الرسالة نافذة إعلامية متنوعة "خطورة التسرع في التكفير "

  • المجلة | الهدى |مدونة الصحراء | الجوال | مواقع  صفحة الإنجليزية| مرئيات | سجل الزوار | إتصل بنا

     

    خطورة التسرع في التكفير

    الفصل الثاني

     تفسير قوله تعالى :(( ومن لم يحكم بما انزل الله فاؤلئك هم الكافرون ))

     

          قال بن كثير -رحمه الله- :قال: أحمد حدثنا إبراهيم بن العباس حدثنا عبد الرحمان بن أبي الزناد عن أبيه عن عبد الله بن عبد الله بن عباس قال: إن الله أنزل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و(أولئك هم الظالمون) و (أولئك هم الفاسقون) قال:قال بن عباس " أنزلها الله في الطائفتين من اليهود وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا مائة وسق، فقالت الذليلة وهل كان في حيين دينهما واحد ونسبهما واحد و بلدهما واحد دية بعضهم نصف دية بعض، إنما أعطيناكم هذا ضما منكم لنا وفرقا منكم فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، ثم ذكرت العزيزة فقالت والله ما محمد بمعطيكم منه ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضما منا و قهرا، فدُسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكّمتموه وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه فدسوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما جاءوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبر الله رسوله- صلى الله عليه وسلم- بأمرهم كله وما أرادوا فأنزل الله تعالى:(يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) إلى قوله (الفاسقون) ففيهم والله أنزل و إياهم عنى الله عز وجل ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه بنحوه. وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا:حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن اسحق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآيات التي في المائدة قوله تعالى:(فاحكم بينهم أو أعرض عنهم -إلى المقسطين) إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة وذلك أن قتل بني النضير كان لهم شرف تؤدى الدية كاملة وأن قريظة كان يؤدى لهم نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، على الحق في ذلك فجعل الدية في ذلك سواء والله أعلم أي ذلك كان، ورواه أحمد وأبو داود و النسائي من حديث إبن إسحق بنحوه ثم قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير وكانت النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل القريظي رجلا من النضير قتل به

     

    و إذا قتل النضيري رجلا من قريظة وديّ بمائة وسق من تمر فلما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا ادفعوه إليه فقالوا بيننا وبينكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنزلت (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث عبيد الله بن موسى بنحوه، وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حبان وابن زيد وغير واحد وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذَيْن زنيا كما تقدمت الأحاديث بذلك وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد فنزلت هذه الآيات في ذلك كله والله أعلم ولهذا قال بعد ذلك (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ) إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص و الله سبحانه وتعالى أعلم.

     

    وقوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان و ابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم نزلت في أهل الكتاب، زاد الحسن البصري وهي علينا واجبة وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة بها رواه ابن جرير، وقال ابن جرير أيضا حدثنا يعقوب حدثنا هشيم أخبر عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن علقمة و مسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال:من السحت قال:فقالا وفي الحكم قال ذاك الكفر ثم تلا (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وقال السدي (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال:من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق رواه ابن جرير ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب، وقال عبد الرزاق عن الثوري عن زكريا عن الشعبي: ومن لم يحكم بما أنزل الله قال للمسلمين ، وقال ابن جرير حدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الصمد حدثنا شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبي (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال هذا في المسلمين، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )

     

    قال هذا في اليهود، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) قال هذا في النصارى، وكذا رواه هشيم والثوري عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي وقال عبد الرزاق أيضا أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله:(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال هي به كفر، قال ابن طاوس وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله وقال الثوري عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق رواه ابن جرير وقال وكيع عن سعيد المكي عن طاوس (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال ليس بكفر ينقل عن الملة وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.[19]

     

          قال:ابن جرير الطبري: " القول في تأويل قول الله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) يقول  تعالى ذكره: ومن كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه، وجعله حكما بين عباده فأخفاه، وحكم بغيره، كحكم اليهود في المحصنين بالتجبيه و التحميم، و كتمانهم الرجم وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية وفي الأشراف بالقصاص وفي الأدنياء بالدية وقد سوى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة (فأولئك هم الكافرون) يقول : هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه ولكن بدلوا وغيروا حكمه وكتموا الحق الذي أنزله في كتابه هم الكافرون ، يقول: هم الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينه وغطوه عن الناس وأظهروا لهم غيره و قضوا به لسحت أخذوه منهم عليه، وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك من أنه عنى به اليهود الذين حرفوا كتاب الله وبدلوا حكمه.

     

    ذكــــر مــن قــال ذلـك

          حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عاز عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) في الكافرين كلها ، حدثني مثنى قال ثنا إسحاق قال ثنا محمد بن القاسم قال أبوا حيان عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (فأولئك هم الظالمون)، (فأولئك هم الفاسقون) ليس في أهل الإسلام منها شيء هي في الكفار.

          حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي عن أبي حيان عن الضحاك (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و الظالمون والفاسقون قال نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب .

          حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: فما المعتمر بن سليمان قال سمعت عمران بن حدير قال أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس فقالوا: يا أبا مجلز أرأيت قول الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) أحق هو؟ قال نعم قالوا (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) أحق هو ؟ قال نعم قالوا(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) أحق هو؟ قال نعم فقالوا يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال هو دينهم الذي يدينون به وبه يقولون وإليه يدعون فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا فقالوا لا و الله ولكنك تعرف قال: أنتم أولى بهذا مني لا أرى وإنكم ترون هذا ولا تحرجون ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك أو نحوا من هذا.

          حدثني المثنى قال: ثنا حجاج قال ثنا حماد عن عمران بن حدير قال قعد إلى أبي مجلز نفر من الإباضية قال فقالوا لو يقول الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، (فأولئك هم الظالمون ) ، (فأولئك هم الفاسقون) قال أبو مجلز إنهم يعملون ما يعملون يعني الأمراء ويعلمون أنه ذنب قال : وإنما أنزلت هذه الآية في اليهود والنصارى قالوا أما والله إنك لتعلم مثل ما نعلم ولكنك تخشاهم قال: أنتم احق بذلك منا أما نحن فلا نعرف ما تعرفون ولكنكم تعرفونه ولكن يمنعكم أن تمضوا أمركم من خشيتهم.

          حدثنا ابن بشار قال: ثنى عبد الرحمان قال ثنا سفيان وحدثنا ابن وكيع قال ثنا أبي عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري عن حذيفة في قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قدر الشراك.

          حدثنا بن وكيع قال ثنا أبي عن أبي حيان عن الضحاك (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و الظالمون والفاسقون قال نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب .

     

          حدثنا هناد بن السري قال ثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال قيل لحذيفة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ثم ذكر نحو حديث ابن بشار عن عبد الرحمان. 

          حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)،(فأولئك هم الظالمون)،(فأولئك هم الفاسقون) قال فقيل ذلك في بني إسرائيل؟ قال نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك .

          حدثنا الحسن بن يحيا قال: أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن رجل عن عكرمة قال: هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.

     

          حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت في قيل اليهود الذي كان منهم .

     

          حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج عن عكرمة قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) والظالمون والفاسقون لأهل الكتاب كلهم لما تركوا من كتاب الله.

          حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال ثني أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازم قال مُرّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- بيهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: {هكذا تجدون حد من زنا؟} قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال{أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟} قال لا ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حده في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا تعالوا فلنجتمع جميعا على التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- {اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه } فأمر به فرجم فأنزل الله (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر)... إلى قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) يعني اليهود (فأولئك هم الظالمون) يعني اليهود (فأولئك هم الفاسقون) للكفار كلها.

     

          حدثني يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب قال : قال بن زيد في قوله(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال من حكم بكتابه الذي كتب بيده وترك كتاب الله وزعم أن كتابه هذا من عند الله فقد كفر.

     

          حدثنا هناد قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو حديث القاسم عن الحسن غير أن هنادا قال في حديثه فقلنا تعالوا فلنجتمع في شيء نقيمه على الشريف والضعيف فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم وسائر الحديث نحو حديث القاسم.

     

          حدثنا الربيع قال ثنا ابن وهب قال:ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه قال كنا عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فذكر رجل عنده

     (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) فقال عبيد الله أما والله إن كثيرا من الناس يتأولون هؤلاء الآيات على ما لم ينزلن عليه وما أنزلن إلا في حيين من يهود ثم قال هم قريظة و النضير وذلك أن إحدى الطائفتين كانت قد غزت الأخرى وقهرتها قبل قدوم النبي –صلى الله عليه وسلم – المدينة حتى ارتضوا و اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مئة وسق فأعطوه فرقا وضيما فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك فذلت الطائفتان بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يظهر عليهما فبينما هما على ذلك أصابت الذليلة من العزيزة قتيلا فقالت العزيزة أعطونا مائة وسق، فقالت الذليلة وهل كان هذا قط في حيين دينهما واحد وبلدهما واحد دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا فرقا منكم وضيما فاجعلوا بيننا وبينكم محمدا صلى الله عليه وسلم فتراضيا على أن يجعلوا النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ثم إن العزيز تذاكرت بينها فخشيت أن لا يعطيها النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابها ضعف ما تعطى أصحابها منها، فدسوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إخوانهم من المنافقين فقالوا لهم : أخبُروا لنا رأي محمد صلى الله عليه وسلم فإن أعطانا ما نريد حكّمناه وإن لم يعطنا حذرناه ولم نحكمه، فذهب المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعلمَ الله تعالى ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أراد من ذلك الأمر كله، قال عبيد الله فأنزل الله تعالى ذكره فيهم (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) هؤلاء الآيات كلهن حتى بلغ (و ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله)... إلى (الفاسقون) قرأ عبيد الله ذلك آية آية و فسرها على ما أنزل حتى فرغ تفسير ذلك لهم في الآيات ثم قال إنما عني بذلك يهود وفيهم أنزلت هذه الصفة.

     

    وقال بعضهم: عنى بالكافرين أهل الإسلام، وبالظالمين اليهود، وبالفاسقين النصارى.

     

    ذكـــر مـن قــال ذلـك

          حدثنا ابن وكيع قال ثنا أبي عن زكريا عن عامر قال نزلت الكافرون في المسلمين والظالمون في اليهود و الفاسقون في النصارى.

          حدثنا ابن وكيع قال ثنى ابن يمان عن سفيان عن ابن أبي السفر عن الشعبي قال الكافرون في المسلمين والظالمون في اليهود و الفاسقون في النصارى.

          حدثنا ابن وكيع وأبو السائب وواصل بن عبد الأعلى قالوا ثنا ابن فضيل عن ابن شبرمة عن الشعبي قال آية فينا وآيتان في أهل الكتاب (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)،فينا وفيهم (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) و الفاسقون في أهل الكتاب.

          حدثنا ابن وكيع قال ثنا أبي عن سفيان عن جابر عن عامر مثل حديث زكريا عنه.

          حدثنا محمد بن المثنى قال ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال ثنا شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبي(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، قال هذا في المسلمين،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) قال النصارى.

          حدثني يعقوب بن ابراهبم  قال ثنا هشيم قال أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي قال في هؤلاء الآيات التي في المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال فينا أهل الإسلام (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) قال في اليهود،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) قال في النصارى.

          قال محمد بن بشار قال ثنى عبد الرحمان بن مهدي قال ثنا سفيان عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي في قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال نزلت الأولى في المسلمين والثانية في اليهود و الثالثة في النصارى .

          حدثنا الحسن بن يحي قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن زكريا عن الشعبي بنحوه. حدثنا هناد قال ثنا يعلى عن زكريا عن عامر بنحوه .

    وقال آخرون بل عنى بذلك :كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.

    ذكــر مـن قــال ذلـــك

          حدثنا محمد بن بشار قال ثنا عبد الرحمان قال ثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء قوله( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)

    (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) قال: كفر دون كفر وفسق دون فسق و ظلم دون ظلم .

          حدثنا ابن بشار قال ثنا عبد الرحمان قال ثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن عطاء مثله.

          حدثني المثنى قال ثنا الحجاج قال ثنا حماد عن أيوب بن أبي تميمة عن عطاء بن أبي رباح بنحوه.

          حدثنا هناد بن السري قال ثنا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء بنحوه.

          حدثنا ابن وكيع قال:ثنا أبي عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء بنحوه.

          حدثنا هناد قال ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ثنا أبي عن سفيان عن سعيد المكي عن طاوس (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال ليس بكفر ينقل عن الملة.

          حدثنا هناد قال ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي عن سفيان عن معمر بن راشد عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال هي به كفر وليس كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.

          حدثني الحسن قال ثنا أبو أسامة عن سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رجل لابن عباس في هذه الآيات (ومن لم يحكم بما أنزل الله) فمن فعل هذا فقد كفر قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر و ليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا.

          حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال هي به كفر قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.

     

          حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن رجل عن طاوس (فأولئك هم الكافرون) قال كفر لا ينقل عن الملة قال: وقال عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.

    وقال آخرون بل نزلت هذه الآيات في أهل الكتاب وهي مراد بها جميع الناس مسلموهم وكفارهم.

    ذكـــر مـن قــال ذلــك

          حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن منصور عن إبراهيم قال نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي لهذه الأمة بها .

          حدثنا بن وكيع قال: ثنا أبي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال نزلت في بني إسرائيل ورضي لكم بها.

          حدثنا ابن بشار قال ثنا عبد الرحمان قال ثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم في هذه الآية (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال نزلت في اليهود وهي علينا واجبة.

          حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ثنا هشيم قال أخبرنا عبد الملك بن أبي سليم عن سلمة بن كهيل عن علقمة و مسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت قال فقالا أفي الحكم؟ قال ذاك الكفر ثم تلا هذه الآية (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

          حدثني محمد بن الحسين قال ثني أحمد بن مفضل قال ثنا أسباط عن السدي(ومن لم يحكم بما أنزل الله) يقول ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين.

    وقال آخرون معنى ذلك:ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فأما الظلم والفسق فهو للمقر به.

    ذكــر مــن قــال ذلــك

          حدثني المثنى قال ثنا عبد الله بن صالح قال ثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.

          وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نزلت وهم المعنيون بها وهذه الآيات سياق الخبر عنهم فكونها خبر عنهم أولى.

    فإن قال قائل فإن الله تعالى ذكره قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل

    الله فكيف جعلته خاصا؟ قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين خبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به هو بالله كافر كما قال ابن عباس لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبيّ.[20]

          قال محمد الأمين الشنقيطي: رحمه الله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) اختلف العلماء في هذه الآية الكريمة هل هي في المسلمين أو في الكفار، فروي عن الشعبي أنها في المسلمين وروي عنه أنها في اليهود وروي عن طاوس أيضا أنها في المسلمين و أن المراد بالكفر فيها كفر دون كفر، وأنه ليس الكفر المخرج من الملة وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال ليس الكفر الذي تذهبون إليه رواه عنه ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، رواه عنه ابن أبي حاتم والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه قاله ابن كثير.

          قال بعض العلماء والقرآن العظيم  يدل على أنها في اليهود لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) وأنهم يقولون (إن أوتيتم هذا) يعني الحكم المحرف الذي هو غير حكم الله (فخذوه وإن لم تؤتوه) أي المحرف بل أوتيتم حكم الله الحق(فاحذروا) فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق.

    وقد قال الله تعالى بعدها(وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)الآية فدل على أن الكلام فيهم، وممن قال بأن الآية في أهل الكتاب كما دل عليه ما ذكر البراء بن عازم وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم وزاد الحسن وهي علينا واجبة نقله عنهم ابن كثير ونقل نحو قول الحسن عن إبراهيم النخعي.

    وقال القرطبي في تفسيره (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)و(الظالمون)و (الفاسقون) نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلى هذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل فيه إضمار أي (ومن لم يحكم بما أنزل الله ) ردا للقرآن وجحدا لقول الرسول –صلى الله عليه وسلم- فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد.

    فالآية عامة على هذا قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له.

    فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه مرتكب محرم فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    وقال ابن عباس في رواية (ومن لم يحكم بما أنزل الله)  فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار، وقيل أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول إلا أن الشعبي قال هي في اليهود خاصة واختاره النحاس قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله تعالى (للذين هادوا) فعاد الضمير عليهم، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ألا ترى أن بعده (وكتبنا عليهم) فهذا الضمير لليهود بالإجماع وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص، فإن قال قائل(مَنْ) إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها قيل له (من) هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة والتقرير، واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فهذا من أحسن ما قيل في هذا.

    ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل؟ فقال: نعم هي فيهم ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل وقيل (الكافرون) للمسلمين و(الظالمون) لليهود و(الفاسقون) للنصارى وهذا اختيار أبي بكر ابن العربي قال: لأنه ظاهر الآيات وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن ابي زائدة وابن شبرمة والشعبي أيضا قال طاوس وغيره ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر.

     

    وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين، قال القشيري ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بحكم غير الله فهو كافر وعزا هذا إلى الحسن والسدي وقال الحسن أيضا أخذ الله علىالحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألاّ يخشوا الناس ويخشوه، وألاّ يشتروا بآياته ثمنا قليلا انتهى كلام القرطبي.

    قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية (هم الكافرون) نازلة في المسلمين لأنه تعالى قال قبلها مخاطبا لمسلمي هذه الأمة(فلا تخشوا الناس و اخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) ثم قال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر وإما أن يكون فعل ذلك مستحلا له أو قاصدا به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها.

     

    أما من حكم بغير حكم الله وهو عالم أنه مرتكب ذنبا فاعل قبيحا وإنما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين وسياق القرآن ظاهر أيضا في أن آية(فألئك هم الظالمون) في اليهود لأنه قال قبلها (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)

     

    فالخطاب لهم لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهر أيضا في أن آية (فأولئك هم الفاسقون)في النصارى لأنه قال قبلها (وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون).

     

          واعلم أن تحرير المقال في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مرادا به المعصية تارة والكفر المخرج من الملة أخرى(ومن لم يحكم بما أنزل الله) معارضة للرسل وإبطالا لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة (ومن لم يحكم بما أنزل الله) معتقدا أنه مرتكب حراما فاعلا قبيحا فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل أن الأولى في المسلمين والثانية في اليهود والثالثة في النصارى والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص  الأسباب وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت والعلم عند الله تعالى.[21]

     

    أما استدلالهم بقوله في آية الكهف (ولا يشرك في حكمه أحدا) فليس لهم فيه حجة إذ أن الشيخ أوضح مقصوده في الصفحة نفسها فقال: و أما النظام الشرعي المخالف لخالقي السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر في الميراث ليس بإنصاف وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم وأن الطلاق ظلم للمرأة وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك.[22]

     

    فهذه أمثلة ناطقة أن مقصود الشيخ بالذين لا يشك في كفرهم أولئك الذين طعنوا في أحكام الشريعة الإسلامية وفضلوا الحكم بالقوانين الوضعية والأحكام الجاهلية ولا يرتاب في هذا إلا من طمس الله  بصيرته وأعماه عن نور الوحي.

     

          قال محمد رشيد رضا: الكفر والظلم والفسق كلمات تتوارد في القرآن على حقيقة واحدة وترد بمعاني مختلفة كما بيناه في تفسير(والكافرون هم الظالمون) من سورة البقرة  وقد اصطلح علماء الأصول والفروع على التعبير بلفظ الكفر عن الخروج عن الملة وما ينافي دين الله الحق دون لفظي الظلم والفسق، ولا يسع أحدا منهم إنكار إطلاق القرآن لفظ الكفر على ما ليس كفرا في عرفهم و لكنهم يقولون:كفر دون كفر ولا إطلاقه لفظي الظلم والفسق على ماهو كفر في عرفهم وما كل ظلم أو فسق يعد كفرا عندهم بل لا يطلقون لفظ الكفر على شيء مما يسمونه ظلما أو فسقا، لأجل هذا كان الحكم القاطع للكفر على من لم يحكم بما أنزل الله محلا للبحث والتأويل عند من يوفق بين عرفه ونصوص القرآن.

     

          وإذا رجعنا إلى المأثور في تفسير الآيات تراهم نقلوا عن ابن عباس –رضي الله عنه- منها قوله: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، ومنها أن الآيات الثلاث في اليهود خاصة ليس في أهل الإسلام منها شيء و روي عن الشعبي أن الأولى والثانية في اليهود والثالثة في النصارى وهذا هو الظاهر ولكنه لا ينفي أن ينال هذا الوعيد كل من كان منا مثلهم، وأعرض عن كتابه إعراضهم عن كتبهم والقرآن عبرة يعبر به العقل من فهم الشيء إلى مثله وقد ذكرت هذه الآيات عند حذيفة بن اليمان فقال رجل إن هذا في بني إسرائيل قال حذيفة: نعم الإخوة لكم بني إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك (أي سير النعل) عزاه في الدر المنثور إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه قال وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حلو فهو لكم وما كان من مر فهو لأهل الكتاب كأنه يرى أن ذلك في المسلمين وأخرج عبد بن حميد عن حكيم بن جبير أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى (و من لم يحكم ...ومن لم يحكم...ومن لم يحكم ...)قال فقلت زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا قال إقرأ ما قبلها وما بعدها فقال لا بل نزلت علينا ثم لقيت مقسما مولى ابن عباس فسألته عن هؤلاء الآيات التي في المائدة قلت زعم قوم أنها نزلت في بني إسرائيل ولم تنزل علينا قال إنه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم ثم دخلت على علي بن الحسين فسألته -وذكر أنه ذكر له ما قال له سعيد ومقسم- قال: قال صدقا ولكنه كفر ليس ككفر الشرك و ظلم ليس كظلم الشرك وفسق ليس كفسق الشرك فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال فقال سعيد بن جبير لابنه كيف سياق الكلام على النصارى لا يجوز فيها غير ذلك،وعبارتها عامة لا دليل فيها على الخصوصية ولا مانع يمنع من إرادة الكفر الأكبر في الأولى –وكذا الأخريان- إذا كان الإعراض عن الحكم بما أنزل الله ناشئا عن استقباحه وعدم الإذعان له وتفضيل غيره عليه وهذا هو المتبادر من السياق في الأولى بمعونة سبب النزول كما رأيت في تصويرنا للمعنى.                                                          

          وإذا تأملت أدنى تأمل تظهر لك نكتة التعبير بوصف الكفر في الأولى وبوصف الظلم في الثانية وبوصف الفسوق في الثالثة فالألفاظ وردت بما فيها في أصل اللغة موافقة لاصطلاح العلماء ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع وإنزال الكتاب مشتملا على الهدى والنور والتزام الأنبياء وحكماء العلماء العمل والحكم به والوصية بحفظه وختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له ورغبة عن هدايته ونوره مؤثرا لغيره عليه فهو الكافر به وهذا واضح لا يدخل فيه من لم يتفق له الحكم به أو من ترك الحكم به عن جهالة ثم تاب إلى الله وهذا هو العاصي بترك الحكم الذي يتحامى أهل السنة القول بتكفيره والسياق يدل على ما ذكرنا من التعليل.

    وأما الآية الثانية فلم يكن الكلام فيها في أصل الكتاب الذي هو ركن الإيمان وترجمان الدين بل في عقاب المعتدين على الأنفس أو الأعضاء بالعدل والمساواة فمن لم يحكم بذلك فهو الظالم في حكمه كما هو ظاهر.

    وأما الآية الثالثة فهي في بيان هداية الإنجيل وأكثرها مواعظ وآداب وترغيب في إقامة الشريعة على الوجه الذي يطابق مراد الشارع وحكمته بحسب ظواهر الألفاظ فقط، فمن لم يحكم بهذه الهداية ممن خوطبوا بها  فهم الفاسقون بالمعصية والخروج من محيط تأديب الشرعية.

     

    و قد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما استحدث الذين من قبلهم وتركوا بالحكم بها بعض ما أنزل الله عليهم فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام من غير تأويل يعتقدون صحته فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى في الآيات الثلاث أو في بعضها كل بحسب حاله فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا غير مذعن له لاستقباحه إياه وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعا، ومن لم يحكم به لعلة أخرى فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواة فيه وإلا فهو فاسق فقط، إذ لفظ الفسق أعم هذه الألفاظ فكل كافر وكل ظالم فاسق ولا عكس،وحكم الله العام المطلق الشامل لما ورد فيه النص ولغيره مما يعلم بالاجتهاد والاستدلال هو العدل، فحيثما وجد العدل فهناك حكم الله – كما قال أحد الأعلام- إلى أن قال: وإننا نرى كثيرين من المسلمين المتدينين يعتقدون أن قضاة المحاكم الأهلية الذين يحكمون بالقانون كفارا أخذا بظاهر قوله تعالى(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ويستلزم الحكم بتكفير القاضي الحاكم بالقانون تكفيرَ الأمراء والسلاطين الواضعين للقوانين فإنهم وإن لم يكونوا ألّـفوها بمعارفهم فإنها وضعت بإذنهم وهم الذين يولون الحكام ليحكموا بها ويقول الحاكم من هؤلاء أُحكم باسم الأمير فلان لأنني نائب عنه بإذنه ويطلقون على الأمير لفظ (الشارع)، أما ظاهر الآية فلم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين بل لم يقل به أحد قط.[23] 

     

          قال أبو عبد الله القرطبي: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و (الظالمون)و(الفاسقون) نزلت كلها في الكفار ، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وعلى هذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيه إضمار أي و من لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية عامة على هذا قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له، فأما من فعل ذلك و هو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وقال ابن عباس في رواية ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار وقيل أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع

     

    فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول إلا أن الشعبي قال هي في اليهود خاصة واختاره النحاس قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله (للذين هادوا) فعاد الضمير عليهم ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ألا ترى أن بعده(وكتبنا عليهم) فهذا الضمير لليهود بإجماع وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص، فإن قال قائل(مَن) إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها؟ قيل له (من) هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة والتقدير واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.

    فهذا من أحسن ما قيل في هذا ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل؟ قال نعم هي فيهم ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل وقيل (الكافرون) للمسلمين و(الظالمون) لليهود و(الفاسقون) للنصارى وهذا اختيار أبي بكر بن العربي قال لأنه ظاهر الآيات وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعبي أيضا قال طاوس وغيره ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين، قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر وعزي هذا إلى الحسن والسدي وقال الحسن أيضا أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء ألا يتبعوا الهوى وألا يخشوا الناس ويخشوه وألا يشتروا بآياته ثمنا قليل .[24]   

     

    قال الجصاص رحمه الله ( و من لم يحكم بما أنزل الله ) ، قال ابن عباس هو في الجاحد لحكم الله وقيل هي في اليهود خاصة ،وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم هي عامة يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله و حكم بغيره مخبرا أنه حكم الله تعالى ومن فعل هذا فقد كفر فمن جعلها في قوم خاصة و هم اليهود لم يجعل ( من ) بمعنى الشرط وجعلها بمعنى الذي لم يحكم بما أنزل الله والمراد قوم بأعيانهم وقال البراء بن عازب وذكر قصة رجم اليهود فأنزل الله تعالى ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) الآيات إلى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال في اليهود خاصة و قوله ( فأولئك هم الظالمون ) و ( فأولئك هم الفاسقون ) في الكفار كلهم و قال الحسن ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) نزلت في اليهود وهي علينا واجبة ، وقال أبو مجلز نزلت في اليهود ، و قال أبو جعفر نزلت في اليهود ثم جرت فينا، و روى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال : قيل لحذيفة ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) نزلت في بني إسرائيل قال نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قدر الشراك ، قال إبراهيم النخعي نزلت في بني إسرائيل ورضي لكم بها و روى الثوري

     

    عن زكريا عن الشعبي قال الأولى للمسلمين و الثانية لليهود و الثالثة للنصارى وقال طاوس ليس بكفر ينقل عن الملة، و روى طاوس عن ابن عباس قال ليس الكفر الذين يذهبون إليه في قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وقال ابن جريج عن عطاء كفر دون كفر و ظلم دون ظلم وفسق دون فسق وقال علي بن حسين رضي الله عنهما ليس بكفر شرك ولا ظلم شرك ولا فسق شرك.

     

          قال أبو بكر قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود ، فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة و فاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا من تأوله من قال أنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم الله أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو  كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك ، و إن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة و الأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه إسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله و قد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من

    ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة فأداهم ذلك إل الكفر والضلال بتكفيرهم الأنبياء بصغائر ذنوبهم .[25]

    قال الخازن -رحمه الله-:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) يعني أن اليهود لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه في التوراة وقالوا أنه غير واجب عليهم فهم كافرون على الإطلاق بموسى والتوراة وبمحمد –صلى الله عليه وسلم –والقرآن واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآيات الثلاث وهي قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) ،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) فقال جماعة من المفسرين أن الآيات الثلاث نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال أنه كافر وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك ويدل على صحة هذا القول ما روي عن البراء ابن عازب قال: أنزل الله تبارك وتعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) ،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)في الكفار كلها أخرجه مسلم وعن ابن عباس قال( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) إلى قوله (الفاسقون) هذه الآيات الثلاث في اليهود خاصة قريظة والنضير أخرجه أبو داود وقال مجاهد في هذه الآيات الثلاث من ترك الحكم بما أنزل الله ردا لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق وقال عكرمة (ومن لم يحكم بما أنزل الله) جاحدا به فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق وهذا قول ابن عباس أيضا و اختيار الزجاج لأنه قال من زعم أن حكما من أحكام الله تعالى التي أتت بها الأنبياء باطل فهو كافر وقال طاوس قلت لابن عباس أكافر من لم يحكم بما أنزل الله؟ فقال به كفر وليس بكفر ينقل عن الملة كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ونحو هذا روي عن عطاء قال هو كفر دون كفر وقال ابن مسعود والحسن و النخعي هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق وإليه ذهب السدي لأنه ظاهر الخطاب وقيل هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمدا وحكم بغيره، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد والله أعلم بمراده.[26]

     

          قال ابن العربي المالكي: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) اختلف فيه المفسرون فمنهم من قال الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود، ومنهم من قال الكافرون للمشركين والظالمون لليهود والفاسقون للنصارى وبه أقول لأنه ظاهر الآيات وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة.

     

    قال طاوس وغيره ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين.[27]

     

          قال الزمخشري: (ومن لم يحكم بما أزل الله) مستهينا به (فأولئك هم الكافرون) والظالمون والفاسقون وصف لهم بالعتو في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهانة وتمردوا بأن حكموا بغيرها، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكافرين والظالمين والفاسقين أهل الكتاب وعنه نعم القوم أنتم ما كان من حلو فلكم وما كان من مرّ فهو لأهل الكتاب من جحد حكم الله كفر ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق وعن الشعبي: هذه في أهل الإسلام والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى.[28]

          قال النسفي (ومن لم يحكم بما أزل الله) مستهينا به (فأولئك هم الكافرون) قال ابن عباس

     

    -رضي الله عنهما- من لم يحكم جاحدا فهو كافر وإن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضي الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم.[29]

     

    قال الشوكاني: أخرج ابن جرير و ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ومن لم يحكم ) يقول من جحد الحكم بما أنز الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه وأنه ليس كفرا ينقل عن الملة بل دون كفره، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح في قوله( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)

     

    و( هم الظالمون)، (هم الفاسقون) قال كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.

     

    وأخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال إنما أنزل ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و الظالمون والفاسقون في اليهود خاصة وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن حذيفة أن هذه الآيات ذكرت عنده ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و (الظالمون) و (الفاسقون) فقال رجل إن هذا في بني إسرائيل فقال حذيفة: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة كلا والله لتسلكن طريقهم قدّ الشراك، وأخرج ابن المنذر نحوه عن ابن عباس.[30] 

          قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والإنسان متى حلل الحرام –المجمع عليه- أو حرم الحلال- المجمع عليه- أو بدل الشرع –المجمع عليه – كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله.[31]

          وقال -رحمه الله-:ذكر الشالنجي أنه سأل أحمد ابن حنبل عن المصر على الكبائر يطلبها بجهده –أي يطلب الذنب بجهده- إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم هل يكون مصرا من كانت هذه حاله؟ قال: هو مصر مثل قوله {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام، ومن نحو قوله {ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن} ومن نحو قول ابن عباس في قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) فقلت له ما هذا الكفر؟ قال كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه.[32]

     

     

     

          وقال رحمه الله: وإذا كان من قول السلف أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق فكذلك في قولهم أنه يكون فيه إيمان وكفر ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قالوا كفروا كفرا لا ينقل عن الملة وقد تبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة.

     

    وقد عدّ ابن تيمية الحكم بغير ما أنزل الله هوى ومعصية من غير جحود واستحلال من المعاصي التي لا يكفر صاحبها فقال: وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذي يقبل الصبي و المرأة الأجنبية أو يباشر بلا جماع أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة أو يقذف الناس بغير الزنا أو يسرق من غير حرز... أو يرتشي في حكمه أو يحكم بغير ما أنزل الله أو يعتدي على رعيته أو يتعزى بعزاء الجاهلية أو يلبي داعي الجاهلية إلى غير ذلك من أنواع المحرمات.[33]

          وقال رحمه الله: فإن الحاكم إذا كان ديّـنا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إن حكم حكما عاما في دين المسلمين فجعل الحق باطل والباطل حقا والسنة بدعة والبدعة سنة والمعروف منكرا والمنكر معروفا ونهى عما أمر الله به ورسوله وأمر بما نهى الله عنه ورسوله فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي له الحمد في الأولى وفي الآخر وله الحكم وإليه ترجعون، الذي أرسل رسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا،والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد و آله وصحبه وسلم.[34]

          قال بن أبي العز: وهنا أمر يجب أن يتفطن له وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا  ينقل عن الملة وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة ويكون كفرا إما مجازيا وإما كفرا أصغر على القولين المذكورين وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو كفرا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده و استفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده وخطأه مغفور.[35]

     

          قال ابن قيم رحمه الله: فأما الكفر فنوعان كفر أكبر وكفر أصغر.

    فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار.

     

    والأصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود كما في قوله تعالى –وكان مما يتلى فنسخ لفظه- : لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث{اثنتان في أمتي هما بهم كفر الطعن في النسب و النياحة} وقوله في السنن {من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد} وفي الحديث الآخر{من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد} وقوله{لا ترجعوا بعدي كفار يضرب بعضكم رقاب بعض}، وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال ابن عباس ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وكذلك قال طاووس وقال عطاء هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.

    ومنهم من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له وهو قول عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن نفس جحوده كفر سواء حكم أو لم يحكم.

    ومنهم من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، قال ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام وهذا تأويل عبد العزيز الكناني وهو أيضا بعيد إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه و ببعضه.

    ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النص تعمدا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل حكاه البغوي عن العلماء عموما.

    ومنهم من تأولها على أهل الكتاب وهو قول قتادة والضحاك وغيرها وهو بعيد وهو خلاف ظاهر اللفظ فلا يصار إليه.

    ومنهم من جعله كفر ينقل عن الملة.

    والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا مع اعترافه أنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله فهدا كفر أكبر وإن جهله وأخطأه فهذا مخطأ له حكم المخطئين.[36]

     

          قال عبد الرحمان السعدي – رحمه الله- (ومن لم يحكم بما أنزل الله) من الحق المبين وحكم بالباطل الذي يعلمه لغرض من أغراضه الفاسدة (فأولئك هم الكافرون).

    فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال الكفر وقد يكون كفرا ينقل عن الملة وذلك إذا اعتقد حله وجوازه.

    وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ومن أعمال الكفر قد يستحق من فعله العذاب الشديد.[37]

          قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير إتباع لما أنزل الله فهو كافر فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسوالف البادية و كأوامر المطاعين فيهم ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر فإن كثيرا من الناس أسلموا ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار و إلا كانوا جهالا كمن تقدم أمره وقد أمر الله المسلمين كلهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)، وقال تعالى (فلا و ربك لا يؤمنوا حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن وأما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنا وظاهرا لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصـاة وهذه الآية مما يحتج به الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله.[38]

     

          سئل الشيخ الفوزان -حفظه الله- السؤال التالي: قسم العلماء رحمهم الله الكفر العملي إلى قسمين أكبر وأصغر سؤالي: هل الحكم بغير ما أنزل الله من الأصغر أم من الأكبر وما الدليل على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ .

     

    فأجاب حفظه الله :هذه مسألة واضحة ومبينة في كلام أهل العلم والأئمة أن من حكم بغير ما أنزل الله يعتقد جواز ذلك أو أنه أحسن من حكم الله أو أنه مساو لحكم الله أو أنه مخير إن شاء حكم بحكم الله وإن شاء حكم بغيره هذا كافر بالإجماع .

     

    أما إذا كان يعتقد أن الواجب الحكم بشرع الله عز وجل وأنه هو الحق وأن حكم غيره باطل ولكن حكم بذلك لأجل رشوة أو لأجل هوى في نفسه في مسألة من المسائل خالف حكم الله متعمدا في مسألة من المسائل لغرض من أغراضه إما لهوى في نفسه أو لأجل أخذ رشوة أو مداهنة لأحد فهذه كبيرة من كبائر الذنوب ولكن لا يخرج إلى الكفر لأنه يعتقد تحريم ذلك وأنه مخطئ وأنه مخالف فيكون كبيرة من كبائر الذنوب هذا هوالتفصيل في هذه المسألة.

          وسئل حفظه الله: متى يحكم على الحاكم بكفره ومتى يخرج عليه. 

    فأجاب: يحكم عليه بالكفر إذا فعل ردة بأن فعل ناقضا من نواقض الإسلام كالشرك بالله إذا دعا غير الله، إذا ذبح لغير الله، إذا حكم بغير ما أنزل الله يرى أنه أحسن من حكم الله أو أنه مساو لحكم الله عز وجل أو أنه مخير بين أن يحكم بالقانون أو الشريعة فهذا أصبح كافرا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لما سألوه عن الذين يأتون في آخر الزمان ويسيئون في أعمالهم وفي تصرفاتهم ويظلمون الناس قالوا أفلا ننابذهم يا رسول الله؟ قال {لا ما أقاموا فيكم الصلاة} لأن في الخروج عليهم أشد مما هم واقعون فيه من الخطأ والخلل ويحصل مضرة أكبر من الصبر على أذاهم، الصبر على أذاهم مضرة بلا شك ولكن ما يترتب على الخروج عليهم أشد من  نقض عصا الطاعة وتفريق كلمة المسلمين، وتسلط الكفار على المسلمين هذا أشد من الصبر على ظلم الوالي الظالم أو الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر.[39]

     

    خـاتـمــة:

     

    وفي الختام وبعد أن قرأنا أخي الكريم هذه الطائفة العطرة من كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وكلام أئمتنا أئمة أهل السنة والجماعة السائرين على مذهب السلف الصالح لا يسعنا إلا أن نتقي الله عز وجل في أنفسنا وفي ولاة أمورنا وألا ننزعن يدا من طاعتهم ، وأن نثق بعلمائنا فيما ينقلونه عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وعن سلفنا الصالح خاصة في مثل هذه المسألة الخطيرة التي عمت بها البلوى في صفوف الشباب خاصة، وأن نذعن للحق ولا نرده إلا بدليل أوضح من الشمس لأن رد الحق من الكِبر كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- {الكبر بطر الحق وغمط الناس} ومعنى بطر الحق رده، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنه ما أفسد عقائدنا إلا هذه الدعوات الفاسدة المنحرفة في فهمها عن فهم السلف الصالح، فليس كل من تكلم في شريط أو أخرج كتابا هو عالم يُأخذ عنه، وليس كل داعية يدعو فإنه يدعو إلى الله بل قد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أناس يدعون إلى النار وسماهم دعاة لأنهم لا يدعون إلا إلى خلاف السنة.

     

          اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

     

     

     

                                          أبو عبيدة محمد الأمين السلفي

     

                                   27ربيع الثاني1427هـ-25 ماي 2006م

     

    المراجع

     

    [1]- مجموع الفتاوى (3/229-231)

     

    2-مجموع الفتاوى (3/282-284)

     

    3- مجموع الفتاوى (7/507-508)

     

    4- مجموع الفتاوى (7/619)

     

    [5] - مجموع الفتاوى ( 7/ 685 )

     

    6- مجموع الفتاوى (10/372)

     

    7- مجموع الفتاوى (12/466)

     

    [8]- مجموع الفتاوى -(12/487-488)

     

    [9]- مجموع الفتاوى  (12/497-498)

     

    [10]- مجموع الفتاوى (12/50-501)

     

    [11]- مجموع الفتاوى (23/346-347)

     

    [12]- مجموع الفتاوى (35/165)

     

    [13] - شرح القواعد المثلى (365-369)

     

    [14] - شرح القواعد المثلى (370-374)

     

    [15] - شرح القواعد المثلى(383-385)

     

    [16] - شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (4/221-222)

     

    [17] السيل الجرار(4/549-550)

     

    [18] -شرح العقيدة الطحاوية(2/432-446)

     

    [19] - تفسير ابن كثير (2/60-61)

     

    [20] - جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/251-257)

     

    [21]- أضواء البيان (2/79-81)

     

    [22] - أضواء البيان(4/65-67)

     

    [23] -تفسير المنار (6/303-306)

     

    [24]-الجامع لأحكام القرآن (6/190-191)

     

    [25] - أحكام القرآن للجصاص (2/439)

     

    [26] - تفسير الخازن (1/614-615)

     

    [27]- أحكام القرآن(2/624-625)

     

    [28]  الكشاف(1/616)

    موقع الرسالة الحقوق لكل مسلم إشراف حمه المهدي
    البريد الالكتروني
    hama2008@maktoob.com
    الرسالة 2006/2008
    الصحراء الغربية