تخاذل امة مع مأساة شعب

المجلة | الهدى |مدونة الصحراء | الجوال | مواقع  صفحة الإنجليزية| مرئيات | سجل الزوار | إتصل بنا

 

   مأساة شعب و تخاذل امة
إعداد : حمه المهدي البهالي

طوال السنوات الماضية بقيت قضية الصحراء الغربية مغيبة طي النسيان عن اقع العالم الإسلامي وحلول حكام وحكماء العرب الذين يوزعون المبادرات هنا وهناك ، ورغم شعور الصحراويين ببعدهم العربي والإسلامي غير أن الرياح لم تكن تجري بما تشتهيه السفن تجاه قضيتهم العادلة والتي لا تعدو قضية تصفية استعمار بالدرجة الاولى، فبعد ان وقع الاجتياح الغادر وتعرض الشعب الصحراوي لأبشع المجازر والترهيب الملكي وحرب الإبادة الجماعية وما تبع ذلك من تشرد وتهجير للآلاف من الأبرياء العزل الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم ، وانتهكت أعراضهم واستبيحت حرماتهم ومنحت ممتلكاتهم للمستوطنين الذين جلبهم الحسن الثاني في المسيرة الخضراء ، حينها استصرخ الشعب الصحراوي أمته العربية والإسلامية علها تستجيب للمبدأ القرآني :"وإن استنصروكم فعليكم النصرة " لكن هيهات هيهات ، فلم يستجيب لتلك النداءات سوى ليبيا والجزائر أما باقي الدول فأكثرها ساندت العدوان أو شاركت الجريمة كالحكومة الموريتانية في ذلك الوقت بالإضافة إلى بعض الأنظمة الغربية والعربية الأخرى التي وقفت إلى جانب الاحتلال ورفعت أعلامها في المسيرة الخضراء كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبعض دول الخليج كالسعودية التي زورت الحقائق ، لتسويغ الاحتلال وناصرة الظلم والباطل.

و هنا نرجع قليلا إلى الوراء فبقدر ما نفتخر في تاريخنا العربي والإسلامي بالجوانب المشرقة التي يظهر بين ثناياها العدل والخير الذي جاء به الدين الإسلامي الحنيف وتطبيقات الخلفاء الراشدين لرسالته العظيمة ، وبين واقع الأمة المخجل والمليء بمظاهر الظلم والاضطهاد و الطغيان وهدر كرامة الإنسان الذي أبقت عليه رواسب الجشع والطمع للاستحواذ على ممتلكات الغير والضم بالقوة في أنظمة غابت عنها الأخلاق والإنسانية.واستحكمت في أصحابها الأنانية .

ونحن اليوم نعيش في زمن تطمح فيه الشعوب المستعمرة والمحرومة في كل مكان من العالم لتحقيق تقرير مصيرها ، ونيل استقلالها ، واسترجاع حقوقها المسلوبة، وإنقاذ إنسانيتها من الظلم والاضطهاد، والتحرر من أجنحة الاستعمار الثلاثة الجهل والجوع والمرض ، والنهوض لبناء عالم إنساني مبني على الاحترام والتعاون بدل التظالم والتخاصم ، وفي هذا البحث المتواضع نحاول أن نوضح بعض جوانب قضية تهم المسلمين جميعا وقد طال أمدها وتضرر أهلها وتجاهلها من لهم صلة وثيقة بها .
إنها وبكل اختصار القضية الصحراوية ومحنة الشعب الصحراوي التي عاشها ويعيشها حتى اليوم ، بسبب جور البعيد والقريب وتحالف أنظمة الفساد في المنطقة لإبادته بدءا من الاستعمار الاسباني مرورا بالغزو الملكي الموريتاني الذي تعرض له الشعب الصحراوي بعد خروج الاستعمار الاسباني وخاض المعركة بنفسه مناضلا على جبهات متفرقة رافضا الاستعمار والضم بالقوة باي شكل كان ، وفي خضم هذه الحرب الضروس شرد شعب بأكمله وقسم  شطرين بجدار الذل الفاصل بين المناطق المحتلة والمناطق المحررة وبقى جزء من هذا الشعب يتجرع الالم في الأقاليم الصحراوية المحتلة ونزح الآخر إلى جنوب الجزائر وأقام مخيمات تعيش ظروف صعبة في منطقة تندوف  المتاخمة للحدود الصحراوية ويقاسي الامرين الاحتلال والملجئ .

القضية الصحراوية بين الشرعية الدولية وواجب الدول الإسلامية

كثيرا ما بحثت قضية الصحراء الغربية وأشبعت بحثا من جوانب عدة , بيد أن كل تلك الدراسات والبحوث انصبت على الجانب القانوني الوضعي ، وكانت دائما مصنفة ضمن قضايا تصفية الاستعمار لان الشرعية والقانون الدولي كانا دائما  الى جانب حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ونفي سيادة وسلطان المغرب عن الإقليم المتنازع عليه وعدم وجود أي مسوغات قانونية يمكن لمحكمة العدل الدولية ان تستند عليها ورغم هذا كله  بقت القضية الصحراوية دون حل بسبب تواطؤ القوى الكبرى وتحالف فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية مع الاحتلال المغربي .

وهنا نلاحظ كيف تكيل الشرعية الدولية بمكيالين في تطبيق القانون الدولي لقضايا مشابهة كقضية تيمور الشرقية التي نالت استقلالها عن اندونيسيا ، وتظهر ازدواجية الغرب المفضوحة في التعاطي مع القضايا؟ والإجحاف في حق قضايا العالم العربي والإسلامي كالقضية الفلسطينية والعراق و افقانستان والصحراء الغربية التي هي موضوع بحثنا هذا ..

 لكن قليلة هي تلك الدراسات التي بحثت القضية من الزاوية الدينية الإسلامية بالرغم من ان القضية تخص المسلمين بالدرجة الأولى ودفع الصائل ونصرة المظلوم معروفة في الفقه الإسلامي والنظم الإسلامية ، ومعروف حكم الحرابة وقطع الطريق والإفساد في الأرض بغير وجه حق ...
وعلاقة الدولة المسلمة بغيرها سواء كانت إسلامية او غير إسلامية موضحة ومبينة في كتب السياسة الشرعية وواضحة جلية ، لكن رغم هذا كله شهد العالم العربي والإسلامي في أقطار متفرقة حروب طاحنة كانت فيها بعض الحكومات المنتسبة للعروبة والإسلام تساعد قوى الشر وتفتح أراضيها للاستعمار الأجنبي لإبادة الشعوب المسلمة ، وتتضح الصورة أكثر في كل من العراق وفلسطين وافقانستان حيث فتحت القواعد العسكرية للاحتلال الأمريكي في كل من السعودية وقطر والكويت
وقد ذكرت هذا الكلام لتتضح الصورة أكثر عن الوجه الحقيقي لبعض الأنظمة العربية التي تقدم خدمات للاحتلال من اجل مصالحها الخاصة والمحافظة على الحكم خاصة الملكية منها.
 نعود للحديث عن الاجتياح المغربي للصحراء الغربية الذي يفتح صفحات سوداء وجرح لم يندمل بعد في تاريخ الأمة الإسلامية وفي المنطقة المغاربية بالتحديد حيث بقي هذا المشكل عائقا أمام أي تكتل أو تكامل اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي يعود على الشعوب المغاربية المغلوبة بالخير والبركة وذلك بسبب الاجتياح المغربي للصحراء الغربية سنة 1975 والذي تسبب في تشريد الشعب الصحراوي وارتكاب مجازر بشعة لا تزال آثارها شاهدة يحكيها الزمان والمكان وترويها الضحية بكل مكوناتها الصبي والشاب والشيخ الهرم والطفلة والمرأة والعجوز, كل أولئك الذين ذهبوا ضحية الأطماع التوسعية التي أسسها الملك الحسن الثاني على نظريات ميكيافلية توسعية بررها بأسس دينية وأخرى تتعلق بالبيعة والشرف والانتساب لسلالة بيت النبي، صلوات الله وسلامه عليه.مستغلا الجهلاء والطرق الصوفية التي روجت لهذه الأكاذيب مخادعا بذلك العالم ومتسترا ببعض الأمور المنافية لقواعد الشريعة البينة والواضحة والتي لا تحتمل التأويل ولا تحمل الحيف ولا الظلم والجور لأهل الأرض جميعا، وهذه العملية والتزييف الذي خادع به الحسن الثاني العالم نفسها عملية التخدير التي يقوم بها المستبدون والطغاة عبر التاريخ فيقطعون رقابا، ويفتحون السجون، ويسلطون زبانية التعذيب على الضعفاء، ثم يحيلون الأمر إلى الرغبة السماوية العليا والمصلحة العامة .

حرب ضروس وقودها نساء وأطفال وشيوخ
بعد خروج الاستعمار الاسباني حلم الصحراويون بوطن يعيشون فيه بعد معركتهم الطويلة مع الاستعمار كباقي الشعوب العربية والإسلامية لكن الأمر لم يكن كما حلموا او تصوروا يتحالف الجيران مع الاحتلال في توقيع  اتفاقية مدريد الثلاثية بين اسبانيا والمغرب وموريتانيا في 14نوفمبر 1975والتي تقضي بتقسيم الصحراء الغربية و تتخلى بموجبها إسبانيا عن إدارة مستعمرتها الصحراء الغربية والتي كانت تسمى في ظل الاستعمار الاسباني ب(الصحراء الإسبانية) لكل من المغرب وموريتانيا مع بقاء استفادة اسبانيا من الثروات الطبيعية الصحراوية ومقايضة الصحراء الغربية بسبتة ومليلة في شمال المغرب وعدم مطالبة المغرب بهما .

وفي شهر أكتوبر من سنة 1975 اجتاحت القوات الملكية الغازية الصحراء الغربية والجيش المغربي يوجه 25000 جندي مغربي إلى الصحراء الغربية والطيران المغربي يقصف المناطق الصحراوية بقنابل النابالم والفسفور الأبيض المحرمة دوليا، في كل من تفاريتي، قلتة زمور وأم دريكة. ويرتكب أبشع الجرائم , ويتسبب في تشريد الآلاف  ولم تفرق القوات الملكية المغربية بين النساء والأطفال والرجال فكان الجميع هدفا لقنابلها وأسلحتها المدمرة فوقعت مجازر جماعية في امدريكة والسمارة  ، اجديرية ، المحبس وفرت العائلات لتنجوا بأرواحها من هذه المحرقة والحرب الضروس التي تستهدف الأخضر واليابس فنزحت العائلات والقبائل الى الجنوب ثم الى الجزائر وهي منذ 1975 حتى اليوم تكتوي بنيران ذلك الاجتياح الغادر الذي قاده الحسن الثاني الذي تعرض لمحاولات انقلابية متكررة وحاول ان يشغل جنرالات الجيش بقضية خارجية ويحقق أطماع حزب الاستقلال المغربي الذي كان يعتبر ان حدود المملكة تمتد حتى السنغال وتضم الصحراء الغربية وموريتانيا وغرب الجزائر بشار تندوف ...
لكنه خاض حرب فاشلة في 1963 حرب الرمال حيث تيقن ان الجزائر لا تتنازل عن شبر واحد حررته المقاومة الجزائرية لان دماء الجزائريين سكبت على تلك الأرض .
وكانت تقديراته خاطئة حين حدث الجنود المغاربة بان اجتياح الصحراء الغربية سيكون بمثابة جولة سياحية لا تتعدى بضعة ايام ، ليصرح قبل موته بانه استطاع ان يستحوذ على الأرض لكنه عجز عن الاستحواذ على قلوب الصحراويين ...هي إذن لعبة السياسة القذرة وتلاعب الطغاة الظلمة بمصير الشعوب والتسبب في ماساتها ، دون رحمة ولا شفقة ..

حقيقة النزاع في الصحراء الغربية

قليلا ما يتناول الاعلام العربي قضية الصحراء الغربية وإذا تناولها فهو يذكرها بشي من السطحية  التي تكسوها الضبابية وفي بعض الأحيان يكون متأثرا بالدعاية المغربية التي تسوغ للاحتلال فيجلد الضحية بدل المجرم ،حتى اصبح العالم العربي والاسلامي لا يكاد يعرف حقيقة النزاع في الصحراء الغربية .
وهنا نحاول ان نرجع الى جذور النزاع والسبب الحقيقي وراء مأساة الشعب الصحراوي 
  فمنذ أن أطلق علال الفاسي، أطروحته الشهيرة "المغرب الكبير"، والتي سرعان ما تبناها القصر الملكي، وهذه الأطروحة تشكل احدث الثوابت الكبرى، الى يومنا هذا، في تحديد سياسة المغرب الأقصى تجاه جيرانه. إذ باسم "المغرب الكبير" هاجم المغرب المناطق الجنوبية الغربية للجزائر في "حرب الرمال" سنة 1963، واعتبر موريتانيا جزءاً لا يتجزأ من تراب المملكة حتى سنة 1970، ليقوم باجتياح الصحراء الغربية سنة 1975

 

 

خروج الاستعمار الاسباني وبداية الاجتياح المغربي
في 5 نوفمبر سنة 1975 خاطب الحسن الثاني المغاربة الذين للمشاركة في هذه المسيرة قائلا "شعبي العزيز غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء، وستطأون طرفا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون ثرى من وطنكم العزيز"
شارك في هذه المسيرة 350 ألف مغربي ومغربية، ممن ضاقت بهم الشوارع المغربية من البطالين والخمارين وقطاع الطرق والمعاقين ذهنيا وممن غرهم وعد الحسن الثاني بجنة ونعيم الصحراء وقد بقيت صور هؤلاء المغاربة وهم يتدفقون بتلك الطريقة العشوائية الى الصحراء الغربية في عقول كل الصحراويين بل العالم اجمع والتي تنم عن حالت البؤس والشقاء التي وصل إليها هؤلاء ولهذا وصفت بـ " مسيرة الجياع " وانطلقت هذه المسيرة إلى الصحراء الغربية واستولت على الأخضر واليابس ... ليطرد بذلك شعب عربي مسلم من أرضه ويعيش مأساة مستمرة حتى اليوم..
لا مكان للرحمة في قاموس الرجل الذي هدر حقوق الناس ، واسترخص نفوسهم. كيف تكون الرأفة بذئاب الأعراض والأموال والدماء؟ لا يعرف العدالة في هذه القوة إلا المقروحون والمكتوون ممن أهدرت دماؤهم، وانتهكت أعراضهم، ونهبت أموالهم. وتركت كلاب الحسن الثاني المسعورة حرة طليقة تزداد ضراوة ويزداد الصحراويون بها بلاء وشقاوة؟! ((وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)) [إبراهيم: 42، 43]. ((اتّقوا الظلمَ، فإنّ الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة)) ((وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا)) [الفرقان:19].قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنِ اقتطعَ شِبرًا مِنَ الأرض طَوَّقه الله إيّاه من سبعِ أرضين)) ومع هذا الدمار كله لم تستجب الدول العربية والإسلامية لصيحات هؤلاء المستضعفين ..وهم يستغيثون ويستنصرون إخوانهم لكن لا حياة لمن تنادي
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم     قتلى وأسرى فما يهتز إنسان

ماذا التقاطع في الإسلام بينكـم       وأنتمُ يا عبـاد الله إخــوان

ألا نفوسٌ أبيّات لها همـــم         أما على الخير أنصار وأعوان
وتبدأ مع ذلك الاجتياح الجبان فصول جريمة بشعة ،استهدفت شعب مسلم لم تندمل جراحه بعد التي خلفها الاستعمار الاسباني الكافر فكان الحَيْف والظلم والمجازر الجماعية ورائحة الجريمة التي ذهب ضحيتها الأبرياء ، الأطفال ، النساء ، الشيوخ تفوح في كل مكان وسلبت الحقوق والممتلكات واضطرت العائلات للفرار الى الحدود الجزائرية تحت وقع القصف المتواصل والطيران الذي اباد البشر والمواشي واتي على الأخضر واليابس وتشتت شمل العائلات التي فر بعض أفرادها وبقى الآخرون وانقطعت الاتصالات بينهم فلا يعلم الحي بالميت ...
يا رُبَّ أمٍ وطفــل حِيل بينهمـا      كما تفـرق أرواح وأبـدان

وطَفْلة مثل حسن الشمس إذ طلعت     كأنما هـي ياقوت ومـرجان

يقودها العلـج للمكروه مكرهــة     والعين باكية والقلـب حيران

لمثل هذا يـذوب القلب من كمـد      إن كان في القلب إسلام وإيمان
وحل الشقاء  وكانت نتيجة ذلك الاجتياح السافر ضرر وإضرار، وفساد في الأرض ومخالفة صريحة لنصوص القرآن الكريم  وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الاْرْضِ مُفْسِدِينَ [الشعراء:183 , واحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي كان يوصى بها اصحابه قبل خوض المعارك ضد الكفار (لا تخونوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة , ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه , ولا تقطعوا شجرة مثمرة , ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل ، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ، وسوف تقدمون على قوم فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقا) , ثم قال: (اندفعوا باسم الله). هذه الاخلاق يلتزم بها المسلمون في حرب الكفار فكيف بقتال المسلمين واستحلال دمائهم!!
وذا كانت معجزة الإسلام في نظر الحسن الثاني هي المسيرة الخضراء التي حصدت الآلاف من الأبرياء وإسلامه هو المجازر التي اغترفت باسم احد والزلاقة فإن التاريخ يحدثنا عن أصحاب رسول الله ـ صلى عليه وسلم ـ أنهم فتحوا البلاد بأخلاقهم وحسن معاملتهم قبل أن يفتحوها بسيوفهم وعدتهم وعددهم ، فلا يتصور أن عددا قليلا من هؤلاء العرب يدك عرش كسرى ويدك ملك قيصر ويرث هذه الإمبراطوريات الضخمة في هذا العدد من السنين بمجرد القوة ، ولا يعقل أن ثمانية آلاف جندي يفتحون إقليما شاسعا كمصر وينشرون فيها دينهم ولغتهم و آدابهم وثقافتهم وعقيدتهم بالإكراه والجبروت ، ولكن بحسن الأحدوثة وجميل العمل ، وها نحن قد رأينا فيما تقدم كيف أن كثيرا من أهل هذه البلاد كانوا يتمنون عودة العرب إليهم بعد جلائهم فكيف يقال بعد هذا إن الإسلام قام على السيف وانتشر بالسيف.
([1]) وكيف يعقل بعد ذلك ان الحسن الثاني يقتل المسلمين ويتوسع على حسابهم باسم الدين ومعجزة الإسلام التي يرفرف في صفوفها الامامية علم الكفر الامريكي والفرنسي ويتجاهل الأرض التي لا تزال تحت الاحتلال في شمال المغرب "سبتة ومليلة " ويتناسها من التحرير؟

طبيعة الحرب في الإسلام
وضع الإسلام كل شيء موضعه وحرم الحرب في كل ما سوى الأغراض الإنسانية الإصلاحية الحقة من المقاصد المادية أو النفعية فإن الإسلام لا يجيز الحرب من أجلها بحال من الأحوال وذلك واضح كل الوضوح في إضافة الإسلام القتال أو الجهاد دائما إلى سبيل الله فلا تزد واحدة من هاتين الكلمتين في بحث من البحوث الإسلامية إلا مقرونة بهذا السبيل , على أن القرآن الكريم قد صرح بتحريم كل قتال لغير هذه الأغراض المشروعة وأكدت هذا التحريم أحاديث النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسجل التاريخ ذلك لأصحابه الذين لم يريدوا بقتالهم شيئا أبدا إلا وجه الله وتحقيق المقاصد المتقدمة كلها أو بعضها وفي ذلك يقول القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا)
وتصدى المرابطون في ربوع الأرض الصحراوية وأكناف الساقية والواد،لهذا الظلم الذي حرمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرما
 ((يا عبادِي، إني حَرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلاَ تظالموا)) متبعين قوله الله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39)  وقوله تعالى:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190) (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ..) (النساء:75) ,: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)) [البقرة:214]، ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ))آل عمران:142

فسكبت الدماء الزكية وسقط الشهداء الأبرار على يد إخوانهم المغاربة ، وسجل التاريخ بطولات هؤلاء الأبطال بأحرف من ذهب لأنهم وقفوا في وجه احتلال غاشم تعرض لكليات الشريعة الخمسة التي صانها الإسلام ، ففتن الاحتلال الناس في دينهم وأزهق الأرواح البريئة ودنس الأعراض الطاهرة المصونة وانتهك حرماتها ودمر الدور والممتلكات وخرب العقول ولا يزال بنشر الفحش والفجور ويغرق المناطق المحتلة بجميع أنواع الكحول والمخدرات ووسائل الإفساد وسياسة التجهيل فأي دين هذا الذي يريد الحسن الثاني نشره في الصحراء الغربية المسلمة ؟
ومما تقدم تتأكد مشروعية مقاومة الشعب الصحراوي لهذا الاحتلال عن سعد بن يزيد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله يقول: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد). البخاري

إن هذه المجازر الدموية الرهيبة والحرب القذرة التي خاضها الحسن الثاني وجيشه ضد المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ والتي لم يراعي فيها حرمة، فقصفها بقذائف النابالم والفسفور وغيرها من الأسلحة المحظورة دوليا لا تصدر عن كافر فما بالك بمن يدعي الإسلام بل يسخر من الإسلام حين يستخف بعقول المسلمين مسميا ذلك الاجتياح الهمجي فتحا وواصفا المسيرة بمعجزة الإسلام وينسى او يتناسى ان شمال المغرب وبالتحديد مدينتي سبتة ومليلية اولى بهذه الغزوات والفتوحات التي اطلق عيها اسم احد والزلاقة واستهدفت المسلمين بدل الكفار المحتلين ويطرح هذا التناقض اكثر من سؤال ويضع الرجل في حرج كبير ...
وقد عرى ذلك الاجتياح المواقف الخاذلة للعالم العربي والإسلامي ووقف الشعب الصحراوي في محنته لوحده يقاتل على جبهتين الأطماع الملكية المغربية من الشمال والأطماع الداداهية الموريتانية من الجنوب حتى وقف إطلاق النار مع عدم نكر الفضل للجزائر التي احتضنت اللاجئين الصحراويين وليبيا وبعض الدول التي نقول عنها كافره وشيوعية ككوبا كانت اكثر رحمة من اخواننا المسلمين سواء الذين قاتلونا واغتصبوا أرضنا أو الذين أعانوا الاحتلال علينا أو خذلونا...
إن تاريخ المقاومة الصحراوية للتصدي للطغيان ايا كان حافل بهذه التضحيات منذ المحاولات الأولى لاحتلال هذه الديار إلى يومنا هذا. وإن مواكب الشهداء التي تزفتها جبهات القتال لشاهد على مدى ما يتعرض له شعبنا الصابر المرابط من الظلم والاضطهاد على يد الاحتلال المغربي الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء للقيم الإنسانية، وخرق كل القوانين والأنظمة الدولية التي ترعى حقوق الإنسان في ظروف الحروب.

قتل كلب في غابة جريمة لا تغتفر…وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر

لكن الشعب الصحراوي لن يرضى بديلاً عن الاستقلال والحرية والحياة حرًا كريمًا فوق تراب وطنه ، شعاره في ذلك قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "

وجاء في الحديث الشريف عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي قال: ((ما يصيب المسلم من تعب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"
موقف الدول الإسلامية من النزاع
وهنا لا بد ان نوضح انه ليس المقصود هنا بالدول الإسلامية تلك التي تحكم الشريعة الإسلامية في نظم الحكم لأنها غير موجودة أصلا في العصر الحاضر ، وإن وجد شي من ذلك التطبيق فهو مقتصر على بعض الأحوال الشخصية والشؤون الداخلية والتنظيمية كما هو الحال في السعودية وإيران وغيرهما
وإنما المقصود هنا الدول التي تعلن أنها دول إسلامية في دساتيرها الإسلام دين الدولة" او التي يكون أكثر سكانها مسلمين  
1/ الدول التي تسمي نفسها إسلامية: من بين دول العالم الإسلامي لا توجد من تطلق على نفسها لقب الإسلامية سوى موريتانيا وإيران من بين جميع دول العالم الإسلامي .
1/ موقف موريتانيا : منذ استقلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية عام 1960، كان من الواضح أن العمق الحقيقي - الطبيعي للدولة الموريتانية وللمجتمع هو الصحراء الغربية والمجتمع الصحراوي. ففي افق التأسيس لنظرة إستراتيجية للموضوع، أكد الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داده في خطابه الشهير في مدينة أتار سنة 1975الخطوط العريضة لتلك العلاقة الخاصة قائلاً: "إننا - مخاطباً الصحراويين - نحمل الأسماء نفسها، نتكلم اللغة نفسها، نحتفظ بالتقاليد النبيلة نفسها، نرعى ابلنا في المراعي نفسها على الآبار نفسها..."، لكنه ما كاد يؤكد تلك النظرة البعيدة المدى، حتى سقط - عشر سنوات بعد ذلك - ضحية حسابات ظرفية ضيقة، بدخوله في الحلف المعادي لإرادة الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال، زاجاً بالشعبين الشقيقين في اتون حرب قاسية، كان الأخ خلالها يقتل اخاه، وخسر خلالها الشعبان طاقات وفرصاً ماثلة آنذاك لتنمية وديمقراطية واعدتين. لكن الحلف "عكس الطبيعة" سرعان ما تفكك أمام إرادة الحقيقة الدائمة، غير الظرفية، إرادة الشعبين الموريتاني والصحراوي في إدارة الظهر لجراح السنوات الأربع، والتطلع بكل ثقة إلى أفق التآخي، التعاضد والتكامل، التي انتهت إلى توقيع اتفاق السلام والاعتراف بالوجود الوطني الصحراوي المستقل لتتراجع الحسابات الظرفية الضيقة لحساب النظرة الإستراتيجية اللامحدودة، بالتأسيس لمناخ ايجابي باسم الهوية والمصير المشتركين بين الشعبين، والذي ظل، وربما لم يزل، يطبع علاقات الشعبين إلى الآن. ([2])
2/ موقف إيران : الجمهورية الإسلامية الإيرانية : اعترفت إيران بالجمهورية العربية الصحراوية منذ البداية ويمكن ان نرجع ذلك لطبيعة الثورة المناهضة للظلم وللانظمة الفاسدة والمتعفنة وكذلك لاحتضان الحسن الثاني لشاه إيران الذي أطاحت به ثورة الخميني ، ولخلافات إيران مع المملكة المغربية حساسية كبيرة تلك التي كان يبديها الملك الهالك تجاه كل الثوريين. وخاصة عندما يحلم هؤلاء بنظرية تصدير الثورة. والمثير في ثورة الخميني أنها كانت سياسية باسم الدين ترفص كل أنواع الأنظمة الملكية المتسلطة والتي كان الحسن الثاني احد أطرافها ويمارسها ضد شعبه وهو ما جعله يخاف من تصدير الثورة إلى المغرب لانها تستهدف كل النظم الفاسدة في العالم الإسلامي خاصة الملكية منها. وبالنظر إلى ما كان يبديه الحسن الثاني من اعتداد بمكانته الدينية وتنصيصه عليها في نصوصه الدستورية، انبرى إلى مواجهة الثورة الخمينية منذ لحظاتها الأولى. وكان أبرز تجليات ذلك استقباله للشاه الملك الذي رفضه الشعب الإيراني بالإجماع لفساده ، ولم يرضخ للضغوطات المطالبة برحيله إلا عشية انعقاد مؤتمر إسلامي بالرباط.
السعودية : ليس غريبا ان تمول السعودية الحرب على الصحراء الغربية وتدفع تكاليف الحرب للمملكة المغربية وتزودها بنفط الشعب السعودي ولاننا نعرف جميعا الفساد الواضح في السياسة الخارجية السعودية والعلاقة الحميمية بين ال سعود وال بوش وترجمة تلك العلاقية بتزويد الطائرات التي تقصف الشعب العراقي والفلسطيني بنفط عربي مسلم . فكان موقفا مستهجنا وغير اخلاقي وقد ذهب وفد من الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب لكن وجد الابواب موصدة امامه فلم يستقبل في من هذه الدول التي تعتبر نفسها وصية على الدين والعروبة مثل مصر والسعودية ...
اما باقي دول العالم الإسلامي فهي لاتسمي نفسها بانها اسلامية لكن تجعل عادة مادة في الدستور تشير الى ان هو الإسلام  دين الدولة

بما ان الإسلام كان شبه غائب في نظم المجتمعات الإسلامية فإن هذه الدول بقت متبرمة من مسؤولية الإصلاح الذي هو عنوان الإيمان في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10] وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً [النساء:129]. وما امر الله به حال التنازع والخصومة بين الطائفتان المسلمتان
ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين (( لقد شهدت في دار ابن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت.
لكن أي من هذه الدول الإسلامية لم تتقدمت بمشروع تصالح او وساطة بين أطراف النزاع .


 

([1])  رسائل حسن البنا ، السلام في الإسلام ، 

([2])  موريتانيا والنزاع على الصحراء وقصة "أُكلت يوم أُكل الثورُ الأبيض"حفظ الله بشراي بشير ، باحث في مركز الدراسات الإفريقية في جامعة السوربون – باريس  الحياة   :  2003/02/21

هل ترغب في التعليق على هذا الموضوع ؟

 

 
الاسم الكامل required
البريد الالكتروني required
التعليق required
عنوان الموضوع الذي تريد التعليق عليه required
عنوان التعليق required

  

 

 

 

موقع الرسالة الحقوق لكل مسلم إشراف حمه المهدي البهالي
البريد الالكتروني
hama_1984_1@yahoo.fr
الرسالة 2006/2009 الصحراء الغربية