المرحلة الإبتدائية

  الصفحة الرئيسة للموقع   |  مذكرات القرضاوي   

إلى المعهد الديني في طنطا(المرحلة الابتدائية)

-1-

أعددنا العدة للذهاب إلى مدينة طنطا عاصمة مديرية الغربية، وثالث المدن المصرية، بعد القاهرة والإسكندرية، وفيها يقع المعهد الديني.

وكانت العدة التي أعددناها لهذا المرحلة الجديدة: سلة فيها بعض الزاد اللازم للمسافر، مثل خبز القمح الجاف، وبعض القرص والقراقيش يشتهر بها ريف مصر، وبعض الجبن (القريش) وبعض البيض والسمن. والمقصود من هذه الأشياء تقليل النفقات، فلا أضطر لشراء أشياء للغذاء إلا ما لا بد منه. كما كان من العدة التي أعددتها غياران آخران غير الذي ألبسه، فما كان في إمكاني أن أملك من الثياب أكثر من ذلك.

ومن العدة التي أعددتها: الطربوش والشال، وهما المقومان الأساسيان للعمامة المطلوبة. أما الجبة ذات الطوق (الكاكولة) فقد تأخرت إلى السنة الأولى الثانوية.

ومن العدة اللازمة: بطانية صوف خشنة كأن فيها شوكا، وليست كبطاطين هذه الأيام الناعمة. وكذلك مخدة أتوسدها عند النوم.

وقد حملت هذه الأشياء كلها إلى محطة القطار، وساعدني ابن عمي في توصيلها إلى المحطة، ومن محطة صفط إلى محطة طنطا، ثم إلى المنزل الذي سنسكن فيه، أو الحجرة التي سنسكن فيها ساعدني حمال (شيال) أخذ قرش تعريفة، على ما أذكر.

وكان ابن عمتي يوسف عبد الله النجار، وهو طالب في السنة الرابعة الثانوية بالمعهد، قد سبقنا إلى طنطا واستأجر لنا حجرة بمبلغ 18 ثمانية عشر قرشا، يسكنها ثلاثة: ابن عمتي وأنا وزميل لي في السنة الأولى له صلة قرابة بنا هو منصور السعيد صقر.

كانت الحجرة في الدور الأرضي، وكانت أرضيتها من التراب، وقد كانت لابن عمتي حصيرة أحضرها لنفترشها. ولم يكن من حقنا استخدام مرحاض المنزل إلا للضرورة، فكنا نستخدم مراحيض وحمامات ومغاسل أعدتها البلدية، والتي ترعى شئون النظافة والتجميل، وفيها ماء بارد وساخن، وكانت هذه الأشياء على بعد خطوات من سكننا، وهذا من فضل الله علينا. وكانت هذه المغاسل البلدية لخدمة أبناء الشعب في المناطق الفقيرة، وكانت خطوة متقدمة لم يعد لها نظير فيما بعد.

بقينا في هذه الحجرة عدة أشهر ثم انتقلنا إلى سكن آخر في نفس المنطقة أو نفس الحارة كان أفضل بكثير من الحجرة الأولى، فقد كان هذا السكن عبارة عن حجرتين متداخلتين كسيت أرضيتهما بالخشب، ولهما بلكونة، وأجرتهما واحد وعشرون قرشا، أي كل واحد منا عليه سبعة قروش.

تابع في المرحلة الابتدائية:

حياتي في السنة الأولى.. مشاهدة المولد وحفظ المتون

بعد أسبوعين تقريبا من بدء الدراسة، أعطينا إجازة من الإدارة لمدة أسبوع كامل، بمناسبة (مولد السيد البدوي) حيث تكتظ طنطا بمئات الألوف من الزائرين الذين يفدون إلى المدينة من كل حدب وصوب، وتزدحم المدينة ازدحاما شديدا، لا تستقيم معه الدراسة.

وكانت فرصة لابن عمتي ليفرض علي أن أحفظ من المتون والكتب المقررة ما أستطيع، وخصوصا من متن الأجرومية في النحو، و(نور الإيضاح) في الفقه، ومن كتاب (السيرة النبوية).

ولم يمض الأسبوع حتى كنت قد حفظت متن الأجرومية وإن لم أفهمه، كما حفظت عدة صفحات من نور الإيضاح أكثر مما حدد لي ابن عمتي. ولم أقض كل الوقت في الحفظ، فقد كنت أذهب للفرجة على مظاهر (المولد) في المدينة.

كانت الحياة في السنة الأولى رخيصة جدا، وكان شعارنا: القناعة كنز لا يفنى، ولم يكن لنا طموحات أو تطلعات تتطلب نفقات، فليس لنا نفقات إلا فيما نأكل ونشرب.

وكنا في الصباح نفطر على ما تيسر مما حملناه من زاد القرية، مثل بعض القرص أو القراقيش. وفي العشاء قد نقلي بعض البيض، أو نكتفي بالجبنة أو الحلاوة الطحينية.

وفي الغداء معظم طعامنا الفول المدمس، وأذكر أني أخذت صحنا وقرش تعريفة، ـ وهو خمسة مليمات، فاشتريت بأربعة مليمات فولا بدون زيت؛ لأن لدينا سمنا نضعه عليه بدل الزيت. وبقي مليم من التعريفة اشتريت به فجلا، وأعطتني بائعة الفجل خمس حزم بالمليم، ثم زادتني واحدة من عندها؛ لأني (زبون) جديد.

وكان هذا غداءنا نحن الثلاثة. وفي بعض الأيام نستبدل بالفول الطعمية، وكلاهما فول في النهاية. وفي بعض الأيام غيرنا الفول، واشترينا سمكا مشويا بقرش صاغ كفانا نحن الثلاثة.

أما الماء فكنا نشربه في قلة قناوية، نملأها، ثم ندعها تبرد، بقدر ما نصبر عليها. ولم يكن الناس يعرفون الثلاجات ونحوها.وأما اللحم فلا نفكر فيه ولا نشتهيه؛ لأنه طعام (برجوازي) وليس من طعام أمثالنا من الفقراء عادة.

على أني كنت محظوظا أكثر من غيري، فقد كانت لي خالة تسكن في مدينة طنطا، وكانت تحبني وتعزني، وتعدني كأني ابنها، وأعتبرها كأنها أمي، ولم يكن لها ابن ذكر، لكن كان لها بنتان قريبتان من سني، هما سميرة وأنيسة، وكان الناس ينادون خالتي بـ (أم عبده) على اسم خالي عبد الحميد. فكنت أذهب إلى خالتي كل أسبوع مرة لأسلمها ما اتسخ من ملابسي لتغسلها، ولتطعمني ما تكنه لي من اللحم أو الطيور، وكانت تهوى اقتناء الطيور والدواجن في منزلها.

ومما فوجئت به وكانت مفاجأة سارة: أن وجدنا بالمعهد ـ بعد شهرين تقريبا من بدء الدراسة ـ مكافأة لكل طالب مقدارها ثمانية عشر قرشا، تسمى بدل جراية. وذلك أن بعض أغنياء المسلمين القدامى كانوا قد وقفوا على طلاب العلم الشرعي خبزا لوجبات ثلاث يومية، يجري عليهم بصفة دورية؛ ولذا سمي (الجراية). وكانوا قديما يتسلمون الجراية عينية، فلما تغير الحال، أصبحوا يدفعون للطلبة بدل الجراية نقودا.

والحق أني فرحت بهذا المبلغ الإضافي الذي أعطانا بعض البحبحة في النفقة، فجزى الله هؤلاء الواقفين خيرا عن العلم وأهله.

عودة إلى القرية على الأقدام.. توفيرا للنفقات لا أكثر

بمناسبة قدوم عيد الأضحى، أعطينا إجازة خمسة أيام، فقررنا قضاءها في القرية بين أهلينا وأسرنا، وحتى نوفر أجرة القطار أو الحافلة (الأوتوبيس) صممنا على أن نذهب إلى القرية سيرا على الأقدام،22ك.م مسافة ما بين طنطا وصفط، وكنا ثلاثة: أنا ومنصور صقر، وثالث لا أذكر من هو، ويحمل كل منا سلته (سَبَتَه) التي يجلب فيها الزوادة. وأمضينا المسافة في نحو أربع ساعات، نتوقف فيها في الطريق للصلاة وللراحة، ولم نكن نحس بالتعب، فعزم الشباب وطموح الشباب ينسيان متاعب الطريق.

وفي هذه الإجازة لقيني عالم القرية الشاب، الشيخ عبد المطلب البتة، ليسألني عن الدراسة، فقلت له: ممتازة. فسألني بعض المسائل في الفقه الحنفي، فأجبته بدقة وتفصيل، فقال: الله يفتح عليك. ثم التفت إلى من حوله، وقال لهم: هذا عالم بمعنى الكلمة. ولا ريب أن هذه الكلمة من هذا العالم المتمكن سرتني وشرحت صدري.

الاستماع إلى الشيخ البنا.. خطوة أولى مع الإخوان

في السنة الأولى من المرحلة الابتدائية حدثت لي حادثتان مهمتان:

الأولى: هي الاستماع إلى الشيخ حسن البنا، ولذلك قصة أود أن أحكيها:

فقد كانت المناسبة هي الهجرة النبوية في أوائل محرم، وكانت الجمعيات المختلفة تتنافس في الاحتفال بها، وكان منها جمعية الإخوان المسلمين في طنطا.

وفي ليلة من الليالي قال لي ابن عمتي: سنتركك تنام، ونذهب لسماع الشيخ حسن البنا في احتفال الهجرة.

قلت لابن عمتي: ولماذا لا أذهب معكم؟

قال: أنت صغير، ومثل هذه الاحتفالات يطول ويمتد!

قلت: ولكني حريص على الاستماع إلى الشيخ البنا، ولا أريد أن أحرم منه. قال ابن عمتي لأصحابه من طلاب الثانوي الكبار من أبناء قريتنا: الولد مُصِرّ على المجيء لسماع الشيخ، فقالوا له: دعه يحضر، فلعله يسمع شيئا ينفعه في المستقبل.

وذهبت معهم إلى شعبة الإخوان قرب (ميدان الساعة) في طنطا، وتكلم كثيرون قبل الشيخ البنا، ومنهم شعراء وخطباء مؤثرون، ثم كانت كلمة الختام للشيخ البنا، الذي انتظره الناس بفارغ الصبر، كما ينتظر الظمآن الماء، والسقيم الشفاء.

وتحدث الشيخ عن وداع عام، واستقبال عام، وشبه السنة المنصرمة بكراسة الطالب الذي أساء استخدامها، وأمسى يريد الخلاص منها، والاستعاضة عنها بكراسة جديدة نظيفة يحرص على نظافتها وسلامتها، حتى إذا اطلع عليها المفتش رضي عنها.

أخذ الشيخ هذا المثل من مهنته بوصفه معلما، ثم تحدث عن الهجرة، وقال: إن الهجرة بوصفها قصة لخصها الله في آية من كتابه (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم) التوبة.

قال الشيخ: ولكنا نتحدث عن الهجرة باعتبارها حدا فاصلا بين عهدين: عهد تكوين الفرد في مكة، وعهد إقامة المجتمع في المدينة، وتحدث بتفصيل مناسب عن خصائص كل منهما بما شفى وكفى، وأوفى إلى الغاية.

كنت منذ وعيت أستمع إلى حديث الهجرة كل عام من علماء قريتنا، وهو حديث مكرور لا يعدو الحديث عن قصة العنكبوت والحمام وما يجري مجرى ذلك. أما هذه الليلة فقد سمعت حديثا جديدا أصيلا، لا عهد لي بمثله. ولقد وعيته وهضمته وأكاد أحفظ كلامه كله لشدة وضوحه وتركيزه وبلاغته.

وعند عودتنا إلى المنزل سألني ابن عمتي وصحابه: ماذا فهمت من الشيخ البنا؟ فقلت لهم: لقد قال الرجل كذا وكذا وكذا، وسردت عليهم حديث الرجل مفصلا، فعجبوا من ذلك، وقالوا: ما شاء الله، لقد حفظ الولد حديث الشيخ ووعاه كأنما يقرؤه من كتاب.

وأصبحت منذ تلك الليلة حريصا كل الحرص على الاستماع إلى الشيخ البنا، كلما جاء إلى طنطا في مناسبة من المناسبات.

وكنت قبل ذلك رأيت كشافة الإخوان المسلمين، يجوبون شوارع مدينة طنطا، حاملين مصحفا كبيرا، ورافعين أعلامهم التي تشتمل على مصحف يحوطه سيفان، كما يحمل كلمة (وأعدوا) إشارة إلى قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) الأنفال: 60.

وكانوا يهتفون بهتافات حارة مؤثرة تقول: الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا. لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليها نحيا، وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، حتى نلقى الله. الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".

رأيت هؤلاء الشباب في زيهم الكشفي، وهتافهم الحماسي، فتأثرت بهم، وأعجبت بتوثبهم ووهج عيونهم، واهتز قلبي لصيحاتهم المخلصة، كما استمعت بعد ذلك إلى شيخهم ومرشدهم، ولكني لم أنضم إليهم، ربما لأني لم أعرف الطريق إلى ذلك، ولم أجد من يدعوني ويلحقني بركب الجماعة، حتى جاء أوان ذلك في السنة الرابعة كما سيأتي حديثه.

وفاة والدتي.. واجه حياتك بنفسك

والحادث الثاني الذي حدث لي في السنة الأولى هو مرض والدتي ووفاتها، لقد أصيبت أمي بحمى شديدة ألزمتها الفراش في بيت جدي أو بيت خالي، ويبدو أنها أحست بدنو أجلها، فطلبت أن تراني، فأبلغت بذلك، وذهبت في نهاية إجازة الأسبوع إلى البلدة، ورأيتها وعانقتني طويلا، وهي على فراشها، ودعت لي من أعماقها، وهي تذرف دموعها، وكان لها دعوات تحفظها وتخصني بها دائما: ربنا يحبب فيك الرب في عرشه، والجندي في فرشه، ويجعل في وشك (وجهك) جوهرة، وفي حنكك (فمك) سكرة، ويحبب فيك الحصى في الأراضي، ويجعل لك في كل سكة سلامة.

وفي الواقع كلما لاحظت حب الناس لي، وقولهم في كل مكان: نحبك في الله! أقول: هذا من بركات دعاء أمي.

ودّعت أمي ورجعت إلى طنطا، على أن أعود إليها في نهاية الأسبوع القادم، ولكن لم يشأ القدر أن تستكمل الأسبوع، فقد كان لقائي معها هو اللقاء الأخير، وفي ضحى يوم من الأيام، وأنا في درس النحو جاء من يدعوني إلى مكتب مراقب المعهد؛ لأن أحد الأقارب جاء من البلد، ليخبرني أن أمي قد توفيت إلى رحمة الله، واستأذنت من مدرس النحو الشيخ محمد شعت ـ رحمه الله ـ الذي كان يحبني جدا، وكثيرا ما كان يناديني: يا علامة! لما رأى هضمي لعلم النحو وتذوقي له. وقد ودعني الشيخ وهو يبكي، ويقول: لا بد أن تعود. قلت: إن شاء الله عائد.

ووجدت إبراهيم ابن عمي ينتظرني بباب المعهد، وركبنا وذهبنا إلى القرية، وأدركنا الناس قد صلوا الجنازة على أمي رحمها الله في مسجد سيدي عبد الله بن الحارث، وتوجهوا بجنازتها إلى المقبرة، وهي قريبة من المسجد، فأدركتها قبل أن تدفن.

كانت وفاة أمي صدمة كبيرة لي، فقد حرمت من أبي وأنا في الثانية من عمري، فوجدت في حنان أمي وحبها وحرارة عاطفتها ما عوضني بعض الشيء عن أبي، وإن كانت الأم لا تملأ مكان الأب بحال.

اليوم فقدت أمي بعد أبي، وعلي أن أواجه الحياة بنعمائها وبأسائها، بوردها وشوكها، وقد عوضني الله عن حنان أمي بحنان جدتي ـ أم أمي ـ وخالاتي الأربع، فكن لي أمهات بعد أمي. ولا سيما خالتي (أم عبده) التي كانت تعيش في طنطا وترعى شؤوني.

مرت أشهر العام الدراسي الأول بالمعهد، ودخلت الامتحان بقسميه التحريري والشفهي، وحصلت على أعلى درجة بين أبناء دفعتي، وكان ترتيبي الأول، فالحمد لله الذي وفقني، وما توفيقي إلا بالله.

وبعد قضاء الامتحان، عدت إلى القرية، لأمضي بها نحو ثلاثة أشهر هي إجازتنا الصيفية، ولم يكن لي فيها عمل، إلا قراءة بعض الكتب مثل (الإحياء) للغزالي، وبعض كتب الأدب القليلة التي أقتنيها. وبعد انتهاء الإجازة عدنا إلى طنطا لبدء العام الدراسي الثاني.

السنة الثانية.. مكتبة فك الأزمة ومكافأة ثلاثة جنيهات

بدأت العام الدراسي الثاني بالمعهد بشراء الكتب المقررة، وكانت أثمانها غالية نسبيا بالنظر إلى مثلي، ولكني كنت أحاول أن أشتري الكتب المستعملة، التي يبيعها الطلاب بثمن أرخص بعد أن ينتهوا من دراستها.

كما كنت أحاول أن أشتري بعض كتب الحواشي الصفراء، وهي رخيصة الثمن عادة، وفيها علم غزير، لا يوجد في الكتب المطبوعة على ورق أبيض فاخر. مثل حاشية السجاعي على قطر الندى، وحاشية الأمير على شذور الذهب، وحاشية الخضري على ابن عقيل وغيرها.

وفي هذه السنة أصبحت أملك أمر نفسي، فإن ابن عمتي قد قدم إلى (مدرسة الصيارفة) التي فتحت أبوابها لأبناء الأزهر، ممن أكملوا السنة الثالثة الثانوية، فأخذت منهم أعدادا كبيرة، وكانت مهنة الصيرفة قبل ذلك مقصورة على الأقباط، حتى إني نشأت في قريتنا ولا أعرف لها صرافا إلا الحاج جرجس، الذي ظل سنين عددا وهو صراف القرية.

وقد بدأت أنظم القراءة في غير الكتب المقررة، التي لم تعد تشبع نهمي أو تملأ فراغ وقتي وحدها، فكان عندي وسيلتان لذلك:

وسيلة دار الكتب بطنطا، التي كدت أصبح من روادها الدائمين، لأقرأ فيها كتب الأديب الشهير مصطفى لطفي المنفلوطي، الذي كان أدبه أحب إلى قلوب الشباب وعقولهم من غيره، لسلاسته وتدفقه وعذوبته، وللموضوعات التي يطرقها، كما في كتابه الشهير (النظرات) بأجزائه الثلاثة. وكما في القصص التي ترجمها بأسلوبه الخاص، مثل العبرات وماجدولين وفي سبيل التاج والشاعر والفضيلة وغيرها.

كما كنت أقرأ لأديب طنطا مصطفى صادق الرافعي: وحي القلم، وأوراق الورد، والمساكين، وغيرها.

وأقرأ أحيانا لطه حسين والعقاد وأحمد أمين والزيات وغيرهم من كتاب مجلتي (الرسالة) و(الثقافة) الشهيرتين في ذلك الوقت.

والوسيلة الثانية: استئجار كتب معينة لقراءتها في أيام معدودة وردها إلى المكتبة، وقد كانت في طنطا مكتبة جعلت ذلك مهمتها، وسمت نفسها اسما دالا على ذلك، وهي (مكتبة فك الأزمة) في شارع درب الأثر بطنطا.

وفي هذه السنة بدأت أخطو الخطوات الأولى في نظم الشعر، وأذكر أن أول أبيات نظمتها كان موضوعها (صفارة الإنذار). فقد كان الزمن زمن حرب، وكانت صفارة الإنذار تعمل، ويسمع الناس أصواتها، فيطفئون الأنوار بالليل، ويحاولون الاختباء بالنهار.. ومما أذكره أني لم أقل بيتا مكسورا قط، رغم أني لم أدرس العروض إلا في السنة الأولى الثانوية.

وقد كان ما نظمته في هذه السنة قليلا، ثم طفق يكثر ويتسع في السنة التي بعدها، ولا سيما في السنة الرابعة.

كانت الحياة قد بدأت تغلو قليلا قليلا؛ نظرا للحرب العالمية الثانية التي أعلنت منذ سنة 1939م، ونحن الآن في أواخر سنة 1941م. وبدأ الناس يشكون من زحف الغلاء سنة بعد أخرى.

وكان هذا الغلاء الزاحف ببطء بالنسبة إلي امتحانا عسيرا، فما عندي من النفقة محدود، والعين بصيرة، واليد قصيرة.

ولكن لله ألطاف وأسرار لا يعرفها إلا من عايشها، كما قال الشاعر:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها

وقد قال ابن عطاء الله في حكمه: من ظن انفكاك لطفه عن قدره، فذلك لقصور نظره (إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم) يوسف

ولهذا كان من اللطف الإلهي أن نودي علي: إن لك مكافأة في الإدارة فاذهب لقبضها. وكانت هذه المكافأة 3 (ثلاثة جنيهات مصرية) بالتمام والكمال، هي مكافأة (الأولية) في الترتيب. فكانت هذه نجدة من السماء، فقد كان هذا المبلغ في ذلك الوقت كبيرا ومجزيا، ويقضي به المرء أوطارا لا وطرا واحدا.

ولذا كان أول ما فكرت فيه أن كسوت نفسي بما يليق، فاشتريت ثلاثة أمتار ـ إلا ربعا ـ من الصوف الجيد، وفصلتها جلبابا يليق بالعمامة التي ألبسها. كما اشتريت بعض الملابس الأخرى داخلية وخارجية. وحسنت من فراشي وغطائي.

وظلت هذه الجنيهات الثلاثة مصدرا ثابتا لي، فلم تتخلف عني في سنة من السنوات، حتى بعض السنوات التي لم يكن ترتيبي بها الأول ـ مثل الشهادة الابتدائية ـ لم أحرم منها، فقد كانت تعطى للثلاثة الأوائل.


*القرص والقراقيش مخبوزات من القمح والسمن واللبن

*إحدى هيئات الحكم المحلي في ذلك الوقت، والتي ترعى شئون النظافة والتجميل

*القرش يساوي 10مليمات

*إناء من الفخار يرشح الماء ويبرده لا يزال البعض يفضل طعم مائه إلى اليوم رغم انتشار أجهزة التبريد الحديثة، والقناوية نسبة إلى قنا أقصى صعيد مصر وكانت تشتهر بصناعة الآنية الفخارية المختلفة

*يقصد بالجراية الطعام الذي يقدم دوريا لجمع من الناس سواء كانوا طلابا أو جنودا أو موظفين أو غير ذلك

*الطعام والشراب والمتاع

 

عودة إلى مذكرات الشيخ القرضاوي

-2-

 

  السنة الثانية الابتدائية والإجازة الصيفية

شخصيات في حياتي المبكرة.. البهي الخولي ومحمد السيد الوزير

في هذه السنة تعرفت على أستاذ جليل كان يدرس لنا مادة المحفوظات، وكانت هذه الحصة حصة للراحة لمن يأخذها من المدرسين، ولكن هذا الأستاذ حول هذه الحصة إلى محفوظات حقيقية، في كل أسبوع يختار لنا قطعة من النثر أو الشعر لنحفظها ويسوقنا بالترغيب والترهيب لحفظها.

وأذكر أن أول قطعة طلب منا حفظها، وكتبها لنا على السبورة كانت من أدب المنفلوطي، ومن موضوع (الرحمة) في كتابه (النظرات):

ارحم الحيوان، فإنه يحس كما تحس، ويتألم كما تتألم، ويبكي بغير دموع، ويتوجع ولا يكاد يبين.

ارحم الطير لا تحبسها في أقفاصها. أطلقها وأطلق سمعك وبصرك وراءها، فتراها أجمل من الفلك الدائر، والكوكب السيار.

كما أعطانا فقرات من قصيدة حافظ إبراهيم (العمرية) وقد كان مزهوًّا بها، وكان يشرحها لنا شرح المتيم بشخصية عمر ومواقفه وروائعه، وشرح المربي الذي يوجه الطلاب إلى القيم العليا مجسدة في مواقف. وأذكر من هذه الرائعة العمرية هذه الأبيات في رحلة عمر إلى فلسطين:

ماذا رأيت بباب الشام حين رأوا

أن يلبسوك من الأثواب زاهيها

ويركبوك على البرذون تقدمه

خيل مطهمة تحـلو مـرائيها

مشى فهملج مختالا براكـبه

وفي البراذين ما يزهي بعاليها

فصحت: يا قوم كاد الزهو يقتلني

وداخلتني حـال لست أدريها

وكاد يصبو إلى دنياكمو عمرٌ

ويبتغـي بيع باقـيه بفـانيها

رُدوا ركابي فلا أبغي به بدلا

ردوا ثيابي فحسبي اليوم باليها

وهكذا كانت دروس المحفوظات دروسا في الأدب والتربية والسلوك.

نسيت أن أقول: هذا الأستاذ هو الشيخ الداعية المربي البهي الخولي، خريج دار العلوم، وزميل الأستاذ حسن البنا، وسيكون لنا عنه حديث بعد.

وفي هذه السنة تعرفت على زميل كريم، وصديق عزيز، كان يسكن طنطا، ولكنه من بلدة قريبة من بلدتنا، هي شبشير الحصة، ولنا فيها أقارب. ذلكم هو محمد السيد الوزير، وقد كان شابا ذكيا نابها له تطلعات أكبر من سنه، فكان يهتم بالرد على النصارى، ويجمع الكتب التي ترد على المبشرين، وتدفع شبهاتهم، وتفند أباطيلهم، وكان متتبعا لما يكتبه الأستاذ محيي الدين سعد البغدادي في مجلة (الإسلام) في الرد على دعاة التنصير. وقد أهداني ما عنده من كتب للاطلاع عليها، ومنها كتاب (إظهار الحق) للشيخ رحمة الله الهندي في طبعته القديمة، وكتاب (الفارق بين المخلوق والخالق) وغيرهما من الكتب.

كما كان يتتبع جماعة (البهائية) وكانت لهم أوكار في مدينة طنطا، وكان يُعنى بجمع كتبهم، ومنها كتاب (البيان) لميرزا علي (الباب) وكتاب (الأقدس) لميرزا حسين (البهاء). وهو الذي أهداني كتاب (الحراب في صدر البهاء والباب) وهو من أقدم ما كُتب في الرد على البابية والبهائية.

وقد كان محمد الوزير شاعرا، وله شعر فيه نزعة فلسفية، ومن شعره القديم:

لا تصغ لي، أو خذ بغير جدال

إني عـلى الحالين ذاكر حالي!

أنا في دجى العلماء أسبح تارة

وأتيه طورا في ضحى الجهال!

وإني لأعجب كيف اختفى محمد الوزير، ولم يظهر له أثر يذكر في الحياة الأدبية والفكرية، مع أن لديه من المواهب والقدرات ما يرشحه لأن يكون له مكان مرموق. وسبحان مقسم الحظوظ. وإن كان قد ترك القليل مما كتب، مثل كتابه عن (الأمير عبد القادر الجزائري).

وقد عرفت منه قبل موته رحمه الله: أن لديه كمًّا هائلا من الشعر، ليت أبناءه يحاولون أن ينشروه، وإن كانت دور النشر للأسف لا تنشر إلا للمعروفين من المؤلفين.

وقد انتقل إلى رحمة الله منذ نحو ثلاث سنوات.

تساؤل مهم: العقل والذكاء أم الإرادة والإصرار

كثيرا ما ساءلت نفسي بمناسبة محمد الوزير وأمثاله من النوابغ الذين لم يأخذوا حقهم في البروز والظهور: ما العنصر الأول المؤثر في سلوك الإنسان وتحديد مستقبله؟ هل العقل أو الذكاء وحده هو العنصر المؤثر في حياة الإنسان وتقرير مصيره؟ فمن كان أوفر عقلا، وأحَدّ ذكاء، كان أحسن حظا، وأكثر سعادة؟ أو هناك شيء غير العقل، وهو الإرادة؟ فالإنسان لا يحقق أهدافه، وطموحاته بالعقل وحده، بل بالإرادة أيضا.

وكم رأينا من أناس في غاية الذكاء ضاعوا في الحياة، ولم يسعفهم ذكاؤهم، ولا نبوغهم، لأنهم فقدوا الإرادة التي تحفزهم على طلب المعالي، وسهر الليالي، ومعاناة المتاعب، كما قال أبو الطيب قديما:

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

أو كما قال البارودي حديثا:

ومن تكن العلياء همة نفسه

فكل الذي يلقاه فيها محبب

في اعتقادي أن الإرادة عنصر ضروري إلى جوار عنصر الذكاء، بل ربما كان أهم منه. وكم رأينا من أناس حققوا بذكائهم المتوسط ـ مع قوة الإرادة ـ ما لم يحققه الأذكياء!

وإذا كان ديكارت يقول: أنا أفكر، إذن أنا موجود، فأنا أقول: أنا أريد، إذن أنا موجود.

وما الذي يكوِّن إرادة الإنسان؟ أو قل: ما تتجه إليه إرادة الإنسان؟ إنه الإيمان والأخلاق. فالفرد بلا إيمان وأخلاق، لن يكون له إرادة. إنما تنبثق الإرادة من رسالة يؤمن بها، ومن أخلاق يلتزم بها.

وإذا كان الناس استحسنوا قول شوقي:

فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فرأيي أن هذا ينطبق على الأفراد، كما ينطبق على الأمم، فالإنسان بغير أخلاق أشبه بالحيوان الأعجم، الذي لا تسَيِّره غير غريزته.

على أن هناك عنصرا فوق ذلك كله، وقبل ذلك كله، أي فوق الذكاء والإرادة، وقبل الذكاء والإرادة، نؤمن به نحن المسلمين، بل يؤمن به أهل الأديان جميعا، بل يؤمن به أهل الجاهلية أنفسهم، اسمه (القدر) الذي يهيمن على الكون كله، والذي جعل الناس يقولون: العبد يدبر، والرب يقدر، ويقولون: إذا نفذ القدر عمي البصر. وهو الذي جعل الشاعر الجاهلي (المثقب العبدي) يقول:

ولا أدري إذا يممت أرضا

أريد الـخير: أيهما يليني؟

أألـخير الـذي أنا أبتغيه

أم الشر الذي هو يبتغيني؟

ويقول شوقي أيضا:

قدرت أشياء، وقدّر غيرها

قدر يخط مصاير الإنسان!

وأنا أشهد أن كثيرا من المحطات في حياتي مما أحب وما أكره، كانت من صنع القدر لي، وأعتقد أن ما اختاره لي قدر الله، خير مما كنت أختاره لنفسي. وليس معنى هذا أن الإنسان (مسيَّر) أو (مجبور) مسلوب الإرادة، كلا، فعلام كلف إذن؟ وفيم كان الثواب والعقاب؟

وعلماء الأخلاق والنفس والاجتماع اليوم يقولون: إن الإنسان تؤثر فيه عوامل كثيرة، تدور جميعها حول أمرين: الوراثة والبيئة.

ولقد كشف عصرنا تأثير (الجينات) في سلوك الإنسان، في عقله وانفعالاته وعواطفه، وفي نزوعه وإرادته، وفي جسده وصحته.

كما بين عصرنا أثر البيئة الجغرافية والبيئة الاقتصادية، والبيئة الثقافية في الأسرة والمجتمع في توجيه حياة الإنسان، وهو ما عبر عنه الحديث الشريف "فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه".

ومع هذه المؤثرات أرى أن الإنسان مخلوق ذو إرادة، وأن الله أبقى له قدرا من الحرية يدير به حياته وفق اختياره، فقد وهبه الله العقل، ومنحه الإرادة، ورزقه القوة، وبعث له الرسل، وأنزل له الكتب، وتركه ليقرر مصيره بنفسه، (قد جاءكم بصائر من ربكم، فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها) الأنعام.

وبهذا القدر من الإرادة التي منحها للإنسان حمل أمانة التكليف، وبها يؤمر ويخاطب، وعلى أساسها يثاب ويعاقب.

أرفض الجبر والقهر أيا كان

ومن هنا أرفض كل الفلسفات (الجبرية) سواء كانت جبرية دينية، كالذين قالوا: إن الإنسان أشبه بريشة في مهب رياح الأقدار، تقلبها كيف تشاء، ولا إرادة له ولا اختيار.

أم كانت جبرية اجتماعية، كفلسفة (دوركايم) ومن تبعه، الذين قالوا: إن الفرد دمية يحرك خيوطها المجتمع، وكل ما يعمله من صالحات، أو يقترفه من جرائم هو من صنع المجتمع، وهو أسير المجتمع في الحسنات، وضحيته في السيئات.

أم كانت جبرية سياسية، كالذين يزعمون أن هناك قوى خفية تحكم العالم، وأننا مجرد أحجار على رقعة الشطرنج.. فهذا لا دليل عليه، وهو ييئسنا من كل عمل لإصلاح أنفسنا.

الإنسان مكلف، حر ومختار، ملّكه الله مصير نفسه بلا ريب.

ولكن أهل الإيمان مع هذا يوقنون أن لله نفحات يختص بها من شاء من عباده فضلا منه وكرما، هي من شأن الألوهية التي لا تُسأل عما تفعل، ولا حجر عليها فيما تخلق وترزق وتعطي. (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) آل عمران.

إن الإنسان ليس مسيرا ولا مجبورا، ولكنه ـ كما قال الحديث النبوي ـ ميسّر لما خلق له.

في الإجازة الصيفية.. وذكريات أول درس ألقيه في الجامع

انتهت السنة الثانية بالمعهد بحمد الله وتوفيقه، وكان ترتيبي الأول أيضا على الدفعة.

وكنا عادة حين ينتهي العام الدراسي، نترك السكن الذي كنا فيه، حتى لا تحسب علينا الأشهر الثلاثة التي هي مدة الإجازة، ونبدأ قبيل بدء الدراسة في البحث عن مسكن جديد.

وعدنا إلى القرية لنقضي بها الصيف، ولم يكن بالقرية مجالات للنشاط، تستوعب طاقات الشباب، فقد كانت القرية المصرية مهملة كل الإهمال، لا يصل إليها ماء ولا كهرباء. وليس فيها أي ناد للرياضة أو الثقافة. وكان الحظ كله لأهل المدن، وإن شئت الحقيقة، قلت: المدن الكبرى، ولا سيما القاهرة والإسكندرية.

فكيف أقضي الصيف؟ وفيم أمضي وقتي والوضع كما نرى؟

الحق أن وقتي بالصيف غير مستغل كما ينبغي، لقد عرفت أن بعض زملائنا في طنطا يستغلون الصيف في تعلم اللغة الإنجليزية، في بعض المؤسسات المخصصة لذلك، وكم كنت أود أن يتاح لي مثل ذلك في هذه السن، وعندي قدرة لغوية غير عادية، ووقت فارغ، ورغبة عارمة، وطموح غير محدود!

ولم يكن لي إلا أن أرضى بالواقع، فما لا يملك الإنسان تغييره لا يسعه إلا أن يرضى به، وإلا أورثه السخط الدائم والهم والنكد والاكتئاب. وقد قال العرب في أمثالهم: من غضب على الدهر طال غضبه! إذ ما أكثر الأشياء التي يأتي بها الدهر، وهي لا توافق ما يهواه الإنسان. وقد روي: "إن الله عز وجل بقسطه جعل الرّوْح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك ".

ورضيت بالواقع، واجتهدت أن أستفيد من الوقت بقدر ما تسعفني وسائلي وإمكاناتي، وهي محدودة، بقراءة ما لدي من كتب قليلة جدا، ومنها كتابا الإمام الغزالي: إحياء علوم الدين، ومنهاج العابدين، وقد أضيف إليهما كتاب جديد مهم، أهداه إلي صديقي السيد مولانا، مما وجده في مكتبة عائلة مولانا. وهو كتاب (الذريعة إلى مكارم الشريعة) للإمام الراغب الأصفهاني (ت502هـ) وهو كتاب مركز، صغير الحجم، كبير النفع. وقد قالوا: إن الإمام الغزالي نفسه انتفع به كثيرا.

وقد حدث لي في هذه الإجازة أمر مهم، بل في غاية الأهمية في حياتي، وهو إلقاء أول درس ديني على الناس في مسجد جامع.

ذلك أن شهر رمضان كان يأتي في إجازة الصيف، ورمضان ـ كما قلت ـ شهر تجديد للحياة الإسلامية، تتجدد فيه القلوب بالإيمان، والعقول بالمعرفة، والحياة بالترابط والتزاور.

وكانت مساجد القرية تعمرها الدروس الدينية بعد العصر حينا، وبعد المغرب دائما.

وكان مسجد المتولي ـ وهو مسجد ناحيتنا الكبير ـ يجمع بين الدرسين عصرا وعشاء، وكنت حريصا منذ صباي على ملازمة هذه الدروس، والاستفادة منها، وإن كان لي عليها ملاحظات ومآخذ، وكان أفضل هذه الدروس بلا شك درس الشيخ عبد المطلب البتة بعد عصر كل يوم. ويتحلق حوله عدد جيد من الناس المهتمين بالدين والعلم .

وفي يوم من الأيام تحلق الناس كعادتهم، ينتظرون الشيخ عبد المطلب، ولكنه لم يحضر، فالتفت بعض كبار الحاضرين إلي، وقال لي: ما رأيك يا شيخ يوسف، تجلس مكان الشيخ، وتلقي علينا درسا مما تعلمته في الأزهر؟

قلت لهم: لا مانع، وعلى بركة الله وبتوفيقه وعونه.

وبدأت الدرس حول (التوبة) من المعاصي، وهو درس مرتجل طبعا، واستشهدت بالآيات والأحاديث، وأنا بحمد الله تعالى من صغري شديد الاستحضار لآيات القرآن، وكنت قرأت عن التوبة في الإحياء والمنهاج للغزالي، وكونت فكرة واضحة عن الموضوع. ولم تكن مما تعلمته في الأزهر، فما نتعلمه في الأزهر للأسف ـ وخصوصا في القسم الابتدائي ـ لا يخرّج داعية(1).

ومن مستلزمات الدرس في الريف: أن يسأل الحاضرون في كل ما يعن لهم حول الموضوع المطروح، وقد يخرجون عنه. وقد سألوني عدة أسئلة وفقني الله تعالى في الإجابة عنها.

وبعض الذين يحضرون هذه الدروس، بطول ملازمتهم للمشايخ، تكونت لديهم قدرة على الأسئلة المحرجة، فمن كان رخو العود، تعثر وتلعثم، وظهر ضعفه وعجزه، ولكني بطول ملازمتي لهذه الدروس وسماعي لما يُلقى فيها من أسئلة وإحراجات، أصبحت قديرا على معالجتها، ولم تزعجني كثيرا، ولا أستطيع إلا أن أقول ما قال سيدنا شعيب: (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) هود.

وقد كان أثر هذا الدرس طيبا جدا، وهنأني عليه كل من حضره، وبلغ ذلك الشيخ البتة، فشجعني على ذلك، جزاه الله خيرا.

وأصبحت هذه عادة، كلما تأخر الشيخ البتة عن حضور الدرس قدمني أهل المسجد لأحل محله.

ــــــــــــــ

(1) يدرس الطالب في القسم الابتدائي من علوم الدين: الفقه المذهبي، ولا علاقة له بالدعوة، وعلم التوحيد، وهو دراسة جافة أبعد ما تكون عن الدعوة. ولا يدرس تفسيرا ولا حديثا، إلا السيرة النبوية، وهي دراسة مختصرة جدا في السنة الأولى فقط، ثم تنقطع!! 

عودة إلى مذكرات الشيخ القرضاوي

 -3-

السنة الثالثة والرابعة.. نحو وجغرافيا و"كنبة" جديدة!!

وبدأت السنة الثالثة الابتدائية بالمعهد، وذهبنا قبلها بيومين أو ثلاثة لنبحث عن مسكن جديد، بعد الإجازة. وكانت المساكن متوافرة تعرف أحيانا بكتابة لافتة (حجرة للإيجار) وأحيانا بالسؤال. وبعض الناس تكون عندهم حجرات، ولكنهم لا يرضون بسكنى الطلبة عندهم، إما لأنهم اشتهروا ـ أو كثير منهم ـ بالفوضى وسوء استخدام بيوت السكنى. وإما لأن عندهم بنات بالغات، ولا يريدون لهن أن يحتكوا بالشباب، أو لغير ذلك.

وبعض هؤلاء كان إذا تكلم معنا استراح إلينا، وقال: يبدو أنكم مستقيمون، والكتاب يقرأ من عنوانه.

على كل حال، وفقنا إلى سكن في شارع "الحلو" وهو شارع مشهور في كفر "علي أغا" في طنطا، وقد تطور في هذه السنة الأثاث الداخلي، فاشتريت "كنبة إستانبولي" (أريكة من الخشب توضع عليها وسائد ومراتب من القطن تستعمل في مصر للجلوس أو النوم كما نسميها)، لأنام عليها، وأذاكر عليها. وكانت هذه خطوة تقدمية كبيرة في طريق الرفاهية، ولكني اشتريت الكنبة مستعملة، فلم تكلفني كثيرا، كما أنها ليست لها تكاليف أخرى بعد شرائها.

وقد سكن معي في هذه السنة طالب يدرس في المدارس المدنية من أهل القرية، ومن أسرة طيبة من الطبقة الوسطى، هو فؤاد حامد ضيف، الذي أراد والده أن يسكن معي، ليتعلم الدين، ويحافظ على الصلاة. وقد كان فؤاد مثالا طيبا في الدماثة وحسن الخلق وطيب المعاشرة، وقد تقدم بعد ذلك إلى الطيران، وانقطعت عني أخباره.

وكانت الدراسة ماضية في طريقها المعتاد، لا جديد فيها، إلا ما أضيف إلينا من "علم الصرف" الذي هو شقيق "علم النحو"، وكان يدرسهما لنا مدرس مجتهد نشيط يشد الطلاب إليه بحسن طريقته، وسهولة إيضاحه، وهو الشيخ "مصطفى غبارة"، من أبناء مركز طنطا، وكان يحبني ويعتز بي.

ولقد سهل الله جل شأنه علي علم النحو والصرف منذ السنة الأولى الابتدائية، فهضمت النحو ووعيته بيسر وسهولة، لم أحس معه بأي عنت، وكان زملاؤنا يشكون من صعوبة النحو، ثم اشتكوا بعد ذلك من صعوبة الصرف، وأنا أجدهما عندي كشربة الماء العذب البارد على الظمأ. ومن يوم درست النحو إلى اليوم، وأنا لا أخطئ فيه إذا قرأت أو إذا تكلمت، من غير تعب ولا تكلف، كأنها فطرة أو طبيعة.

ولذا كان مدرسو النحو من أحب المدرسين إلى قلبي، ابتداء من الشيخ "محمد شعت" مدرس السنة الأولى، إلى صهره الشيخ "رجب زبادي" مدرسي في السنة الثانية، إلى الشيخ "مصطفى غبارة"، فمن بعده.

وانتقلت إلى السنة الرابعة الابتدائية، وهي السنة التي تتم بها هذه المرحلة ليتهيأ الطالب للقسم الثانوي.

ولم يكن ثم شيء جديد فيما يتعلق بالدراسة، إلا أننا كنا ندرس فيها الرياضيات والهندسة والجبر، وكان يدرسها لنا أحد الشيوخ، وهو نابغة في الرياضيات وهو الشيخ "عبد الوهاب غانم".

كما كان يدرسنا علم الجغرافيا الأستاذ البهي الخولي، وكان شديدا جدا في المحاسبة على ما يكلفنا به، ولم أكن أحب علم الجغرافيا لسببين: الأول: أني لا أحسن رسم الخرائط، والثاني: أنه يقوم على حفظ أسماء البلدان والمواقع ونحوها، ولم أكن أحسن حفظ ما لا أشعر بحاجة إلى حفظه.

وكان بعض زملائنا يحفظ هذه المفردات وإن كان لا يفهمها، حتى إن بعض زملائنا ضبطناه مرة، وهو يكرر مرة بعد مرة " صحراء كلّها ريّ، صحراء كلها ري " وتعجبنا وقلنا له: يا فلان كيف تكون صحراء وكلها ري؟ قال:  الكتاب يقول ذلك. قلنا: الكتاب لم يشكلها، ولكن أنت الذي شكلتها بما تنطق به. والحقيقة أنها (صحراء كلَهَارِي)!‍

وفي هذه السنة حدثت عدة أحداث مهمة.

علامات في حياتي .. قصيدتي في دار الإخوان، أول خُطبة منبرية

دعاني بعض شباب الإخوان المسلمين إلى إلقاء قصيدة في افتتاح الموسم الثقافي بدارهم قرب ميدان الساعة، بعد أن ذاع صيتي بين طلاب المعهد بقول الشعر.

وفعلا أعددت قصيدة قافيّة القافية، وألقيتها بالدار، وكان لها وقع طيب في نفوس الإخوان، ولا سيما بين الشباب. وأذكر أبياتا منها:  

قلبي يحس برحمة تتدفق

ويرى الملائك حولنا قد أحدقوا  

وقد سألني الإخوان في هذه الليلة: لماذا لا تنضم إلى الإخوان؟

قلت لهم: وكيف ينضم المرء إلى الإخوان؟

قالوا: تملأ استمارة انضمام إليهم، فتصبح بذلك واحدا منهم.

فقلت لهم: هاتوا لي استمارة وأنا أملؤها في الحال، فالواقع أني أعتبر نفسي واحدا من الإخوان، وإن لم أكتب هذه الاستمارة، منذ سمعت المرشد العام الأستاذ "حسن البنا" رحمه الله في السنة الأولى.

وملأت الاستمارة، وأصبحت من ذلك الوقت عضوا رسميا في الإخوان، وقالوا لي: يمكن أن تمارس نشاطك في قسم الطلاب باعتبارك طالبا في المعهد. وكان رئيس قسم الطلاب شابا ذكيا نشيطا، اسمه "إبراهيم مصطفى"، وقد بدأت ألتقي به، وأتلقى التعليمات منه.

وفي هذه السنة كانت أول خطبة منبرية في حياتي، فقد ذهبنا إلى القرية، لا أذكر بأي مناسبة، وطلب إلي أن أخطب الجمعة، فرحبت بذلك، وألقيت خطبة كان موضوعها (الشكر لله). وقد لاقت قبولا حسنا من الناس، وأثنى عليها العلماء وطلاب الأزهر، وقالوا: إنها فريدة في مضمونها وفي طريقتها وفي إلقائها. فلم أحاول أن أقلد فيها زيدا أو عمرا من الخطباء الذين كانوا قبلي. وهذا هو ديدني دائما وأبدا: ألا أحاول تقمص شخصية غيري، بل أنطلق من ذاتي وحدها، تاركا نفسي على سجيتها. كان ذلك في مسجدنا الجامع مسجد المتولي، الذي بدأت به أول درس ديني. وكنت ألبس جلابية أقرب إلى أن تكون بيضاء، وطاقية على رأسي، ولم أتقيد بحمل السيف الخشبي الذي تعود خطباء البلدة أن يحملوه كلما ارتقوا المنبر؛ لأني لم أشأ أن أكون موضع سخرية للأدباء الناقدين الذين يقولون: سيوف كل الناس من حديد، وسيوف خطبائنا من خشب!

حادثة تكسير المعهد ووقفة للمراجعة والنقد الذاتي

كما حدث في هذه السنة حادث خطير، قام به طلاب المعهد الديني الثانوي. وهو القيام بعملية تخريب وتكسير في نوافذ المعهد وزجاجه، انتقاما من الإدارة الجديدة المفروضة على معهد طنطا وغيره من المعاهد.

ولهذا الحادث قصة، فقد كانت حكومة الوفد هي التي تحكم مصر منذ فرضها الإنجليز على الملك في 4 فبراير سنة 1942م، وكان الشيخ الإمام "محمد مصطفى المراغي" هو شيخ الأزهر، وكانت بينه وبين الوفد خصومة أو عداوة متوارثة من قديم، فلا الوفد يحب الشيخ، ولا الشيخ يحب الوفد، وكان طلاب الأزهر في غالبهم على هوى شيخهم.

وقد فرضت حكومة الوفد إدارات جديدة على المعاهد، تتمثل في تعيين شيوخ للمعاهد أو وكلاء لها ممن يدينون للوفد بالولاء؛ وقد رفض الطلاب ذلك، وسكتوا مدة على مضض، ثم دبروا أمر تكسير المعهد بليل، ونفذوه بنهار، وترتب على ذلك اعتقال عدد من طلاب القسم الثانوي بالأزهر، ودخولهم السجن، كما صدر أمر بتعطيل الدراسة، حتى تستقر الأمور.

وعدنا إلى القرية، وقد بقي من السنة نحو شهرين أو أكثر، ولم نكن أكملنا المقررات، وبقينا في البلدة حتى جاءت الامتحانات، وكنا في الشهادة الابتدائية، ودخلنا الامتحان، ولم نكن على أتم الاستعداد؛ ولهذا لم أحصل على الترتيب الذي كنت أحلم به، ضمن معاهد المملكة المصرية، وإن لم تفتني أوَّلية الفصل، وما يلزمها من صرف الجنيهات الثلاثة التي أصبحت جزءا ثابتا من إيرادي السنوي.

وكان الطلاب الذي اعتقلوا متهمين بتكسير المعهد قد قدموا إلى المحاكمة، وحضر جملة محامين للدفاع عنهم، على رأسهم المحامي والزعيم القبطي الشهير "مكرم عبيد"، الذي قدم إلى طنطا من أجل هذه القضية. وقد كان عبيد أمينا عاما لحزب الوفد سنوات طويلة، ثم اختلف مع زعامة الوفد (النحاس باشا وأعوانه) وخرج منه، وألف كتابا في فضائح الوفد سماه (الكتاب الأسود) ثم أنشأ حزبا جديدا سماه (الكتلة الوفدية). فكان هذا انشقاقا جديدا في الوفد، أضيف إلى انشقاق (السعديين) من قبل.

ولقد قدر الأزهريون هذا الموقف لمكرم عبيد، فبعد أن سقطت حكومة الوفد، وجاءت السنة الدراسية الجديدة، دعوا مكرما إلى طنطا، وأقاموا له احتفالا كبيرا بقاعة سينما البلدية في طنطا، تحدث فيه الشعراء والخطباء، ومنهم شاعر المعهد المعروف الشيخ "إبراهيم البديوي"، الذي أنشأ قصيدة شن فيها هجوما عنيفا على حكومة الوفد. أذكر من مطلعها:  

زالت عهود الظلم والـظلمات

ومضى زمان العسف والإعنات

وتقشعت عن مصر شر حكومة

قـد كـان فيها الحكم للشهوات

كما ألقى صديقنا الطالب الأديب الشاعر "كامل علي سعفان" قصيدة كان مطلعها:

آمنت بالحق لما استصبح الفلق.

ولا بد من وقفة أمام حادثة تكسير المعهد من طلابه: هل هذا عمل محمود أم مذموم؟

لقد كانت عواطفي وأنا طالب متحمس مع الطلبة الذين قاموا بهذا العمل الذي يعتبر لونا من التخريب والتدمير لمؤسسة تعليمية؛ ولهذا المشاعر المتوقدة أسبابها وبواعثها في ذلك الوقت؛ فقد كنا ـ نحن طلاب الأزهر ـ مشغوفين بحب الشيخ الأكبر محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر، وكنا نعتقد أنه مثال مشرف للشيخ الأزهري المؤمن برسالته، المعتز بكرامته، الفاقه لدينه، الواعي لعصره، وكنا نوالي من يواليه، ونعادي من يعاديه.

وكانت حكومة الوفد ـ في رأي الطلبة ـ تعادي الشيخ المراغي، وتحاول أن تشل إرادته، وأن تعطل قراره، وكانت حكومة الوفد متهمة بأنها جاءت على أسنة رماح الإنجليز في 4 فبراير 1942م، كما أنها استغلت ظروف الحرب العالمية القائمة، لفرض الأحكام العرفية، واتخاذها تكأة لإنفاذ ما تريده ضد خصومها السياسيين، وإسكات صوت الطلبة الذين يعبرون عن الرأي العام، ويحركون الشارع المصري، لمقاومة الإنجليز، والمطالبة بالجلاء، ووحدة وادي النيل، وفي مقدمة هؤلاء طلبة الأزهر.

ولا غرو أن الطلبة عندما ضيق عليهم الخناق، وحرموا التعبير عن أنفسهم، واشتعلت مشاعر الغضب في صدورهم، وغلا المرجل واشتد غليانه، ولم يسمح له بأدنى درجات التنفيس، كان لا بد لهذا المرجل أن ينفجر. ومن المقرر في علم الفيزياء: أن الضغط إذا اشتد ولد الانفجار، لا محالة.

وأعتقد أن مثل هذا التعليل أو التحليل هو الذي اعتمد عليه محامو الطلاب عند محاكمتهم، وهو الذي جعل المحكمة تحكم لهم بالبراءة، مع مراعاة الظروف المخففة.

ولكن يبقى أن مثل هذا العمل لا ينبغي أن يلجأ إليه الطلبة العقلاء الذين يقودون الرأي العام ويحركونه، ولا يجوز الانتقام من المؤسسة التي تتعلم فيها، وتخرب مرافقها، كما لا يليق بالزعماء والقادة الكبار أن يستغلوا حماس الطلاب، وحرارة الشباب، لتحريكهم وجرهم إلى أهداف حزبية، ومصالح سياسية خاصة، بغض النظر عن مصلحة الأمة الكبرى.

ومن الوقائع التي حدثت في هذه السنة، وما زلت أذكرها ولا أنساها: هو ما حدث لنا من نفاد الزاد، ونفاد النقود كليهما، وكنا مجموعة من الزملاء والأصدقاء، نعيش متجاورين، أو متقاربين، متعاونين في السراء والضراء.

وقد حدث أننا جميعا نفد ما نحمله معنا من قرانا من خبز وكعك وخلافه، كما نفد ما كان معنا من النقود المخصصة للمصروفات، وكانت إجازة العيد بعد أيام، ولم يبق معنا كلنا إلا بقايا (الزوادة) أو ما يعرف بـ (الفرافيت).

قررنا جميعا أن نقنع بهذه الفرافيت مع الملح أو (الدُّقَّة) كما يقول المصريون. وكنا نأكل هذه الفرافيت بالملح، ونحن في غاية الرضا عن حياتنا وعن أنفسنا، دون سخط ولا تبرم. وهذا ما فهمناه من الحديث الشريف "ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس".

لقد ذكرت الفلاحين في قريتنا، وهم يأكلون الخبز والمش، ويشربون بعدها الماء، ثم يقولون: اللهم أدمها نعمة، واحفظها من الزوال.

ومن اللطائف: أن بعض هؤلاء الإخوة كتب إليّ بعد أن عملت في قطر عدة سنوات، يطلب مني أن أسعى له في عقد عمل في قطر، ويقول لي: أنسيت عهد الفرافيت؟

قتل أحمد ماهر.. وتولي النقراشي رئاسة الوزارة

وفي هذه الآونة سنة 1944 فوجئ الناس بقتل رئيس الحكومة "أحمد ماهر" باشا رئيس حزب السعديين، تحت قبة مجلس النواب المصري. حين أراد أن يعلن دخول مصر في الحرب.

قتله شاب محام اسمه "محمود العيسوي"، وقبض عليه في الحال، وحاول التحقيق أن يعرف له شركاء في حادثة الاغتيال، فلم يجدوا، وعندما كرروا عليه السؤال: من كان معك؟ كان جوابه الفذ والدائم: ضميري ومسدسي ويدي.

وقيل في ذلك الحين: إنه ينتمي للحزب الوطني، وسمعنا في السنوات الأخيرة، أنه ينتمي للإخوان، ولكنه لم يقل ذلك، ولم يعترف به الإخوان، ولم تثبته  المحكمة ولا التحقيق، فالله أعلم إلى أي فئة كان ينتمي؟

وقد خلف "أحمد ماهر" في رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب نائبه ورفيقه "محمود فهمي النقراشي" باشا. الذي كان له دور سلبي خطير في القضية الوطنية، وفي مقاومة طلاب الجامعة وفتح "كوبري عباس" عليهم، حتى غرق منهم من غرق، وقتل منهم من قتل، واشتهر بين الطلبة بأنه بطل كوبري عباس.

كما كان له دوره في القضية الفلسطينية؛ حيث كان من أبطال قبول "هدنة رودس" التي كانت فرصة ذهبية لتمكين العصابات الصهيونية من تأمين دولتهم، وكانت في مهب الريح.

وكذلك كان له دوره الخطير في إنهاء (الوجود الرسمي) والعلني للإخوان المسلمين، وإصدار الأمر العسكري بحلهم وتصفيتهم؛ استجابة لطلبات بريطانيا وفرنسا وأمريكا، كما سنشير بعد.

وقفة لتقييم الدراسة في المرحلة الابتدائية

قسم الأزهر الدراسة في معاهده إلى مرحلتين ابتدائية وثانوية. قياسا على تقسيم وزارة التربية والتعليم ـ وزارة المعارف كما كانت تسمى يومئذ ـ وإن كان التعليم الابتدائي في الأزهر لا يبدأ إلا بعد أن يكون الطالب قد حفظ القرآن الكريم، وأجاد قدرا من الحساب.

والذي لاحظته على مناهج المرحلة الابتدائية:

أولا: أنها خلت من تعليم أي لغة أجنبية كالإنجليزية، مع حاجة الطالب الأزهري إليها في مستقبله.

ثانيا: أنها اهتمت بالجغرافيا والتاريخ والحساب والرياضيات، ولم تهتم بإعطاء قدر من العلوم في الفيزياء (الطبيعة) أو الكيمياء أو الأحياء (الحيوان والنبات).

ثالثا: أنها اهتمت بالنحو والصرف اهتماما بالغا، حتى إننا درسنا النحو كله أربع مرات في المرحلة الابتدائية: درسناه في السنة الأولي في شرح الأجرومية، وفي السنة الثانية في شرح الأزهرية، وفي السنة الثالثة في شرح قطر الندى لابن هشام، وفي السنة الرابعة في شرح شذور الذهب له أيضا. ولا شك أن هذا أفادنا كثيرا في معرفة قواعد النحو، ولكنه لم يفد كثيرين في التطبيق.

على أن المناهج لم تعط أي عناية للأدب العربي، ولا (للقراءة) المنظمة التي يمكن أن تقاس ويمتحن فيها. واختيار قطع أدبية رائعة من الأدب القديم والحديث لقراءتها.

ومثل ذلك يقال عن (النصوص) أو (المحفوظات) فلم يكن لها منهاج معلوم، ولا برنامج مرسوم، وإنما تترك للأستاذ يختار ما يشاء أو يتخذها للراحة والترفيه. وكان الامتحان فيها شفهيا، يسأل الطالب: هل تحفظ شيئا من الشعر؟ فيقول: نعم. فيقال له: قل لنا شيئا مما تحفظ.

وأذكر أن بعض زملائنا كان يحفظ أبياتا من قصيدة لـ "صفي الدين الحلي"، يقول فيها:

لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا   

ولا ينـال العـلا من قـدم الحـذرا

لا بـد للـشهـد مـن نحـل يمنّعـه              

لا يجتني النفع من لم يحمل الضـررا

وزميل آخر من قريتنا، كان يتمثل بأبيات من قصيدة:  

إذا نام غر في دجى الليل فاسهر

وقم للمعالي والعوالي وشمر!  

وكان كل منهما إذا سئل في امتحان أي سنة: ماذا يحفظ؟ يردد هذه الأبيات لا يزيد عليها.

وعلى أن الشيء العجيب هو قصور المناهج في العلوم الدينية ذاتها، التي هي روح الأزهر، ومحور وجوده.

- علم الفقه:

أما (علم الفقه) فرغم أني كنت أحصل فيه على أعلى الدرجات، فلم أكن مرتاحا إليه، وإلى الكتب المؤلفة فيه، وإلى طريقة تدريسه.

في السنة الأولى كان يدرس لنا الفقه شيخ حسن الطريقة، جيد الشرح، يحاول أن يصل الفقه بالحياة، وأن يضرب المثل من الواقع، وكان يجذبنا بطريقته إلى فهم الموضوع جذبا. وبخاصة أنه كان يدرس لنا (فقه العبادات)، أي فقه الطهارة، وفقه الصلاة، وفقه الصيام، من كتاب "نور الإيضاح" في الفقه الحنفي. وموضوع العبادات متصل بحياة الناس وواقعهم المعيش. ذلكم هو الشيخ "محمد الشناوي" من "محلة روح" بجوار قريتنا.

أما في السنوات الثلاث بعد ذلك (الثانية والثالثة والرابعة) فقد كانت تدرس في كتاب "اللباب في شرح الكتاب"، أو كما يسميه الأحناف "الميداني على القدوري"، وكان التركيز فيه على المعاملات، وهذه المعاملات لا صلة لها بما يجري في الحياة، وما يحدث في واقع الناس من أحداث.

فهي تتحدث عن "البيوع" من الوجهة النظرية، ولا تربط هنا أدنى ربط بما يحدث في أسواق الناس، وتتحدث عن "الإجارة" ولا علاقة لها بما تدور به عجلة الحياة من إجارات مختلفة. ويتحدث عن الشركة وأنواعها من المفاوضة والعنان والوجوه وغيرها، ولا ندري شيئا عن أنواع الشركات التي يمور بها الواقع مورا.

كان الفقه في أبواب المعاملات (ميتا) لا روح فيه ولا حياة، لا في الكتاب، ولا في عقلية الأستاذ وطريقته.

بل بعض العبادات أديت إلينا (ميتة) أيضا، مثل الزكاة والحج. ولقد درست الحج، فلم أستطع أن أهضم فيه شيئا، مما يذكر عن الإفراد والتمتع والقران. ويظهر أن مدرسنا لم يحج، فلم يمكنه أن يلقي على هذا المفاهيم أي شعاع من ضوء.

الشيء الذي فهمته من غير العبادات، هو (الميراث)؛ إذ كانت أصوله في القرآن الكريم، وكان موصولا بحياة الناس، وكان الناس يسألون فيه دائما، ففهمته وهضمته، وكنت أفتي فيه منذ السنة الرابعة الابتدائية.

- علم التوحيد:

ومن العلوم التي لم يتفتح لها عقلي، ولم يطمئن بها قلبي: ما يسمى (علم التوحيد) وهو ما كان يسمى (علم الكلام)، وهو العلم الذي يتولى تقديم العقيدة وشرحها والتدليل عليها، والدفاع عنها.

وكان علم التوحيد يقدم لنا طوال سنوات القسم الابتدائي في صورة (مذكرات) يكتبها الأساتذة، وهي مذكرات مختصرة، ولكنها معقدة، تعتمد على (علم الكلام الأشعري) ومقدماته العقلية المتأثرة بفلسفة اليونان، وقصور نظرتها إلى الوجود والوحي والآخرة، وغموض عباراتها في تقديم هذه الأمور.

بخلاف طريقة القرآن التي تقوم على مقدمات فطرية، تقتنع بها العقول، وتطمئن بها القلوب، كما تقدم في أسلوب يجمع بين إقناع العقل، وتحريك العاطفة معا.

وكنا نذكر آيات القرآن في علم التوحيد على أنها مجرد (أدلة نقلية) ولا ننظر إلى ما تحمله من دلالات عقلية، مثل الدلالة على وجود الله تعالى، في مثل قوله تعالى: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ" (الطور:35-36)

ومثل الدلالة على وحدانية الله، كما قي قوله: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ" (الأنبياء: 22)، "مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ" (المؤمنون: 91)

ومثل الدلالة على البعث والجزاء بعد الموت، وضرورة الثواب والعقاب لإثبات عدل الله تعالى وحكمته، كما قال تعالى: "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ* أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ" (ص: 27-82)

لم نكن ندرس من علوم الدين في المعهد غير الفقه والتوحيد، والفقه يدرس على الطريقة المذهبية بعيدا عن الاستدلال بالقرآن والسنة، وعن مقاصد الشريعة، وعن واقع الحياة. كما يدرس التوحيد على طريقة الأشعرية المتأخرين، وفيه نفس فلسفي وجدلي، لا ينشئ عقيدة ولا ينميها ولا يثبتها. ولم نكن ندرس في هذه المرحلة حديثا ولا تفسيرا، ولو بصورة ميسرة تناسب الطالب في هذه المرحلة من طلب العلم.

عودة إلى مذكرات الشيخ القرضاوي