يجب لهم ما يأخذونه
مع أنه لم يحصل له شيء، فهذا ممتنع في الشـريعـة، ثم إذا
طـال الزمـان كانت الزكـاة أكثر من المال، ثم إذا نقص
النصاب، وقيل: إن الزكـاة تجـب في عـين النصاب، لم يعلم
الواجب إلا بحساب طويل، يمتنع إتيان الشريعة به.
وأقرب الأقوال قول من لا يوجب فيه شيئًا بحال حتى يحول
عليه الحول، أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض، فهذا القول
له وجه، وهذا وجه، وهذا قول أبي حنيفة، وهذا قول مالك،
وكلاهما قيل به في مذهب أحمد، والله أعلم.
وسئل عن رجل له جِمالٌ، ويشتري لها أيام الرعي مرعي: هل
فيها زكاة؟
فأجاب:
إذا كانت راعية أكثر العام، مثل أن يشتري لها ثلاثة أشهر
أو أربعة، فإنه يزكيها، هذا أظهر قولي العلماء.
وقال ـ رحمه الله:
إذا كانت الغنم أربعين صغارًا، أو كبارًا، وجبت فيها
الزكاة إذا حال عليها الحول، وإن كانت أقل من أربعين، فحال
الحول وهي أربعون، ففي هذا نزاع، والأحوط أداء الزكاة.
والله أعلم.
وسئل ـ رحمه الله ـ عن رجل له غَنَمٌ، ولم تبلغ النصاب:
هل تجب فيها زكاة في أثناء الحول؟
فأجاب:
هذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: أن ابتداء الحول حين صارت أربعين، كقول
الشافعي.
والثاني: أن ابتداء الحول من حين ملك الأُمهات، كقول
مالك. والله أعلم.
وسئل عن قرية بها فلاحون، وهي نصفان: أحد فلاحي النصف له
غنم تجب فيها الزكاة، والنصف الآخر ليس لفلاحيه غنمًا قدر
ما تجب فيه الزكاة، فألزم الإمام أهل القرية بزكاة الغنم
على الفلاحين، فهل تجب على من له النصاب؟ وإذا وجبت
عليه، فهل يجوز للإمام أن يأخذ ممن ليس له نصاب؟
فأجاب:
إن كان المطلوب هو مقدار ما فرضه الله على من تجب عليه
الزكاة اختصوا بأدائه، وإن كان المطلوب فوق الواجب على
سبيل الظلم اشترك فيه الجميع، بحسب أموالهم. والله
أعلم.
باب زكاة الخارج من الأرض
سئل ـ رحمه الله ـ عما يجب من عشر الحبوب ومقداره، وهل هو
على المالك، أو الفلاح، أم عليهما؟
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، النصاب خمسة أوسق، والوسق ستون
صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وصاع النبي صلى الله
عليه وسلم قَدَّره الأئمة لما بنيت بغداد بخمسة أرطال وثلث
بالرطل العراقي إذ ذاك، فيكون ألفًا وستمائة رطل
بالعراقي. وكان الرطل العراقي إذ ذاك تسعين مثقالاً ـ
مائة وثمانية وعشرين درهمًا، وأربعة أسباع درهم.
ولكن زيد فيه بعد ذلك حتى صار مائة وثلاثين، ثم زيد فيه
حتى صارمائة وأربعة وأربعين، فظن بعض متأخري الفقهاء أن
هذا أو هذا هو الرطل الذي قَدَّره به الأئمة غلطًا منهم.
وإذا كان كذلك، فمقداره بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة
درهم ثلاثمائة رطل، واثنان وأربعون رطل، وستة أسباع رطل.
وستة أسباع الرطل: هو أربعمائة درهم وثمانية وعشرون،
وأربعة أسباع، وهو ثلثا رطل، وأربعة أسباع أوقية.
ومن ظن من الفقهاء المتأخرين أن الرطل البغدادي: مائة
وثلاثون درهمًا، زاد في كل رطل بغدادي مثقالاً، وهو درهم
وثلاثة أسباع درهم، فيزيد ألفين وخمسة أسباع درهم، فيصير
النصاب على قوله: ثلاثمائة وستة وأربعين رطلاً،
وثلاثمائة درهم، وأربعة عشر وسبعي درهم وهو نصف رطل، وسبعا
أوقية.
والعشر على من يملك الزرع، فإذا زارع الفلاح، ففي صحة
المزارعة قولان للعلماء.
فمن اعتقد جواز المزارعة أخذ نصيبه، وأعطي الفلاح نصيبه،
وعلى كل منهما زكاة نصيبه، ومن لم يصحح المزارعة جعل الزرع
كله لصاحب الحَبِ، فإذا كان هو الفلاح استحق الزرع كله،
ولم يكن للمالك إلا أجرة الأرض، والزكاة حينئذ على
الفلاح.
ولم يقل أحد من المسلمين: إن المقاسمة جائزة، والعشر كله
على الفلاح، بل من قال: العشر على الفلاح، قال: ليس
للمالك في الزرع شيء، ولا المقطع، ولا غيرهما، فمن ظن أن
العشر على الفلاح مع جواز المقاسمة؛ فقد خالف إجماع
المسلمين.
والعمل في بلاد الشام عند المسلمين على جواز المزارعة، كما
مضت بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه
الراشدين، وسواء كان البذر من المالك، أو من العامل، فإن
النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها
من ثمر وزرع، على أن يعمروها من أموالهم، فكان البذر من
عندهم، وهذا هو الذي اتفق عليه الصحابة، وعليه عمل
المسلمين في عامة بلاد الإسلام في زمن نبيهم، وإلى
اليوم.
فمن كان يعامل بالمزارعة؛ كان عليه زكاة نصيبهم، ومن كان
يتقلد قول من يبطل هذه المزارعة، ويري أنه لا يستحق من
الزرع شيئًا، وأنه ليس له عند الفلاح إلا الأجرة، وأنه إذا
أخذ المقاسمة بغير اختيار الفلاح كان ظالمًا، آكلاً
للحرام، فعليه أن يعطي الزرع للفلاح، ويعرفه أنه لا يستحق
عليه إلا أجرة المثل، فإن طابت نفس الفلاح بعد هذا بأن
يقاسمه ويؤدي الزكاة؛ كان الفلاح حينئذ متفضلاً عليه بطيب
نفسه. ومن المعلوم أن الفلاحين لو علموا هذا لما طابت
بذلك نفس أكثرهم، فهذا حقيقة هذه المسألة على قول
الطائفتين. والله أعلم.
وقال ـ رحمه الله:
فصل
وأما [العشر]، فهو عند جمهور العلماء، كمالك،
والشافعي، وأحمد، وغيرهم على من نبت الزرع على ملكه، كما
قال الله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة:267]،
فالأول يتضمن زكاة التجارة، والثاني يتضمن زكاة ما أخرج
الله لنا من الأرض.
فمن أخرج الله له الحَبَّ فعليه العشر، فإذا استأجر أرضًا
ليزرعها، فالعشر على المستأجر عند هؤلاء العلماء كلهم،
وكذلك عند أبي يوسف ومحمد. وأبو حنيفة يقول: العشر على
المؤجر.
وإذا زارع أرضًا على النصف، فما حصل للمالك فعليه عشره،
وما حصل للعامل فعليه عشره، على كل واحد منهما عشر ما
أخرجه الله له.
ومن أعير أرضًا، أو أقطعها، أو كانت موقوفة على عينه،
فازدرع فيها زرعًا، فعليه عشره، وإن آجرها، فالعشر على
المستأجر، وإن زارعها، فالعشر بينهما.
وأصل هؤلاء الأئمة: أن العشر حق الزرع؛ ولهذا كان عندهم
يجتمع العشر والخراج؛ لأن العشر حق الزرع، ومستحقه أهل
الزكاة، والخراج حق الزرع ومستحقه أهل الفيء، فهما حقان
لمستحقين بسببين مختلفين، فاجتمعا، كما لو قتل مسلمًا خطأ
فعليه الدية لأهله، والكفارة حق الله وكما لو قتل صيدًا
مملوكًا، وهو محرم فعليه البدل لمالكه، وعليه الجزاء
حقًاالله.
وأبو حنيفة يقول: العشر حق الأرض، فلا يجتمع عليها حقان،
ومما احتج به الجمهور: أن الخراج يجب في الأرض التي يمكن
أن تزرع سواء زرعت أو لم تزرع، وأما العشر فلا يجب إلا في
الزرع. والحديث المرفوع: (لا يجتمع العشر والخراج)
كذب باتفاق أهل الحديث.
وسئل عمن كانت له أشجار أعناب لا يصير زبيبًا ولا يتركه
صاحبه إلى الجُذاذ، كيف يخرج عشره رطبًا أو يابسًا؟ وإن
أخرج يابسًا أخرج من غير ثمر بستانه؟
فأجاب:
أما العنب الذي لا يصير زبيبًا، فإذا أخرج عنه زبيبًا بقدر
عشره لو كان يصير زبيبًا جاز ـ وهو أفضل ـ وأجزأه ذلك بلا
ريب، ولا يتعين على صاحب المال الإخراج من عين المال، لا
في هذه الصورة ولا غيرها، بل من كان معه ذهب أو فضة أو عرض
تجارة، أو له حَبٌّ أو ثمر يجب فيه العشر، أو ماشية تجب
فيها الزكاة، وأخرج مقدار الواجب المنصوص من غير ذلك المال
أجزأه، فكيف في هذه الصورة؟! وإن أخرج العشر عنبًا
ففيه قولان في مذهب أحمد:
أحدهما: وهو المنصوص عنه: أنه لا يجزئه.
والثاني: يجزئه، وهو قول القاضي أبي يعلى، وهذا قول أكثر
العلماء، وهو أظهر.
وأما العنب الذي يصير زبيبًا لكنه قطعه قبل أن يصير
زبيبًا، فهنا يخرج زبيبًا بلا ريب، فإن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يبعث سعاته فَيَخْرُصُون النَّخْل والكَرْم،
ويطالب أهله بمقدار الزكاة يابسًاـ وإن كان أهل الثمار
يأكلون كثيرًا منها رطبًا- ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم
الخَارِصِينَ أن يَدَعُوا لأهل الأموال الثلث، أو الربع،
لا يؤخذ منه عشر، ويقول: (إذا خَرَصْتُم فدعوا الثلثَ،
فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) وفي رواية: (فإن في
المال العَرِيَّة، والوَطِيَّة والسَابِلَة) يعني: أن
صاحب المال يتبرع بما يعريه من النخل لمن يأكله وعليه ضيف
يطؤون حديقته يطعمهم، ويطعم السَابِلَةَ وهم أبناء السبيل،
وهذا الإسقاط مذهب الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث.
وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء، وكذلك في الأولى.
وأما الثانية، فما علمت فيها نزاعًا، فإن حق أهل السهمان
لا يسقط باختيار قطعه رطبًا، إذا كان ييبس. نعم لو باع
عنبه أو رُطَبَة بعد بدو صلاحه، فقد نص أحمد في هذه الصورة
على أنه يجزئه إخراج عُشْر الثمن، ولا يحتاج إلى إخراج عنب
أو زبيب، فإن في إخراج القيمة نزاعًا في مذهبه، ونصوصه
الكثيرة تدل على أنه يجوز ذلك للحاجة، ولا يجوز بدون
الحاجة، والمشهور عند كثير من أصحابه: لا يجوز مطلقًا،
وخرجت عنه رواية بالجواز مطلقًا، ونصوصه الصريحة إنما هي
بالفرق.
ومثل هذا كثير في مذهبه، ومذهب الشافعي، وغيرهما من الأئمة
قد ينص على مسألتين متشابهتين بجوابين مختلفين، ويخرج بعض
أصحابه جواب كل واحدة إلى الأخرى، ويكون الصحيح إقرار
نصوصه بالفرق بين المسألتين. كما قد نص على أن الوصية
للقاتل تجوز بعد الجرح، ونص على أن المُدْبر إذا قتل سيده
بطل التدبير، فمن أصحابه من خرج في المسألتين روايتين.
ومنهم من قال: بل إذا قتل بعد الوصية بطلت الوصية، كما
يمنع قتل الوارث لمورثه أن يرثه، وأما إذا أوصي له بعد
الجرح فهنا الوصية صحيحة، فإنه رضي بها بعد جرحه. ونظائر
هذا كثيرة.
وسئل عن مقطع له فلاح، والزرع بينهما مناصفة، فهل عليه
عشر؟
فأجاب:
ما نبت على ملك الإنسان فعليه عشره، فالأرض المقطعة إذا
كانت المقاسمة نصفين، فعلى الفلاح تعشير نصفه، وعلى المقطع
تعشير نصفه، هذا على القول الصحيح الذي عليه عمل المسلمين
قديمًا وحديثًا. وهو قول من قال: إن المزارعة صحيحة،
سواء كان البذر من المالك، أو من العامل.
وأما من قال: إن المزارعة باطلة، فعنده لا يستحق المقطع
إلا أجرة المثل، والزرع كله لرب البذر العامل، وحينئذ
فالعشر كله على العامل، فإن أراد المقطع أن يأخذ نصف المغل
مقاسمة، ويجعل العشر كله على صاحب النصف الآخر؛ لم يكن له
هذا باتفاق العلماء والله أعلم.
وسئل عن إنسان له إقطاع من السلطان، فهل الحاصل الذي يحصل
له من ذلك الإقطاع تجب فيه الزكاة أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله، نعم ما يثبت على ملكه فعليه عشره، سواء كان
مقطعًا، أو مستأجرًا، أو مالكًا، أو مستعيرًا، والله
أْعلم.
وسئل عن نصيب العامل في المزْرَعَة: هل فيه زكاة؟
فأجاب:
أما الزكاة في المساقاة والمزارعة، فهذا مبني على أصل، وهو
أن المزارعة والمساقاة هل هي جائزة أم لا؟ على قولين
مشهورين:
أحدهما: قول من قال: إنها لا تجوز، واعتقدوا أنها نوع
من الإجارة بعوض مجهول، ثم من هؤلاء من أبطلها مطلقًا ـ
كأبي حنيفة ـ ومنهم من استثني ما تدعو إليه الحاجة، فيجوز
المساقاة للحاجة؛ لأن الشجر لا يمكن إجازته، بخلاف الأرض،
وجوزوا المزارعة على الأرض التي فيها شجر تبعًا للمساقاة،
إما مطلقًا كقول الشافعي، وإما إذا كان البياض قدر الثلث
فما دونه، كقول مالك. ثم منهم من جوز المساقاة مطلقًا،
كقول مالك، والشافعي في القديم، وفي الجديد: قصر الجواز
على النخل، والعنب.
والقول الثاني: قول من يجوز المساقاة والمزارعة،
ويقول: إن هذه مشاركة، وهي جنس غير جنس الإجارة التي
يشترط فيها قدر النفع والأجرة، فإن العمل في هذه العقود
ليس بمقصود، بل المقصود هو الثمر الذي يشتركان فيه، ولكن
هذا شارك بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه، وهكذا المضاربة.
فعلى هذا، فإذا افترق أصحاب هذه العقود؛ وجب للعامل قسط
مثله من الربح، إما ثلث الربح، وإما نصفه، ولم تجب أجرة
المثل للعامل، وهذا القول هو الصواب المقطوع به، وعليه
إجماع الصحابة.
والقول بجواز المساقاة والمزارعة، قول جمهور السلف من
الصحابة والتابعين وغيرهم. وهو مذهب الليث بن سعد، وابن
أبي ليلي، وأبي يوسف، ومحمد، وفقهاء الحديث ـ كأحمد بن
حنبل، وإسحاق بن راهوية، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي
بكر بن المنذر، والخطابي وغيرهم.
والصواب: أن المزارعة أَحَلُّ من الإجارة بثمن مسمى؛
لأنها أقرب إلى العدل، وأبعد عن الخطر؛ فإن الذي نهى عنه
النبي صلى الله عليه وسلم من العقود، منه ما يدخل في جنس
الربا المحرم في القرآن، ومنه ما يدخل في جنس الميسر الذي
هو القمار، وبيع الغرر هو من نوع القمار والميسر، فالأجرة
والثمن إذا كانت غررا مثل ما لم يوصف ولم ير ولم يعلم
جنسه؛ كان ذلك غَرَرًا وقمارًا.
ومعلوم أن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالأرض بحصول الزرع
له، فإذا أعطي الأجرة المسماة؛ كان المؤجر قد حصل له
مقصوده بيقين. وأما المستأجر فلا يدري هل يحصل له الزرع
أم لا؟
بخلاف المزارعة، فإنهما يشتركان في المغنم وفي الحرمان ـ
كما في المضاربة ـ فإن حصل شيء اشتركا فيه، وإن لم يحصل
شيء اشتركا في الحرمان، وكان ذهاب نفع مال هذا في مقابلة
ذهاب نفع بدن هذا.
ولهذا لم يجز أن يشترط لأحدهما شيء مقدر من النماء، لا في
المضاربة، ولا في المساقاة، ولا في المزارعة؛ لأن ذلك
مخالف للعدل، إذ قد يحصل لأحدهما شيء، والآخر لا يحصل له
شيء، وهذا هو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم
في الأحاديث التي روي فيها: أنه نهى عن المخابرة، أو عن
كراء الأرض، أو عن المزارعة، كحديث رافع بن خديج وغيره،
فإن ذلك قد جاء مفسرا بأنهم كانوا يعملون عليها بزرع بقعة
معينة من الأرض للمالك؛ ولهذا قال الليث بن سعد: إن الذي
نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك أمرا إذا نظر
فيه ذو علم بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز.
فأما المزارعة، فجائزة بلا ريب سواء كان البذر من المالك
أو العامل أو منهما، وسواء كان بلفظ الإجارة أو المزارعة
أو غير ذلك. هذا أصح الأقوال في هذه المسألة.
وكذلك كل ما كان من هذا الجنس، مثل أن يدفع دابته، أو
سفينته إلى من يكتسب عليها، والربح بينهما، أو من يدفع
ماشيته أو نخله لمن يقوم عليها، والصوف، واللبن، والولد،
والعسل بينهما.
فإذا عرف هذان القولان في المزارعة، فمن قال من العلماء:
إن المزارعة باطلة، قال: الزرع كله لرب الأرض، إذا كان
البذر منه، أو للعامل إذا كان البذر منه. ومن قال: له
الزرع؛ كان عليه العشر، وأما من قال: إن رب الأرض يستحق
جزءًا مشاعًا من الزرع، فإن عليه عشره باتفاق الأئمة، ولم
يقل أحد من المسلمين: إن رب الأرض يقاسم العامل، ويكون
العشر كله على العامل، فمن قال هذا، فقد خالف إجماع
المسلمين.
وسئل ـ رحمه الله ـ عن لبس الفضة للرجال من الكلاليب،
وخاتم، وحياصة، وحلية على السيف، وسائر لبس الفضة: هل هي
محرمة ولا تجوز الصلاة فيها؟
فأجاب:
الحمد لله، أما خاتم الفضة فيباح باتفاق الأئمة، فإنه قد
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اتخذ خاتما من فضة،
وأن أصحابه اتخذوا خواتيم.
بخلاف خاتم الذهب، فإنها حرام باتفاق الأئمة الأربعة، فإنه
قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك.
والسيف يباح تحليته بيسير الفضة، فإن سيف النبي صلى الله
عليه وسلم كان فيه فضة، وكذلك يسير الذهب على الصحيح.
وأما الحياصة إذا كان فيها فضة يسيرة، فإنها تباح على أصح
القولين. وأما الكلاليب التي تمسك بها العمامة، وتحتاج
إليها، إذا كانت بزنة الخواتيم كالمثقال ونحوه، فهي أولى
بالإباحة من الخاتم؛ فإن الخاتم يتخذ للزينة، وهذا للحاجة،
وهذه متصلة باليسير ليست مفردة كالخاتم، ويسير الفضة
التابع لغيره إذا كان يحتاج إلى جنسه كشعيرة السكين وحلقة
الإناء، تباح في الآنية، وإن كره مباشرته بالاستعمال.
وباب اللباس أوسع من باب الآنية، فإن آنية الذهب والفضة
تحرم على الرجال والنساء. وأما باب اللباس، فإن لباس
الذهب والفضة يباح للنساء بالاتفاق، ويباح للرجل ما يحتاج
إليه من ذلك، ويباح يسير الفضة للزينة، وكذلك يسير الذهب
التابع لغيره، كالطرز ونحوه في أصح القولين، في مذهب أحمد
وغيره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهب إلا
مقطعًا.
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح يسير الفضة
للزينة مفردًا، أو مضافًا إلى غيره ـ كحلية السيف وغيره ـ
فكيف يحرم يسير الفضة للحاجة؟!
وهذا كله لو كان عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ عام
بتحريم لبس الفضة، كما جاء عنه لفظ عام بتحريم لبس الذهب
والحرير على الرجال حيث قال: (هذان حرامٌ على ذكور
أمتي، حِلٌ لإناثها)، وكما جاء عنه لفظ عام في تحريم
آنية الذهب والفضة.
فلما كانت ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم عامة في آنية
الذهب والفضة، وفي لباس الذهب والحرير؛ استثني من ذلك ما
خصته الأدلة الشرعية، كيسير الحرير، ويسير الفضة في الآنية
للحاجة ونحو ذلك.
فأما لبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام بالتحريم؛ لم يكن
لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه،
فإذا جاءت السنة باباحة خاتم الفضة؛ كان هذا دليلاً على
إباحة ذلك، وما هو في معناه، وما هو أولى منه بالإباحة،
وما لم يكن كذلك فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه والله ـ
سبحانه وتعالى ـ أعلم.
وسئل عن جندي قال للصانع:اعمل لي حياصة من ذهب أو
فضة،واكتب عليها: بسم الله الرحمن الرحيم، فهل يجوز
ذلك؟ ثم لابد من إعادتها إلى النار لتمام عملها، وهل
يجوز لأحد أن يلبس حياصة ذهب أو فضة؟.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، أما حياصة الذهب فمحرمة، فإن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (الذَّهَبُ والحرير هذان
حرامٌ على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثها)
وأمـا حياصة الفضـة، ففيها نزاع بـين العلماء، وقـد
أبـاحها الشافعي وأحمـد في إحدي الروايتين.
وأما كتابة القرآن عليها، فيشبه كتابة القرآن على الدرهم
والدينار، ولكن يمتاز هذا بأنها تعاد إلى النار بعد
الكتابة، وهذا كله مكروه، فإنه يفضي إلى ابتذال القرآن
وامتهانه، ووقوعه في المواضع التي ينزه القرآن عنها، فإن
الحياصة والدرهم والدينار ونحو ذلك، هو في معرض الابتذال،
والامتهان.
وإن كان من العلماء من رخََّصَ في حمل الدراهم المكتوب
عليها القرآن، فذلك للحاجة، ولم يرخص في كتابة القرآن
عليها. والله أعلم.
باب صدقة الفطر
سئل ـ رحمه الله ـ عن زكاة الفطر: هل تخرج تمرًا أو
زبيبا أو بُرًا أو شعيرًا أو دقيقا؟ وهل يعطي للأقارب
ممن لا تجب نفقته؟ أو يجوز إعطاء القيمة؟
فأجاب:
الحمد لله، أما إذا كان أهل البلد يقتاتون أحد هذه الأصناف
جاز الإخراج من قوتهم بلا ريب، وهل لهم أن يخرجوا ما
يقتاتون من غيرها؟ مثل أن يكونوا يقتاتون الأرز،
والدَّخن، فهل عليهم أن يخرجوا حنطة، أو شعيرًا، أو يجزئهم
الأرز، والدخن والذرة؟ فيه نزاع مشهور، وهما روايتان عن
أحمد:
إحداهما: لا يخرج إلا المنصوص.
والأخري: يخرج ما يقتاته، وإن لم يكن من هذه الأصناف،
وهو قول أكثر العلماء ـ كالشافعي وغيره ـ وهو أصح الأقوال؛
فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المساواة للفقراء،
كما قال تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89].
والنبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر،
أو صاعًا من شعير؛ لأن هذا كان قوت أهل المدينة، ولو كان
هذا ليس قوتهم بل يقتاتون غيره؛ لم يكلفهم أن يخرجوا مما
لا يقتاتونه، كما لم يأمر الله بذلك في الكفارات، وصدقة
الفطر من جنس الكفارات، هذه معلقة بالبدن، وهذه معلقة
بالبدن، بخلاف صدقة المال، فإنها تجب بسبب المال من جنس ما
أعطاه الله.
وأما الدقيق، فيجوز إخراجه في مذهب أبي حنيفة وأحمد دون
الشافعي، ويخرجه بالوزن، فإن الدقيق يرىع إذا طحن.
والقريب الذي يستحقها إذا كانت حاجته مثل حاجة الأجنبي،
فهو أحق بها منه، فإن صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي
الرحم صدقة وصلة. والله أعلم.
وسئل ـ رحمه الله ـ عمن عليه زكاة الفطر، ويعلم أنها صاع
ويزيد عليه، ويقول: هو نافلة، هل يكره؟
فأجاب:
الحمد لله، نعم يجوز بلا كراهية عند أكثر العلماء،
كالشافعي وأحمد وغيرهما. وإنما تنقل كراهيته عن مالك.
وأما النقص عن الواجب فلا يجوز باتفاق العلماء، لكن هل
الواجب صاع أو نصف صاع أو أكثر؟ فيه قولان. والله
أعلم.
وسئل شيخ الإسلام عن صدقة الفطر: هل يجب استيعاب الأصناف
الثمانية في صرفها؟ أم يجزئ صرفها إلى شخص واحد؟ وما
أقوال العلماء في ذلك؟
فأجاب:
الحمد لله، الكلام في هذا الباب في أصلين:
أحدهما: في زكاة المال كزكاة الماشية والنقد، وعروض
التجارة والمعشرات، فهذه فيها قولان للعلماء:
أحدهما: أنه يجب على كل مُزُكٍ أن يستوعب بزكاته جميع
الأصناف المقدور عليها، وأن يعطي من كل صنف ثلاثة، وهذا هو
المعروف من مذهب الشافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد.
الثاني: بل الواجب ألا يخرج بها عن الأصناف الثمانية،
ولا يعطي أحدًا فوق كفايته، ولا يحابي أحدًا بحيث يعطي
واحدًا ويدع من هو أحق منه أو مثله مع إمكان العدل. وعند
هؤلاء إذا دفع زكاة ماله جميعها لواحد من صنف، وهو يستحق
ذلك، مثل أن يكون غارمًا عليه ألف درهم لا يجد لها وفاء،
فيعطيه زكاته كلها، وهي ألف درهم أجزأه. وهذا قول جمهور
أهل العلم كأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وهو المأثور
عن الصحابة كحذيفة ابن اليمان، وعبد الله بن عباس، ويذكر
ذلك عن عمر نفسه.
وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
لِقَبِيصَة بن مُخِارق الهِلالي: (أقم يا قبيصة حتى
تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها). وفي سنن أبي داود
وغيرها أنه قال لسلمة بن صَخْر البياضي: (اذهب إلى
عامل بني زُرَيق، فليدفع صدقتهم إليك). ففي هذين
الحديثين أنه دفع صدقة قوم لشخص واحد، لكن الآمر هو
الإمام، وفي مثل هذا تنازع، وفي المسألة بحث من الطرفين لا
تحتمله هذه الفتوي.
فإن المقصود هو الأصل الثاني، وهو صدقة الفطر، فإن هذه
الصدقة هل تجري مجري صدقة الأموال أو صدقة الأبدان
كالكفارات؟ على قولين. فمن قال بالأول، وكان من قوله
وجوب الاستيعاب، أوجب الاستيعاب فيها.
وعلى هذين الأصلين ينبني ما ذكره السائل من مذهب الشافعي ـ
رضي الله عنه ـ ومن كان من مذهبه أنه لا يجب الاستيعاب
كقول جمهور العلماء، فإنهم يجوزون دفع صدقة الفطر إلى
واحد، كما عليه المسلمون قديمًا وحديثًا.
ومن قال بالثاني: إن صدقة الفطر تجري مجري كفارة اليمين،
والظهار، والقتل، والجماع في رمضان، ومجري كفارة الحج، فإن
سببها هو البدن ليس هو المال، كما في السنن عن النبي صلى
الله عليه وسلم، أنه فرض صدقة الفطر طُهْرة للصائم من
اللغو والرَّفَثِ وَطُعْمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة
فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من
الصدقات. وفي حديث آخر أنه قال: (أغنوهم في هذا
اليوم عن المسألة).
ولهذا أوجبها الله طعامًا، كما أوجب الكفارة طعامًا، وعلى
هذا القول فلا يجزئ إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم
الآخذون لحاجة أنفسهم، فلا يعطي منها في المؤلفة، ولا
الرقاب، ولا غير ذلك، وهذا القول أقوي في الدليل.
وأضعف الأقوال قول من يقول: إنه يجب على كل مسلم أن يدفع
صدقة فطره إلى اثني عشر، أو ثمانية عشر، أو إلى أربعة
وعشرين، أو اثنين وثلاثين، أو ثمانية وعشرين، ونحو ذلك،
فإن هذا خلاف ما كان عليه المسلمون على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وصحابته أجمعين، لم
يعمل بهذا مسلم على عهدهم، بل كان المسلم يدفع صدقة فطره
وصدقة فطر عياله إلى المسلم الواحد.
ولو رأوا من يقسم الصاع على بضعة عشر نفسا، يعطي كل واحد
حفنة لأنكروا ذلك غاية الإنكار، وعدوه من البدع المستنكرة،
والأفعال المستقبحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدر
المأمور به صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير. ومن البر
إما نصف صاع، وإما صاعًا على قدر الكفاية التامة للواحد من
المساكين، وجعلها طُعْمة لهم يوم العيد يستغنون بها، فإذا
أخذ المسكين حفنة لم ينتفع بها، ولم تقع موقعا.
وكذلك من عليه دَيْنٌ، وهو ابن سبيل إذا أخذ حفنة من حنطة
لم ينتفع بها من مقصودها ما يعد مقصودًا للعقلاء، وإن جاز
أن يكون ذلك مقصودًا في بعض الأوقات، كما لو فرض عدد
مضطرون وإن قسم بينهم الصاع عاشوا، وإن خص به بعضهم مات
الباقون، فهنا ينبغي تفريقه بين جماعة، لكن هذا يقتضي أن
يكون التفريق هو المصلحة، والشريعة منزهة عن هذه الأفعال
المنكرة التي لا يرضاها العقلاء، ولم يفعلها أحد من سلف
الأمة وأئمتها.
ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (طُعْمة للمساكين)
نص في أن ذلك حق للمساكين. وقوله تعالى في آية الظهار:
{فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة:
4]، فإذا لم يجز أن تصرف تلك للأصناف الثمانية، فكذلك
هذه؛ ولهذا يعتبر في المخرج من المال أن يكون من جنس
النصاب، والواجب ما يبقي ويُسْتَنْمي؛ ولهذا كان الواجب
فيها الإناث دون الذكور، إلا في التبيع، وابن لبون؛ لأن
المقصود الدَّر والنسل، وإنما هو للإناث. وفي الضحايا
والهدايا لما كان المقصود الأكل كان الذكر أفضل من الأنثي،
وكانت الهدايا والضحايا إذا تصدق بها أو ببعضها فإنما هو
للمساكين أهل الحاجة دون استيعاب المصارف الثمانية وصدقة
الفطر وجبت طعامًا للأكل لا للاستنماء، فعلم أنها من جنس
الكفارات.
وإذا قيل: إن قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60]، نص
في استيعاب الصدقة. قيل: هذا خطأ لوجوه:
أحدها: أن اللام في هذه إنما هي لتعريف الصدقة المعهودة
التي تقدم ذكرها في قوله: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ
فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ}
[التوبة: 58]، وهذه إذًا صدقات الأموال دون صدقات
الأبدان باتفاق المسلمين؛ ولهذا قال في آية الفدية:
{فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}
[البقرة: 196]، لم تكن هذه الصدقة داخلة في آية
براءة، واتفق الأئمة على أن فدية الأذي لا يجب صرفها في
جميع الأصناف الثمانية، وكذلك صدقة التطوع لم تدخل في
الآية بإجماع المسلمين، وكذلك سائر المعروف فإنه قد ثبت في
الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(كل معروف صدقة). لا يختص بها الأصناف الثمانية
باتفاق المسلمين.
وهذا جواب من يمنع دخول هذه الصدقة في الآية، وهي تعم جميع
الفقراء، والمساكين والغارمين في مشارق الأرض ومغاربها،
ولم يقل مسلم: إنه يجب استيعاب جميع هؤلاء، بل غاية ما
قيل: إنه يجب إعطاء ثلاثة من كل صنف، وهذا تخصيص اللفظ
العام من كل صنف، ثم فيه تعيين فقير دون فقير.
وأيضا لم يوجب أحد التسوية في آحاد كل صنف، فالقول عند
الجمهور في الأصناف عموما وتسوية، كالقول في آحاد كل صنف
عموما وتسوية.
الوجه الثاني: أن قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ}
[التوبة:60] للحصر، وإنما يثبت المذكور ويبقي ما
عداه، والمعني: ليست الصدقة لغير هؤلاء بل لهؤلاء،
فالمثبت من جنس المنفي، ومعلوم أنه لم يقصد تبيين الملك،
بل قصد تبيين الحل، أي: لا تحل الصدقة لغير هؤلاء، فيكون
المعني: بل تحل لهم، وذلك أنه ذكر في معرض الذم لمن سأله
من الصدقات وهو لا يستحقها، والمذموم يذم على طلب ما لا
يحل له، لا على طلب ما يحل له، وإن كان لا يملكه، إذ لو
كان كذلك؛ لذم هؤلاء وغيرهم إذا سألوها من الإمام قبل
إعطائها، ولو كان الذم عامًا؛ لم يكن في الحصر ذم لهؤلاء
دون غيرهم، وسياق الآية يقتضي ذمهم، والذم الذي اختصوا به
سؤال ما لا يحل، فيكون ذلك نفي، ويكون المثبت هذا يحل،
وليس من الإحلال للأصناف وآحادهم وجود الاستيعاب
والتسوية. كاللام في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي
خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}
[البقرة:29]، وقوله: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}
[الجاثية: 13]، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أنت
ومالك لأبيك) وأمثال ذلك مما جاءت به اللام للإباحة.
فقول القائل:إنه قسمها بينهم بواو التشريك، ولام
التمليك، ممنوع لما ذكرناه.
الوجه الثالث: أن الله لما قال في الفرائض:
{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ
حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11]، وقال:
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} إلى
قوله: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}
[النساء: 12]، وقال: {وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً
رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 176]، لما كانت اللام
للتمليك وجب استيعاب الأصناف المذكورين، وإفراد كل صنف
والتسوية بينهم، فإذا كان لرجل أربع زوجات، وأربعة بنين أو
بنات، أو أخوات، أو إخوة؛ وجب العموم والتسوية في الإفراد؛
لأن كلاً منهم استحق بالنسب، وهم مستوون فيه. وهناك لم
يكن الأمر فيه كذلك، ولم يجب فيه ذلك.
ولا يقال: إفراد الصنف لا يمكن استيعابه؛ لأنه يقال:
بل يجب أن يقال في الإفراد ما قيل في الأصناف، فإذا قيل:
يجب استيعابها بحسب الإمكان، ويسقط المعْجُوز عنه، قيل:
في الإفراد كذلك. وليس الأمر كذلك، لكن يجب تحري العدل
بحسب الإمكان، كما ذكرناه، والله أعلم.
باب إخراج الزكاة
سُــئل شيخ الإسلام عن تاجر: هل يجوز أن يخرج من زكاته
الواجبة عليه صنفًا يحتاج إليه؟ وهل إذا مات إنسان وعليه
ديْنٌ له، فهل يجوز أن يعطي أحدًا من أقارب الميت ـ إن كان
مستحقًا للزكاة ـ ثم يستوفيه منه؟ وهل إذا أخرج زكاته
على أهل بلد آخر مسافة القصر، هل يجزئه أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله، إذا أعطاه دراهم أجزأ بلا ريب.
وأما إذا أعطاه القيمة، ففيه نزاع: هل يجوز مطلقًا أو لا
يجوز مطلقًا؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة أو المصلحة
الراجحة؟ على ثلاثة أقوال ـ في مذهب أحمد وغيره. وهذا
القول أعدل الأقوال.
فإن كان آخذ الزكاة يرىد أن يشتري بها كسوة، فاشتري رب
المال له بها كسوة وأعطاه، فقد أحسن إليه، وأما إذا قَوَّم
هو الثياب التي عنده وأعطاها، فقد يقومها بأكثر من السعر،
وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها، بل يبيعها فيغرم أجرة
المنادي، وربما خسرت، فيكون في ذلك ضرر على الفقراء.
والأصناف التي يُتَّجَر فيها يجوز أن يخرج عنها جميعًا
دراهم بالقيمة، فإن لم يكن عنده دراهم فأعطي ثمنها
بالقيمة، فالأظهر أنه يجوز؛ لأنه واسي الفقراء، فأعطاهم من
جنس ماله.
وأما الدَّيْنُ الذي على الميت، فيجوز أن يوفي من الزكاة
في أحد قولي العلماء، وهو إحدي الروايتين عـن أحمد؛ لأن
الله ـ تعالى ـ قـال: {وَالْغَارِمِينَ}
[التوبة:60]، ولم يقـل: وللغارمين. فالغارم لا
يشترط تمليكه.
وعلى هذا يجوز الوفاء عنه، وأن يملك لوارثه ولغيره، ولكن
الذي عليه الدَّيْن لا يعطي ليستوفي دينه.
وسئل ـ رحمه الله ـ عن زكاة العشر وغيره يأخذها السلطان،
يصرفها حيث شاء، ولا يعطيها للفقراء والمساكين: هل يسقط
الفرض بذلك أم لا؟
فأجاب:
أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر وزكاة الماشية
والتجارة وغير ذلك، فإنه يسقط ذلك عن صاحبه، إذا كان
الإمام عادلاً يصرفه في مصارفه الشرعية، باتفاق العلماء،
فإن كان ظالما لا يصرفه في مصارفه الشرعية، فينبغي لصاحبه
ألا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقيها، فإن
أكره على دفعها إلى الظالم، بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل
له ضرر، فإنها تجزئة في هذه الصورة عند أكثر العلماء.
وهم في هذه الحال ظلموا مستحقيها، كولي اليتيم، وناظر
الوقف، إذا قبضوا ماله وصرفوه في غير مصارفه.
وسئل ـ رحمه الله ـ عمن أخرج القيمة في الزكاة،فإنه كثيرا
ما يكون أنفع للفقير: هل هو جائز أم لا؟.
فأجاب:
وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف
من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز،
وأحمد ـ رحمه الله ـ قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في
مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على
روايتين.
والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة
راجحة، ممنوع منه؛ ولهذا قَدَّر النبي صلى الله عليه وسلم
الجبران بشاتين، أو عشرين درهمًا، ولم يعدل إلى القيمة؛
ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقًا، فقد يعدل المالك إلى
أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر؛ ولأن الزكاة مبناها
على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج
القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل، فلا بأس به، مثل أن
يبيع ثمر بستانه، أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم
يجزيه، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا، أو حنطة، إذ كان قد ساوي
الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك.
ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه
شاة، فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف السفر إلى مدينة
أخري ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه
إعطاء القيمة؛ لكونها أنفع، فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي
أن أخذها أنفع للفقراء، كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان
يقول لأهل اليمن: ائتوني بخميص، أو لبيس أسهل عليكم،
وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار.
وهذا قد قيل: إنه قاله في الزكاة، وقيل: في الجزية.
وسئل ـ رحمه الله ـ عن إسقاط الدين عن المعسر:هل يجوز أن
يحسبه من الزكاة؟
فأجاب:
وأما إسقاط الدَّيْن عن المعسر، فلا يجزئ عن زكاة العين
بلا نزاع، لكن إذا كان له دين على من يستحق الزكاة، فهل
يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدين، ويكون ذلك زكاة
الدين؟ فهذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره.
أظهرهما الجواز؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة، وهنا قد
أخرج من جنس ما يملك، بخلاف ما إذا كان ماله عينًا، وأخرج
دينًا، فإن الذي أخرجه دون الذي يملكه، فكان بمنزلة إخراج
الخبيث عن الطيب، وهذا لا يجوز. كما قال تعالى:
{وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}
الآية [البقرة: 267].
ولهذا كان على المزكي أن يخرج من جنس ماله، لا يخرج أدني
منه، فإذا كان له ثمر وحنطة جيدة لم يخرج عنها ما هو
دونها.
وسئل ـ رحمه الله ـ عمن له زكاة، وله أقارب في بلد تقصر
إليه الصلاة، وهم مستحقون الصدقة، فهل يجوز أن يدفعها
إليهم أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله، إذا كانوا محتاجين مستحقين للزكاة، ولم تحصل
لهم كفايتهم من جهة غيره، فإنه يعطيهم من الزكاة، ولو
كانوا في بلد بعيد. والله أعلم.
وسئل شيخ الإسلام عن المسكين يحتاج إلى الزكاة من الزرع،
فهل إعطاؤه يسقط الفرض عن صاحب الزرع، إذا عجلها له قبل
إدراك زرعه أم لا؟
فأجاب:
وأما تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب، فيجوز عند
جمهور العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل
زكاة الماشية والنقدين وعروض التجارة إذا ملك النصاب.
ويجوز: تعجيل المعشرات قبل وجوبها إذا كان قد طلع الثمر
قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع قبل اشتداد الحب.
فأما إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة؛ وجبت الزكاة.
وسئل عن رجل تحت يده مال فوق النصاب، فأخرج منه شيئا من
زكاة الفرض، ظنًا منه أنه قد حال عليه الحول، ثم تبين أنه
لم يحل الحول وفيمن يخرج الزكاة، وفي نفسه إذا كان الحول
حالاً فهي زكاة، وإلا تكون سلفًا على ما يجب بعد: هل
يجزئ في الصورتين؟
فأجاب:
نعم، يجزي ذلك في الصورتين جميعا، إذا وجبت الزكاة.
والله أعلم.
وسئل عن دفع الزكاة إلى قوم منتسبين إلى المشايخ: هل
يجوز أم لا ؟
فأجاب:
فصل
وأما الزكاة، فينبغي للإنسان أن يتحري بها المستحقين من
الفقراء والمساكين والغارمين ـ وغيرهم من أهل الدين،
المتبعين للشريعة ـ فمن أظهر بدعة أو فجورا؛ فإنه يستحق
العقوبة بالهجر وغيره ـ والاستتابة، فكيف يعان على
ذلك؟!
وأما من يأخذها وينفقها بحسب اختياره، أو ينفقها على عياله
مع غناه، فهذا لا يجوز دفعها إليه، ولا تبرأ ذمة من دفعها
إليه، بل لا تعطي إلا لمستحقها، أو لمن يعطيها لمستحقها،
مثل من عنده خبرة بأهلها وأمانة، فيؤديها إليهم، كما قال
تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ
الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].
وإذا طلبها من لا يعلم حاجته إليها، وهو يعلم حاجة آخر،
فإعطاء من يعلم أولى، وإعطاء القريب المحتاج الذي ليس من
أهل نفقته أولى من إعطاء البعيد المساوي له في الحاجة.
وسئل عن رجل عليه زكاة: هل يجوز له أن يعطيها لأقاربه
المحتاجين؟ أو أن يشتري لهم منها ثيابًا أو حبوبًا، وإذا
أخذ السلطان من غنمه هل تسقط زكاتها؟ وهل يلزمه إعطاء
الزكاة في بلد القلة والمال أم لا؟ وهل إذا مات فقير وله
عليه مال: هل له أن يحسبه من الزكاة؟ أو يطلبه من غيره
فيأخذ عنه؟ وهل يعطي لمن لا يصلى أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله يجوز أن يصرف الزكاة إلى من يستحقها، وإن كانوا
من أقاربه الذين ليسوا في عياله، لكن يعطيهم من ماله، وهم
يأذنون لمن يشتري لهم بها ما يرىدون.
وما أخذه السلطان من الزكاة بغير أمر أصحابه احتسب به،
وجيران المال أحق بصدقته، فإن استغنوا عنها أعطي البعيد
وإن أعطاها الفقراء في غير البلد جاز.
وإن كان له دَين على حي أو ميت لم يحتسب به من الزكاة، ولا
يحتال في ذلك.
ومن لم يكن مصليا أُمر بالصلاة، فإن قال: أنا أصلي،
أعطي، وإلا لم يعط.
وسئل ـ قدس الله روحه ـ عن دفع الزكاة إلى أقاربه
المحتاجين، الذين لا تلزمه نفقتهم: هل هو الأفضل أو
دفعها إلى الأجنبي ؟
فأجاب:
أما دفع الزكاة إلى أقاربه، فإن كان القريب الذي يجوز
دفعها إليه حاجته مثل حاجة الأجنبي إليها، فالقريب أولى،
وإن كان البعيد أحوج، لم يحاب بها القريب. قال أحمد، عن
سفيان بن عيينة: كانوا يقولون: لا يحابي بها قريبًا،
ولا يدفع بها مذمة، ولا يقي بها ماله.
وسئل ـ رحمه الله ـ عن دفعها إلى والديه، وولده الذين لا
تلزمه نفقتهم: هل يجوز أم لا؟
فأجاب:
الذين يأخذون الزكاة صنفان: صنف يأخذ لحاجته، كالفقير
والغارم لمصلحة نفسه.
وصنف يأخذها لحاجة المسلمين، كالمجاهد، والغارم في إصلاح
ذات البين، فهؤلاء يجوز دفعها إليهم، وإن كانوا من
أقاربه.
وأما دفعها إلى الوالدين ـ إذا كانوا غارمين، أو مكاتبين ـ
ففيها وجهان، والأظهر جواز ذلك.
وأما إن كانوا فقراء ـ وهو عاجز عن نفقتهم ـ فالأقوي جواز
دفعها إليهم في هذه الحال؛ لأن المقتضي موجود، والمانع
مفقود،فوجب العمل بالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم.
وسئل عن امرأة فقيرة، وعليها دَينٌ، ولها أولاد بنت صغار،
ولهم مال، وهم تحت الحجر: هل يجوز أن يدفعوا زكاتهم إلى
جدتهم أم لا؟ وهل هي أولى من غيرها أم لا؟
فأجاب:
أما دفع زكاتهم إليها لقضاء دينها، فيجوز في أظهر قولي
العلماء، وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وكذلك دفعها
إلى سائر الأقارب لأجل الدين.
وأما دفعها لأجل النفقة، فإن كانت مستغنية بنفقتهم، أو
نفقة غيرهم؛ لم تدفع إليها، وإن كانت محتاجة إلى زكاتهم؛
دفعت إليها في أظهر قولي العلماء، وهي أحق من الأجانب.
والله أعلم.
وسئل ـ رحمه الله:
هل من كان عليه دَينٌ يجوز له أن يأخذ من زكاة أبيه لقضاء
دينه أم لا؟
فأجاب:
إذا كان على الولد دَينٌ، ولا وفاء له؛ جاز له أن يأخذ من
زكاة أبيه في أظهـر القولين في مذهب أحمد وغيره.
وأما إن كان محتاجًا إلى النفقة، وليس لأبيه ما ينفق عليه،
ففيه نزاع، والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه.
وأما إن كان مستغنيا بنفقة أبيه، فلا حاجة به إلى زكاته.
والله أعلم.
وسئل:
هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يغرمه ولاة الأمور في الطرقات
أم لا ؟
فأجاب:
ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة لا يعتد به من
الزكاة. واللّه ـ تعالى ـ أعلم.
وسئل عن الصدقة على المحتاجين من الأهل وغيرهم ؟
فأجاب:
إن كان مال الإنسان لا يتسع للأقارب والأباعد، فإن نفقة
القريب واجبة عليه، فلا يعطي البعيد ما يضر بالقريب.
وأما الزكاة والكفارة، فيجوز أن يعطي منها القريب الذي لا
ينفق عليه، والقريب أولى إذا استوت الحاجة.
وسئل ـ رَحمه اللّه ـ عن رجل أعطاه أخ له شيئاً من
الدنيا، أيقبله أم يرده ؟ وقد ورد: (من جاءه شيء
بغير سؤال فرده، فكأنما رده على اللّه) هل هو صحيح أم لا
؟
فأجاب:
قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر: (ما
أتاك من هذا المال، وأنت غير سائل، ولا مُشْرِفٍ، فخذه،
ومالا فلا تتبعه نفسك)، وثبت ـ أيضا ـ في الصحيح: أن
حَكِيم بن حِزام سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله
فأعطاه، ثم قال:(ياحكيم، ما أكثر مسألتك؟! إن هذا
المال خَضِرةٌ حُلْوةٌ، فمن أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه،
ومن أخذه بِإشراف نفس لم يبارك له فيه، فكان كالذي يأكل
ولا يشبع)، فقال له حكيم: والذي بعثك بالحق لا أرزأ
بعدك من أحد شيئاً. فكان أبو بكر وعمر يعطيانه فلا
يأخذ.
فتبين بهذين الحديثين أن الإنسان إذا كان سائلاً بلسانه،
أو مشرفاً إلى ما يعطاه، فلا ينبغي أن يقبله، إلا حيث تباح
له المسألة والاستشراف. وأما إذا أتاه من غير مسألة ولا
إشراف، فله أخذه إن كان الذي أعطاه أعطاه حقه، كما أعطي
النبي صلى الله عليه وسلم عمر من بيت المال، فإنه قد كان
عمل له فأعطاه عمالته، وله ألا يقبله كما فعل حكيم بن حزام
مالا يستحقه عليه، فإن قبله وكان من غير إشراف له عليه فقد
أحسن.
وأما الغني، فينبغي له أن يكافئ بالمال من أسداه إليه؛
لخبر: (من أسْدي إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا
له ما تكافئوه فادعوا له حتي تعلموا أن قد كافأتموه).
وَقَالَ ـ رحَمهُ اللّه:
فصل
في الأخذ من غير سؤال.
في الصحيح حديث حكيم بن حزام: لما سأل النبي صلى الله
عليه وسلم مرة بعد مرة، ثم قال: (ياحكيم، إن هذا المال
خَضِرةٌ حُلْوةٌ، فمن أخـذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن
أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيـه، وكان كالذي يأكل ولا
يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلي). قـال حكيم:
فقلت: يا رسول اللّه، والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحداً
بعدك شيئاً حتي أفارق الدنيا. فكان أبو بكـر ـ رضي اللّه
عنـه ـ يدعو حكيماً ليعطيه العطاء، فيأبي أن يقبل منه
شيئاً، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال:
يامعشر المسلمين. وفي روايـة: إني أشهدكم يا معشر
المسلمين، إني أعرض على حكيم حقه الذي قسم اللّه له في هذا
الفيء فيأبي أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد
النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: لم يرزأ، أي: لم ينقص، لا لم يسأل، كما يدل عليه
السياق.
ففيه أن حكيماً ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل
من أحد شيئاً، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك،
وكذلك الخلفاء بعده، وهذا حجة في جواز الرد، وإن كان عن
غير مسألة ولا إشراف.
وقوله: (اليد العليا خير من اليد السفلي) تنبيه له
على أن يد الآخذ سفلي. وقد سئل أحمد عن حجة لذلك من
الآية، فلم يعرفها، وهذه حجة جيدة.
وقد روي فيه زيادات مثل قوله: (إن خيرآً لك ألا تأخذ
من أحد شيئاً)، لكن ينظر إسناده، فهو صريح في تفضيل عدم
الأخذ مطلقاً. | | |
|