ذلك ما كنا نبٍغ

ذلك ما كنا نبٍغ

د. محمد سليم العوا
الشهادة في سبيل الله هي الأمنية الكبري التي كان الشيخ أحمد ياسين يتمناها لنفسه، وحياته الزاهدة المتقشفة أكبر دليل علي ذلك، وقول ابنته مريم في حوارها مع موقع 'إسلام أون لاين' يوم الخميس 25/3/2004 'إن الشيخ كان يعيش في بيت متواضع جدا، يتكون من 3 غرف، وفي البيت شبابيك كثير (تعبانة!) .. أي كان لا يحب الدنيا، كان يحب بيوت الآخرة .. عرض عليه كثيرا أن يكون له بيت مثل بيوت الرؤساء، عرض عليه من السلطة بيت ضخم في أرقي أحياء غزة، ولكنه رفض العرض لأنه يريد الآخرة ولا يهتم بهذه الشكليات الدنيوية' .. ووصفت البيت بأن 'مساحته ضيقة، لا يوجد بلاط، المطبخ متهتك جدا، في الشتاء بارد جدا، والصيف حار جدا، لكنه لم يفكر مطلقا في تجديد البيت لأنه كان مشغولا في تجهيز بيته في الآخرة'.
هذا القول يذكر المؤمنين بوصف النبي صلي الله عليه وسلم بأنه كان ينام علي حصير أثٌîر في جنبه، فقال له بعض أصحابه: يارسول الله ألا نبسط لك شيئا (يعني فراشا لينا) يقيك منه، تنام عليه؟ فقال النبي صلي الله عليه وسلٌîم 'مالي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف (يعني من أيام الصيف) فقال تحت ظل شجرة، ثم تركها (قال أي نام وقت الظهيرة)!
ولما نظر عمر بن الخطاب إلي خلوًٌ بيت رسول الله من الأثاث، بكي، فقال له رسول الله: ما بك، فقال عمر: يارسول الله أنت صفوة الله من خلقه، وكسري وقيصر فيما هما فيه؟ فجلس رسول الله صلي الله عليه وسلٌîم محمٌîرا وجهه (أي من الغضب) فقال: أفي شكً أنت ياابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، أما ترضي أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال عمر: بلي يارسول الله!
وقد بقي هذا السلوك النبوي قدوة وأسوة للصالحين الصادقين من المؤمنين علي مدي التاريخ، وإني لأذكر يوم زرت لأول مرة آية الله حسين علي منتظري، وكان نائبا للإمام الخميني، فدخلت غرفة مجلسه فوجدتها مفروشة بالحصر المصنوعة من البلاستيك الرخيص، وفي زاويتين منها بطانيتان فوق الحصير إحداهما فيها أثر احتراق كأنه من مكواة(!) فسألت زوج ابنته، ومدير مكتبه آنئذي، أين يجلس الشيخ؟ فأشار إلي الموضع الذي به أثر الحرق(!) وكنت في صحبة الإخوان راشد المبارك وقاسم الوزير وزادٌار الزيدي (رحمه الله) فخرجنا نتعجب من تواضع هذا الشيخ الجليل الذي كان يدير في الواقع الدولة الإيرانية كلها أو جلها في أثناء الحرب العراقية ضدها.
والأحاديث المتواترة عند أصحاب حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين وأول شهدائها فيها الكثير مما يحفظ ويروي فيؤكد هذا التأسي عند أصحاب الرسالات بصنيع الرسول صلي الله عليه وسلٌîم، ويؤكد أنهم ليسوا طلاب دنيا، ولو أرادوها لأتتهم فرحة بهزيمتهم أمامها، لكنهم أصحاب آخرة ومعلمو أجيال، يخلدون في التاريخ بترفعهم عن الصغائر ورضاهم بالقليل وقدرتهم مع ذلك علي العمل الكثير الذي لا يستطيعه المتخمون بالمال والرياش من سكان القصور وطلاب الرفاهية!
كان هم أحمد ياسين الوحيد هو مقاومة العدو الصهيوني. واستطاع من موقعه المتميز بعدم القدرة علي الحركة وحيدا منذ كانت سنه 14 سنة أن يحرٌك شعبه كله، والشعوب العربية والإسلامية معه، وأن يحرك العدو الصهيوني بكل آلات حربه الجبارة وكل الدعم الأمريكي الظالم له.
حرٌîك شعبه وشعوب العروبة والإسلام لتعلم أن العجز ليس قدرا محتوما علي أحد، وإذا الفرد الواحد قادر علي هزيمة عجزه، فإن الأمة أقدر علي ذلك من كل فردي وحيد أعزل!
وحرٌك العدو الصهيوني حتي جعل هم حكومته وجيشه وأجهزة أمنه أن تنال منه في غدوة أو روحة إذ رأته أهم أعدائها وأخطرهم عليها وهو لا سلاح له إلا سلاح الكلمة الصادقة المخلصة يحرك بها آلاف المجاهدين وملايين المحبين من أقصي الأرض إلي أقصاها.
وحرٌîك الأمريكيين الذين يقفون بكل ما ملكهم الله من زينة الأرض وزخرفها وراء الصهاينة الإسرائيليين، فكشف كذبهم وهوانهم علي أنفسهم وتفاهة ما يدعونه من مبادئ عندما لم يجرؤوا علي إدانة اغتياله وهو أعزل خارج من صلاته لا يصحبه إلا ولداه (اللذان أصيبا معه) وثïلٌîةى من محبيه المؤمنين، فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر. وهكذا كشف أحمد ياسين حيا العجز العربي الرسمي، والقوة العربية الشعبية، كشف شهيدا حقيقة الانهزام الإسرائيلي أمام المقاومة الفلسطينية الصامدة، .. حقيقة التواطؤ الأمريكي الذي حول الولايات المتحدة إلي شيطان أخرس!
استشهد أحمد ياسين بعد صلاة الفجر، علي إثر اعتكافه الليلة السابقة في المسجد، وأصبح صائما، فلقي الله علي أحسن حال يتمني المؤمن أن يلقي الله عليها، بريء الذمة من الفرائض، راجيا ثواب الاعتكاف، صائما لله تعالي ليفطر عنده علي موائد الملائكة المقربين الذين يستقبلون الشهيد مع النبيين والصديقين والصالحين، ومن أحسن من هؤلاء رفيقا؟
استشهد أحمد ياسين في الوقت الذي استشهد فيها أميرا المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقد طعن عمر وهو في صلاة الفجر الطعنة التي أودت بحياته، وضرب علي وهو في طريقه من بيته إلي المسجد ليصلي الفجر، وهو ينادي الناس كما كان يفعل دائما 'أيها الناس، الصلاة، الصلاة'!
ولما بكت ابنته أم كلثوم قال لها اسكتي(!) فلو ترين ما أري لما بكيت. قالت يا أمير المؤمنين، ماذا تري؟ قال'هذه الملائكة وفود، والنبيون، وهذا محمد صلي الله عليه وسلم، يقول لي: يا علي، أبشر، فما تصير إليه خير مما أنت فيه'! وهو مصداق الحديث النبوي: أنه مامن أحد بموت فيتمني أن يرجع إلي الأرض ثم يموت ثانية إلا الشهيد لعظم ما يري من الكرامة.
استشهد أحمد ياسين فوحد دمه الطاهر المقاومة الفلسطينية كلها علي الصبر والمرابطة في مواجهة العدو الصهيوني الغاصب حتي يندحر ويهزم بإذن الله.
استشهد أحمد ياسين فلم ينل غيابه من قدرة حماس ولاقوتها، بل زادها وحدة وتماسكا، ولم تمض ساعات حتي كانت القيادة الجديدة قد تولت زمام الأمور وكأن شيئا لم يكن، فهؤلاء الذين رباهم أحمد ياسين ليسوا طلاب زعامة ولا متكالبين علي مناصب، لكنهم طلاب شهادة وحملة رسالة أسمي أمانيهم أن يموتوا في سبيلها وأسعد أحوالهم أن يكونوا جنودا في صفوف العاملين لأجل نصرتها. والذين يعرفون حقيقة حماس وقليل ماهم يعرفون أنها لا يديرها عقل فرد ولا رأي قائد واحد، وإنما هي جماعة مؤسسات لكل منها نظامها المحكم في مرونة تجعله قابلا لمواجهة أقسي الظروف وأشق المواقف.
وهي ليست مؤسسة لأعضائها فقط، وإنما هي مؤسسة يقف وراءها من الشعب الفلسطيني قوة هائلة من مختلف توجهاته وفئاته، تقف وراءها وتقف وراء قوي المقاومة كافة جميع القلوب والعقول التي تعرف أن هذا العدو الصهيوني لا يفهم إلا اللغة التي يحسنها، لغة القوة المزلزلة والألم المستمر، يريد أن يلحقه بالشعب الفلسطيني فإذا ألحقته المقاومة به هو عرف أثره وأدرك خطورته وتلفت حوله بحثا عن مخرج. وليس أدل علي الشعور بالضعف في مواجهة المقاومة الفلسطينية من اغتيال الصهاينة للشيخ أحمد ياسين، ومن الصمت الأمريكي المخزي إزاء هذه الجريمة ومن التآمر في مجلس الأمن، والتهديد 'بال÷يتو' لئلا يصدر قرار يدين ارتكابها!
واستشهد أحمد ياسين وقد ترك رسالة مكتوبة إلي القمة العربية التي تجتمع اليوم في العاصمة التونسية. كان ينوي أن يسجل هذه الرسالة بصوته وصورته ويرسل شريطها إلي الملوك والرؤساء العرب، لكن الانتقال إلي ما هو خير وأبقي جاءه في وقته فأعجله عن أن يفعل. ومع ذلك فإن النص الذي نشر لهذه الرسالة الوصية سيبقي حجة علي هؤلاء المجتمعين في تونس، وسيبقي حجة عليهم حتي لو لم يجتمعوا، وهو حجة علي الذين ذهبوا إلي تونس وعلي الذين لم يذهبوا. سيقال لهم، ولكل واحد منهم يوم القيامة: ماذا فعلتم في وصية الشيخ الشهيد؟

 - هل أوقفتم التطبيع مع العدو الصهيوني بجميع أشكاله؟

 - هل أغلقتم سفاراته وقنصلياته ومكاتبه التجارية وكل صور الاتصال معه؟

 - هل أعلنتم موقفكم الواجب أن تتخذوه وتعلنوه من الجهاد لتحرير فلسطين وأنه حق مشروع لشعبها وفرض عين علي كل مسلم حتي تتحرر أرضها؟

 - هل أبديتم تأييدا للشعب الفلسطيني الذي يخوض ببطولة فائقة معركة غير متكافئة ماديا ومفروضة عليه فرضا ولو كان ذلك التأييد معنويا؟

 - هل قدمتم يد العون الاقتصادي للشعب الذي حال العدو الباطش بينه وبين كل وسائل الكسب والعيش؟

 - هل وظفتم الطاقات الهائلة التي تسيطرون عليها لخدمة قضية وطن سليب وشعب يباد وحرمات تنتهك مقدسات هي قيد الهدم أو قاب قوسين منه؟
وكل هؤلاء الملوك والرؤساء والزعماء.. إلخ مطالبون واحدا واحدا بأن يعدوا الجواب لهذه الأسئلة ونظائرها بين يدي الله تعالي، فإنهم كلهم، آتيه يوم القيامة فردا(!)