لم تشهد السياسة الخارجية لموريتانيا؛ على مدى العقود الخمسة
المنصرمة؛ ما يميزها اليوم من ضبابية في الرؤية الإستراتيجية
وغياب للمعالم المحددة لتوجهاتها..
ولا يخفي بعض المهتمين بالشأن الدبلوماسي في البلد صعوبة
استيعاب النهج الذي تتبناه نواكشوط في تعاملها مع كبريات
القضايا التي تشغل عالم اليوم، وفك رموز مواقفها بشأن ملفات
إقليمية ودولية توصف بأنها بالغة التعقيد؛ من قبيل ملف النزاع
في الصحراء الغربية، وما يعرف بالملف الإيراني، والتنافس
التقليدي بين كل من المغرب والجزائر على النفوذ في منطقة شمال
غرب القارة الإفريقية.
ملفات تطبعها السخونة؛ وأحيانا التوتر الشديد؛ بحيث تتطلب قدرا
كبيرا من المتابعة والحنكة الدبلوماسية، وحيادا إيجابيا يؤمن
مصالح البلد، ويضمن له لعب دور محوري فاعل في المساهمة في
حلحلتها، أو عدم التورط فيها وإن بغير قصد؛ سبيلا إلى ضمان
مصالح البلد وبقائه خارج تجاذبات قد يكون في غنى عنها..
أثارت الطريقة التي تعاملت بها بعض وسائل الإعلام الرسمية
الموريتانية مع لقاء الرئيس محمد ولد عبد العزيز بوزير
الخارجية الصحراوي، محمد سالم ولد السالك قبل يومين؛ علامات
استفهام جديدة حول مستوى العلاقات بين الجانبين.
ففي حين احتل استقبال رئيس الجمهورية لوزير الخارجية الإيطالي،
فرانكو فرتيني صدارة اهتمام وسائل الإعلام الحكومية في
نواكشوط، وحظيت كافة محطات زيارته للعاصمة الموريتانية بتغطية
إعلامية واسعة ومكثفة؛ لوحظ أن الإذاعة الموريتانية تعمدت
تأخير نقل خبر استقبال الرئيس محمد ولد عبد العزيز لرئيس
الدبلوماسية الصحراوي، الموفد الخاص لزعيم جبهة البوليساريو،
الرئيس الصحراوي محمد عبد العزيز.. حيث جاء الخبر في المرتبة
الخامسة، بعد استقبال ولد عبد العزيز للوزير الإيطالي،
واستقباله للمشاركين في الندوة العلمية حول الغلو والتطرف،
واستقباله لعدد من الولاة والحكام.
ومع أن غياب وزيرة الخارجية الموريتانية، الناها بنت حمدي ولد
مكناس، عن لقاء نظيرها الصحراوي برئيس الجمهورية، يفسره مصدر
دبلوماسي موريتاني بانشغالها في زيارة الوزير الإيطالي- الذي
جاء في زيارة رسمية تمت برمجتها منذ فترة، بينما لم تكن زيارة
ولد السالك كذلك، إضافة إلى كونه مبعوثا خاصا يحمل رسالة من
رئيسه للرئيس الموريتاني- إلا أن محللا سياسيا في نواكشوط، يرى
في الأسلوب الذي انتهجته كل من الإذاعة ووكالة الأنباء
الموريتانيتين، ينم عن موقف "غير ودي" تجاه المسؤول الصحراوي،
وعن طبقة جليد دبلوماسية، بدأت تلف العلاقة بين الجانبين
الموريتاني والصحراوي منذ بعض الوقت.
هذه التطورات تأتي في سياق عام تميز – أساسا- بتصريحات نقلتها
وسائل إعلام في المغرب وموريتانيا، نسبت للسفير الموريتاني في
الرباط، الشيخ العافيه ولد محمد خونا؛ وأثارت زوبعة استياء
داخل أوساط البوليساريو، في حين استغربها العديد من القادة
السياسيين والمراقبين في نواكشوط. كما اتسم بدعوة صريحة من أحد
نواب الأغلبية، المقربين من الرئيس الموريتاني، إلى سحب اعتراف
نواكشوط بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
وبحسب بعض العارفين بتجاذبات صراع النفوذ بين الرباط والجزائر،
فإن أي انخفاض في درجة حرارة العلاقات الموريتانية الصحراوية
ينعكس بشكل تلقائي على علاقات موريتانيا بالجزائر.. ويذهب
هؤلاء إلى حد اعتبار البرودة الدبلوماسية بين موريتانيا
والبوليساريو، مجرد انعكاس لغيوم بدأت تغطي سماء العلاقات
الموريتانية الجزائرية في الآونة الأخيرة..
الحياد أسلم
رأى كثير من الموريتانيين في اختيار الرئيس محمد ولد العزيز،
إبنة أشهر وأنجح وزير للخارجية في تاريخ موريتانيا، لقيادة
دبلوماسيته، إعادة اعتبار مستحقة لذكرى الراحل حمدي ولد
مكناس.. لكن أغلب هؤلاء اعترفوا- في الوقت ذاته- أن تلك اللفتة
– الكريمة- كان يمكن أن تكون أكثر توفيقا لو تمثلت في أي إجراء
غير تولية الناها بنت مكناس زمام السياسة الخارجية لموريتانيا،
إذ أنها تفتقر للخبرة الضرورية في هذا المجال الحساس جدا، في
عالم شديد الاضطراب وتجتاحه موجات من التحولات وتتداخل المصالح
الدولية، والتحديات التي لاتخلو من الخطورة في أغلب الأحيان
حسب مراقبين محليين..
ومع أن تعيين بنت مكناس على رأس الدبلوماسية الموريتانية، قوبل
بردود فعل إيجابية، باعتبار الخطوة –في حد ذاتها- شكلت سبقا
على مستوى العالم العربي، حيث كانت المعنية أول سيدة تحتل منصب
وزيرة للشؤون الخارجية في بلد عربي؛ بل ما تزال- حتى اليوم-
المرأة الوحيدة بين وزراء الخارجية العرب؛ فإن حصيلة أداء
الدبلوماسية الموريتانية، خلال الأشهر الأربعة المنصرمة، جعل
غالبية المهتمين بشؤون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية
لموريتانيا، يتساءلون عن أسباب بقائها في هذا المنصب؛ خاصة وأن
تلك الحصيلة لا تبشر بنجاحات مستقبلية على الصعيد الدبلوماسي،
وربما تكرس – في نظر القائلين بهذا الطرح- المفارقة – وأحيانا
التناقض- في مواقف موريتانيا من المشهد الدولي والإقليمى، وفي
تعاملها مع متغيرات الساحة العالمية المتلاحقة..
ومن الأمثلة التي يسوقها من يبدون مثل هذه المخاوف، بروز بعض
علامات الاستفهام حول موقف الحياد من النزاع في الصحراء
الغربية، والذي مكن نواكشوط من الحفاظ على توازن حقيقي في
علاقاتها بطرفي هذا النزاع القائم على تخوم حدودها الشمالية
منذ مايربو على ثلاثة عقود من الزمن؛ كما أتاح لها ضمان الوقوف
على مسافة واحدة بين جاريها الكبيرين، الجزائر والمملكة
المغربية، رغم التوتر المستمر في علاقاتهما الفاترة منذ
سبعينيات القرن الماضي.
حياد فرض على المجتمع الدولي إشراك موريتانيا في كافة مراحل
مسار التسوية الذي ترعاه الأمم المتحدة، من أجل إنحاء حالة
التوتر في منطقة شمال إفريقيا عبر إيجاد حل عادل لقضية الصحراء
الغربية يرضي كلا من المملكة المغربية والجبهة الشعبية لتحرير
الساقية الحمراء ووادي الذهب.
ولعل أبرز علامات الاستفهام التي ظهرت حول الموقف الموريتاني،
الجفاء الإعلامي الذي قوبل به وزير الخارجية الصحراوي، في وقت
يشهد تقاربا واضحا بين حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم في
موريتانيا وحزب الاستقلال المغربي ذي الأغلبية البرلمانية،
والذي يقود حكومة العاهل المغربي، الملك محمد السادس.. وهو
التقارب الذي تجسد في زيارة رئيس الإتحاد من أجل الجمهورية،
محمد محمود ولد محمد الأمين مؤخرا للمغرب، بدعوة من رئيس حزب
الاستقلال، عباس الفاسي.. علما بأن هذا الأخير ظل أكثر
التشكيلات السياسية في المغرب تشددا بخصوص "مغربية" الصحراء
الغربية، وتمسكا بمبدأ ما يعرف بـ" اكتمال الوحدة الترابية
للمملكة المغربية"؛ فضلا عن كونه صاحب أطروحة ضم موريتانيا
للمغرب في ستينيات القرن العشرين.
ولئن كان تعزيز الروابط السياسية والشعبية بين بلدان اتحاد
المغرب العربي أمرا مطلوبا، وأساسا مكينا لتجسيد خيار بناء
اتحاد المغرب العربي، وبالتالي إزالة كل الحواجز التي ظلت تعيق
تحقيق علم شعوب المنطقة في إقامة مغرب الشعوب؛ فإن أي خلل في
توازن هكذا تقارب، من شأنه أن يقود إلى نتائج عكسية، أو يسهم –
على الأقل- في تأخير إنجاز المشروع المغاربي إلى أجل غير مسمى؛
بعد أن تأخر عشرين عاما، منذ التوقيع على ميثاقه التأسيسي في
مراكش، شهر فبراير 1989.. ومن هنا فإن جهود الحزب الحاكم في
موريتانيا، تصبح أكثر نجاعة ومصداقية، حين تشمل مزيدا من
التقارب مع الأحزاب الحاكمة في كل من تونس والجزائر، ومؤتمر
الشعب العام في الجماهيرية الليبية.
إغضاب أطراف.. دون إرضاء أخرى!
من المفارقات التي تطبع النهج الدبلوماسي الحالي في موريتانيا،
كونه وفق في تبني مواقف اتسمت بالشجاعة و الشعبية، مع مراعاة
مصالح موريتانيا الكبرى..
من ذلك –على وجه الخصوص- قرار تجميد كافة العلاقات مع إسرائيل؛
في موازاة مواقف وقرارات لا تحظى بنفس الميزة.
ففي الوقت الذي أثار فيه التقرب من الأشقاء في المغرب، استياء
الأشقاء في جبهة البوليساريو، ومن ورائهم الجزائر؛ جاء التقارب
القوي مع الجمهورية الإسلامية في إيران، غداة قرار المغرب قطع
علاقاته مع طهران.. تماما مثلما ظهر تقارب غير مسبوق بين
موريتانيا وفنيزويلا، في وقت تشهد فيه علاقات الرباط وكاراكاس
قطيعة كاملة، على خلفية دعم الرئيس البوليفاري هوغو شافيس،
لجبهة البوليساريو في مطالبتها بحق الشعب الصحراوي في تقرير
مصيره، عبر استفتاء ديمقراطي شفاف وعادل؛ طبقا لقرارات مجلس
الأمن التابع للأمم المتحدة.
وعلى الصعيد العربي، كانت مشاركة الرئيس الموريتاني في قمة
الدوحة، الخاصة بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الفلسطيني،
وإعلانه- خلال تلك القمة – عن وضع نهاية للتطبيع مع الكيان
العبري؛ كافية لإثارة عدم رضى ما يعرف بـ"دول الاعتدال"
العربية، وإدراج نواكشوط ضمن معسكر"الممانعة العربية" المغضوب
عليه أمريكيا..
ويبدو أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز، نجح في إعادة التوازن
لعلاقات بلاده بطرفي المشهد العربي، عبر مشاركته الفاعلة في
قمة الكويت الاقتصادية بداية العام الماضي، ثم من خلال زيارته
للمملكة العربية السعودية وحضوره افتتاح أكاديمية الملك عبد
الله بن عبد العزيز.
وكان الرئيس الموريتاني قد أكد – فور إعلان فوزه في رئاسيات
يوليو الماضي، في حديث للتلفزيون الجزائري على متانة الروابط
بين الجزائر وموريتانيا، مبرزا أن هذه العلاقات "لا يمكن إلا
أن تكون ممتازة".. وعبر عن رغبته في زيارة الجزائر "في أقرب
فرصة"..
ولعل كبرى مفارقات الدبلوماسية الموريتانية على طريقة بنت
مكناس، تتمثل في غياب الإنسجام الذي يفترض أن تتسم به قرارات
المسؤول الأول في الجمهورية، ومواقف وتصريحات و تصرفات من أوكل
إليهم قيادة سياسته الخارجية..
ذلك- والملاحظة لأحد كبار الصحفيين الموريتانيين- أن هفوة
دبلوماسية بسيطة من قبل رئيسة الدبلوماسية، قد تعصف بكل الجهود
والمواقف الصائبة و الموفقة لقمة هرم السلطة؛ حتى وإن كانت تلك
الهفوة، العبور من مسار "غير دبلوماسي" بأحد المطارات
الخارجية، أو خدش الحياء الشعبي العام، بمصافحة "أجنبي"
بحرارة.. أمام كاميرات التلفزيون..