|
كل عربي حر يتمنى لو لم تخذل الجغرافيا غزة. آه يا غزة لو
كانت تجاورك فنزويلا أو إيران أو تركيا أو ماليزيا أو حتى مالي.. آه لو
كانت حماس هي التي تتحكم في الضفة الغربية. والله لو كانت هناك دولة
أخرى تجاور غزة، ولو كانت حماس تتحكم في الضفة الغربية لكنَّا رأينا
كيف يُهزم الإسرائيلي في يومين أو ثلاثة.
إن الهجوم الوحشي الهمجي البربري الذي قامت به إسرائيل ضد غزة،
وبدلا أن يكون هجوم عدة أيام ومجموعة غارات حاسمة قد أصبح نقطة تحول في
تاريخ المنطقة وفي التاريخ العربي وفي تاريخ فلسطين. منذ ستين سنة
وإسرائيل تتبع أسلوب الهجوم الخاطف السريع والحاسم الذي يتم في أيام
وبعده تنتهي المعركة ويخرج من وراء غبارها الجيش الإسرائيلي منتصرا
قويا. في سنة 1967م خاضت إسرائيل حربا في ستة أيام أذلت بعدها الدول
العربية مجتمعة وجيوشها وحكامها.
إن هجوم 67م الذي تم في ستة أيام هو الذي رسم خريطة العالم
العربي وعلاقته بإسرائيل فيما بعد، فبعده مباشرة أصبح الإسرائيلي هو
الذي يتحكم في المنطقة ويهدد الأنظمة العربية بأنها إذا رفعت سلاحا فإن
مصيرها هو هزيمة مثل 67م. من جهته أمن النظام العربي بالأسطورة
الصهيونية وبقى يرتعد خوفا منها حتى أصبح لا يستطيع أن يطرد الذباب عن
وجهه خوفا وخشية.
من جهة ثانية لم يكن الفلسطيني، قبل غزة قادرا على حمل سلاح كلاش
انكوف، فهو إن فعل ستضربه الطائرة الإسرائيلية وتغتاله قبل أن يطلق
طلقة. خلال المدة الماضية أراد الإسرائيلي أن يرسخ في العقلية
الفلسطينية أن على الفلسطينيين أن يعيشوا مثل الدجاج الأعزل في المزرعة
يأكلون ويشربون، لكن لا يحمل أي منهم سكينا ولا سلاحا ولا يعيش بكرامة
ولا سيادة.
الآن جاءت غزة لتغير كل ما كان قبلها من وضع مخزي. إن ملحمة غزة
أكدت أن حماس هي الوحيدة التي فهمت كيف يمكن التعامل مع الإسرائيلي.
فخلال المدة الوجيزة التي تحكمت فيها في غزة، رغم الحصار الإسرائيلي
والمصري والعربي والتآمر عليها، استطاعت أن أن تحقق ما لم يحققه العرب
جميعهم- ما عدا حزب الله- في ستين عاما. لقد استفادت حماس في مدة
قياسية من كل الأخطاء الماضية، فهي أولا أعادت للفلسطينيين مجدهم ونزعت
عنهم ذل السنوات الماضية. لقد أصبح للشعب الفلسطيني جيشا قويا يصمد في
وجه الإسرائيلي، ليس ستة أيام فقط، لكن زمنا طويلا، بل ويؤكد أنه قادر
على الانتصار. إن حماس لم تجعل الفلسطيني حرا ويحمل الكلاش انكوف، لقد
حولته إلى بطل عاملي ومقاتل من طراز أول. إن الفلسطيني الآن لا يحمل
الكلاش انكوف لكنه يصنع الصاروخ ويضرب به العمق الإسرائيلي ويقيم
توازنا للرعب لم يحققه أي أحد قبله. بعد غزة لن يطرح الفلسطيني سلاحه
أبداً، وسيبدأ التفكير في تشكيل جيش تحرير فلسطين المسلح.
إن ملحمة غزة قد أكدت شيئا أخرا في منتهى الأهمية، لقد انتهى
الحلم الإسرائيلي بتحقيق الأمن. إن الإسرائيلي لم يعد أمنا في أي مكان
من فلسطين المحتلة لإن صواريخ المقاومة المصنوعة والمطورة في غزة أصبحت
تصل إلى قلب إسرائيل. انتهت أسطورة الأمن الإسرائيلي إلى الأبد. إن
المقاومة الذكية التي تقودها حماس تفوقت على كل الحسابات. قبل غزة كانت
الطائرة الإسرائيلية تغتال أحمد ياسين والرنتيسي ووو في دقيقتين، وكان
المخبر الإسرائيلي يجلس مع القائد الفلسطيني لينقاشا قضية فلسطين. جاءت
حماس وأنهت التعامل مع الاحتلال بفعالية ولم تعد إسرائيل تعرف ما يحدث
في غزة، ولم تستطيع أن تغتال قائدا حمساويا واحدا.
الشيء الآخر الذي نجحت فيه حماس هي أنها عرفت كيف تُسير معركتها
مع الاحتلال. إن أسلوب حماس في الهجمات الصاروخية كان آية في الذكاء؛
فهي تستعمل صواريخ خفيفة بلا قواعد ولا حاملات ولا مراكز وبالتالي قد
خطفت من أمام طائرات الاحتلال فرصة قصف القواعد والمراكز وتدميرها. إن
الخطة الفلسطينية في غزة تعتمد على المجموعات الصغيرة المتفرقة التي
تعمل منفردة وتطلق صواريخها من أي مكان تريده دون عائق، فهي تطلق
الصواريخ من فوق السطوح ومن الحقول ومن الشارع وبالتالي استعصت على قوة
الطائرات الإسرائيلية. وليس هذا فقط، بل إن الصمود الذي أبداه الشعب
الفلسطيني في غزة لم يبديه أي شعب في التاريخ فرغم المجازر المروعة فإن
هذا الشعب العظيم بقى صامدا صابرا متماسكا يؤيد المقاومة.
إن المهم أن حماس أكدت أنها قوة ثقيلة جدا، وفي حالة تنظيم اية
انتخابات في فلسطين فإن الفوز سيكون لحماس بدون منازع.
على المستوى العربي فإن ملحمة غزة لم تنزع عن الأنظمة العربية
فقط ورقة التوت، لكنه نزعت عنها ما وراء ورقة التوب. إن هذه الملحمة
أحدثت شرخا، لم يسبقه مثيل، بين هذه الأنظمة وشعوبها، وأصبح النظام
العربي والنظام الإسرائيلي شيئا واحدا في الذهنية الشعبية العربية. إن
غزة أظهرت أن كل المصائب التي حلت بالفلسطينيين مصدرها التآمر العربي
عليهم وخذلانهم.
على المستوى الإسرائيلي بدأ الصهاينة يعدون سنواتهم في فلسطين،
وظهرت صورتهم الحقيقة للعالم كله، فهم ليس أكثر من شعب من الرعاع
والهمج، وهم أقرب إلى الحيوانات منهم إلى البشر.
على صعيد العالم تأكد الجميع انه لا يوجد مجلس أمن ولا مجلس بطيخ ولا
أمم متحدة، وان كل ما هناك هو أمريكا وإسرائيل فقط.
إن ما حدث في غزة يعيد رسم الخرائط والمواقف والحسابات في العالم كله،
فهي معركة مفصلية في التاريخ العربي الحديث، وسيصبح الناس يقولون ما
قبل غزة وما بعدها.
وفي الأخير لكم تمنينا مرة أخرى لو كانت غزة في غير مكانها الآن.
عن موقع www.upes.org

|