الجــزء الثالث من مذكرات القرضاوي
  الصفحة الرئيسة للموقع   |  مذكرات القرضاوي   

الجــزء الثالث من مذكرات القرضاوي ( 11 - 20 )

الحلقة الحادية عشرة --- الثانية عشرة --- الثالثة عشرة --- الرابعة عشرة --- الخامسة عشرة --- السادسة عشرة --- السابعة عشرة --- الثامنة عشرة --- التاسعة عشرة --- العشرون ---

  الحلقات ( 1 - 10 )

الحلقة الحادية عشرة: إلى باكستان لنيل الدكتوراة  

رسالة إلى المودودي

وأهم ما أذكره في هذه السنة (1968 – 1969) أن بعض الإخوة اقترح علي أن أراسل جامعة "البنجاب" في لاهور بجمهورية باكستان الإسلامية، وهي جامعة عريقة، وفيها قسم للدراسات الإسلامية، ورئيس الجامعة العلامة علاء الدين الصديقي الذي كان رئيسا لقسم الدراسات الإسلامية من قبل، حين حصلت إحدى طالبات القسم (جميلة شوكت) على درجة الماجستير عن بحثها حول كتاب "الحلال والحرام في الإسلام" قال المحبذون: فالجامعة تعرفك ولا تجهلك، ورئيسها يعرفك ولا ينكرك، وهو على صلة طيبة بالأستاذ العلامة أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية الذي يكن له كل مودة وتقدير.

ورأى هؤلاء الإخوة أن من الخير أن أكتب للأستاذ أبي الأعلى المودودي، وأعرض عليه الأمر، طالبا مشورته بعد أن يكلم العلامة الصديقي.

وبادرت بكتابة رسالة إلى الإمام المودودي، شرحت له فيها الموقف، وانسداد الطرق في وجهي بالنسبة للدراسات العليا في مصر، ما دام الوضع الحالي باقيا، وانفتاح فرجة أمامي في جامعة البنجاب، إلى آخر ما جاء في الرسالة.

وسرعان ما أجابني الأستاذ المودودي: أنه كلم صديقه البروفسور الصديقي، وأنه يرحب كل الترحيب بكم، وهو يعرفكم جيدا، وكذلك أساتذة القسم الإسلامي في الجامعة، كلهم مرحبون ومتعاونون، ونصحني أن أسارع بالمجيء إلى لاهور، للتفاهم مع المختصين حول الخطوات التي يجب اتخاذها للوصول إلى الهدف.

وحمدت الله تعالى أن فتح لي هذا الباب، وعقدت النية على الذهاب إلى لاهور بمجرد انتهاء العام الدراسي، وكنا في أواخره.

باكستان لأول مرة

وطويت صفحة السنة الدراسية في منتصف يونيو كالمعتاد، وبدأت أعد العدة للسفر إلى باكستان لأول مرة، وأرى هذا البلد الكبير الذي انفصل عن الهند الكبرى ليستقل بشعائره وشرائعه ومقوماته وخصائصه، دون أن يتعصب أحد ضده، وكانت باكستان في ذلك الوقت تعد أكبر دولة إسلامية في العالم؛ فقد كانت لا تزال تضم باكستان الغربية، وباكستان الشرقية (التي انفصلت بعد ذلك، وكونت جمهورية بنجلاديش).

جواز سفر قطري

وكنت أسافر في ذلك الوقت بوثيقة قطرية تتجدد كل سنة، فذهبت إلى الشيخ خليفة بن حمد نائب حاكم قطر وولي العهد؛ لأطلب منه تجديد الوثيقة، فسألني: أين تسافر هذا العام؟ فأخبرته بأني مسافر إلى باكستان للحصول على الدكتوراة بعد أن أغلق أمامي باب الأزهر، فقال لي: كنت وعدتك أن نرقي الوثيقة القطرية إلى شيء أفضل، وهذا أوان ذلك، سآمر بإعطائك جواز سفر قطريا كاملا، تأخذ به كل حقوق القطريين. وأصدر أمره إلى السيد علي بن أحمد الأنصاري مدير إدارة الجوازات والجنسية بتنفيذ ذلك فورا، وفعلا في الحال بدأ بالتنفيذ، وطلب مني بعض الصور، وصدر الجواز القطري لي ولزوجتي ولبناتي الأربع، وابني محمد؛ فلم يكن أبنائي عبد الرحمن وأسامة قد ولدا بعد، وهكذا عوضني الله تعالى بجواز قطري أجوب به أنحاء الأرض، بعد تعنت السلطات المصرية معي، ورفضها تجديد جواز سفري؛ لترغمني على العودة إلى مصر، ولم يكن معقولا أن أذهب برجلي طوعا واختيارا من الدار إلى النار.

أيام في كراتشي

وقطعت التذكرة على الطائرة الباكستانية إلى كراتشي ثم إلى لاهور، ونزلت أولا في كراتشي، فوجدت جوها أشبه بجو الخليج في الحرارة والرطوبة، وقد استقبلني الإخوة في الجماعة الإسلامية بكراتشي، وهم الذين حجزوا لي الفندق، وكان فندقا متواضعا، ولكنه يؤدي الغرض، وقد تعودنا العيش على ألوان الحياة بنعومتها وخشونتها، ووردها وشوكها، وأي مكان سيكون أفضل من السجن الحربي وأكثر رفاهية.

زرت الجماعة الإسلامية في مقرها، وكان أمير الجماعة في كراتشي الأستاذ غلام محمد غائبا، والتقيت بالموجودين من الجماعة، وألقيت كلمة في دار الجماعة، كما زرت بعض الشخصيات الإسلامية، مثل الأستاذ إسحاق ظفر الأنصاري -والد الدكتور ظفر إسحاق-، كما سألت عن الشيخ محمد شفيع العثماني مفتي كراتشي -والد صديقنا الشيخ محمد تقي العثماني-، فوجدته خارج كراتشي.

لقاء المودودي في لاهور

وبعد يومين أو ثلاثة في كراتشي امتطيت الطائرة إلى لاهور؛ ليستقبلني الإخوة أعضاء الجماعة الإسلامية، ومنهم الأستاذ رحمة إلهي الأمين العام للجماعة، مندوبا من الأستاذ المودودي، ومعه الأخ الداعية الفاضل الشيخ خليل أحمد الحامدي مدير القسم العربي في الجماعة الذي يتحدث العربية بطلاقة، وقد تعرفت عليه وتوثقت صلتي به من قبل.

أبى إخواننا في الجماعة الإسلامية إلا أن ينزلوني ضيفا عليهم، فاشترطت عليهم أن تكون الضيافة لمدة ثلاثة أيام، ثم يدَعوني وشأني.

وفي المساء لقيت الإمام المودودي في دار الجماعة، ورحب بي هو وإخوانه جميعا، ولا سيما نائبه الأستاذ طفيل محمد، ورتبوا لي عددا من اللقاءات بأعضاء الجماعة، وخصوصا جمعية الطلبة المسلمين التي توجهها الجماعة، وزيارة بعض البلاد حول مدينة لاهور، وعقد بعض المؤتمرات الصحفية.

ورحبت بهذا كله، ولكني طلبت أن يرتبوا لي زيارة لجامعة البنجاب، ومقابلة رئيسها وأساتذتها، حتى لا نضيع الأمر الذي جئت من أجله، وقالوا: هذا طبيعي ومنطقي بلا ريب.

تكريم بالغ في لاهور

والحقيقة أن الإخوة في الجماعة الإسلامية أكرموني غاية الإكرام، وفي كل يوم كان يعزمنا أحدهم على وليمة، يدعى إليها مولانا المودودي وكبار الجماعة، وكان بعض الإخوة يريد أن يأخذ لنا صورة تذكارية بهذه المناسبة، ولكن المودودي -كعلماء باكستان والهند عموما- يشددون في أمر الصور؛ فكان الأستاذ المودودي يقول لهم: خذوا بمذهب القرضاوي الذي رجحه في "الحلال والحرام".

والعجيب أني لم آخذ معي شيئا من هذه الصور، فليت أحدا من الإخوة الذين يقتنونها يتحفني بشيء منها، وله مني الشكر، ومن الله الأجر.

ومن فضل الله تعالى أن أكثر من جهة في لاهور أخذت تكرمني، وتحتفي بي، منها: جمعية علماء باكستان، ومنها: جامعة البنجاب التي أقامت احتفالا كبيرا ودعت إليه جمعا غفيرا، وتحدث فيه عدد من الناس من الأساتذة والعلماء والدعاة، نسيت أسماءهم لطول المدة.

وزرت قسم الدراسات الإسلامية في الجامعة، والتقيت أساتذته وتحدثت إليهم، كما تحدثوا إلي، ولقيت الطالبة التي أخذت "الماجستير" عن كتابي "الحلال والحرام" جميلة شوكت، وأظنها كانت قد حصلت على الدكتوراة وقتها.

نوعان من الدكتوراة

ثم لقيت العلامة علاء الدين الصديقي الذي أحسن استقبالي، وهش لي، وفتح صدره وجامعته لمساعدتي، وقال: نحن نضع كل إمكاناتنا في معاونتك، ثم شرح لي الوضع في الجامعة من ناحية الدراسات العليا، وقال: نحن عندنا نوعان من الدكتوراة: الدكتوراة المعتادة، وهي التي يقدم الدارس فيها أطروحته تحت إشراف أستاذ، حتى إذا أكملها حددت له لجنة لمناقشتها، وفي النهاية يحصل على الدكتوراة بالدرجة التي يستحقها.

وهناك نوع آخر من الدكتوراة أعلى من الأولى، ويسمى "دي لت"، وهذه درجة لا تعطى على أطروحة أو رسالة معينة، ولكنها تعطى على مجموع إنتاج الباحث، يقدر ذلك عدد من كبار العلماء، وهذه لا تمنح إلا للقلائل الذين لهم عطاء علمي متميز.

قال: أما النوع الأول، فهو يسبب لنا -بالنسبة لك- مشكلة؛ لأننا لا نجد من يشرف عليك من هيئة التدريس عندنا، وهم يعتبرون أنفسهم في منزلة تلاميذك، ولذا فأنا أقترح أن تمنحك الجامعة الدكتوراة من النوع الآخر، وهو الأليق بك وبإنتاجك، وهذا يتطلب أن تقدم لنا عدة نسخ من كل ما كتبته؛ لنعرضه على عدد من كبار الأساتذة.

قلت له: إن كان ولا بد، فليكن على رأس هذا الإنتاج بحثي الكبير عن "فقه الزكاة" وقد تعبت فيه نحو عشر سنوات، ولكنه لم يطبع بعد.

قال: هذا أفضل، ويجب أن تبادر بطبعه، وتقدمه مع سائر كتبك، وكلما سارعت كان أجدر بإنهاء الأمر على ما تحب؛ فإن الظروف قد تتغير.

قلت لهم: أمهلوني نحو خمسة أشهر أو ستة حتى يتم طبع الكتاب، وعلى الله التسهيل.

البحث عن "الجبن"

وكنت قد استأذنت الجماعة الإسلامية بعد ضيافة الأيام الثلاثة أن أنتقل إلى فندق مناسب أقضي فيه ما بقي لي من أيام في لاهور، وفعلا نزلت فندق "أمباسدور" أو فندق السفراء، وهو ليس بعيدا كثيرا عن مقر الجماعة، ولكنه يحتاج أن تركب "الركشا" وهي العجلة أو السيارة الصغيرة أم ثلاث عجلات، وهي تسع شخصين يركبان في الخلف، ويقودها السائق، وكانت أجرتها رخيصة جدا.

ومن اللطائف في الأيام التي قضيتها في الفندق أني بحثت عن "الجبنة" فلم أجد لها عند الباكستانيين أثرا، ولم أسمع لها عندهم خبرا؛ فهم لا يعرفون إلا اللبن الحليب، أو اللبن الرايب أو الزبادي، يتناولونه محلى بالسكر. وقلت للأخ خليل الحامدي ومساعده فيض الرحمن: ألا تعرف باكستان "الجبن" أبدا؟ قال الشيخ خليل: باكستان لا تعرف "الجبن" لكن تعرف الشجاعة! قلت له: إنما نبحث عن الجبن لنقضي عليه!

وأخيرا بعد البحث في بعض المحلات الكبيرة وجدوا بعض الجبن الإفرنجي، لا الجبن الأبيض، وعرفت من هذا الاختلافَ بين الشعوب في عاداتها ومأكولاتها؛ فرغم أن الشعوب الهندية شعوب زراعية فإنها لا تعرف الجبن، على حين نجد الفرس والأتراك والعرب والأوربيين يتفننون في صناعة الأجبان بأشكال ومذاقات شتى.

أنشطة مكثفة مع الجماعة الإسلامية

قمت ببعض الأنشطة، وألقيت عددا من المحاضرات مع الطلبة المسلمين وغيرهم، وذكرت للإخوة التلاقي بين أفكار الجماعة الإسلامية، وأفكار الإخوان المسلمين، حتى قلت لهم: إن الإخوان المسلمين هم الجماعة الإسلامية في الشرق العربي، والجماعة الإسلامية هم الإخوان المسلمون في شبه القارة الهندية.

وأجرت بعض الصحف وبعض المجلات حوارات معي، كانت إجاباتي فيها مسددة، كما نظم الإخوة مؤتمرا صحفيا لي، أجبت فيه عن عدد من التساؤلات التي طرحت، وكان الإخوة مسرورين بنتائج ذلك كله.

وكانت باكستان الشرقية -وعاصمتها دكا- في ذلك الوقت في حالة من الاضطراب والغليان، وقال مولانا المودودي لي: ليتك تذهب إلى دكا؛ فهي تحتاج إلى مثلك في هذا الوقت الذي يعمل دعاة الانفصال مؤيدين من أعداء باكستان وأعداء الإسلام.

قال المودودي: إنك ستجد باكستان الشرقية جنة الله في أرضه، وأنهارها أشبه بالبحار.

ولكن الإخوة العارفين في الجماعة قالوا: إن تكثيف الشيخ نشاطه الدعوي والسياسي في هذا الوقت قد يعكر على الموضوع الذي جاء من أجله، وهو الحصول على الدكتوراة؛ فربما شوش بعض المغرضين أو الخصوم على الشيخ، ووضعوا العقبات في طريقه.

ولذا توقفت عن النشاط العام إلا قليلا؛ حتى ننتهي من تحقيق الهدف الذي جئت إلى لاهور أساسا من أجله، وسأظل أذكر تلك الأيام الجميلة التي قضيتها في لاهور (ما يقرب من ثلاثة أسابيع)، ولقاءاتي بالعلامة الإمام المودودي وإخوانه ورفقاء دربه في الدعوة إلى الله، جزاهم الله عني خيرا.

العودة إلى قطر ومنها إلى بيروت

وبعد أن لقيت رئيس الجامعة العلامة الصديقي، وغير باقتراحه المسار المعتاد للحصول على الدكتوراة، قررت السفر عائدا إلى قطر، ومنها إلى بيروت؛ سعيا لتقديم كتاب "فقه الزكاة" للمطبعة.

وعدت إلى قطر، لأصطحب أسرتي، ومسودة بحثي عن "الزكاة"؛ لنسافر إلى لبنان، ومن مطار بيروت استقللنا سيارة لتوصلنا إلى "سوق الغرب" للإقامة المؤقتة في "فندق فاروق" الذي اعتدنا النزول به، حتى نستأجر بيتا مناسبا لنا.

وبعد أيام قليلة عرفنا أن عددا من إخواننا السوريين مثل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة والأستاذ عدنان سعد الدين قد استأجروا منازل لهم في قرية "قرنايل"، وهي قريبة من قرية "حمانا" التي نزلنا بها صيف سنة 1965م، وأن بالقرب منهم منزلا ملائما لنا، وقد زرتهم، ورأيت المنزل وحديقته الجميلة، ووجدته في غاية المناسبة لنا، وخصوصا أننا نجاور الأخ أبا عامر عدنان سعد الدين؛ فهو الجار ذو القربى، وقد قال العرب من قديم: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق.

وانتقلت مع الأسرة من فندق فاروق إلى قرنايل لنقيم بها ما بقي من الصيف، وهو حوالي شهرين، وننزل ما بين يوم وآخر إلى بيروت للقاء بعض الأحبة، وشراء بعض اللوازم، ومثل ذلك كله للاتفاق مع المطبعة ودار النشر على طبع الكتاب الذي اخترت له عنوان "فقه الزكاة.. دراسة مقارنة لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة"، وكان الاتفاق مع الأستاذ عادل عاقل مدير دار الإرشاد للنشر على أن يقوم بنشر الكتاب، وقد اتفق هو مع مطبعة "دار القلم" لتقوم بالطباعة.

وسلمت المطبعة قدرا مناسبا من الأصول لتبدأ الطباعة بسرعة ما أمكنها؛ فالزمن لا ينتظرنا، وجامعة البنجاب تستعجلنا، وكلما فرغوا من ملزمة وصححوها التصحيح الأولي سلموا لي "البروفة" الأخيرة لأصححها وأعتمدها لتطبع بعد التصحيح.

وبدأنا العمل، ولكن الوقت كان قصيرا؛ فلم ننجز من طبع الكتاب أكثر من خمس عشرة ملزمة، والكتاب كبير سيصدر في مجلدين.. ولهذا اتفقت مع المطبعة أن ترسل إلي ما تنجزه من الملازم إلى الدوحة أثناء العام الدراسي؛ لأصححه وأرده على المطبعة، حتى لا نتعطل كثيرا.

بيد أن هذا الاتفاق لم ينفذ إلا في نطاق محدود، ولم يرسلوا إلي إلا عددا قليلا من الملازم، معتذرين بأعذار شتى من انقطاع التيار الكهربائي، ومن إضراب العمال، وغير ذلك، ولم يتحقق ما رجوته أو ظننته من إمكان طباعة الكتاب في نحو ستة أشهر؛ فهذا كان ضربا من التمني، وما كل ما يتمنى المرء يدركه.

وكان لا بد أن نتدارك ذلك في الصيف القادم (سنة 1970م) لنعوض هذه الأيام التي ضاعت منا دون أن نحقق الإنجاز الموعود.

انقلاب النميري في السودان

في سنة 1969م حدث انقلابان عسكريان في الوطن العربي، كلاهما كان في الجناح الأفريقي من العالم العربي، وكلاهما مجاور لمصر: أحدهما في الجنوب، والآخر في الغرب؛ أحدهما في بلد جمهوري، والآخر في بلد ملكي.

الانقلاب الأول: وقع في مايو في جمهورية السودان الذي قام به الجيش بقيادة جعفر نميري، والذي أطاح بالحكم الديمقراطي الذي جاء بعد انقلاب عبود. ولا ندري ماذا يحمل هذا الانقلاب الجديد للسودان؟ وإن كنت قد أصبحت أتوجس شرا من الانقلابات العسكرية التي أمست في أوطاننا عدوا للحرية، ونقمة على الشعوب، تعِد بالديمقراطية ولا تفي بما وعدت، ولا يستطيع أحد أن يحاسبها، ترى هل يكون هذا الانقلاب الجديد مثل ما جربته شعوبنا من قبل: في مصر، وفي سوريا، وفي العراق، أم سيكون وجها آخر، يقلب النظام، ثم يرد الحكم إلى المدنيين، وإلى الشعب يختار لنفسه من يراه أهلا للولاية، ويتحمل مسؤولية من يختار؟!

انقلاب القذافي في ليبيا

والانقلاب الثاني وقع في أول سبتمبر، أو في الفاتح من سبتمبر في المملكة الليبية؛ فقد فوجئنا ونحن في لبنان في أول سبتمبر بما أذاعته وكالات الأنباء من انقلاب عسكري في ليبيا على الملك السنوسي، تقوده فئة من الشبان، ولا أدري هل ذكر اسم قائد الانقلاب في أول الأمر أم أُجل بعض الوقت.

وكان الملك إدريس السنوسي رجلا صالحا في نفسه، ولكنه أحيط ببطانة سوء، انحرفت بالحكم، وأساءت إلى البلاد والعباد؛ فكان لا بد من تغيير، وكان التغيير في العالم العربي له صيغة واحدة في كل الأقطار، هي صيغة الانقلاب العسكري، منذ سن هذه السنة حسني الزعيم في سوريا، وتبعه الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر في مصر، وعلى دربهم سار عبد الكريم قاسم في العراق.

وأذكر أننا تناقشنا عقب سماعنا بنبأ الانقلاب أو الثورة -كما سميت فيما بعد-: هل تكون هذا الثورة خيرا أو رحمة للشعب الليبي؛ يُطعَم بها بعد جوع، ويأمن من خوف، ويعيش حرا سيدا في أرضه، أم تكون صورة كسائر الثورات التي فرح الناس بها في أول الأمر، وصفقوا بأيديهم، ورحبوا بها من أعماق قلوبهم، ثم ما لبثوا أن انقلب سرورهم غما، وفرحهم ترحا، وأمسوا يتمنون اليوم الذي يتحررون من نيرها، وسوط عذابها، بعد أن جرعتهم كؤوس الذل، وأذاقتهم عذاب الهون، ومرغت أنوفهم في التراب؛ فباتوا يتمنون أن تعود العهود البائدة، على ما كان فيها من فساد وانحراف، وأضحى يناسبهم قول الشاعر قديما:

دعوت على عمرو فمات فسرني    بليت بأقوام بكيت على عمرو!

وقلنا: لندع ذلك للأيام؛ فهي التي ستكشف الأصيل من الزائف، وتميز المحق من المبطل، ويبقى القانون الإلهي الذي لا يتخلف: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ" [الرعد: 17].


الحلقة الثانية عشرة: مأساة أيلول الأسود

بدايات النشاط الإعلامي

في سنة 1970م أنشئت لأول مرة محطة إذاعة في قطر، تُسمِع صوت قطر من الدوحة لأهل قطر، وبلاد الخليج، وديار العرب، وأقطار العالم. وسمع الناس: "هنا إذاعة قطر من الدوحة".

وكان هذا بداية الإعلام المسموع في قطر، وقد بدأت أباشر أول نشاطي الإعلامي فيها عن طريق برنامج "نور وهداية" الذي كان يعده ويقدمه الإذاعي اللامع المعار من الأردن الأستاذ "محمود الشاهد" مراقب البرامج في الإذاعة، وكان البرنامج يقوم على الرد على رسائل القراء التي تتعلق بأمور الدين والحياة، يتلقاها الأستاذ الشاهد (أبو توفيق) ويهيئها لي ويعرضها عليَّ، لأجيب عنها مسجلة لتذاع في حينها.

وكان البرنامج يقدَّم مرتين في الأسبوع، كل مرة ربع ساعة: مرة يوم الجمعة قبل الصلاة، ومرة يوم الإثنين مساء، ثم رأينا أن نجعله نصف ساعة يوم الجمعة، وأظنه كان يعاد يوم الإثنين في أول الأمر.

وكان لهذا البرنامج عشاقه ومتابعوه في قطر، وفي منطقة الخليج ومن حولها، ولا سيما البحرين والمنطقة الشرقية من السعودية.

وقد ظللت أقدم هذا البرنامج حتى بعد أن أنشئ تليفزيون قطر، وأسند إليّ تقديم برنامج "هدي الإسلام" مساء كل جمعة لم أنقطع عن برنامج الإذاعة. وقد كلف بتقديمه في السنوات الأخيرة المذيع المعروف الأستاذ زهير قدورة. ثم بعد أن كثرت أعبائي، وازدحمت أوقاتي رأيت أن أعتذر عن عدم تقديم برنامج "نور وهداية" بعد أن قمت به حوالي سبعة عشر عاما، مكتفيا ببرنامج "هدي الإسلام" في التليفزيون.

وكنت أقدم في الإذاعة برامج أخرى بمناسبات مختلفة، منها "حديث الغروب" في شهر رمضان، كان يقدم قبل أذان المغرب، قدمته خمس سنوات، تحت عنوان "في رحاب القرآن"، ثم "في رحاب السنة".

وكان لهذه الأحاديث قبول حسن عند الناس، وكان الكثيرون يحرصون على سماعها في كل مساء، ولكن من المؤسف أني لم أحرص أن آخذ نسخا منها بعد تسجيلها، فلما طلبتها بعد ذلك قالوا: إن كل أشرطة الإذاعة نقلت إلى مكان آخر غير مرتبة ولا مصنفة، ومن الصعب استخراجها، وهكذا ضاع عليّ "مائة وخمسون" حديثا، ليس عندي أي أصل لها؛ فقد كانت مرتجلة، ولم تكن مكتوبة مثل كل أحاديثي في الإذاعة والتليفزيون.

ملاحظات الشيخ آل محمود

ومما أذكره بالنسبة للإذاعة أني وجدت الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية، العالم البحاثة الكبير يتتبع برنامجي في الإذاعة، ويستمع إليه. وفي زيارة له قال لي: أريد أن أجلس معك جلسة خاصة، فقلت: على الرحب والسعة. قال: إني سمعت كثيرا من إجاباتك على أسئلة السائلين، وهي موفقة إلى حد كبير، ولكن لي ملاحظة على أربع إجابات، أرجو أن تراجعها.

قلت: ليس في العلم كبير، وفوق كل ذي علم عليم. وتحدث معي في هذه المسائل الأربعة، نسيت اثنتين منها، وأذكر اثنتين:

أولاهما: قضية تارك الصلاة. قال الشيخ: رأيتك متساهلا فيها، والأحاديث الصحيحة تكفر تارك الصلاة، وهو المشهور عن الإمام أحمد وبعض السلف.

قلت: يا فضيلة الشيخ، أنا لست متساهلا في أمر تارك الصلاة، وقد ذكرت حكمه في كتابي "العبادة في الإسلام" ولكني أتحرى وأتثبت في قضية التكفير.

وأنا مع جمهور الأئمة (أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم) في تفسيق تارك الصلاة لا تكفيره، إذا كان تركها على سبيل الكسل، أما من تركها منكرا لفرضيتها أو مستخفا بأمرها؛ فهو كافر ولا شك.

والأحاديث التي تكفر تارك الصلاة مؤوّلة، كما أُوِّل غيرها؛ حتى لا تتناقض مع أحاديث وآيات أخرى، حتى إن ابن حزم -وهو رجل ظاهري كما تعرف فضيلتك- لا يكفِّر تارك الصلاة، وابن قدامة الحنبلي يقول: لم ينقل في بلد من بلدان المسلمين أنهم تركوا صلاة الجنازة على تارك للصلاة، أو لم يدفنوه في مقابر المسلمين.

على أن الحنابلة أنفسهم لا يحكمون عليه بالكفر إلا بعد أن يدعوه الإمام أو القاضي إلى الصلاة، فيرفض ويأبى.

والقضية الأخرى: قال الشيخ: إنك تقول: إن المطر ينزل من السحاب، وليس من السماء، والقرآن يخبرنا أن الله أنزل من السماء ماء. ونقل الشيخ كلاما عن ابن القيم في بعض كتبه حول نزول المطر من السماء.

قلت للشيخ: يا مولانا، ابن القيم على أعيننا ورؤوسنا، وهو حجة في الشرعيات، وليس حجة في العلوم الطبيعية والكونية، وكل علم يؤخذ من أهله، كما قال تعالى: "فاسأل به خبيرا" [الفرقان: 59]، "ولا ينبئك مثل خبير" [فاطر: 14].

والعلوم الطبيعية التي اقتبسها الغربيون منا ثم تفوقوا فيها اليوم -كما نرى- حتى أمسى الإنسان يطير في الهواء، ويغوص في الماء.. هذه العلوم تقول: إن المطر ينزل من السحاب، والسحاب يتكوّن من البخار الذي يتكون من ماء البحار والمحيطات، حتى إذا وصل إلى درجة معينة من البرودة سقط مطرا.

والقرآن يشير إلى أن أصل الماء كله من الأرض، كما قال تعالى: "والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها" [النازعات: 30-31].

والعرب في شعرهم الجاهلي أشاروا إلى هذه الحقيقة الطبيعية، فقال شاعرهم أبو ذؤيب الهُذلي في وصف عن السحب:

شربن بماء البحر ثم ترفّعت     متى لجج خضر لهن نئيج![1]

والنئيج: الصوت المرتفع، وهو صوت أمواج البحر وهي تتلاطم.

وقال آخر في موقفه من ممدوحه:

كالبحر يمطره السحاب وما له       فضل عليه لأنه من مائه!

وهذه حقيقة أصبحنا نشاهدها بأعيننا حين نركب الطائرات؛ فتعلو بنا فوق السحاب، فربما تكون الأرض ممطرة، ونحن نشاهد الشمس ساطعة مشرقة فوق السحاب، فإذا أردنا الهبوط اخترقنا السحاب لننزل إلى الأرض.

وأما قوله تعالى: "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" [الفرقان: 48] وأمثالها من الآيات فلها تأويلان:

أحدهما: أن معنى من السماء: من جهة السماء.

وثانيهما: أن السماء يُقصَد بها السحاب، بناء على أن السماء عند العرب: كل ما علاك، وفيه جاء قوله تعالى: "فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ" [الحج: 15]، فالمراد بالسماء هنا: السقف.

وسكت الشيخ رحمه الله، ويبدو لي أنه لم يقتنع بما قلته. فهذه أفكار جديدة تصطدم بما استقر عنده من معلومات راسخة تلقاها عن مشايخه الثقات، وعن كتبه ومصادره التي يعتز بها.

وقد سبق للشيخ رحمه الله أن أنكر صعود الإنسان إلى القمر، وقال: هذا من أخبار الآحاد التي يمدح فيها الإنسان نفسه بما يزعم أنه أنجزه!!

قلت له: يا شيخنا هذا ليس خبر واحد من الآحاد، إنما هو حدث تشارك فيه دول، وتتنافس عليه دول، ولو افترضنا أن الأمريكان يكذبون؛ فكيف يسلم لهم منافسوهم الروس وغيرهم؟

وهذا يدلنا على أن التكوين القديم لمشايخ العلم الديني في منطقة الخليج كان ينقصه شيء مهم، وهو دراسة العلوم الكونية من الفيزياء والكيمياء والأحياء (علم الحيوان وعلم النبات) والرياضيات، وكذلك الجغرافيا الفلكية والطبيعية وغيرها.

وهو ما تنبه إليه الأزهر من قديم؛ حيث درس ذلك شيوخنا، وشيوخ شيوخنا. وقد سموا هذه العلوم "العلوم الحديثة"، وهي في الواقع علوم قديمة، وهي علوم المسلمين في الأصل، اقتبسها الغربيون منهم وطوروها، وأضافوا إليها، حتى بلغت في عصرنا مبلغا هائلا، وهو ما سموه الثورات العلمية: الذرة النووية، والثورة الفضائية، والثورة الإلكترونية، والثورة البيولوجية، وثورة الاتصالات، وثورة المعلومات.

سلسلة حتمية الحل الإسلامي

تبنى عبد الناصر في "ميثاقه" الشهير "حتمية الحل الاشتراكي" وتنادى الناس، وتحدثت الألسنة، وكتبت الأقلام في تمجيد الحل الاشتراكي، وأنه الحل السحري الذي يملك "عصا موسى" و"خاتم سليمان" فيحل كل عقدة، ويسد كل ثغرة، ويطعم كل جائع، ويشغل كل عاطل، ويؤوي كل مشرد، ويكفل كل محتاج!

وعندما جربه الناس لم يجدوا شيئا من ذلك: لم يطعَموا به من جوع، ولم يأمنوا به من خوف، ولم يغتنوا به من فقر، ولم يُشفوا به من مرض.

لهذا رأيت أن أرد على فكرة "حتمية الحل الاشتراكي" بسلسلة من الكتب، أطلقت عليها "حتمية الحل الإسلامي"، تظهر في أربعة أجزاء:

1ـ جزء يتحدث عن "الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا".

2ـ وجزء يتحدث عن "الحل الإسلامي.. فريضة وضرورة" (أي فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع).

3ـ وجزء يتحدث عن "الرد على شبهات العلمانيين والمتغربين" وإبراز "بينات الحل الإسلامي".

4ـ وجزء أخير يتحدث عن "أعداء الحل الإسلامي" الذين يقفون في سبيله، ويعوقون طريقه.

وقد ظهر الجزآن الأول والثاني في سنتي 1969 و1970 على ما أذكر، وتأخر الجزء الثالث بعض الوقت، أما الجزء الرابع فتأخر كثيرا، فلم يظهر إلا منذ عدة سنوات.

وكلمة "الحتمية" من "أكليشهات" الماركسيين، ولكني استخدمتها من باب "المشاكلة" كما يقول علماء البلاغة العربية، مثل قوله تعالى: "يخادعون الله وهو خادعهم" [النساء: 142]، "وجزاء سيئة سيئة مثلها" [الشورى: 40].

مأساة أيلول الأسود

في أوائل شهر سبتمبر سنة 1970م هزت العالم العربي مأساة هائلة لا ينساها التاريخ، وقعت تحت سمع العرب وبصرهم في عاصمة عربية معروفة غير منكورة هي "عمّان" عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية! إنها مأساة "أيلول الأسود" التي قتل فيها جمٌّ غفير من أبناء فلسطين في ثلاثة أيام، برصاص الجيش الأردني الباسل!! وهجماته العنترية على إخوانه الفلسطينيين، ومنهم من قُتل في قلب منزله، وربما قُتلت معه زوجته وأولاده، أو بعض أولاده، مثل صديقنا العالم الأزهري الشيخ عزت الشريف عليه رحمة الله.

صحيح أن أعضاء فتح قد تجاوزوا في تصرفاتهم، وارتكبوا بعض الأخطاء في حق المواطنين في عمَّان، وأصبحوا دولة داخل الدولة، ولم يعودوا يعبئون بسلطة ولا قانون، ولم تبادر القيادة المسئولة بتأديب هؤلاء. ومثل هذا لا تصبر عليه دولة ترى لنفسها السيادة على أرضها.

ولكن ألم يكن ممكنا توسيط بعض القادة العرب لحل المشكلة وإخماد النار؟ ثم لماذا الضرب بكل هذه القسوة وهذا الجبروت؟ إننا لم نستعمل هذه القسوة والوحشية مع الصهاينة الذين اغتصبوا أرضنا، وسفكوا دماءنا، وشردوا أهلنا، ودنّسوا مقدساتنا، فكيف نستعملها مع إخواننا الذين هم منا ونحن منهم؟ أليس الشاعر العربي يقول:

أخاك أخاك! إن مـن لا أخـا لــه     كساع إلـى الهيجا بغير سلاح!

وإن ابن عم المرء –فاعلم- جناحه     وهل ينهض البازي بغير جناح؟

فكيف كسرنا سلاحنا؟ وكيف هضنا جناحنا؟ وكيف نقاوم بغير سلاح، أو نطير بغير جناح؟!

وإني لأعجب كل العجب من قسوتنا -نحن العرب- بعضنا على بعض، في حين وصف الله أصحاب رسوله بقوله: "أشداء على الكفار رحماء بينهم" [الفتح: 29].

كما وصف الله الجيل المرتقب لنصرة الإسلام عندما يمرق المارقون، ويرتد المرتدون بقوله: "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" [المائدة: 54].

عبَر من المأساة

وهذه إحدى العبر من هذه المأساة: أننا عند الخصومة ننسى كل الروابط التي تربطنا، ويتعامل بعضنا مع بعض بشراسة ووحشية لا نتعامل بها مع أشد الناس عداوة لنا.

وعبرة أخرى نأخذها من هذه المأساة، وهي: أن أي جماعة شعبية مسلحة لا يمكن أن تقاوم قوة الجيش النظامي المسلح؛ فقد كانت فتح تملك الرجال، وتملك السلاح، وكانت متمركزة في أسفل العمارات وفي أعلاها، وكانت مسنودة محليا، ومسنودة عربيا، بل مسنودة من قوى كبرى مثل روسيا، ومع هذا حين اصطدمت بقوة الجيش لم تستطع الصمود أمامه؛ فهو يملك من المعدات الثقيلة والإمكانات الكبيرة ما لا تملكه فتح. ولهذا تمكن من ضربها في مقاتلها، ومحاصرتها في مواقعها، والقضاء على قوتها في وقت قصير.

وفي هذا عبرة للجماعات الشعبية التي تفكر في الاستيلاء على السلطة بعمل عسكري ضد قوات الدولة المسلحة؛ فهذا تفكير سطحي، وإغراق في الخيال؛ فإن الجيوش النظامية والقوات المسلحة بما تملك من أسلحة وعتاد وطاقات هائلة.. قادرة على سحق مثل هذه المحاولات المحدودة القدرة، مهما يكن عند القائمين عليها ما لا يجحد من فضائل الشجاعة والبطولة وحب البذل في سبيل الله.

ولقد سجلت هذا في أكثر من كتاب لي، أحذِّر الإسلاميين من التورط في تفكير كهذا؛ فهو لا يحقق هدفا إلا القتل والدمار وما يشبه الانتحار.

اغتيال وصفي التل

جرت هذه المأساة في عهد حكومة وصفي التل رئيس وزراء الأردن الذي باء بوزرها وحمل تبعتها.

وقد غلا مرجل الغضب بين الفلسطينيين خاصة، وبين العرب والمسلمين عامة على وصفي التل، وانصبت عليه اللعنات من كل جانب؛ لأنه هو الذي تولى كِبر هذا الأمر، وهو الذي أصدر الأوامر، ووجه النداء إلى وزير الدفاع وإلى الجيش.

حتى لو صدرت إليه الأوامر من الملك؛ فهو الذي يتولى التنفيذ، وكان يمكنه أن يرفض ويقدم استقالته، ولا يحمل عارها وشنارها عند الله وعند الناس أجمعين.

ولا عجب  أن شهد شهر أيلول نفسه الانتقام السريع من وصفي التل، وهو يشارك في مؤتمر القمة في القاهرة الذي دعا إليه عبد الناصر. فوجه شاب فلسطيني إلى صدره عدة رصاصات، فأردته قتيلا.

ميلاد ابني عبد الرحمن

وفي الثامن عشر من هذا الشهر (سبتمبر 1970) ولد ابني -الذكر الثاني- عبد الرحمن. فمنذ ابنتي أسماء آثرنا أن نختار لأولادنا أسماء تراثية من أسماء الأنبياء أو أسماء الصحابة والسلف.

وقد جاء في الحديث الصحيح: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن". وكنت أوثر اسم "عبد الله" لأنه اسم أبي، وفي ذلك إحياء له. ولكن زوجتي فضلت اسم عبد الرحمن؛ فلم  أحب أن أرفض رغبتها.

والمصريون يسمون كثيرا "عبد الله" وغيره مما عبّد لله؛ كعبد العزيز، وعبد الحميد، وعبد القادر، وعبد اللطيف، ونحوها، ويروون في ذلك حديثا يقول: "خير الأسماء ما حُمّد وما عبّد"، ومعنى "ما حُمِّد" أي ما اشتق من الحمد، مثل محمد وأحمد ومحمود ونحوها. ولكن الحديث لا أصل له، ولكن أسماء التعبيد لله مقيسة على اسم عبد الله وعبد الرحمن، وقد صح بهما الحديث. ولا يكاد يعرف من الصحابة من الأسماء المعبدة لله غير اسمَيْ عبد الله وعبد الرحمن.

كان عبد الرحمن يُدلَّل في الأسرة؛ فيسمى "بودي" على طريقة المصريين في اشتقاق اسم تدليل من الاسم الأصلي؛ فمحمد: ميمي، وأسامة: سمسم، وسهام: سومة... إلى غير ذلك. وأعتقد أنه لا حرج شرعا في ذلك. وقد كان العرب يفعلون مثل ذلك عن طريق تصغير الاسم تصغير "تمليح" كما يسمونه. فهم يطلقون على محمد: حُميد، وعلى عامر: عويمر، أو عمير. وعلى فاطمة: فطيمة.

وعندهم أيضا طريقة الترخيم في النداء، بحذف آخر الكلمة، فبدل أن يقال: يا صاحبي، يقول: يا صاح. وينادى فاطمة بقوله: فاطم، وزينب: زين.. وهكذا.

كان عبد الرحمن سليم الجسم، معافى في بدنه، ولكنه من صغره كان يشكو من التهاب اللوز باستمرار، حتى كدنا نجري له عملية لاستئصالها لولا أن صديقنا الدكتور شوقي الصيرفي الطبيب الشهير في الأنف والأذن والحنجرة نصحنا بأن لا نجريها، وطالبنا بالصبر عليه، حتى يكبر قليلا، وسيشفى منها بإذن الله، وقد كان.

كان لعبد الرحمن طُرف ونوادر في طفولته، وكان كلما وجد سيارة مفتوحة سارع إليها وركبها، وقعد مقعد السائق، ثم يقول: تتركون السيارات مفتوحة لكي أركبها، ثم تؤنبونني على ركوبها وأنتم الذين تركتموها لي لأركبها!

وإذا نهرته أمه أو لمسته بضربة خفيفة لغلطة ارتكبها يقول: "بيقولوا بيحبوني. لو كانوا بيحبوني ما كانوا ضربوني!".

وقد رأى بعض الأطفال يلبسون نظارات، فطلب أن يلبس نظارة مثلهم، فقلنا له: هؤلاء نظرهم ضعيف، ولا يحسنون النظر من غير النظارة. فإذا هو في يوم يتصنّع أنه لا يستطيع أن يرى. وهو لهذا يريد نظارة!

وظل وهو ابن خمس سنين يريد أن يذهب إلى المدرسة الخاصة، فقدمنا له في مدرسة قريبة منا، حتى قبل فيها، وذهبنا به إلى المدرسة أول يوم. وبعد ساعتين أو نحو ذلك رأيناه عائدا إلى البيت، قلنا له: لماذا عدت الآن ولم تنته الدراسة؟ قال: أنا طلبت الذهاب إلى المدرسة، وقد ذهبت إليها! يعني: أنه يريد الذهاب إلى المدرسة للفرجة فقط!

اقرأ في الحلقة القادمة:


[1] قبل هذا البيت:

سقي أمّ عمرو كل آخر ليلـة     حناتمُ سودٌ مـاؤهن ثجيج

إذا هم بالإقلاع هبّت له الصَّبا       فأعقب نشء بعده وخروج

      والحناتم: جمع حنتمة، وأصلها الجرة الخضراء، وأراد بها هنا: السحائب، شبهها بالجرار، ووصفها بالسواد لكثافتها، وماؤهن ثجيج أي ثجاج متدفق. وهذه السحائب شربن بماء البحر ثم تصاعدت وارتفعت، ومتى: بمعنى "مِن" في لغة هذيل.
 


الحلقة الثالثة عشرة: عبد الناصر في الميزان

ومات عبد الناصر

في سبتمبر 1970م وفي يوم 28 منه أعلن نبأ هائل على العالم العربي.. إنه موت عبد الناصر.

في هذه الليلة اتصل الأخ الأستاذ عبد البديع صقر بي، وقال: إن إذاعة القاهرة أوقفت كل برامجها، ولا تذيع إلا القرآن، و"المارشات" العسكرية، وكذلك إذاعة "صوت العرب". ويبدو أن عبد الناصر مات، ويتوقع إذاعة الخبر بعد قليل.

ولم تمض إلا برهة قليلة؛ حتى سمع الناس صوت أنور السادات ينعى إلى الشعب المصري وإلى الأمة العربية رجلا من أعز الرجال، ومن أغلى الرجال!

الصوت الذي أعلن البيان الأول لثورة 23 يوليو -أو لانقلاب 23 يوليو- هو نفس الصوت الذي أذاع نبأ وفاة الرجل الذي فجَّر هذه الثورة.

لا شماتة في الموت.. ولكن

لا شماتة في الموت، وكلنا من هذه الكأس شاربون، وإلى هذا المصير ذاهبون. ولكننا -نحن الإخوان- بشر، يحكمنا ما يحكم البشر من عواطف ومشاعر. فقد مات الرجل الذي قهرنا وأذل كبرياءنا، وذقنا على يديه ألوان العذاب.. الرجل الذي سجن رجالنا، وسجن كل من يساعد أسرنا بعشرة قروش؛ حتى يموت أولادنا من الجوع، وتضطر نساؤنا إلى مد اليد، أو ما هو أكثر من ذلك، تحت قهر الحاجة، وعضة الجوع، والجوع كافر لا يرحم.. الرجل الذي علق المشانق لدعاتنا وعلمائنا: عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي، وسيد قطب وغيرهم. والذي قتل أكثر من عشرين منا جهرة في ليمان طرة، وقتل آخرين خفية في أتون التعذيب.. وتحت لهيب السياط والكي بالنار، وغيرها من الآليات المستوردة من النازية والشيوعية.

الرجل الذي منعنا من حقنا في وظائف الدولة، ونحن أولى الناس بها بمقتضى مؤهلاتنا، وتقدمنا في ترتيب الناجحين، وألجأنا إلى أن نطرق أبواب المدارس الخاصة؛ ليردنا من يردنا، ويقبلنا من يقبلنا على هون!

الرجل الذي سلط علينا أجهزة إعلامه -مقروءة ومسموعة ومرئية- لتفتري علينا الأكاذيب، وتتقول علينا الأقاويل، وتشوه وجه دعوتنا، وترمي بالإفك رجالنا، ولا تمكننا من أن نقول كلمة في رد البهتان، وتفنيد الافتراء.

الرجل الذي أغلق دُورنا، وعطل مسيرتنا، وعوق دعوتنا، وجمد حركتنا، في حين أطلق الحرية للشيوعيين واللادينيين!

لقد مات الرجل المسئول الأول عن ذلك كله؛ فمن حقنا أن نتنفس الصعداء، وأن نستبشر بموته، وأن نتوقع تغييرا من وراء ذلك يكون في صالحنا، وفي صالح وطننا وأمتنا. "فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا" [الشرح: 6،5].

هكذا كان موقفنا نحن الإخوان المسلمين الذين أصابنا ما أصابنا في عهد عبد الناصر، وكنا من ضحايا جبروت هذا النظام الشمولي الطاغوتي الذي قهرنا وقهر شعب مصر كله معنا.

لكن جماهير شعبنا المصري وشعبنا العربي حزنت على عبد الناصر، وبكت عليه، وخرجت جموعها بعشرات الألوف، ومئات الألوف، مودعة حزينة منتحبة.

خواطر حول الموت

إن شعبنا المصري شعب عاطفي، تهزه المصائب، وتغلب عليه الأحزان، ويبكي على الموتى بحرارة وحرقة؛ لهذا بكى عبد الناصر الذي مات فجأة، ومات قبل سن الشيخوخة المعتاد، ولم تُجْدِ معه محاولة الأطباء، ولا أنواع الدواء، وقد اجتمع حوله من النطاسيين والخبراء أكبرهم قدرًا، وأثقلهم وزنًا، لكن الداء إذا كان من السماء بطل الدواء، وعز الشفاء. "ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون" [المنافقون: 11].

هذه نهاية كل حي: أن يموت، وأن يوارَى في حفرة، وأن يدع الأهل والولد، والأعوان والخلان، وأن يواجه وحده عمله في حفرته أو في قبره.

هذه نهاية الرسل والأنبياء كما قال الله لرسوله: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ" [الزمر: 30، 31]، وقال له: "وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" [الأنبياء: 34، 35].

وهذه نهاية الملوك والأمراء والأباطرة وغيرهم من أصحاب السلطان، وذوي الهيل والهيلمان، ممن ملكوا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وممن كانت الجيوش الجرارة تحرسهم، والرجال الأقوياء يخدمونهم، والشعوب رهن إشارتهم، وطوع إرادتهم، ثم أتاهم هازم اللذات، ومفرق الجماعات: الموت، ففارقوا هذا كله، ولم يغن عنهم هذا كله من الله شيئا! فارقوه مكرهين، وواجهوا مصيرهم منفردين. ولسان حالهم يقول: "مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ" [الحاقة: 28، 29].

أو يقول ما قاله أحد الملوك الكبار من المسلمين، وهو على فراش الموت: "يا من لا يزول ملكه، ارحمن من زال ملكه"!

طافت هذه الأفكار والأحاسيس بخاطري بعد موت عبد الناصر. وقلت في نفسي: لماذا لا يعتبر الناس بالموت؟ لماذا ينسى كل حي أنه ولد ليموت؟ لماذا ينسى المرء مَن شيعه من أقارب وأحبة وأصدقاء وواراهم التراب؟ لماذا ينسى الملوك والرؤساء أن الملك لو دام لمن قبلهم ما وصل إليهم؟ وأنه سينتقل منهم إلى مَن بعدهم؟!

هذه خواطر واعظ أو داعية، لن تغير من الواقع شيئا. فالناس هم الناس، يدفنون الموتى بأيديهم، ثم يعودون من دفنهم ليمارسوا حياتهم، وكأن شيئا لم يكن. ولعل هذه الغفلة عن مصيبة الموت من نعمة الله على الإنسان، حتى تعمر الأرض، وتستمر ساقية الحياة تدور ولا تتوقف. لكن زيادة هذه الغفلة واستمرارها هو الخطر الذي لا يليق بأهل الإيمان.

موقف قطر وأهل الخليج

كان وقع موت عبد الناصر شديدا على أهل قطر، وأهل الخليج عامة؛ فقد كانوا -بصفة عامة- معجبين به، محبين له؛ فهو الزعيم الذي أشعرهم بوجودهم أمام الاستعمار المتغطرس، وقد كانوا منسيين لا يحس بهم أحد، حتى ظهر "صوت العرب" من القاهرة يناديهم بصوت جهوري: أخي في عمان، أخي في دبي، أخي في قطر، أخي في البحرين...

وكان صوت أحمد سعيد مدير صوت العرب ورفقائه الأولين: محمد أبو الفتوح، ومحمد عروق، وسيد الغضبان وغيرهم يحرك الساكن، ويثير الكامن في هؤلاء العرب على ضفاف الخليج الذي كان يسمى "الخليج الفارسي"، فأصبح لسان الإعلام الجديد يطلق عليه "الخليج العربي". وقد تعلقت قلوب أهل الخليج أكثر بعبد الناصر، حين "أمّم" قناة السويس، وواجه التحدي الغربي الذي تمثل في العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) على مصر، وإعلان عبد الناصر من منبر الأزهر: سنقاتل، سنقاتل.

كما وقف عبد الناصر في وجه الغرب حين خرج من أَسر احتكار السلاح، واشترى سلاحه من المعسكر الشرقي الشيوعي، ثم تحدى أمريكا في بناء السد العالي، معتمدا على روسيا والاتحاد السوفيتي.

كل هذا حبب عبد الناصر إلى أهل الخليج، وخصوصا بعد تبنيه لدعوة "القومية العربية" التي صادفت هوى في قلوب كثير من العرب، بعد سقوط الخلافة، وضعف الرابطة الإسلامية.

فلا غرو أن يحزن أهل الخليج على فراق عبد الناصر، وإن كان وقع الموت على أهل قطر وأهل الخليج عامة خفيفا هينا، لا يزلزل الإنسان الخليجي، كما يزلزل الإنسان المصري. لكنهم على أي حال تأثروا بموت عبد الناصر.

وجاء التوجيه في قطر إلى خطباء المساجد أن يصلوا صلاة الجنازة -صلاة الغائب- على عبد الناصر، وفي جامع الشيوخ (الجامع الكبير) وقف المصلون جميعا خلف الإمام ليصلوا ما عدا واحدا، رفض القيام والمشاركة في الصلاة، هو أخونا الكريم الشيخ مصطفى جبر رحمه الله، قال: أنا لا أصلي على ظالم وطاغية! وكان الشيخ مصطفى موظفا في وزارة التربية. فأمر وزيرها الشيخ قاسم بن حمد آل ثاني رحمه الله حين بلغه ذلك بإيقافه عن العمل! وقد توسطنا له عند الوزير، فرفع عنه العقوبة.

تعزية في عبد الناصر

ولم تكن في قطر سفارة لمصر -أو للجمهورية العربية المتحدة كما كانت تسمَّى، حتى بعد انفصال سوريا- لكن الجالية المصرية ومعها بعض أهل قطر أقامت حفل عزاء لعبد الناصر، تتقبل فيه تعزيات المعزين.

وقد قاطعه الإخوان عامة إلا قليلا منهم، رأوا أن من واجب المجاملة أن يعزوا فيه، وقال بعضهم -وكان من المعتقلين الذين نالهم من الأذى والبلاء ما نالهم-: إني أشفي غليلي بالعزاء فيه!

وكنت ممن قاطع هذا الحفل، ولكن أخوين كريمين زاراني في بيتي ورجواني أن أشارك في هذا العزاء، قالا: لِما لك من وزن خاص في قطر، وتعزيتك ستكون لها معنى، وتدفع أذى كثيرا عن الإخوان الذين لم يشارك جمهورهم في هذا العزاء؛ فقد يصيبهم أذى كما أصاب أخانا مصطفى جبر الذي رفض الصلاة على عبد الناصر... وما زالا يلحان عليَّ حتى استجبت لهما، وذهبت معهما، وأنا رجل أضعف أمام ضغط الإلحاح. وقد ذهبت والحفل يوشك أن ينفضَّ، ولكن كان لحضوري اعتبار خاص قدره كل الموجودين.

كان الأخوان اللذان زاراني وألحّا علي في المشاركة هما الأخ الحاج محمد حلمي المنياوي، والأخ عبد الحميد طه من إخواننا القدامى في قطر، ويعمل رئيس منطقة تعليمية في قطر.

أما الحاج حلمي المنياوي فهو أحد ضحايا عبد الناصر؛ فقد كان صاحب "دار الكتاب العربي" للطباعة والنشر في القاهرة، وهي إحدى الدور الرائدة التي كان لها دورها في نشر الكتب الإسلامية والعربية التي تطورت مبكرا تطورا كبيرا، وكان الحاج حلمي من أعضاء الهيئة التأسيسية للإخوان، وقد انتهت مؤسسته الكبيرة على يد عبد الناصر، واضطر الرجل أن يهاجر، ويعمل موظفا في مؤسسة "دار العلوم" للطباعة التي يملكها آل عبد الغني في قطر. ولهذا لما جاءني الحاج حلمي مع الأخ عبد الحميد طه، وألح عليَّ أن أذهب معهما للعزاء، وقال الحاج حلمي: إن في هذا رعاية لأمثالي الذين لا ظهر لهم ولا تاريخ في قطر. صعب عليّ هذا الرجل الذي كان ملء السمع والبصر في مصر سنوات طويلة. وقيل من قبل: ارحموا عزيز قوم ذل!

ونُقل خبر تعزيتي في عبد الناصر إلى الإخوة في الكويت وغيرها مجردة عن دواعيها وملابساتها؛ فإذا بي أواجه حملة شعواء من الإخوان عليَّ أني عزيت في الطاغية الذي عذب الإخوان، وعطل دعوتهم، وعوَّق مسيرتهم، وفعل بهم الأفاعيل، وكان بعض الإخوة السطحيين المساكين يتقربون إلى الله تعالى بالتشنيع عليَّ، والنَّيْل من عِرضي، وكأني لست ممن ابتلوا بجحيم عبد الناصر، ولا ممن ذاقوا الويلات على يديه.

لكن عيب الجماعات الكبيرة أن فيها أناسا تغلب عليهم النزعة "الظاهرية" في قراءة الوقائع، وفي تحليل الأمور؛ فيحكمون على الأمور بظواهرها القريبة، دون النظر إلى آفاقها البعيدة، لا يعرفون ما يسميه الفقهاء فقه المقاصد، ولا فقه المآلات. هذا الفقه الذي جعل الرسول يبقي على المنافقين وهم يكيدون له ويمكرون به. وقد أشار عليه المخلصون من أصحابه بقتلهم والاستراحة من شرهم. فكان رده: "أخشى أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه".

هذه الفئة في الإخوان وفي غيرها من الجماعات التي لا تنظر إلا إلى مواضع أقدامها عالية الصوت، قادرة على التشويش والتشويه، ولو إلى زمن، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، سُنّة الله في خلقه: " بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ" [الأنبياء: 18].

وقفة لتقويم عبد الناصر وعهده

لقد غيب الموت عبد الناصر، وطويت صفحته من دنيانا، ولقي ربه بما له وما عليه، وسيجزيه ربه بما يستحقه، يوم تُبلَى السرائر، إذا بُعثر ما في القبور، وحُصل ما في الصدور، وهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ولا يضيع عنده مثقال ذرة، ولا يخاف أحد عنده ظلما ولا هضما. ومعنى الظلم: أن يحمل وزر غيره، ومعنى الهضم: أن يضيع أجر عمله.

ومن الناس من إذا مات ماتت خطاياه معه، فطوبى له. ومنهم من يموت ولا تموت ذنوبه، بل تبقى من بعده آثار ظلمه وعدوانه، وهو الذي قال الله تعالى في أمثاله: "ونكتب ما قدموا وآثارهم" [يس: 12].

هل من حقنا أن نقف وقفة متأنية لتقويم عبد الناصر وعهده، وما فيه من حسنات وسيئات، وإنجازات وإخفاقات؟ هل كانت ثورة 23 يوليو خيرا أم شرا على المصريين والعرب؟

ربما توقف بعض أهل الدين من الناحية الشرعية، وقالوا: نحن أُمِرنا أن نذكر محاسن موتانا، وجاء في الحديث: "لا تذكروا هلكاكم إلا بخير"، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الأموات؛ لسببين: الأول: أنهم أفضوا إلى ما قدموا، وأمسوا عند رب عادل يحاسبهم.

والثاني: أن سب الأموات يؤذي الأحياء ممن يهمه أمر الميت من أبناء وأقارب.

لهذا يتورع بعض المتدينين من الكلام عمَّن مات، وإن أصابه من ظُلمه ما أصاب، ويكل أمره وجزاءه إلى من لا تخفى عليه خافية، ولا يضيع عنده مظلمة مظلوم، ولا حق مهضوم.

لكن إذا كان السب ممنوعا؛ فإن النقد الحق مشروع، لا سيما من كان يتحمل مسؤولية عامة؛ فإن من حق الناس أن ينقدوا أعماله، ويثنوا على ما كان فيها من حق وخير، وينكروا ما كان فيها من باطل وشر. وهذا ما فعله المؤرخون المسلمون الأثبات في تقويم الخلفاء والأمراء من بني أمية وبني العباس وغيرهم. وقالوا: كان فلان عادلا، وكان علان ظالما، وأوسعوا الحجاج بن يوسف ذما وتجريحا.

فالتعديل والتجريح من أجل مصلحة الدين ومصلحة الأمة أمر مشروع. وعلى هذا مضت سنة أئمة الحديث في خير القرون ومن بعدهم يقولون عن الموتى في كتبهم: هذا مغفل، وهذا كثير الغلط، وهذا مدلس، وهذا كذاب، وهذا أكذب الناس؛ ليحذروا الأمة أن تثق بهؤلاء، أو تأخذ عنهم الدين.

وسيظل من حق المظلوم أن يصرخ شاكيًا من ظالمه، حيا كان أو ميتا، ما دامت مظلمته قائمة، كما قال تعالى: "لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا" [النساء: 148].

فلسفتي في تجميع كل القوى

وأنا لا أريد -بحق- أن أنكأ الجراح، ولا أن أنبش القبور، ولا أن أذكِّر بالماضي الأليم، ولا سيما في هذا الوقت الذي تواجه الأمة فيه أخطارا جساما، وقد كاد لها أعداؤها كيدا، ومكروا بها مكرا كبّارا.

وقد عرفت من سيرة الإخوان ومن أخلاقهم أنهم لا يحاولون أن يثأروا ممن ظلموهم، بل يدخرون ما أصابهم عند الله الذي لا يضيع عنده عمل عامل، ولا يظلم أحدا مثقال ذرة، وهو الذي سيأخذ لهم حقهم، ويجزيهم الجزاء الأوفى. وهذا ما سجله تاريخهم في عهد الملكية، وعهد الثورة. وقد كان بوسعهم أن ينتقموا من ظالميهم الذين ساموهم سوء العذاب، بعد أن ترك كثير من هؤلاء مناصبهم، وزال سلطانهم؛ فأصبحوا بلا ظفر ولا ناب! لكنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يفكروا فيه، وتركوا ذلك للقدر الأعلى الذي ثأر لهم من خصومهم، فرأوا نهايتهم السوداء في حياتهم.

رأوا "حمزة البسيوني" وقد دخلت سيارته في سيارة أمامها في الليل، تحمل أسياخا من الحديد، حطمت سيارته وقطعت جسده تقطيعا.

ورأوا "شمس بدران" يدخل السجن معهم، لكنه لم يكن متماسكا كما كان، بل كان ذليلا منهارا.

ومن هنا لا تعجبوا إذا دعوت إلى نسيان المظالم والمآسي الماضية، وحثثت على رصّ الصفوف، وتجميع القوى كلها؛ لمواجهة الخطر المحدق، ومقاومة العدو الشرس، قائلين: عفا الله عما سلف. ولهذا رحبت باجتماع القوميين والإسلاميين من العرب في صورة المؤتمر القومي الإسلامي، وكنت أحد الذين اشتركوا في إعداد الورقة التي تمثل الجانب الإسلامي، وحضرت أكثر من مرة دورات هذا المؤتمر في بيروت. ولا شك أن "الناصريين" في مصر وفي غيرها من العالم العربي جزء أساسي من هذا المؤتمر.

ومع هذا لا يسعني -وأنا أتحدث عن هذا الجانب الهام من التاريخ في سيرتي ومسيرتي- أن أتجاهل ذلك، وأغض الطرف عنه، وسيلومني الكثيرون أني لم أقل رأيي، وقد وعدت قارئ هذه المذكرات في الجزء الثاني أن أقول رأيي في عبد الناصر وعهده عندما يأتي الحديث عن وفاته. وكل من يتعرض للعمل العام لا بد أن يتعرض للنقد في حياته وبعد مماته.

اختلاف شديد في عبد الناصر

لا ريب أن الناس في رجل كعبد الناصر جد مختلفين؛ فله أنصار يرتفعون به إلى أعلى عليين، وله خصوم يهبطون به إلى أسفل سافلين. وبين مدح المغالين في المدح وقدح المبالغين في القدح تضيع الحقيقة.

ومما لا يخفى على ذي لب أن عين المحب لا ترى عيبًا فيمن تحب، ولا ترى غير المحاسن والمزايا، كما ورد: "حبك الشيء يعمي ويصم"، وعين الكاره والساخط لا ترى غير العيوب والسقطات. وهذا ما عبر عنه الإمام الشافعي من قديم بشعره الذي يحفظه الخاص والعام:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا

وهل يستطيع إنسان أن يتجرد من عواطف الحب والكره أو الرضا والسخط، وينظر إلى من يقومه نظرة "موضوعية" خالصة، بعيدة عن "الذاتية" تماما؟

لا يجرؤ بشر أن يدعي ذلك، وإن بلغ في تزكية النفس ما بلغ؛ فلا بد أن تغلبه بشريته، فيحاول -واعيا أو غير واع- أن يضخم بعض الهنات الصغيرة، أو يصغر بعض الحسنات الكبيرة، أو نحو ذلك.

ولقد توقفت فترة من الزمن في تقويم عبد الناصر؛ باعتباري ممن جرحتهم سهامه، وأصابهم ظلمه، ولا تزال آثار جراحه في جسده، وآثار مظالمه في نفسه، تأتيه في صورة كوابيس بالليل، وذكريات أليمة في النهار، ومضايقات في أشكال شتى، منها ما يعرفه الناس، ومنها ما لا يعرفونه. ومن كان في مثل حالي ربما لا يتوقع منه أن يكون منصفا في تقويم الرجل.

ويهمني أن يعلم قارئي أني لا أدعي العصمة لنفسي، ولا أزعم أني فوق البشر الذين يتأثرون بمشاعر الحب والبغض، لكني أرجو أن أسلك "النهج الوسط" الذي اخترته منهاجا لي في حياتي كلها، ورضيت به، وألقى الله عليه.

لقد رأيت من الناس من يجعل من عبد الناصر ملاكا رحيما، وبطلا أسطوريا، وقائدا لا يشق له غبار، وسياسيا فاق السياسيين، ومصلحا بز المصلحين!

هو عندهم منقذ وطني، ومحرر سياسي، وزعيم عربي، ورائد إفريقي، وربما أضافوا إليه وقائد إسلامي! فهو الذي دبر الثورة، وطرد الملك، وحرر مصر من الإقطاع، وحررها من الإنجليز، وهو داعية القومية العربية، والتحرر الإفريقي، وأحد أبطال كتلة عدم الانحياز، ومنشئ المؤتمر الإسلامي في مصر.

وزعم بعض المداحين أنه سمع خطباء مصر الثلاثة "مصطفى كامل، وسعد زغلول، وجمال عبد الناصر"، فوجده أبرز الثلاثة على التأثير في الجماهير بلغته الشعبية السهلة! (أي بلغته العامية المبتذلة فاق الخطباء الذين تدرس خطبهم في كتب الأدب)!!

إلى آخر ما يروج من سلع المديح والإطراء والمبالغات في سوق النفاق؛ حتى سمى بعض الكتاب مصر في ذلك العهد "نفاقستان"!

وما تضخه أجهزة الإعلام بمختلف أدواتها وألوانها من مواد مقروءة أو مذاعة أو متلفزة كلها مسخرة لتمجيد الزعيم، وأقوال الزعيم، وأعمال الزعيم، وأفكار الزعيم، وبطولات الزعيم، لا تتوقف، ولا تتوانى يوما ولا بعض يوم حتى مات! بل بعد أن مات إلى يوم 15 مايو 1971م يوم ضرب السادات "مراكز القوى" الناصرية -التي ظلت تحكم باسمه من بعده- ضربة قاضية لم تقم لها بعدها قائمة.

وانكشف المستور

هنا بدأ المخبوء ينكشف، والمستور يظهر للعيان، والذي أخرسه الخوف يتكلم، والمخدوع بالدعاية والشعارات ينزع الغشاوة عن عينيه ليرى، وبدأت الصحف "القومية المؤممة" تفيض بالمقالات والتحقيقات والتعليقات، وأصحاب الأعمدة اليومية يفيضون بما كتموه في صدورهم.

وظهرت كتب كثيرة تتحدث عن مظالم تلك الفترة، وعن مآسي تلك السنين، وعن الأموال التي هلكت، وعن الفرص التي ضاعت، وعن القباب الضخمة التي شيدت وليس تحتها شيخ، وعن الدعايات الهائلة التي ضللت الشعب؛ حتى جرى وراء السراب يظنه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!!

ظهر كتاب توفيق الحكيم "عودة الوعي"، وظهر كتاب جلال الحمامصي "حوار وراء الأسوار"، وكتاب المستشار محمد عبد السلام "سنوات عصيبة"، وكتاب سامي جوهر "الصامتون يتكلمون"، وكتاب محمد عبد الرحيم عنبر "محاكمات جمال عبد الناصر"، وكتابه "ويل لهؤلاء من محكمة التاريخ"، وكتاب محمد شوكت التوني "قضية التعذيب الكبرى"، و"محاكمات الدجوي"، وكتاب "في معتقل أبي زعبل" لإلهام سيف النصر، وكتاب د. إبراهيم عبده "رسائل من نفاقستان"، و"مذكرات عبد اللطيف البغدادي"، وكتاب "كلمتي للتاريخ.. كنت رئيسا لمصر" للرئيس محمد نجيب، وكتاب صلاح الشاهد "ذكرياتي بين عهدين"، وكتاب محمد أنور رياض "القابضون على الجمر"، وكتاب عادل سليمان وعصام سليمان "شهداء وقتلة في عهد الطغيان"، ومصطفى أمين في كتبه: من "سنة أولى سجن" إلى "سنة تاسعة سجن"، وكتاب "عبد الناصر" لأحمد أبو الفتح، وكتاب أنيس منصور "عبد الناصر المفترَى عليه والمُفترِي علينا"، وما كتبه أحمد رائف "البوابة السوداء" و"سراديب الشيطان"، وما كتبه الدكتور أحمد شلبي في الجزء التاسع من موسوعة التاريخ الإسلامي عن حوليات عصر جمال عبد الناصر، الذي سماه "عصر المظالم والهزائم". وكتب لا أذكر أسماء مؤلفيها، مثل "أموال مصر وكيف ضاعت؟" وكتاب "الموتى يتكلمون".

هذا غير ما كتبه الإخوان مثل زينب الغزالي "أيام من حياتي"، ومثل جابر رزق "مذابح الإخوان في سجون ناصر"، ود.علي أبو جريشة في عدد من كتبه "في الزنزانة"، و"دعاة لا بغاة"، و"عندما يحكم الطغاة"، وحسن عشماوي "الإخوان والثورة"، واللواء عبد المنعم عبد الرؤوف في كتابه: "أجبرت فاروق على التنازل عن العرش" وعباس السيسي في كتابه "في قافلة الإخوان المسلمين"، ومحمود عبد الحليم في كتاب "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ"، وعمر التلمساني "قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر"، ومحمد حامد أبو النصر "سر الخلاف بين عبد الناصر والإخوان"، وصلاح شادي "صفحات من التاريخ"، وجابر الحاج "زلزال التآمر الناصري"، وكتاب "25 عاما في جماعة مرورا بالغابة" لحسن دوح، وكتاب "عندما غابت الشمس" لعبد الحليم خفاجى وغيرها.

وهناك أفلام عبرت عن هذا الحقبة المظلمة الظالمة، وإن لم تذكر الأسماء صراحة، مثل فيلم "البريء"، وفيلم "الكرنك".

وإذا كنا رأينا من جعل من عبد الناصر "ملاكا رحيما" وأضفى عليه من الفضائل ما أضفى، وجعل تاريخه أبيض من الثلج، ولم يحاسبه على خطيئة ولا خطأ واحد؛ لأنه لم يصدر منه شيء من ذلك؛ فهناك فريق آخر على النقيض من هؤلاء، جعل من عبد الناصر "شيطانا رجيما"، يجرده من كل فضيلة، وينسب إليه كل رذيلة، ولا يضيف إلى رصيده حسنة واحدة؛ فثورته كانت وبالا على مصر والعرب، وعهده كان شرا وبلاء على المصريين والعرب والمسلمين. ويتمنى هؤلاء العودة إلى عهد الملكية البائدة، قائلين: إن عهد الملك فاروق -على ما كان به من فساد وانحراف- لم ترتكب فيه من المظالم والشرور ما ارتكب في عهد عبد الناصر.

حتى الحسنات الظاهرة في عهد عبد الناصر مثل: "تأميم قناة السويس" التي صفقت لها مصر، وصفق لها العرب جميعا ضنوا أن يحسبوها في ميزانه، وقالوا: إنه استعجل في أمر كان سيتم طبيعيا بعد ثلاثة عشر عاما، بدون أن يجازف بالدخول في حرب مع دول كبرى كبريطانيا وفرنسا، وأن يتيح فرصة لإسرائيل لتدخل معهما في حرب ضد مصر.

ونسي هؤلاء أن الشركة الاستعمارية العتيدة كانت تخطط لاستمرار السيطرة على القناة، وربما لو تركهم حتى تنتهي المدة ولم يفاجئهم بقرار التأميم؛ لكانوا أعدوا العدة لإفشال أي محاولة للاستيلاء على القناة.

وحتى بناء "السد العالي" ذكروا من آثاره السلبية ما ذكروا، وأنه "هدف عسكري" سهل لإسرائيل، يمكن أن تلجأ لضربه في ساعة البأس، عندما تحيط بها المخاطر في وقت ما، وفي هذا غرق مصر وهلاك الحرث والنسل.

ويأخذون عليه أنه ضيع جهودا وأموالا في مغامرات فاشلة، في الكونغو، وفي اليمن، وفي غيرها. وأنه لم يدخل حربا إلا خسرها، كما في سنة 1956م، وسنة 1967م. وقد استطاع إعلامه الذي برع في الكذب وقلب الحقائق أن يجعل هزيمة سنة 1956 نصرا يحتفل به كل عام. مع أن البغدادي يقول في مذكراته: إنه قال له: نحن ضيعنا البلد. وإنه ليس أمام مجلس الثورة وأعضائه إلا أن ينتحروا جميعا. وطلب من زكريا محيي الدين إحضار زجاجة من السم "سيانور البوتاسيوم" تكفي لعدد الأعضاء وأكد كلامه بقوله: إني جاد فيما أقول!.

وينقمون عليه أنه قهر الشعب المصري، وأهان كرامته، وأذل كبرياءه، وحطم نفسيته، وقيد حريته، وكبله بالأغلال التي جعلته غير قادر على الحركة يمنة أو يسرة.

ويضيفون إلى مآثمه: أنه ألغى الحياة الديمقراطية من مصر، وهي من أوائل الديمقراطيات في الشرق، وفرض على الناس دكتاتورية الحزب الواحد، الذي اختلفت تسميته من "هيئة التحرير" إلى "الاتحاد القومي" إلى "الاتحاد الاشتراكي" ولم يسمح لمعارض أن يكون له صوت يسمع، وإن كان من رفقائه في الثورة، ابتداء من رشاد مهنا، إلى محمد نجيب، إلى خالد محيي الدين، إلى عبد المنعم عبد الرؤوف، إلى آخرين. حتى خطيب ثورته والمتحدث الديني باسمه، لم يسلم من أذاه 

وبطشه، وهو الشيخ أحمد حسن الباقوري، فقد طوح به، وطرده من منصبه شر طرده، لا لشيء إلا لأن رجلا ذم في بيته عبد الناصر، وهو الأديب المحقق محمود شاكر، وقد قيل: إن الباقوري لم يكن حاضرا وقت الكلام عن عبد الناصر!.

وقد ابتلى مصر بفكرة أن يكون للعمال والفلاحين نصف مقاعد مجلس النواب، وهي بدعة لم تتخلص مصر منها إلى اليوم.

ويزيدون على ذلك: أنه أضر بالاقتصاد المصري، نتيجة سيطرة القطاع العام، الذي أخفق في إدارة مؤسساته، حتى أصبحت تخسر خسارات فادحة، بعد أن كانت تكسب مكاسب هائلة، يوم كانت ملك القطاع الخاص.

ولا ينسى هؤلاء أن يضعوا في ميزان سيئاته: الإساءة إلى الدين والشريعة، حين ألغى المحاكم الشرعية، وأساء إلى قضاتها بتلفيق تهم لهم لم يثبتها قضاء عادل، وأصدر قانون تطوير الأزهر الذي يتاح فيه للكليات المدنية في جامعة الأزهر أن تأخذ خيرة طلابه، وأن لا يبقى للكليات الأصلية الدينية "أصول الدين والشريعة واللغة العربية" غير المتردية والنطيحة وما يعاف السبع أن يأكله. هذا مع أني رفضت هذا التفسير، ودافعت عن التطوير في الجزء الثاني من هذه المذكرات.

كما سخر عبد الناصر من علماء الدين في خطبه، واتهمهم بأن أحدهم من أجل وليمة عند إقطاعي، يقدم فيها خروف أو ديك رومي: يبيع دينه، ويصدر فتواه في إقرار المظالم الواقعة على الفلاحين، وهضم حقوقهم، وأكل عرقهم.

هذا ما ذكره خصوم عبد الناصر عن شخصه، وعن عهده. وليس كل ما قالوه حقا، كما أنه ليس كله باطلا.

تفريق لا بد منه

ثم إني أفرق تفريقا واضحا بين أمرين:

أولهما: ما كان من "اجتهادات" قد تصيب، وقد تخطئ، وهو مأجور على صوابه، ومعذور في خطئه، بل ربما كان مأجورا أجرا واحدا، إذا صحت نيته، وتحرى في اجتهاده، واستشار أهل الذِّكر والخبرة، واستفرغ وسعه في الوصول إلى الحقيقة والرأي الأرشد.

وذلك مثل سياسته في إفريقيا وفي اليمن وفي غيرها، فأقصى ما يقال فيها: إنه سياسي فاشل. وفرق بين الفاشل والظالم! ولكن الفشل إذا تكرر واستمر يصبح كارثة على الوطن، وعلى الأمة. ففشل الفرد العادي وإخفاقه على نفسه، أما فشل الزعيم المستمر، ففيه خسارة الأمة وتأخرها، وضياع فرصها في النهوض والتقدم.

وثانيهما: ما كان من مظالم ومآثم متعمدة، كما حدث لمعارضي عبد الناصر عامة، وللإخوان المسلمين خاصة، فلا يستطيع مدافع أن يدافع عن عبد الناصر، في إيقاع هذه الكم الهائل من المظالم والمآثم: من شنق وتقتيل، وتشريد وتنكيل، وإيذاء وتعذيب، ومصادرة وتضييق، لجماعة كانت هي أول من ساند ثورة عبد الناصر، بل كانت أول من أوحى إليه بضرورة العمل الوطني داخل الجيش، كما اعترف عبد الناصر بنفسه في المذكرات التي كتبها الأستاذ حلمي سلام رئيس تحرير المصور بعنوان: "الثورة من المهد إلى المجد" وذلك أوائل ما قامت الثورة، وقال فيها: إن أول من لفت نظره إلى هذا العمل: هو الصاغ ذو الوجه الأحمر م. ل، يقصد: محمود لبيب أحد العسكريين الأحرار الذين عملوا مع عزيز باشا المصري، وكان وكيلا للإخوان في عهد المرشد الأول حسن البنا.

بعض الناس يهونون من الأهوال التي عاناها الإخوان، ولو ذاقوا معشار ما ذاقوا، لكان لهم رأي آخر، وقول آخر. وقد قيل: النار لا تحرق غير القابض عليها. وقال الشاعر:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها

والقرآن يقرر مع كتب السماء "أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (المائدة: 33).

ويقول رسول الإسلام: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم".

ومن العجب أن يتحدث هؤلاء عن أهمية حقوق الإنسان، وحقوق الأفراد، وحق الحرية المقدس، وحق الفرد في أن يأمن على نفسه وأهله وماله وخصوصياته.. فإذا وصل إلى الإخوان استثناهم من هذا كله، كأنما ليست لهم حقوق، وإذا وصل إلى عبد الناصر استثناه من هذا كله، كأنما ليس عليه واجبات، وكأن من حقه أن يصادر ويعذب ويظلم ويبغي في الأرض بغير الحق. بلا حسيب ولا رقيب.

ولقد بينت في حديثي عن السجن الحربي في الجزء الماضي: مسؤولية عبد الناصر عن الجرائم الوحشية والاعتداءات الهمجية، التي وقعت في السجن الحربي، وأنه شهد بنفسه بعض وقائع التعذيب، وأنه لا يعقل أن يتم هذا الذي تناقله الناس في الآفاق دون علمه، وقد ذكرنا أن هيكل مؤرخ عبد الناصر اعترف بأنه كان يعلم، وعرضت عليه وقائع، فلا معنى لتبرئته بدعوى أنه يجهل ما يجري!

وحتى لو لم يعلم، فهو المسؤول الأول عن هذه الوحوش الآدمية، التي عينها في مناصبها لتنهش لحوم الناس، وتفترسهم، وهم مطمئنون إلى أنهم محميون، وأن ظهورهم مسنودة إلى جدار السلطان.

إن رسولنا الذي لا ينطق عن الهوى أخبرنا أن امرأة أدخلها الله النار، من أجل هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

هذا في حبس هرة، فكيف بمن حبس الألوف من الناس، وسقاهم كؤوس العذاب، وجرب فيهم ما استورده من أدوات التعذيب من عند الشيوعيين أو غيرهم، وسلط عليهم كلاب البشر، وكلاب الكلاب، وقد كانت الكلاب الحقيقية أرحم من الكلاب البشرية في كثير من الأحيان.

إن شر ما فعله عبد الناصر في مصر أنه أذل الإنسان المصري وقهره، وأحياه في خوف دائم أن يدهمه زوّار منتصف الليل، أو زوار الفجر، من كلاب الصيد، فتتخطّفه، وتذهب به إلى مكان سحيق وراء الشمس، لا يستطيع أحد الوصول إليه، وقد أصبح المصريون يتجسس بعضهم على بعض، ويشك بعضهم في بعض، حتى أصبح الأخ يتجسس على أخيه، بل الابن على أبيه، وفقدت الأسرة الثقة بعضهم ببعض.

وقد اعترف الرئيس أنور السادات في كتابه "البحث عن الذات" بما زرعته الثورة من خوف ملأ صدور الناس، وشل إرادتهم، حين قال: انتهى مجلس الثورة في 22 يونيو سنة 1956م، عندما انتخب جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية بالاستفتاء. ولكن قبل أن ينتهي المجلس كان الشعور بالخوف قد عم البلاد.. هذا في رأيي أبشع ما يمكن أن يصيب الإنسان! فالخوف يقتل الشخصية، ويشل الإرادة، ويمسخ تصرفات البشر!.

وقال في حديث له في "الأهرام": لاحظت أن أكبر خطأ ارتكب في حق الإنسان المصري: كان هو زرع الخوف. فبدلا من أن نبني الإنسان، أصبح همنا أن نخيفه، والخوف أخطر ما يهدم كيان الفرد أو الشعب. فقد كانت أرزاق الناس كلها ملكا للحاكم: إن شاء منح، وإن شاء منع. وكان المنع مصحوبا في أغلب الأحيان بمصادرة حرية الفرد واعتقاله، ثم فصل جميع أهله من وظائفهم، مع اتخاذ إجراءات ضدهم!.

وأحسب أن السادات شاهد من أهلها، فهو من صناع ثورة يوليو، ونائب عبد الناصر.

إن خسارة الإنسان المصري هي الخسارة الكبرى، وليس الإنسان المصري هم هؤلاء الذين يتجمعون في السرادقات في الاحتفالات المعدة، ويُلقَّنون هتافات يرددونها كالببغاوات: ناصر ناصر.

وأذكر أن عبد الناصر ذهب إلى إحدى المدن في أول الثورة، فهتف الناس باسم نجيب، فثار عليهم، وقال في حرقة بحرارة: إنما قمنا لنحرر الناس من عبادة الزعماء، والهتاف للأشخاص، أي يكون الهتاف للوطن. فلما أصبح بعد ذلك الهتاف باسمه أصبح مشروعا ومحمودا!

لقد أذل عبد الناصر الشعب المصري، كما أذل الحجاج بن يوسف الشعب العراقي من قبل. وكان في ذلك خسارة معنوية لا تقدر بثمن، ولا تقاس بالمادة.

لقد أراد عبد الناصر أن يدير مصر كما يدير صاحب الدكان دكانه، أو صاحب المزرعة مزرعته. وقد قال مرة: أريد أن أضغط على زر، فتتحرك مصر كلها من أسوان إلى الإسكندرية! وأضغط على زر آخر فتسكن مصر كلها.

ولقد قال لي مرة أحد شيوخنا الفضلاء "الدكتور محمد يوسف موسى": إن هذا البلد سجن كبير، له باب واحد، وقفل واحد، ومفتاح واحد، في يد سجان واحد، هو عبد الناصر!.

وإن كان هذا "السجان" قد غدا في فترة من الفترات "سجينا" لدى بعض مرؤوسيه، كما هو معروف في سيرة عبد الناصر: أن عبد الحكيم عامر صديقه قد أصبح هو الذي يحكم مصر حقيقة، سواء ما يتعلق بالجيش أم ما يتعلق بالشعب، وصار عبد الناصر "طرطورا" أو "ديكورا" صار كما قيل: يملك ولا يحكم!.

عبد الناصر والوحدة العربية

وفي قضية "الوحدة العربية" جاءت الوحدة الاندماجية مع سوريا إلى عبد الناصر على طبق من ذهب، ورضي الشعب السوري أن يصهر مع الشعب المصري في بوتقة واحدة، وتنازل الرئيس السوري "شكري القوتلي" عن كرسي رئاسته، واكتفى بأن يكون "المواطن العربي الأول".

لكن عبد الناصر، بسوء تصرفه، وغلبة الاستبداد عليه، ترك الأمور في الإقليم الشمالي لـ"عامر" يتصرف فيها كيف يشاء، بدل أن يعين نائبا حقيقيا له من زعماء سورية أنفسهم.

لقد سلط عامر أجهزة المخابرات ـ أو المكتب الثاني كما يسميها السوريون ـ على الشعب السوري، وعبث عبد الحميد السراج وبطانته بحريات الشعب وحرماته ومقدراته، فلم يكن من الشعب السوري الذي قدم الوحدة ورضيها إلا أن يرفضها ويتخلص منها، فاختار نار الانفصال، ولا جنة الوحدة. وكان الضابط عبد الكريم النحلاوي مدير مكتب عامر في سورية أحد الذين قادوا حركة الانفصال!.

عبد الناصر وفلسطين

هذا في قضية الوحدة العربية، فماذا فعل عبد الناصر في قضية فلسطين؟.

لقد انتهى مصير القضية إلى نكبة حزيران أو يونيو 1967م واحتلت إسرائيل ما بين القنطرة في مصر والقنيطرة في سوريا. أي احتلت سيناء والجولان مع الضفة الغربية وغزة، بل اعترف عبد الناصر بلسانه في خطابه في 23 يوليو 1967م أن الطريق كان مفتوحا أمام إسرائيل إلى القاهرة ودمشق.

لقد ظهر أن هناك أخطاء فادحة ارتكبت قبل هذه الحرب، وفي أثناء هذه الحرب، كتب عنها الكاتبون والمحللون السياسيون، والخبراء الإستراتيجيون. وقد سميت "حرب الأيام الستة" والواقع أن النتيجة حسمت بعد الساعات الست الأولى، بعد القضاء على طيران مصر، ومطارات مصر بضربة قاضية وسريعة، أبقت القوات البرية المصرية في سيناء مكشوفة بلا غطاء.

وكانت الروح المعنوية في غاية الوهن إلى حد الانهيار. إذ لم يسلح الجندي المصري بسلاح الإيمان الذي به يتخطى العقبات، ويصنع البطولات، ويقدم الغالي من التضحيات. كانوا يوزعون على الجنود صور المطربات والممثلات، بدل أن يوزعوا عليهم المصاحف. لم يسلح المقاتل المصري بعقيدة تشد أزره، بأنه يقف في وجه عدو دنس المقدسات، واغتصب أرض النبوات، أرض الإسراء والمعراج، وأن هذا العدو خطر على ديننا ودنيانا وأوطاننا ومقدساتنا، وأن وقوفنا في وجهه جهاد في سبيل الله، وأن من قُتل منا فهو شهيد حي يزرق عند الله.

لم يقل له مثل هذا الكلام؛ لأن هذا كلام الرجعيين، الذين يوظفون الدين في مثل هذه المعارك، والمطلوب منا: أن نوظف الدبابة والطائرة والبارجة، وندع الدين للعجائز وخطباء المساجد، أو رهبان الكنائس.

على حين كان العدو يسلح جنوده بعقيدة إيمانية، ورؤية توراتية، وأحلام تلمودية. ولهذا قلت: إنهم انتصروا علينا؛ لأنهم دخلوا المعركة ومعهم التوراة، ودخلناها وليس معنا القرآن، دخلوها يهودا يعتزون باليهودية، ولم ندخلها نحن مسلمين نعتز بالإسلام. دخلوا يهتفون باسم موسى، ولم نهتف باسم محمد. قالوا: الهيكل، ولم نقل: الأقصى. عظموا السبت، ولم نعظم الجمعة. كان الدين عندهم شرفا يباهون به، وكان الدين عندنا تهمة نبرأ منها!.

لقد جردوا القضية من كل معنى ديني لها، في حين قال موسى ديان وزير الدفاع: إن جيش إسرائيل مهمته حماية المقدسات لا مجرد حماية المؤسسات.

حتى العلمانيون من الإسرائيليين أمثال بن جوريون، وظفوا الدين لخدمة قضيتهم.

ولهذا كان جنودنا فارغين من كل معنى روحي يدعوهم إلى الثبات والتضحية، فلما وقعت الواقعة، كان كل واحد منهم يقول: النجاة، النجاة. تركوا أسلحتهم ودباباتهم ومجنزراتهم دون أن يكلف أحدهم نفسه أن يشعل فيها عود ثقاب، حتى لا يستفيد منها عدوه، ويأخذها غنيمة باردة، سالمة من كل سوء.

إن من المعروف أن الأسلحة لا تقاتل وحدها، ولكن تقاتل بأيدي رجالها الأبطال، واليد التي تستعمل السلاح إنما يحركها هدف سام، مرتبط برسالة عليا، يؤمن بها الجندي، ويضحي بالنفس والنفيس في سبيلها.

وقد انتهت المعركة بما سموه "النكسة"، ولكن أخطر من النكسة، هو تغيير السياسة العربية رأسا على عقب، واتخاذ فلسفة جديدة مناقضة للفلسفة القديمة تماما. فقد كانت فلسفة الأمة قائمة على أن إسرائيل اغتصبت أرض العرب بالعنف والإرهاب والدم والحديد والنار، وشردت أهلها ـ بعد أن أخرجتهم منها ـ في الشمال والجنوب والشرق والغرب، وأن وجود إسرائيل في أرض فلسطين، وأرض العرب المغتصبة: وجود باطل، وأن إزالة هذا الاغتصاب الظالم فريضة على الأمة، طال الزمن أم قصر، فإن مضي الزمن لا يجعل الباطل حقا، ولا يقلب الحرام حلالا.

وهذا ما كان عليه العرب قبل هذه النكبة أو النكسة، ولكن عبد الناصر تبنى فلسفة جديدة، تقوم على إزالة آثار العدوان! أي عدوان 1967م، وكأن هذا العدوان الجديد أعطى الشرعية للعدوان القديم: عدوان 1948م.

عبد الناصر هو المسؤول الأول عن تغيير السياسة العربية كلها في هذا المجال، فلم يكن أحد غيره يقدر على تغيير هدف الأمة التي أسلمت إليه القياد، ومنحته الثقة.

وهذا التنازل الكبير، بل الخطير، هو أساس كل ما عانته الأمة بعد ذلك من تنازلات جر بعضها إلى بعض، من كامب ديفيد، فمدريد، فأوسلو، حتى حالة الاستسلام والتخاذل التي نشهدها اليوم. فهو الذي غير الإستراتيجية الأصلية ـ إستراتيجية الجهاد والكفاح ـ إلى إستراتيجية التنازل والاستسلام. والأمة إذا بدأت طريق الانحدار، فلن يقفها حاجز ولا شيء، حتى يسعفها القدر بمن يردها إلى أصلها، ويشعل ما انطفأ من جذوتها.

هل كان عبد الناصر عميلاً؟

ومما يسأل عنه هنا: هل كان عبد الناصر عميلا؟

لقد اتهمه بعض خصومه بأنه كان عميلا لأمريكا، وكتب الصحفي المعروف محمد جلال كشك كتابا سماه "ثورة 23 يوليو الأمريكية"! قال فيه كلاما كثيرا، وذكر فيه وقائع شتى.

وآخرون قالوا: إنه انتهى عميلا لروسيا، وللاتحاد السوفييتي، وكتب بعضهم كتابا قال فيه: الروس قادمون!.

بل سمعت من قال: إنه عميل لإسرائيل، وإنه التقى مع بعض اليهود عندما كان محاصرا في الفالوجا في حرب فلسطين، واتفق معهم اتفاقيات سرية، إذا وصل إلى الحكم!!.

وأنا بصفتي عالما مسلما يحتكم إلى الشرع الذي يرى أن الأصل في الناس البراءة، وأن الإنسان لا يدان إلا ببينة، وأن الشك يفسر لصالح المتهم: أرفض هذه الاتهامات التي لا دليل عليها، وهذه الدعاوى العريضة التي تنقصها البينات، وقد جاء في الحديث: "لو أخذ الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر". وقال الشاعر:

والدعاوى ـ ما لم يقيموا عليها بيّنات ـ أبناؤها أدعياء!

والاتصال بالأمريكان قبل الثورة أو بعدها: لا يثبت العمالة لهم.

فالعميل: مَن لا هدف له ولا رسالة يعمل من أجلها. ولكن هدفه ورسالته تتلخص في خدمة من يعمل لحسابه، وتحقيق أهدافه.

ولقد أيد الإخوان عبد الناصر عند قيامه بالثورة، وبعد قيامه بالثورة، وكانوا أول أعوانه، بل كانوا سنده الشعبي البارز، حتى دب الخلاف بين الطرفين، فلماذا لم يتهم في ذلك الوقت بأنه عميل أمريكي؟.

هل كان عبد الناصر ماركسيا؟

ومما يسأل هنا أيضًا: هل كان عبد الناصر ماركسيا؟.

إن من المعروف أن عبد الناصر في فترة من تاريخه اصطدم بالماركسيين ـ الشيوعيين ـ وأدخلهم السجون، وإن لم يصبهم من التعذيب والتنكيل ما أصاب الإخوان.

ولكنه بعد ذلك، اصطلح مع الشيوعيين، وأطلق سراحهم، ولم يكتف بالإفراج عنهم، بل مكَّن لهم في أجهزة الإعلام والثقافة، فأصبحوا في وقت من الأوقات هم الذين يوجهون الفكر والثقافة في مصر.

فهل كان هذا لتغير في سياسة عبد الناصر أو لتغير في فكره؟

المفهوم أن هذا كان نتيجة لتغير في سياسة عبد الناصر، نظرا لارتباطه بالمعسكر الشرقي، وتحالفه مع الاتحاد السوفيتي في أكثر من مجال: في مجال التسليح، وفي بناء السد العالي، وفي مجال الخبراء العسكريين والفنيين، وغير ذلك. وقد ظل الروس يعملون في مصر، ويؤثرون في سياستها، حتى جاء السادات، وقرر قراره الحاسم بإخراجهم منها!!

وقد لام خروشوف عند افتتاحه مبنى السد العالي: عبد الناصر، أنه يدعو إلى الاشتراكية، ولكنه لا يمكن الاشتراكيين من إقامتها، ولا اشتراكية من غير اشتراكيين.

وكان لهذه الإشارة مغزاها وأثرها، فسرعان ما تغير الموقف من الاشتراكيين، وفسح المجال لهم، ليثبوا على مراكز الدولة، ولا سيما بعدما تولى علي صبري رئاسة الوزارة، وأعلنوا التمهيد لمرحلة "التحول العظيم" يعنون: التحول إلى "الاشتراكية العلمية".

ومن قرأ "الميثاق" الذي يمثل فكر عبد الناصر: وجد فيه رشحات من الفكر الماركسي في مواضع شتى، ولكن لا نستطيع أن نصف الميثاق بأنه ماركسيّ تماما.

نجد أثر الماركسية في تقليص الجانب الإيماني والفكرة الغيبية والقيم الروحية، فلا تكاد تحسها وتشعر بها.

كما لا نجد أثرا لشريعة الإسلام الذي يدين به عبد الناصر، ويدين به شعب مصر. بل قال وهو يتحدث عن الأسرة: لا بد أن نسقط بقايا الأغلال التي تكبل الأسرة. والسياق يبين أنه يشير إلى التشريعات الإسلامية في الزواج والطلاق وغيرها.

هل كان عبد الناصر متدينا؟

ونسأل، ويسأل معنا كثيرون: هل كان عبد الناصر متدينا؟

سأل الأديب يوسف القعيد الأستاذ محمد حسنين هيكل: هل كان عبد الناصر متدينا؟ فأجاب هيكل: كان عبد الناصر متدينا.

ولكنه لم يدلل على تدينه بشيء، واكتفى بتقرير هذا الأمر، وكفى.

ولعله يقصد أنه لم يكن ملحدا جاحدا للغيبيات من الألوهية والوحي والإيمان بالآخرة. ولا يقصد أنه كان متمسكا بشعائر الدين وفرائضه الحتمية، وأنه يخشى الله في أموره، ويضع الآخرة نصب عينيه، ويزن كل شيء بميزان الحلال والحرام عند الله، كما هو شأن المتدينين.

والحق أن عبد الناصر لم يُعرَف بشرب الخمر، كما لم تعرف عنه علاقات نسائية محرمة، ولكنه لم يشتهر عنه إقامة الصلوات، التي فرضها الله على المسلمين خمس مرات في اليوم والليلة. لم يقل أحد ممن كتبوا عنه: إنه دخل عليه فوجده يقيم الصلاة، أو إنه دعا زواره يوما ليقيم معهم الصلاة، أو إنه في مجلس من المجالس التي كان يعقدها توقف مرة ليصلي وحده، أو مع زملائه.

ولم يحك مؤرخ عبد الناصر الملازم له ـ أعني الأستاذ هيكل ـ شيئا من ذلك، على كثرة ما حكى من تفصيلات حياته، في الحضر والسفر، والخلوة والجلوة.

حتى صلاة الجمعة لم يعرف أين كان يصليها عبد الناصر، ولقد حكم عبد الناصر ثمانية عشر عاما، كل سنة فيها 52 جمعة، فأين كان يصلي هذه الجمع؟.

لقد كان للملك فاروق ـ ولأبيه الملك فؤاد قبله ـ إمام خاص، تعينه وزارة الأوقاف، ليصلي به في مسجده في قصره، في الجمع خاصة، وفي الصلوات الأخرى في بعض الأوقات. فمن إمام عبد الناصر؟ وهل له مسجد في منزله في منشية البكري؟ أو بجوار منزله؟!!.

هناك جمع معروفة ومعلنة في مناسبات معينة، أو لزيارة بعض الضيوف، رآه الناس فيها مصليا للجمعة، ولكن ما عدا ذلك لم يعرف أين صلى عبد الناصر نحو 900 جمعة أمر الله الناس إذا سمعوا النداء أن يستجيبوا لداعي الله، ويسعوا إلى ذكر الله ويذروا البيع.

كان الرئيس أنور السادات حريصا على أداء الشعائر، فلهذا قالوا عنه: الرئيس المؤمن.

وظهر هذا في سياسة كل منهما، فالسادات حين خاض معركة العاشر من رمضان 1393هـ ـ 6 أكتوبر 1973م، تجلى فيها أثر التدين في الضباط والجنود، وفي الشعارات، فقد كان شعار المعركة: الله أكبر. في حين كانت كلمة السر في حرب يونيو 1967 "برّ بحر جوّ". وللأسف لم ينتصروا في بر ولا بحر ولا جو.

 اقرأ في الحلقة القادمة:

الحلقة الرابعة عشرة: نشاط علمي وسياحي مكثف

ظهور كتاب "فقه الزكاة"

في شهر ديسمبر 1970 فرغت المطبعة من كتابي "فقه الزكاة"، وظهر إلى عالم النشر والتوزيع في مجلدين، والحق أني فرحت به كما يفرح الوالد بولده، وفلذة كبده، ولا سيما أن ولادته لم تكن سهلة؛ فقد أخذت طباعته حوالي سنة ونصفًا، والحمد لله قد تم على خير.

وبدأت أبعث بنسخ منه إلى كبار الشخصيات العلمية في قطر وبلاد الخليج من حولي، وبخاصة المملكة العربية السعودية، وإلى الهند وباكستان وغيرها.

ولقد استُقبِل الكتاب بحفاوة وتقدير كبيرين، وجاءتني رسائل من عدد من الشخصيات المرموقة التي أهديت الكتاب إليها، منهم الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن زيد المحمود، والشيخ علي الطنطاوي، والشيخ أبو الأعلى المودودي، والشيخ أبو الحسن الندوي، والأستاذ محمد المبارك، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهم ممن لا أذكره الآن.

وأثنى عليه الشيخ علي الطنطاوي في برنامجه في إذاعة السعودية، وفي برنامجه التليفزيوني "على مائدة الإفطار" في رمضان أكثر من مرة.

وقال عنه الأستاذ أبو الأعلى المودودي: إنه كتاب القرن (أي الرابع عشر الهجري) في الفقه الإسلامي. نقل ذلك عنه الأستاذ خليل أحمد الحامدي مدير القسم العربي بالجماعة الإسلامية بباكستان.

وكتب الأستاذ المبارك في مقدمة كتابه عن "الاقتصاد" في "نظام الإسلام" منوهًا به، ومنبها أهل العلم على قيمته، فقال: "ومن الكتب الحديثة ما هو خاص بموضوع معين، ومن هذا النوع كتاب فقه الزكاة للأستاذ يوسف القرضاوي، وهو موسوعة فقهية في الزكاة استوعبت مسائلها القديمة والحديثة، وأحكامها النصية والاجتهادية على جميع المذاهب المعروفة المدونة، لم يقتصر فيها على المذاهب الأربعة، مع ذكر الأدلة ومناقشتها، وعرض لما حدث من قضايا ومسائل، مع نظرات تحليلية عميقة، وهو بالجملة عمل تنوء بمثله المجامع الفقهية، ويعتبر حدثًا هامًّا في التأليف الفقهي، جزى الله مؤلفه خيرًا".

وقال عنه الشيخ محمد الغزالي: "لم يؤلَّف في الإسلام مثله في موضوعه". قال ذلك في كتابه: مائة سؤال عن الإسلام.

صحوة تأليفية في قطر

تحدثت من قبل عن تجربة تأليف كتب حديثة للعلوم الشرعية في قطر، كانت تمثل الريادة والطليعة في بلاد الخليج كلها، وكانت هذه الكتب في علوم التوحيد والفقه والبحوث الإسلامية.

وقد استُقبلت هذه الكتب استقبالاً حسنًا في قطر وما حولها، واعتُبرت تجديدًا مطلوبًا في مجالاتها بدل الكتب القديمة التي كانت ألغازًا وعقدًا بالنسبة للطلاب.

وهذا النجاح شجع المسئولين في وزارة المعارف التي أصبح اسمها "وزارة التربية"؛ لتبدأ شوطا أطول وأوسع في تأليف كتب حديثة في مناهج العلوم كلها: الدينية والاجتماعية والعلمية.

وشكلت لجان للتأليف في مختلف المقررات، يشرف عليها مفتشو كل مادة، ويشرف على جميع اللجان مدير المعارف الأستاذ كمال ناجي.

وقد شاركت في تأليف بضعة عشر كتابًا من كتب العلوم الشرعية من الحديث والتفسير والآداب وغيرها، بإشراف فضيلة الشيخ عبد المعز عبد الستار.

كما اشتركت أنا والأخ الأستاذ سليمان الستاوي في تأليف كتابين مهمين: أحدهما في مادة "المجتمع الإسلامي" لطلبة السنة الثانية الثانوية. والثاني "فلسفة الأخلاق" لطلبة السنة الثالثة الثانوية من المعهد الديني.

كما كُلِّفت -أنا والأَخَوان الشيخ عليوة مصطفى والشيخ علي جماز- بتأليف كتاب من جزأين في علم التوحيد، لطلاب السنتين الأخيرتين من المرحلة الثانوية للمعهد الديني. وقد قسمنا موضوعات الكتاب علينا. فاخترت أن أكتب عن: الحاجة إلى العقيدة، وعن أدلة وجود الله تعالى، وعن الإيمان بالقدر، وعن اليهودية والنصرانية.

وقد لقي هذا الكتاب قبولا عامًّا لدى المهتمين بتدريس العقيدة، وطلب كثير من الإخوة بالسعودية والبحرين والإمارات أن نرسل إليهم نسخًا من الكتاب؛ ليدرسوه لطلابهم، أو على الأقل ليقتبسوا منه.

كما ألفت وزارة التربية القطرية جملة وافرة من الكتب في المواد الاجتماعية كالجغرافيا والتاريخ، صححت فيها بعض المفاهيم الخاطئة، مثل تدريس الفتح العثماني للبلاد العربية على أنه "استعمار". ولم يكن المسلمون ينظرون إليه هذه النظرة. فقد قام العثمانيون بدور هام بعد سقوط الخلافة العباسية، وحموا البلاد العربية من الغزو الاستعماري الأوربي عدة قرون. وكان العرب يشاركون الأتراك في الحكم، ومنهم من وصل إلى مرتبة "الصدر الأعظم"، وإن لم يخلُ عهدهم من ظلم لا ريب فيه.

وكان المشرفون على التأليف يرجعون إليَّ في المشكلات العلمية التي لها علاقة بالدين، كما فعل مؤلفو كتب "الأحياء" عند عرضهم للنظريات المختلفة في نشأة الحياة والإنسان، ومنهم الأستاذ توفيق القيسي، وموقفهم من نظرية النشوء والارتقاء التي قال بها دارون، فكلموا الأستاذ كمال ناجي الذي كتب إليَّ يطلب رأيي حول الموضوع، فكتبت ردًّا في رسالة علمية مطولة، خلاصتها: أنه لا مانع من عرض فكرة دارون على أنها "مجرد رأي" لا يبلغ أن يكون نظرية. وفيه ثغرات وتدليسات كثيرة، اكتشفها من جاءوا بعده، وبيّنوا أوجه الخلل والدخَل فيما أعلنه من رأي. وقد رد كثير من علماء الغرب البيولوجيين أنفسهم على دارون، كما خالفه تلاميذه أنفسهم بعد ذلك، وعدلوا في الفكرة بما أطلق عليه الداروينية الحديثة، ولا سيما بعد ظهور قوانين الوراثة وثبوتها علميًّا بما لا يدع مجالا لأي ارتياب.

كما كُتِبت كتب بالعربية ردت على هذه النظرية من الوجهة العلمية، ومن الوجهة الإسلامية. وقد لخّص ذلك علامة العرب الأستاذ عباس العقاد في كتابه "الإنسان في القرآن الكريم".

وأعتقد أن الوزارة وتفتيش العلوم فيها: اقتنعوا برأيي هذا، وأخذوا به.

إجازة الصيف في لبنان

وبعد انتهاء العام الدراسي سافرت أنا والأسرة كالعادة إلى لبنان لقضاء الإجازة هناك، وقد زادت أسرتي بعبد الرحمن واحدًا، فغدت الأسرة ثمانية أشخاص: أنا وزوجتي وبناتي الأربع، وابني محمد وعبد الرحمن.

وفي لبنان استأجرنا منزلا مناسبًا بسوق الغرب، وقد ألِفناها وألفَتْنا. وإن كنت أنزل إلى بيروت مرة أو مرتين أو ثلاثًًا في كل أسبوع، لأتصل بدور النشر التي أتعامل معها: المكتب الإسلامي، ودار الإرشاد، ومؤسسة الرسالة، ودار العربية.

كما أزور المكتبات التي تبيع الكتب، لأشتري منها ما يهمني، وأصطحبه معي إلى قطر؛ فالمكتبات كالإنسان، تحتاج إلى زاد مستمر، حتى تحيا وتنمو.

وكذلك كان الإخوة في لبنان ينتهزون فرصة وجودي، فيرتبون لي بعض المحاضرات، لألقيها في بيروت أو في صيدا أو في طرابلس. فأجدها فرصة طيبة لألتقي بالجمهور اللبناني الكريم. وبهذا تجمع الإجازة بين المتعة والمنفعة. وهذا هو التوازن المطلوب.

ظهور تليفزيون قطر

بعد نجاح قطر في إذاعتها التي سمع العالم صوتها من الدوحة، كان لا بد أن تستكمل مسيرتها الإعلامية بـ"تليفزيون قطر" الذي أنشئ له مبنى خاص قريب من الإذاعة.

وقد افتتح مبنى التليفزيون الجديد في شهر يوليو "تموز" 1971م، وكنت أقضي إجازة الصيف في لبنان، وكان المسئولون عن التليفزيون وعن الإعلام عامة يرون أن لا يظهر التليفزيون إلا وفيه برنامج ديني ينوّر المشاهدين فيما يتعلق بالدين، ويجيب عن تساؤلاتهم. فأرسلوا إليَّ في لبنان أن أسجل ست حلقات في أحد أستوديوهات بيروت -نسيت اسمه- فسجلت هذه الحلقات بالثوب والغطرة؛ إذ لم أحمل الجبة والعمامة معي في ذلك الصيف، بل كنت ألبس "البذلة الإفرنجية" في الإجازة، وليس مناسبًا لي أن أظهر بها على الشاشة، فسجلت هذه الحلقات الستة بالدشداشة، وأُرسلت إلى الدوحة.

ولأول مرة أكتشف المعاناة في التسجيل للتليفزيون؛ فقد كان التسجيل للإذاعة في غاية السهولة واليسر. أما في التليفزيون فقد عانيت ما عانيت في ترتيب الأضواء، وضبط الصورة، والاطمئنان على الصوت، و... و... وكان الأستوديو غير مكيف، فكنت أتصبب عرقًا، برغم أن لبسي خفيف، فقلت: الحمد لله أن الجبة والعمامة لم تكونا معي. وكانت هذه الأحاديث عبارة عن "دروس إسلامية" كل درس يعالج موضوعًا معينًا.

برنامج "هدي الإسلام"

وبعد العودة إلى الدوحة التقيت بمدير الإعلام، وهو الصحفي الإعلامي الكبير الأستاذ محمود الشريف، شقيق صديقنا الأستاذ كامل الشريف (وزير الإعلام في الأردن فيما بعد)، فتعرفت عليه لأول مرة، وكان معه مدير التليفزيون الأستاذ جواد مرقة، وتحدثنا حول البرنامج الديني والصورة التي ينبغي أن يقدم بها.

فاقترحت عليهم أن يكون البرنامج إجابة عن أسئلة المشاهدين التي تأتي إلى البرنامج عن طريق رسائلهم المكتوبة، وأنا الذي أتلقاها من التليفزيون وأجيب عنها دون الحاجة إلى محاور. واستحسن مدير الإعلام ومدير التليفزيون هذه الفكرة، وقالوا: يمكننا أن نأتي بمن يساعدك في تلقي الرسائل وترتيبها، ويمكن أن ندفع له مبلغًا مقابل ذلك، واقترحت عليهم سكرتيري في المعهد الديني: الأستاذ يوسف السطري "الحمايدة". وقام بهذا الدور فترة ثم انقطع، وأصبحت أعده حتى الآن بلا مساعد.

واقترح الأستاذ محمود الشريف أن يطلق عليه "هدي الإسلام" ورحبتُ بالتسمية، وقلنا: على بركة الله.

كان البرنامج في أول الأمر ثلث ساعة، ثم وجد أن هذا الوقت لا يكفي للرد على الرسائل التي كانت تأتي بكثافة، فزيد إلى نصف ساعة، ثم زيد بعد سنوات إلى 45 دقيقة.

وكان لهذا البرنامج عشاقه ومريدوه ومتابعوه من قطر، ومن بلاد الخليج، وخصوصًا: البحرين والإمارات والمنطقة الشرقية من السعودية، وبعد أن تحول تليفزيون قطر إلى "قناة فضائية" أصبح هذا البرنامج يشاهد في بلاد المغرب العربي وغيرها، وغدت تأتيني أسئلة شتى من هذه البلاد.

وفقد هذا البرنامج بريقه نسبيًّا بظهور "قناة الجزيرة" وبرنامج "الشريعة والحياة" بها الذي أمسى يشاهده الملايين من أنحاء العالم، من كل من يعرف العربية.

كما قدمت للتليفزيون القطري: برامج رمضانية تحت عنوان "في رحاب القرآن" وبعضها تحت عنوان "من مشكاة النبوة". وقد استمرت سنين طويلة، ولم أنقطع عنها إلا منذ بضع سنوات، بعد أن تضاعفت علي الواجبات، وضاقت الأوقات. والله المستعان.

ميلاد ابني أسامة

وفي 10 فبراير سنة 1972م وُلد ابني أسامة، كان ميلاد أولادي السابقين كلهم في أواخر السنة الميلادية (3 في سبتمبر، و2 في أكتوبر، واحدة في ديسمبر)، أما أسامة فجاء على خلاف المألوف، وولد في الشهر الثاني من السنة.

لم يكن بينه وبين شقيقه عبد الرحمن إلا سنة وخمسة أشهر؛ ولذا كان عبد الرحمن يعتبره منافسًا خطف منه اهتمام الأسرة، وكان أحيانًا يمسه بأذى معين، ولكن أسامة دافع عن نفسه يومًا، فعضه عضة قوية، ألزمته حدّه، وعرف أن هذا الصغير لا يؤكل لحمه، ولا يستهان أمره.

والحقيقة أن معاملتي للأولاد وكذلك معاملة أمهم كانت مثالية؛ فلم نكن ندلل الأولاد إلى حد الإفساد، ولا نشتد عليهم إلى حد القسوة، والتربية السليمة في نظري هي ما كانت بين التدليل المميِّع للشخصية والقسوة المحطمة لها.

ولذا نشأ أولادي بحمد الله نشأة سوية، ليس فيها غيرة مفرطة، أو شعور بالظلم، أو إضمار حسد لأخ أو أخت، وما فضلنا ولدًا على بنت، ولا واحدًا على آخر لأي سبب.

ولقد رأينا الناس يدللون الطفل الأول أكثر مما يلزم فيفسدونه، ومثله: الذكر الأول، أو الطفل الأخير، الذي يسمونه "آخر العنقود" وهو في نظرهم "سكر معقود"، نحمد الله تعالى أننا لم نفعل ذلك أبدًا، فطرة لا تكلفًا، لم نحابِ أيَّ طفل على حساب الآخر، بل أشعر والله أني أحب الجميع حبًّا متساويًا، وأعتقد أن والدتهم مثلي.

ولكن أسامة الطفل كان يدلل نفسه، ويفرض دلاله على الجميع، ويشعر أنه أصغر واحد في العائلة، كما يحس أنه آخر العنقود؛ فيبدو أن الأم قد اكتفت بما آتاها الله من أولاد بلغوا سبعة: أربع بنات، وثلاثة بنين.

وكان أسامة يريد أن يكبر بسرعة؛ ليكون له حظ الكبراء، ولكن إذا كان الحظ مع صغر السن قال: أنا أصغركم سنًّا.

وكانت أمه تقول له: ادخل نم يا أسامة، فيقول لها: تريدين أن تستريحي منا.

وهكذا كانت له مناكفاته المحببة.

الحركة التصحيحية في قطر

وفي 22 فبراير "شباط" 1972م حدث ما سُمِّي في قطر بالحركة التصحيحية التي بها انتقل الحكم من الشيخ أحمد بن علي بن عبد الله آل ثاني إلى الشيخ خليفة بن حمد بن عبد الله آل ثاني، ابن عم الأمير، وولي عهده ونائبه.

كان الشيخ أحمد أمير قطر رجلا طيبًا في نفسه، مهذبًا رقيق الحاشية، جوادًا كريمًا، يلقى من يزوره بهشاشة وبسطة وجه، ولكنه لم يكن متفرغًا للحكم، وحمْل أعبائه، وحل مشاكله، وكان كثير الأسفار والرحلات في مناطق شتى، وكان قد ترك هم الحكم لنائبه وولي عهده.

ولقد شاء قدر الله أن تحدث في أشهر محدودة عدة أحداث، وعدة أخطاء حسبت على الشيخ أحمد، عجلت بنقل الحكم إلى الشيخ خليفة بدون دماء، وبإقرار شيوخ الأسرة الحاكمة، وكان الشيخ أحمد خارج البلاد، فظل خارج قطر، ولا سيما أنه صهر الشيخ راشد بن سعيد حاكم دبي الشهير، وزوج ابنته، وله قصر هناك، وأيد جمهور الشعب القطري هذا التحول، وأطلق عليه "الحركة التصحيحية"؛ نظرا لأن الشيخ خليفة كان هو المفروض أن يكون هو الحاكم بعد الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني الذي تنازل لابنه الشيخ أحمد عن الحكم، فحرم الشيخ خليفة من حقه في تولي الحكم بعده؛ ولهذا اعتبروا هذه الحركة تصحيحًا لهذا الخطأ.

والحق أننا لم نرَ ولم نسمع أي إيذاء لأولاد الشيخ أحمد أو قرابته وأوليائه، إلا ما أصاب ابنه الشيخ عبد العزيز من الخروج من الوزارة، وكان وزيرًا للصحة، وهذا طبيعي، وبخاصة ما قيل عنه إنه كان يحضر لانقلاب يطيح بالشيخ خليفة.

وقد اعتقل بعض أتباع الشيخ أحمد فترة قليلة من الزمن، مثل الأستاذ عبد البديع صقر، ولكنه لم يؤذَ في معتقله ولم توجه إليه أية إهانة، ثم ما لبث أن أفرج عنه.

وقد اعتقل بعض الشباب التابعين للأستاذ عبد البديع، ولم يكن لهم في العير ولا النفير، فكلمت قائد الشرطة في ذلك الوقت في شأنهم، فأفرج عنهم فورًا.

أرض وقرض من دولة قطر

في يوم من شهر رمضان في هذه السنة (1392هـ = 1972م)، وبعد درس من دروس العصر سألني الشيخ خليفة أمير قطر: هل تملك بيتًا في قطر؟ قلت له: يا طويل العمر أنا أسكن على حساب قطر، قال: يعني بالإيجار؟ قلت: نعم، قال: ألا تحب أن يكون لك بيت تملكه؟ قلت: بلى، ومن ذا الذي لا يحب ذلك؟ قال: وما يمنعك من ذلك؟ قلت: وأنا أضحك: المصريون يقولون في مثل هذه الحالة: "العين بصيرة، واليد قصيرة". الأرض وحدها بمبلغ، فضلا عن البناء والتأثيث.

قال: سآمر لك بأرض وقرض، يساعدك على البناء.

وبعد درس اليوم التالي قال الشيخ خليفة: وجدنا لك مكانًا مناسبًا جدًّا، في شارع السد، وسآمر عبد الرحمن بو حميد مدير إدارة التسجيل العقاري يتصل بك، ويريك المكان، ويرتب كل شيء.

وقد تم كل شيء فعلا بسرعة، كما قال الشيخ، وتسلمت الأرض، وتسلمت القرض الذي يعطى لكبار الموظفين القطرين، ويقسط على عشرين سنة، ولكنه لم يكن كافيًا، "كان نحو 35 ألف ريال"، ولم تكن البنوك الإسلامية قد نشأت بعد في قطر، حتى أدخل معها في مرابحة تسدد على عدة سنوات كما يحدث الآن؛ ولذا لجأت إلى بنك قطر الوطني ليقرضني مبلغ ثلاثمائة ألف ريال قطري، وقال البنك: عليك فوائد مقدارها كذا وكذا، فقلت لهم: ألا يمكن الاستثناء من هذه الفوائد؟ قالوا: هذا غير ممكن، قلت: حتى لو جاءكم أمر من الأمير؟ قالوا: الأمير يملك أن يتصرف في هذا بأي طريقة، وقد يتحملها هو.

قابلت الأمير، وقلت له: تعلم أني أحرم الفوائد، فأرجو أن تعفيني من هذا الأمر، قال: سآمر البنك أن لا يطالبك بأية فوائد.

وكانت هذه المنحة تأكيدًا لجنسيتي القطرية التي اكتسبتها بجوازي القطري.

واتفقت مع صديقنا الأخ سالم حسن الأنصاري -لديه شركة مقاولات- أن يقوم ببناء البيت، وقد كانت المباني في ذلك الوقت تتكلف كثيرًا جدًّا، ومواد البناء باهظة الثمن؛ ولذا بنى البيت بطريقة لم تعجبني في النهاية، ولم يكن هذا البيت الذي أتوق إليه، لهذا آثرت أن أؤجره ولا أسكنه، ورجَّح ذلك أن عليَّ قرضين: قرضًا طويل الأجل، وقرضًا قصير الأجل، وإجارة البيت تساعد في قضاء هذا الدين، ولا سيما أن راتبي كان محدودًا، وقد جمد عند حد معين لعدة سنين، وذلك قبل أن تنشأ جامعة قطر، وأنضم إليها.

ندوة التشريع الإسلامي في ليبيا

في أوائل سنة 1972م وصلتني دعوة من ليبيا للمشاركة في "ندوة للتشريع الإسلامي" دُعي إليها عدد من كبار العلماء من مصر وغيرها من أنحاء العالم الإسلامي، لمساعدة اللجنة العليا التي أنشئت بقرار من العقيد القذافي قائد الثورة الليبية، برئاسة المستشار علي علي منصور، وكانت مهمة هذه اللجنة: تنقية القوانين الوضعية في ليبيا من كل ما يخالف الشريعة الإسلامية.

والمفروض أن هذه مرحلة تتبعها مرحلة أخرى تقوم على استنباط تشريعات وقوانين إسلامية، مؤسسة على اجتهاد إسلامي معاصر، وهذه تحتاج إلى وقت وإلى إعداد، وإلى علماء يجمعون بين الأصالة والمعاصرة.

ومن المعروف أن القوانين الوضعية لا تخالف الشريعة الإسلامية مخالفة صريحة إلا في القانون الجنائي الذي لا يعترف بخصوصية العقوبات الإسلامية التي تتمثل في الحدود، مثل حد السرقة، وحد الزنى، وحد القذف، وحد قطاع الطرق، وحد شرب الخمر، وإن كان هناك رأي قوي يرى أن عقوبة حد شرب الخمر عقوبة تعزيرية، منوطة إلى الإمام أو القاضي.

كما تخالف القوانين الوضعية الشريعة الإسلامية في تحريم الفوائد الربوية، وتحريم المعاملات التي تشمل على غرر فاحش.

وأهم من ذلك هو أن المنطلق الذي تنبعث منه القوانين الوضعية غير المنطلق الذي تنبعث منه الأحكام الشرعية، فمنطلق القوانين اعتبارات بشرية محضة، أما منطلق الأحكام الشرعية، فهو وحي الله المتمثل في القرآن والسنة، وهذا لا يحجر على المسلمين أن يجتهدوا لأنفسهم فيما لا نص فيه، عن طريق القياس أو الاستحسان أو الاستصلاح أو غيرها. ويمكنهم أن يقتبسوا من غيرهم ما يرونه أصلح لهم، وأليق بجلب الخير لهم، ودفع الشر عنهم.

وفرق بين أن يصدر التشريع بناء على قرار حاكم أو مجلس، وأن يصدر بناء على أمر الله تعالى به في كتابه وعلى سنة رسوله، وعلى ما اقتضته قواعد الشريعة ومقاصدها.

المهم أني تلقيت الدعوة، وعرضتها على المسئولين في وزارة التربية والتعليم، فسمحوا لي بإجابة الدعوة، لا سيما أن ليبيا هي التي ستتكفل بتذكرة الطائرة، ونفقات الإقامة، ولن تتكلف قطر شيئًا.

وكانت هذه أول مرة أخرج فيها من قوقعة قطر -في أثناء العام الدراسي- إلى العالم من حولي، وتعتبر الخطوة الأولى للانطلاق الكبير بعد ذلك.

كانت بطاقة الدعوة الليبية تشتمل على عدة موضوعات، طلبت إليَّ الكتابة في أحدها، وهو الموضوع الأول: الشريعة صالحة لكل زمان ومكان.

واستخرت الله وبدأت في الكتابة في الموضوع، وأرسلته إليهم، فلقي القبول من اللجنة المشرفة، وفي شهر مايو من هذه السنة (1972م) توكلت على الله، وسافرت إلى ليبيا عن طريق بيروت.

وكانت الندوة مقامة تحت إشراف "كلية الدراسات العربية والإسلامية" في مدينة البيضاء، وهذه الكلية كانت تسمى قديمًا: الجامعة السنوسية، وكانت تضم عدة كليات، فاختصرت في كلية واحدة، وحذف عنوانها، حتى لا يبقى للسنوسيين ذكر ولا أثر.

وهذا ما يؤخذ على الأنظمة الانقلابية: إنها تريد أن تلغي التاريخ قبلها، كما تريد أن يبدأ التاريخ بها، والإنصاف يقتضي أن تذكر محاسن من قبلك؛ ليذكر محاسنك من يأتي بعدك، ولكن هذا شأن الإنسان من قديم.

وقد ضمت هذه الكلية إلى الجامعة الليبية، وهي الجامعة الوحيدة في البلاد، فأصبحت إحدى كلياتها، وكان مدير الجامعة صديقنا الكبير الأستاذ عمر التومي الشيباني، وعميد الكلية فضيلة الشيخ إبراهيم.

يعيروننا بأكل الفول!

ذهبت من بيروت إلى بني غازي، وبت في أحد الفنادق بها، وفي الصباح نزلت إلى المطعم لتناول الفطور، فجاءني النادل "الجرسون" وكان مصريًّا، فسألني: ماذا نقدم لك؟ قلت: أول شيء الفول المدمس، فقال: ألا تطلب شيئًا بدل الفول؟ وقلت له: ولم؟ ألا يوجد عندكم فول؟ قال: يوجد عندنا، ولكنهم يعيروننا بأننا شعب الفول! قلت: يا عجبًا! وهل أكل الفول معرة أو جرم حتى نعيَّر به؟ وما الفرق بين من يفطر على الفول أو على الحمص أو على الحلبة أو على البيض ونحوه؟ يا بني، لا تعبأ بهذه الترهات، واعتز بنفسك؛ فالفول من الطيبات التي رزقها الله للناس، دعني من هذا كله، وائتني بطبق الفول، ولا مانع من أن تخلطه بالحمص أو بالبيض المسلوق، "ربنا يديمه علينا".

وسافرت إلى مدينة البيضاء بالسيارة، حتى وصلت إليها، وقد حضر معظم المدعوين، ثم اكتمل عددهم يوم الافتتاح، وكان القذافي غائبًا عن البلد، فناب عنه أحد قادة الثورة، نسيت اسمه.

وبدأت جلسات الندوة بعد ذلك، وقد شارك فيها عدد من العلماء المرموقين، من أبرزهم: الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ الخفيف، والدكتور محمد بيصار، والشيخ مصطفى الزرقا، والدكتور صبحي الصالح، والدكتور حسين حامد حسان، وغيرهم ممن لا يحضرني اسمه الآن، كما شارك عدد من العلماء الذين يعملون في ليبيا، مثل: دكتور عبد العزيز عامر، ودكتور عبد الجواد محمد، وبعض رجال الاقتصاد الليبيين.

وكانت هذه أول مرة ألقى فيها العلامة أبو زهرة، والعلامة الخفيف، وجهًا لوجه. أما الشيخ الزرقا فقد سعدت بلقائه قبل ذلك، حين كان يعمل أول خبير للموسوعة الفقهية في الكويت.

وكان نجم الندوة -دون منازع- هو الشيخ أبو زهرة، الذي كان يعلق على المتكلمين، ويتدفق كالسيل العرم وهو يتكلم، أُذِن له أم لم يُؤذَن، فلا يملك أحد أن يمنعه، ومن يمنع السيل من التدفق، أو النجم من التألق؟!

وقد ألقيت بحثي، وكان كل بحث يُمنَح ربع ساعة لإلقائه؛ لتكون هناك فسحة مناسبة للمناقشة، ولكن بحثي كان طويلا، فقلت لهم: إني قطعت إلى هنا أطول مسافة قطعها أحد المدعوين، وبحثي طويل، فينبغي أن تعطوني فرصة مناسبة لطول المسافة التي قطعتها! وضحك الجميع، وقابلوا اقتراحي بالقبول، وأخذت نصف ساعة في عرض الموضوع، وعلق الأستاذ الزرقا على البحث، فقال: كان القرضاوي موفقًا في تحريره، كما كان موفقًا في تمريره.

والحمد لله لقي البحث القبول من الحضور.

كانت هذه الرحلة فرصة للتعرف على العلامة أبي زهرة، الذي طالما قرأت له، واشتقت إلى لقائه ولكن لم يتح لي للأسف أن ألقاه وجهًا لوجه، فقد كنت قبل التخرج مشغولاً بالدراسة والدعوة، وبعد التخرج شغلت بالاعتقال، ثم بهمِّ لقمة العيش، ولم تكن لأبي زهرة وأمثاله فرصة ليظهر ويلقى تلاميذه ومحبيه فيها. لهذا قرت عيني بلقاء الشيخ الجليل. والحقيقة أن الشيخ -رحمه الله- فرح بلقائي، وأثنى على كتابي "فقه الزكاة"، وقد استشرته في النزول إلى مصر في صيف هذا العام، فأنا منذ سنة 1964م لم أنزل مصر، فقال: انتظر حتى أستشف لك الوضع، وأخبرك بالموقف، ولا ضرورة لاستعجال النزول هذه السنة. وهو ما ركنت إليه.

أبو زهرة يفجر قنبلة

وفي هذه الندوة فجر الشيخ أبو زهرة قنبلة فقهية، هيجت عليه أعضاء المؤتمر، حينما فاجأهم برأيه الجديد.

وقصة ذلك: أن الشيخ رحمه الله وقف في المؤتمر، وقال: إني كتمت رأيًا فقهيًّا في نفسي من عشرين سنة، وكنت قد بحت به للدكتور عبد العزيز عامر، واستشهد به قائلا: أليس كذلك يا دكتور عبد العزيز؟ قال: بلى. وآن لي أن أبوح بما كتمته، قبل أن ألقى الله تعالى، ويسألني: لماذا كتمت ما لديك من علم، ولم تبينه للناس؟

هذا الرأي يتعلق بقضية "الرجم" للمحصن في حد الزنى، فرأى أن الرجم كان شريعة يهودية، أقرها الرسول في أول الأمر، ثم نسخت بحد الجلد في سورة النور.

قال الشيخ: ولي على ذلك أدلة ثلاثة:

الأول: أن الله تعالى قال: "فإذا أُحصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" [النساء: 25]، والرجم عقوبة لا تتنصف، فثبت أن العذاب في الآية هو المذكور في سورة النور: "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" [النور: 2].

والثاني: ما رواه البخاري في جامعه الصحيح عن عبد الله بن أوفى أنه سئل عن الرجم.. هل كان بعد سورة النور أم قبلها؟ فقال: لا أدري.

فمن المحتمل جدًّا أن تكون عقوبة الرجم قبل نزول آية النور التي نسختها.

الثالث: أن الحديث الذي اعتمدوا عليه، وقالوا: إنه كان قرآنًا ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه أمر لا يقره العقل، لماذا تنسخ التلاوة والحكم باق؟ وما قيل: إنه كان في صحيفته فجاءت الداجن وأكلتها لا يقبله منطق.

وما إن انتهى الشيخ من كلامه حتى ثار عليه أغلب الحضور، وقام من قام منهم، ورد عليه بما هو مذكور في كتب الفقه حول هذه الأدلة. ولكن الشيخ ثبت على رأيه.

وقد لقيته بعد انفضاض الجلسة، وقلت له: يا مولانا، عندي رأي قريب من رأيك، ولكنه أدنى إلى القبول منه. قال: وما هو؟

قلت: جاء في الحديث الصحيح: "البكر بالبكر: جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب: جلد مائة، ورجم بالحجارة".

قال: وماذا تأخذ من هذا الحديث؟ قلت: تعلم فضيلتك أن الحنفية قالوا في الشطر الأول من الحديث: الحد هو الجلد، أما التغريب أو النفي، فهو سياسة وتعزير، موكول إلى رأي الإمام، ولكنه ليس لازمًا في كل حال.

وعلى هذا فثبت ما جاءت به الروايات من الرجم في العهد النبوي، فقد رجم يهوديين، ورجم ماعزا، ورجم الغامدية، وبعث أحد أصحابه في قضية امرأة العسيف، وقال له: اغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. وكذلك ما روي أن عمر رجم من بعده، وأن عليا رجم كذلك.

ولكن الشيخ لم يوافق على رأيي هذا، وقال لي: يا يوسف، هل معقول أن محمد بن عبد الله الرحمة المهداة يرمي الناس بالحجارة حتى الموت؟ هذه شريعة يهودية، وهي أليق بقساوة اليهود.

وكان رأي الشيخ الزرقا مع الجمهور، ولكنه يخالف الجمهور في تعريف "المحصن" فعندهم: أن المحصن من حصل له الزواج، وإن فارقته زوجه بطلاق أو وفاة، وبات في واقع الحال لا زوجة له، وعند الزرقا: المحصن: من له زوجة بالفعل. وهذا رأي الشيخ رشيد رضا ذكره في تفسير المنار.

توقفت طويلا عند قول الشيخ أبي زهرة عن رأيه: أنه كتمه في نفسه عشرين عاما، لماذا كتمه، ولم يعلنه في درس أو محاضرة أو كتاب أو مقالة؟ لقد فعل ذلك خشية هياج العامة عليه، وتوجيه سهام التشهير والتجريح إليه، كما حدث له في هذه الندوة.

وقلت في نفسي: كم من آراء واجتهادات جديدة وجريئة تبقى حبيسة في صدور أصحابها، حتى تموت معهم، ولم يسمع بها أحد، ولم ينقلها أحد عنهم!!

ولذلك حين تحدثت عن معالم وضوابط الاجتهاد المعاصر، جعلت منها: أن نفسح صدورنا للمخطئ في اجتهاده، فبهذا يحيا الاجتهاد ويزدهر، والمجتهد بشر غير معصوم، فمن حقه -بل الواجب عليه- أن يجتهد ويتحرى ويستفرغ وسعه، ولا يلزمه أن يكون الصواب معه دائمًا، وما دامت صدورنا تضيق بالرأي المخالف للجمهور، فلن ينمو الاجتهاد، ولن يؤتي ثمراته.

على أن ما يحسبه بعض الناس خطأ قد يكن هو الصواب بعينه، وخصوصًا إذا تغير المكان والزمان.

ويبدو أن هذه الحملة الهائجة المائجة التي واجهها الشيخ أبو زهرة جعلته يصمت عن إبداء رأيه؛ فلم يسجله مكتوبًا بعد ذلك. وربما لأن الشيخ الكبير لم يعمر بعد ذلك طويلا؛ فقد وافته المنية بعد أشهر، عليه رحمه الله ورضوانه.

وقد رأيت الشيخ نسب هذا الرأي في كتابه "العقوبة" إلى الخوارج، واستدل لهم بما ذكره في ندوة ليبيا، وأعتقد أن ذلك كان أسبق من الندوة.

حوار ساخن عند القذافي

بعد أن انتهت الندوة، قالوا لنا: أنتم مطلوبون للقاء القذافي قائد الثورة في مدينة طرابلس، فاستعدوا للذهاب إلى بني غازي، ومن هناك ستأخذنا طائرة خاصة إلى العاصمة طرابلس، وقد وصلنا في حوالي العاشرة مساء، ثم نقلنا إلى مقر مجلس الثورة، لننتظر نحو نصف ساعة، حتى حضر العقيد، ومعه اثنان من القادة: أحدهما يجلس عن يمينه، وهو عبد السلام جلود نائبه، والثاني: لا نعرفه.

وكان يصحبه بعض المدنيين، منهم الأستاذ إبراهيم الغويل المحامي، ومنهم صحفي يساري، اسمه: صادق نيهوم، كان كأنه المتحدث باسمه، وهو علماني جريء طويل اللسان.

وقد أثار القذافي موضوعات شتى، كان من أهمها كلام حول أمرين خطيرين: "السنة" وإن لم يفصح تمامًا عن أفكاره حولها، ولكن أوحت عباراته وتعليقاته، بأن لديه شكوكًا وشبهات حول ثبوت السنة، وحول حجيتها.

والثاني حول "الردة" ولماذا يقتل المرتد؟ وتكلم العلماء يدافعون عن حد الردة، وعقوبة المرتد، وأثار الصادق نيهوم سؤالين: هل الردة موقف عقلي أو هي جريمة ضد الجماعة؟ وأجاب هو عن سؤاله، فقال: إن الردة موقف عقلي، إنسان اقتنع بدين، ثم تغير فكره وتحول اقتناعه، فلم يَعُد يؤمن به.. فلماذا يعاقب؟

قلت له: إن الردة ليست مجرد موقف عقلي، إنها تغيير للولاء من أمة إلى أخرى، هل يباح للإنسان أن يغير ولاءه لوطنه إلى أعداء وطنه بدعوى أنه حر في ولائه؟ إن أحدًا لا يقبل منه ذلك، ويعتبر كل الناس ذلك منه خيانة وطنية، يعاقب عليها بالإعدام، والردة هي تغيير الولاء من أمة الإسلام إلى أعدائها؛ فهو بردته أصبح عدوًّا لأمته، مواليًا لأعدائها.

وتطرق الحديث إلى العلماء ودور العلماء، وعزلة العلماء عن المشاركة في توجيه المجتمع، وتحدث الإخوة المشايخ: أن العلماء لا يتأخرون عن القيام بواجبهم، إذا فتح الباب لهم، وأتيح لهم أن يبينوا للناس شرع الله.

وقلت في ذلك: إن العلماء مستعدون أن يكونوا خدمًا لمن يخدم الشريعة.

وهنا قال الشيخ أبو زهرة: إننا لسنا خدمًا لأحد كائنًا من كان.

قلت: يا مولانا، إننا خدم لمن يخدم الشريعة؛ فخدمتنا في الحقيقة إنما هي للشريعة.

قال: نحن سادة ولسنا خدمًا!

رجال الثورة يقرؤون كتبي

وقد طالت الجلسة إلى ما يقرب الثانية مساء، ثم انفضت، وانصرف العقيد وصحبه، ولكن قبل انصرافه فوجئت بالعضو الذي كان عن يمين القذافي يقبل عليّ ويصافحني بحرارة، ويقول: أنا المقدم بشير هوادي عضو مجلس الثورة، وأنا من قراء كتبك ومن المعجبين بك، وقال: عندي كذا وكذا من كتبك، قلت له: اسمح لي أن أبعث إليك ببقية الكتب. قال: أكون شاكرًا وممتنًا، ويكون هذا فضلا منك.

وقد بقينا بعدها يومين في طرابلس لقيت أثناءها الأخ الفاضل الحاج أحمد حلمي عبد المجيد، أحد قادة الإخوان، ونائب عثمان أحمد عثمان وممثله في ليبيا التي يوجد لشركة عثمان فيها مشروعات كبرى.

ذكرت للحاج حلمي ما قاله بشير هوادي، فشجعني على إرسال الكتب إليه، ولكنه أضاف: هناك رجل آخر مهم في مجلس الثورة، هو من قرائك ومحبيك أيضًا، هو المقدم مصطفى الخروبي؛ فحبذا أن ترسل إليه هو الآخر مجموعة كتبك. وقد فعلت ذلك، بمجرد رجوعي إلى قطر.

أما بشير هوادي فبعد عدة سنوات اختلف مع القذافي وأطيح به، وأما الخروبي "اللواء مصطفى الخروبي" فما زال أحد القيادات المهمة في ليبيا، ولا تزال بيني وبينه مودة، حتى إنه زار قطر منذ سنوات ولم أكن موجودًا، فأرسل إلي باقة ورد إلى منزلي. وحين زرت ليبيا في عام 2002م أرسل إلي بهدية في الفندق الذي أنزل فيه.

والعجيب أني سألت الإخوة في ذلك الوقت "1972م" عن كتبي، فوجدتها ممنوعة من دخول ليبيا!

العودة إلى قطر عن طريق بيروت

وآن لي بعد هذه الأيام الحافلة أن أعود إلى قطر، فامتطينا الطائرة من طرابلس إلى بيروت، وقد بت فيها عند الأخ الصديق زهير الشاويش الذي رأى البحث الذي قدمته للندوة في ليبيا، فطلب مني أن يتولى نشره، وصدرت الطبعة الأولى منه عن المكتب الإسلامي في بيروت، وبعد أن نزلت إلى مصر سنة 1973م، نشرته مع عدد من الكتب في مصر، وقد نقحته وأضفت إليه، في طبعات لاحقة، كما أفعل في كثير من كتبي، وهو شأن كل مؤلف، يستدرك على نفسه، فيزيد ويحذف، ويهذب ويعدل، طلبًا للكمال الممكن، ما وجد إليه سبيلا.

سفر الأولاد إلى مصر

وعدت إلى قطر؛ لأواجه امتحانات آخر العام، وأستعد للإجازة الصيفية التي دنا موعدها، وبعد البحث والتشاور وجدت أن الوقت غدا مناسبا لسفر الأولاد وحدهم هذا العام، بعد انقطاع ثماني سنوات عن السفر إلى مصر، وبعض أولادي لم يروا مصر قط، مثل أبنائي الذكور: محمد وعبد الرحمن وأسامة، وبناتي لم يرين مصر إلا صغيرات جدًّا؛ لذا لا يعرفن عنها شيئًا، فإذا كانت ظروفي حتى الآن لا تسمح بالسفر، فليسافر الأولاد على بركة الله.

وقد سافرت والأسرة إلى بيروت، وبقينا فيها أيامًا في فندق شبلي بسوق الغرب، ثم ودعتهم في مطار بيروت ليصلوا إلى القاهرة بسلام.

وبقيت وحدي في لبنان، متنقلا بين جبالها في الشمال والجنوب؛ فقد ذهبت فترة إلى منطقة "الضِّنّية" بالقرب من طرابلس، ولكن للأسف رأيت المناطق الإسلامية غير معنيّ بها، مثل المناطق المسيحية والدرزية.

السفر إلى سوريا بالسيارة

في هذا الوقت جاء صهري -شقيق زوجتي- الأخ سامي عبد الجواد من الدوحة في إجازة؛ ليقضي أيامًا قليلة في لبنان، ثم ينطلق لزيارة سوريا لزيارة مصايفها، وزيارة الأخ الصديق أبي البراء سليمان الستاوي في منزله في حلب، وهو متزوج منها وأصهاره هناك.

وكانت فرصة أن أجدد عهدي بسوريا، بعد عشرين عامًا من زيارتي الأولى لها "سنة 1952م" ولكن بقيت مشكلة؛ فالمفروض أن مثلي ممنوع من دخول سوريا، كما أن كتبي ممنوعة من دخولها.

ومع هذا قررت أن أجازف بالدخول، عن طريق السيارات بالبر، وهم في البر لا يدققون في جوازات الداخلين في الصيف كثيرًا، تشجيعًا للسياحة.

وفعلا ركبنا السيارة أنا وصهري وزوجته وابنه الصغير أيمن، ولا أذكر هل كان معنا أحد آخر أو لا؟ وكنت ألبس البذلة الإفرنجية، فهي الأنسب لي في هذه الظروف. وعند الدخول إلى سوريا قدمنا الجوازات مجموعة، وكانت عدة سيارات داخلة معنا، فنظروا في الجوازات نظرة سطحية، وبخاصة أن جوازي قطري، وليس بين سوريا وقطر أي حساسية في العلاقات، وختموا الجوازات بسهولة وسرعة، وردوها إلينا.

وحمدت الله أن لم تحدث مشكلة في الدخول، فهل يحدث شيء بعد الدخول؟ الواقع أني لا أنوي القيام بأي نشاط من أي نوع، فإنما جئت سائحًا أتمتع بهواء سوريا فقط، ولم أجئ داعية ولا مدرسًا، ومن كان كذلك لم يلفت نظر أحد وهذا ما كان.

يا سبحان الله! منذ عشرين سنة دخلت سوريا التي كانت تحكم حكمًا عسكريًّا، واضطررت أن أتخفى في تعاملي مع الناس تحت اسم "عبد الله المصري"، واليوم أدخلها تحت ستار "سائح عربي"، وحتى اليوم وأنا أكتب هذه المذكرات لم يتح لي دخول سوريا بوصفي عالمًا وداعية مسلمًا!

بعد دخول سوريا ذهبنا أول ما ذهبنا إلى منطقة جميلة بالقرب من دمشق تسمى "العين الخضراء"، استأجرنا فيها حجرتين، وبقينا فيها، نمتع أعيننا وحواسنا كلها بماء العين الدافق البارد، والخضرة حولها، وبالوجوه الحسنة التي تزور المكان، كما قال الشاعر قديما، وكانت أيامًا جميلة، مرت كما يمر النسيم الناعم، ثم ودعناها لنسير إلى عاصمة الأمويين "دمشق" أو "جلق" كما سميت من قبل.

ورأينا نهر "بردى" وتذكرت قول شوقي:

سلام من صبا بردى أرقُّ ودمع لا يكفكف يا دمشق!

وقوله في مقام آخر:

آمنت بالله واستثنيت جنة دمشق روح وجنات وريحان!

وبعدها مررنا على مصايف دمشق، حتى انتهينا إلى "الزبداني" وبقينا فيه فترة، وأذكر أننا لم نبِتْ هناك، ولكن عدنا إلى دمشق؛ لنزور تحفتها المعمارية الرائعة "الجامع الأموي" وما فيه من فخامة وروعة في أعمدته وسقوفه وجدرانه، وساحاته وحجراته، من جميل الفسيفساء وزخارف البناء. وكم كانت حسرتي وحزني، وأنا أتجول في هذا الجامع العظيم الذي شهد عظمة الأمويين، واتساع الدولة الإسلامية في عهدهم التي وصلت الصين شرقًا والأندلس غربًا، حتى رأيناها في وقت واحد، تحارب في جهات أربع في أنحاء العالم، يقود جيوشها أربعة من قوادها الكبار: مسلمة بن عبد الملك في الصين، وقتيبة بن مسلم في سمرقند، ومحمد بن القاسم في الهند، وموسى بن نصير ومعه طارق بن زياد في الأندلس أو أسبانيا.

أين الخلفاء والأمراء العظام الذين كانوا يؤمون الناس في محراب هذا المسجد، أو يعتلوا منبره ليخطبوهم؟ وحكام هذا البلد اليوم لا علاقة لهم بالمسجد ولا بالصلاة؟

وتذكرت هنا قول أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته عن دمشق:

مررت بالمسجد المحزون أسأله: هل في المصلى أو المحراب مروان؟

كما زرنا قبر صلاح الدين الأيوبي الذي زاره القائد الفرنسي "غورو" أثناء الحرب العالمية الأولى، وقال له بشماتة بعد انتصارهم على الأتراك: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"!

بقينا يومين أو ثلاثة في دمشق، في أحد الفنادق هناك، واشترينا بعض الأشياء من "سوق الحمدية" منها بعض التحف، ومنها بعض المفارش وكسوة لطقم عندنا، واستضافنا آل دعبول في منزلهم هناك، ولم يكن الأخ رضوان أبو مروان موجودًا، حيث لا تسمح الظروف بدخوله. وهنا تذكرت الكثيرين من أبناء دمشق الذين لا يستطيعون دخولها: العالم الداعية الأديب الأستاذ عصام العطار، والعالم الداعية الدكتور محمد الهواري، والعالم المؤلف الداعية الدكتور محمد أديب الصالح، والعالم المحدث الشيخ محمد الصباغ، والعالم المحقق الناشر الشيخ زهير الشاويش، وكثيرين.

ثم عقدنا العزم على الذهاب إلى حلب، مرورًا بحمص وحماة، مستأجرين سيارة تاكسي لتوصيلنا، وعند مرورنا بحمص ترحمنا على علامة سوريا، الفقيه الداعية، ابن حمص الشيخ مصطفى السباعي عليه رحمة الله. وتذكرت الأيام الطيبة التي قضيتها مع الإخوة في حمص سنة 1952م. وتذكرت الإخوة من علماء حمص المحرومين من العودة إليها، مثل الشيخ محمد علي مشعل وغيره.

وعند مرورنا بحماة تذكرت عالمها ومرشدها الكبير رجل التقى والورع الشيخ محمد الحامد رحمه الله، وتذكرت عالمها المعاصر الداعية الثائر الشيخ سعيد حوى، وتذكرت إخواننا الحمويين الذين يعملون في قطر وغيرها، ولا يستطيعون العودة إلى بلدهم الحبيب: مصطفى الصيرفي، وعدنان سعد الدين، ونعسان عرواني، وغيرهم.

وعند حماة توقفنا قليلاً للاستراحة والصلاة، وشراء بعض الحلوى الحموية الشهيرة "الشعيبيات".

وانتهينا إلى حلب "الشهباء" لننزل ضيوفًا على الأخ الصديق سليمان الستاوي، وقد رحب بنا هو وأهله وأحباؤه، وأكرموا وفادتنا غاية الإكرام، وقابلنا أقارب الأستاذ عادل كنعان، وإن كان هو لا ينزل إلى سوريا، ككل إخواننا الذين لا يأمنون لحزب البعث، وإن لم يؤخذ عليهم أي جرم، ولكن الأنظمة الشمولية القاهرة لا تفرق بين بريء ومسيء.

وتذكرت إخواننا الكرام من علماء سوريا ودعاتها الذين غادروها من سنين، ولم يعودوا إليها: العالم المحدث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والعالم الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا، والعالم الشاعر الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري، والعالم السياسي الدكتور معروف الدواليبي، والعالم الداعية أبو الفتح البيانوني، وشقيقه الأستاذ علي البيانوني. وآخرين كثيرين لا يتسع المقام لذكرهم.

وبعد يومين أو ثلاثة أيام قضيناها في حلب، زرنا فيها قلعتها الشهيرة وسجنها الرهيب، وتجولنا في أنحاء حلب، فهي مدينة عريقة، لها تاريخ ولها عبقها الخاص، وهي مدينة سيف الدولة الحمداني، وأبي فراس الشاعر الفارس، وأبي الطيب المتنبي، وغيرهم من العلماء والأدباء والفلاسفة.

ومن حلب انطلقنا إلى منطقة اصطياف قريبة من الحدود التركية أظن أن اسمها "شطب" وبقينا فيها مدة لا أذكرها ثم انتقلنا إلى مصيف على البحر اسمه "عين البسيط".

ثم انطلقنا من هذه المنطقة إلى اللاذقية؛ ليستضيفنا شقيق الأخ الصديق الأديب الباحث الأستاذ هاني طايع الذي لا يستطيع أيضًا النزول إلى سوريا.

ومن اللاذقية ودعت الأخ سامي وأهله، ليستكمل إجازته في سوريا، وسافرت أنا إلى لبنان عن طريق طرطوس، ونزلت بفندق شبلي في سوق الغرب.

إلى تركيا مع الشيخ عبد المعز

وبعد رجوعي إلى لبنان، حضر فضيلة الأخ الكبير الشيخ عبد المعز عبد الستار إلى بيروت في طريقه إلى تركيا، فسأل عني، ولقيته، وأخبرني أنه مسافر إلى تركيا، ويريد أن أكون معه، وبخاصة أنني ذهبت إليها مرتين، وأصبحت خبيرًا بمداخلها ومخارجها، وجوامعها ومتاحفها وأسواقها.

وسافرنا من بيروت إلى إستانبول مرة واحدة، عن طريق الطيران التركي، وكان مع الشيخ ابناه محمد وعبد الستار.

وفي هذه الزيارة جددت العهد بزيارة المناطق التي زرتها من قبل سنتي 1967، 1968م، فزرتها مرة أخرى مع الشيخ عبد المعز.

وسافرنا إلى "يالوا" وإلى "بورصة" وركبنا التلفريك، واستمتعنا بجبل بورصة، وأكلنا اللحم المشوي، وحلينا بالبطيخ، على العادة في تلك الزيارة.

وفي عودتنا حدثت لنا حادثة، لولا لطف الله تعالى بنا لكنا هلكنا، فقد كان في الطريق مطر مستمر، تسبب في انزلاق "الباص" الذي نركبه، وكاد ينقلب بنا، لولا أنه اتجه نحو الجبل، ومن شدة الصدمة وقع الناس في داخل الباص، واصطدم بعضهم وجرح بعضهم، سقطت الأمتعة التي كان يحملها بعض الناس، وخصوصًا "الكربوز" وهو البطيخ، "والقاوون" وهو الشمام، و"الشفتلي" الخوخ والدراق، فقد تدحرجت هذه الأشياء، ونزلت من الحافلة، وهي تجري وتركض بسرعة في الطريق النازل من أعلى إلى أسفل. وسقطت إحدى النساء من الحافلة، واصطدمت بالأرض، وسالت منها الدماء، ونقلتها إحدى السيارات إلى أقرب مستشفى، ولا ندري ماذا فعل الله بها.

وتعطلت السيارة، ووقفنا حتى جيء لنا بسيارة أخرى، وقلنا: الحمد لله، لو اتجهت الحافلة "الباص" نحو الوادي، لكان في ذلك هلاك محقق، والعجيب أن أحدًا لا يعرف عنا شيئًا، فلله الفضل والمنة، ففي كل قدر لطف. وقد قال ابن عطاء: من ظن انفكاك لطفه تعالى عن قدره، فذلك لقصور نظره: "إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم" [يوسف: 100].

ثم عدنا إلى لبنان مرة أخرى، وقد أوشكت الإجازة أن تنتهي، وقرب موعد وصول الأولاد من القاهرة إلى بيروت.

وبعد أيام قليلة عادت زوجتي وأولادي، بعد أن عاشوا هذه الإجازة في مصر، واستمتعوا بجو مصر، ونيل مصر، وعبق مصر، وإن قالوا: إن عدم وجودك معنا جعلنا نشعر دائمًا أن هناك فراغًا لا يسده أحد، قلت: أرجو الله ألا يحدث ذلك في المستقبل.

ومن لبنان عدنا إلى قطر -أنا والعائلة- نستقبل عامًا دراسيًّا جديدًا، نسأل الله أن يكون خيرًا من سابقه، وأن يمدنا فيه بعونه، ويحرسنا بعينه، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك.

 

الحلقة الخامسة عشرة: إلى مصر بعد غياب

البحث عن الدكتوراة في الأزهر

استقبلنا العام الدراسي الجديد (1972- 1973م) بهمة ونشاط، بعد عودة أولادي من مصر، وبعد سفري إلى سوريا وتركيا في الصيف.

بعد موت عبد الناصر، وتولي أنور السادات، وإزاحة مراكز القوى، التي كانت امتدادا لحكم عبد الناصر، والإفراج عن المعتقلين، وإعلان سيادة القانون، تنفست مصر الصعداء، وأحس الناس أن الغُلّ الذي كان يطوق أعناقهم قد فك عنهم.

وفي هذا الجو الذي هبت فيه نسمات الحرية، التي طالما حرمها أهل مصر: بدأت أفكر في العودة إلى الأصل، لأخذ الدكتوراة من الأزهر، ومن كلية (أصول الدين) التي سجلت فيها أطروحتي عن (الزكاة وأثرها في حل المشكلات الاجتماعية).

لكن كان أمامي عقبات، منها: أن أقصى مدة يسمح فيها لطالب الدراسات العليا بتقديم رسالته، هي ست سنوات، وقد مضى حوالي ضعف هذه المدة، فهل يمكن الاستثناء؟.

والعقبة الأخرى: أن بحثي عن الزكاة قد نشر، وشرط قبول الأطروحة أن لا تكون منشورة.

وكان من فضل الله ورحمته أن وجدنا قانون أقصى مدة للتقديم قد عدل في عهد وزارة الشيخ عبد الحليم محمود للأوقاف وشئون الأزهر من ست سنوات إلى اثني عشر عاما. وهذا لم نكن نعلمه.

لكن حتى هذا القانون لا يسمح لي بالتقديم، فقد مضى اثنا عشر عاما أو أكثر على التقدم بأطروحتي لكلية أصول الدين.

لكن المفاجأة الغريبة التي لم أكن أتوقعها قط أني وجدت مجلس الكلية لم يعتمد الموضوع الذي تقدمت به إلا بعد سنة من تقديمه إلى الكلية، وهذا أمر لو عرفته في حينه لغضبت أشد الغضب، وأنحيت باللائمة على من أخره كل هذا الوقت.

لكن كان لله حكمة لا نعلمها في هذا التأخير، وكما يقول المثل: "كل تأخيرة فيها خيرة"، فقد أتاح لي هذا التأخير أن أجد بصورة قانونية فرصة للتقدم من جديد إلى الكلية لتعيين مشرف جديد على رسالتي، واستجابت الكلية بسرعة، وعينت أحد شيوخنا الفضلاء مشرفًا هو الشيخ الدكتور عبد الواحد عثمان أستاذ التفسير المساعد بالكلية.

وكان الذي يركض وراء ذلك كله، ويحرك العجلة إلى الأمام، ويحل المشكلات المعقدة، هو الأخ الحبيب، والصديق الصدوق، الشيخ حسن عيسى عبد الظاهر، الذي كان يعمل مدرسا مساعدا بالكلية، ولم يأل جهدا في تتبع الأمور، وتسهيل كل صعوبة تعترض الطريق.

بقي موضوع الرسالة التي يشترط أن لا تكون منشورة قبل، وقد نشرت بحثي الأصلي، ومن حسن الحظ: أن البحث الذي نشرته كان بعنوان (فقه الزكاة) والبحث الذي سجلته في الكلية كان بعنوان (الزكاة وأثرها في حل المشكلات الاجتماعية).

لهذا صممت بحثًا جديدا، استقيته من ثلاثة مصادر:

1. من كتابي (فقه الزكاة).

2. ومن كتابي (مشكلة الفقر).

3. ومن بحوث جديدة لم تنشر من قبل.

وأكملت الرسالة المطلوبة من ناحية البحث، ثم من ناحية الطباعة على الآلة الكاتبة، وهي تحتاج إلى وقت غير قليل، حتى يسر الله طباعتها ومراجعتها، وفهرستها، ثم إرسالها إلى القاهرة لتسلم إلى الكلية، لتعين لجنة المناقشة، وترسلها إلى الأعضاء، حتى يمكن مناقشتها في إجازة الصيف إن شاء الله.

والحمد لله، تم إرسالها إلى القاهرة مع حماتي رحمها الله، وتسلمها الشيخ حسن عيسى، وسلمها في الحال إلى الكلية، لتتخذ إجراءات تعيين لجنة المناقشة، وقد عينت برئاسة شيخنا العلامة الشيخ محمد علي السايس عضو مجمع البحوث الإسلامية، وعميد كلية أصول الدين من قبل، وعضوية أستاذنا الدكتور عوض الله حجازي عميد كلية أصول الدين الحالي، والمشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن عثمان، وأبلغت بذلك وأنا في قطر.

إنشاء كلية التربية في قطر

في هذه الأثناء كانت كليتا التربية للبنين والبنات على وشك الإنشاء في قطر، نواة لجامعتها المنشودة، وقد أخذ المشروع وقتا كافيا في الدراسات والمناقشات والتهيئة والإعداد، وعقدت اجتماعات شاركت في بعضها، وشارك فيها عدد من الأكاديميين والتربويين، منهم الأستاذ الدكتور محمد الشبيني، ومنهم صديقنا الدكتور يوسف عبد المعطي، الذي يعمل من زمن في الكويت، ومنهم من قطر: الدكتور كمال ناجي، والدكتور أحمد رجب عبد المجيد، والأستاذ عبد العزيزعبد الله تركي، وآخرون.

وقد وقع الاختيار على المربي الكبير الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم كاظم عميد كلية التربية بجامعة الأزهر، ليكون عميدا للكلية، أو قل: للكليتين، وكان الذي رشحه لذلك هو الدكتور كمال ناجي مدير المعارف في قطر، بناء على تزكية من الدكتور عبد العزيز كامل، الذي يعرفه معرفة جيدة.

ورأى الجميع أن هذه فرصة لتحسين وضعي المادي والأدبي، وإن كنت لم أحصل على الدكتوراة بعد، خاصة أن الكلية سيكون فيها قسم للدراسات الإسلامية، وكلمت الشيخ خليفة في الأمر، فأصدر قراره فورا بتعييني في الكلية رئيسا لقسم الدراسات الإسلامية بدرجة أستاذ مساعد (أستاذ مشارك في مصطلح بعض الجامعات) هذا مع بقائي مديرا للمعهد الديني، إلى جوار عملي الجديد، وكان رقم وظيفتي في الكلية هو (6) بعد التعاقد مع الدكتور كاظم وأربعة آخرين معه.

تعليقات (الاعتصام) على (الحلال والحرام)

في سنة 1972 أرسل إليَّ الأخ أسعد السيد، وقد خرج من السجن، يخبرني أنه يريد أن يبدأ عملاً مستقلا في الطباعة والنشر، وقد كان قبل ذلك يعمل موظفا في إحدى دور النشر. وأنه يريد أن يستهل عمله بنشر كتاب ذي قيمة مرغوب فيه، وأنه اختار كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) ليكون باكورة هذا العمل، وبخاصة أن الكتاب مفقود في السوق المصرية منذ أن طبعته مكتبة دار العروبة من عدة سنين.

وكان كتاب (الحلال والحرام) قد طبع أول طبعة في مطبعة عيسى الحلبي، وثاني طبعة في المكتب الإسلامي في بيروت، وقد طبع على نفقة الشيخ فهد بن علي آل ثاني، الذي قام بتوزيعه احتسابا لوجه الله ولنفع المسلمين. ثم ظل المكتب الإسلامي يطبعه بعد ذلك، وأحسبه طبع منه خمس طبعات خلال الفترة الماضية، غير الطبعة الأولى والثالثة، وطلب الأخ أسعد أن يطبعه الطبعة الثامنة، واستجبت للأخ الكريم وأعطيته إذنا بالنشر.

لكني فوجئت بعد بضعة أشهر بالكتاب أرسله إلي الأخ أسعد مطبوعا، وقد أخرجته (دار الاعتصام) التي تنسب إلى إخواننا في الجمعية الشرعية، وأنهم علقوا على عدة مواطن في الكتاب، معترضين عليها، ووضعوا هذه التعليقات في صلب الكتاب دون أن يستأذنوني فيها.

وما أن رأيت هذه التعليقات وقرأتها بسرعة، حتى غلى الدم في عروقي، وثار ثائري، كيف يفعلون هذا دون إذن مني؟ ثم إني لم أعط الكتاب للاعتصام، إنما أعطيته لأسعد.

لكن لأن أسعد لم يكن أنشأ داره بعد (دار الأنصار)، اضطر إلى أن يبحث عن دار تتبنى نشر الكتاب، فكانت (دار الاعتصام) التي لم يرُقْها اتجاه الكتاب إلى التيسير، فردت عليه في جملة موضوعات.

أرسلت برقية عاجلة إلى الأخ أسعد، أقول له: أوقف توزيع الكتاب، حتى أكتب ردا على تعليق الاعتصام، وسأكتبه في أيام إن شاء الله.

وبدأت أكتب الرد، وطبعته على الآلة الكاتبة، وأرسلته بأقصى سرعة ممكنة، وأرسله أخونا أسعد ليجمع، وقد جمع فعلا، لكن الكتاب قد نزل إلى الأسواق، ووزع هنا وهناك، ولم يعد إلى الاستدراك سبيل، وأرسل إليّ أخونا سعد يخبرني بذلك آسفا.

ولكني حملت التبعة لأسعد، وكان جزاء ذلك أن سحبت الكتاب منه، ومن الاعتصام بالتالي.

وعندما نزلت مصر في صيف 1973، واتفقت مع الأخ الفاضل الحاج وهبة حسن وهبة على أن أنشر عنده سائر كتبي، التي نشرت في بيروت طيلة الأعوام التسعة الماضية التي لم أنزل فيها مصر، مثل: الإيمان والحياة، العبادة في الإسلام، مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، الناس والحق، عالم وطاغية، الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا، الحل الإسلامي فريضة وضرورة، فقه الزكاة، درس النكبة الثانية، شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان. وعلى رأس هذه الكتب: الحلال والحرام. وطلبت من الأخ وهبة أن ينشر تعليق الاعتصام وردي عليه، وتركت له التعليق والرد، وبعد فترة مررت عليه، فقال لي: إن هذا التعليق والرد عليه، سيأخذ أكثر من ثلاث ملازم، وهذه عبء على الكتاب، ستغلي ثمنه على القارئ المسلم، دون ضرورة إلى ذلك، فالأمور التي علقوا عليها واضحة في الكتاب، وسوف تبلبل القارئ بالتعليق والرد عليه، واستجبت لرغبته، ولم ينشر الرد إلى الآن، وهو عندي، وأرجو أن تتاح لي طبعة خاصة، تضم ردودا على من نقدوا الكتاب، والله المستعان.

إلى القاهرة بعد غياب

وانتهى العام الدراسي، وكان لا بد من السفر إلى القاهرة، بعد غياب تسع سنوات كنت أقضي الإجازة فيها بين لبنان والأردن وتركيا، وقد استقرت الأمور، وأمن الناس من خوف في عهد الرئيس السادات، وأفرج عن المعتقلين، بل أغلقت المعتقلات، وأعلن عن سيادة القانون، وتنفس الناس الصعداء، واستقبلوا لأول مرة أنسام الحرية، لتنعش أرواحهم، التي طالما شعرت بالاختناق في العهد الغابر.

لهذا عدت وأنا مطمئن غير قلق، آمن غير خائف، وهذا ما شعرت به منذ وطئت قدماي مطار القاهرة، فلم يسألني أحد: لماذا تغيبت عن مصر طوال هذه المدة؟ ولم يرسل إليَّ أحد من المباحث العامة لأقابله، كما كان يفعل أحمد راسخ من قبل.

وعشت فترة إجازة الصيف في أمان واطمئنان، والحمد لله، سافرت إلى قريتي صفط تراب، لأزور الأهل والأقارب، وسافرت إلى طنطا، لأزور خالتي التي حوكمت من أجلي، وسافرت إلى المحلة الكبرى، لأزور فيها إخواني وأحبابي القدامى.

وكانت شقتي القديمة في شبرا باقية كما هي، وكان يسكن فيها أصهاري، ونزلت بها، وجددنا الصلة بجيراننا، الذين كدنا ننساهم، وقد لاحظت أني أول ما نزلت القاهرة -وسط البلد- كنت أشبه بالناسي للأماكن والاتجاهات، وكأنها أمست مختلطة علي، لكن سرعان ما استعدت الخارطة، واستردت ذاكرتي ما غاب عنها.

مناقشة الدكتوراة في 23 يوليو

وسرعان ما أبلغت بتعيين موعد المناقشة لرسالة الدكتوراة، وذلك يوم 23 يوليو، وكان الفضل في هذا التعجيل يرجع إلى سعي الأخ الصديق الأستاذ عبد العظيم الديب، الذي كان يعرف الشيخ السايس رئيس اللجنة، فزاره في بيته، وأعطاه فكرة كافية عني، وعرفه بأن وقتي في القاهرة محدود، وأن السرعة من صالحي، فقرأ الشيخ الرسالة بسرعة، وحدد مع العضوين الآخرين يوم 23 يوليو للمناقشة.

وتوكلت على الله، وذهبت إلى قاعة المناقشة في اليوم الموعود، فوجدت قاعة الشيخ محمد عبده شبه ممتلئة، رغم أن اليوم يوم إجازة، لأنه يوم عيد الثورة، وكذلك تتم المناقشة في عطلة الصيف، ومع هذا كان الحضور كبيرا، ولبست الروب الأسود المعتاد في مثل هذه المناسبة، وكان المفروض أن أعد بيانا مكتوبا لإلقائه، ولكني اعتمدت على قدرتي في الخطابة والارتجال، فارتجلت بيانا شفهيا أعددته في نفسي، لخصت فيه الرسالة، وما انتهت إليه من نتائج، وقد لاقى البيان استحسان الحاضرين.

وتكلم فضيلة رئيس اللجنة الشيخ محمد السايس رحمه الله، ففاجأ الحاضرين بما ليس معتادا في هذه المناسبات، أثنى ثناءً عاطرا على مقدم الرسالة، ودوره في خدمة العلم والإسلام، وأن الله تعالى كتب له المحبة والقبول عند الناس، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) [مريم: 96].

وقال الشيخ فيما قاله: إن الأستاذ القرضاوي فعل كذا وكذا، فقال الشيخ الدكتور عوض الله حجازي مداعبا: يا مولانا، هو لم يصر أستاذا بعد! فقال: "بل هو أستاذ ونُص"!!.

وقد سألني بعض أسئلة أجبت عنها، وكان منها: لماذا لم تتحدث عن زكاة العقارات والمصانع، وعن زكاة الأسهم والسندات، وعن زكاة الأموال الحديثة التي لم يكن يعرفها الناس من قبل؟.

فقلت له: يا مولانا، لقد أجبرني مشرفي من قبل على أن أحذف هذه الفصول من رسالتي، وإلا رفض الإشراف عليها، فاضطررت أن أحذفها تنفيذا لرغبة مشرفي.

وسألني الدكتور عوض الله بعض أسئلة أجبته عنها.

ولم يوجه المشرف أي سؤال إليَّ.

وانتهت المناقشة بقيام اللجنة لصلاة المغرب، ثم للتداول، وأخيرا عادت فأعلنت نجاح الطالب بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى في الحديث وعلومه.

وقد علمت أن اللجنة ترددت لأي القسمين تنسبني: لقسم التفسير وعلوم القرآن، أم لقسم الحديث وعلومه؟ وذلك أني حين انتسبت إلى الدراسات العليا، كانت الشعبة التي تقدمت إليها تشمل القسمين معا: القرآن وعلومه، والحديث وعلومه، لكنهم وجدوا أن العمل الحديثي في الرسالة أوسع بكثير من العمل التفسيري، فنسبوني إلى الحديث.

وكان من حضور المناقشة أستاذنا وشيخنا البهي الخولي، الذي قال لي: إن هذا لم يكن يوم مناقشة، إنه كان عرس القرضاوي، إنه كان يوم احتفال بك في الأزهر! قلت له: هذا بعض ثمار غرسكم يا أستاذ، قال: بل هو ثمرة جدك واجتهادك، ومن زرع حصد.

وكان صهري الأخ سامي عبد الجواد يصور الحفل تصويرا سينمائيا، فلم تكن كاميرات الفيديو قد ظهرت بعد.

وكان هذا المهرجان فرصة لأرى فيه كثيرا من الأقارب والأحبة الذين انقطعت عنهم من سنين، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

لك الحمد مولانا على كل نعمة ومن جملة النعماء قولي: لك الحمد!

التعرف على الدكتور كاظم

بعد انتهاء المناقشة كان عليَّ أن أسعى لاستخراج ورقة من جامعة الأزهر بحصولي على الدكتوراة، فإن الشهادة الأصلية لا تستخرج إلا بعد مدة، وهذا جعلني أتردد على مدير الجامعة، وكان في حينها الأستاذ الدكتور بدوي عبد اللطيف، أستاذ التاريخ، الذي كان قد سمع عني، فاستقبلني بحفاوة، ورحب بي، وتحدثنا في أمور الجامعة وآمال الناس فيها، وحدثته في السنة التأهيلية وأهميتها في تكوين من ينسب إلى الأزهر، وما يجب أن يكون عليه، فقال لي: ليتك تكتب لي هذا الكلام، أو خلاصته في بضع صفحات لأستفيد به، ففعلت ذلك وذهبت إليه بعد يومين أو ثلاثة، فوجدت عنده أستاذا قدم لي نفسه، وقال: أنا سآتي عندكم إلى قطر في العام القادم، قلت له: من حضرتك؟ قال: أنا الدكتور محمد إبراهيم كاظم عميد تربية الأزهر، وقد اخترت عميدا لكليتكم الناشئة. قلت له: أهلا بك في قطر، وقد سمعت عنك قبل أن أراك.

وسرعان ما أنس كلانا بالآخر، كأنما تعارفنا من قديم، وقال لي: إذا لم يكن لديك مانع، فتعال نترافق في بعض المشاوير معا.

وركبت معه سيارته، وذهب بي إلى مكتبه في كلية التربية بجامعة الأزهر في مدينة نصر، وأخذ منه بعض الأوراق، ثم ذهبت معه لزيارة وزير الأزهر فضيلة الشيخ عبد العزيز عيسى، وكان الشيخ يعرفني، فرحب بي كثيرا.

بعد ذلك استأذنت من الدكتور كاظم في الانصراف، على أن نلتقي كلما سنحت الفرصة، لأحدثه عن قطر وأوضاعها، ليستكمل فكرته النظرية عنها.

وبعد أن استخرجت الورقة المؤقتة بحصولي على الدكتوراة، أصبحت قادرا على التحرك إلى حيث أريد.

السفر إلى مصيف الإسكندرية

وهنا طلب الأولاد مني أن أكافئهم بالذهاب إلى مصيف الإسكندرية، ليستمتعوا بنسيم البحر، ويأخذوا قسطا من الراحة والاستجمام، وليستنشقوا الهواء الطبيعي بدل الهواء الصناعي الذي يوفره (التكييف) في قطر.

وقلت لهم: من حقكم -ومن حقي معكم- أن تستمتعوا بشاطئ الإسكندرية، واستأجرنا شقة جميلة في حي (ميامي) قريبة جدا من البحر، وتراه بوضوح، وقد استأجرناها لمدة شهر، فقضيناه في جو من الهدوء والمرح، نأكل ونشرب، ونلهو ونلعب، وقد اشترينا شمسية وبعض الكراسي، لنستخدمها على الشاطئ، وفي المساء نمشي على الكورنيش لنأكل الذرة المشوية أو البطاطا المشوية، أو الترمس ونحوه.

ولم يكن أحد يعرف أني في الإسكندرية، فقد خبأت نفسي عن إخواني وأصدقائي، ولم أخبر أحدا منهم بمقدمي إلى عروس البحر الأبيض المتوسط، ثم خطر لنا أن نسأل عن صديقنا الدكتور عبد العزيز بغاغو زميلنا في قطر، وطبيب الصحة المدرسية البارع، وهو من سكان الإسكندرية، وحين عرف بوجودنا أبى إلا أن يدعونا إلى غدوة سمك، يوم الجمعة القادم في منزله، وقد دعا الواعظ البليغ والخطيب الشهير الشيخ محمود عيد، خطيب جامع السلام في الإسكندرية على الغداء معه، وذهبت يوم الجمعة لأصلي مع الشيخ محمود، ودخلت مستخفيا قابعا في ركن قصي من المسجد، حتى لا ألفت نظر أحد، كما أني لا ألبس الجبة والعمامة، لكن لا أدري كيف عرف الشيخ محمود أني موجود بالمسجد، فإذا هو يعلن في الخطبة الثانية عن وجودي، ويدعوني لإلقاء كلمة بعد الصلاة، وهناك اجتمع الناس وعرفوا أني مقيم بالإسكندرية، وأني مقيم بالعمارة رقم كذا في شارع إسكندر إبراهيم، فلم أعد بعدها أملك نفسي، فقد دعيت إلى عدة محاضرات، وإلى عدة لقاءات، وإلى عدة دعوات: غداء وعشاء.. وانتهت الأيام التي كنت أشعر فيها بالإجازة بعيدا عن هموم الدعوة، ومزاحمة الناس، وهذه هي ضريبة الدعوة، وضريبة الشهرة، لكن المهم أن يعمل المرء العمل، ويتقبله الله منه، فإنه تعالى قال في كتابه: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: 27]، وقضينا شهرنا في الإسكندرية، وما أسرع ما انقضى، ثم عدنا إلى القاهرة، لنتهيأ للعودة إلى قطر.

اقرأ في الحلقة القادمة:

 

 

الحلقة السادسة عشرة: انتصار العاشر من رمضان

افتتاح كليتَي التربية بقطر

بعد قضاء الإجازة الصيفية في مصر التي كانت إجازة غير عادية، رأيت فيها مصر بعد انقطاع تسع سنوات، ورأيت الأهل والأقارب والأحبة، بعد أن فرقت الأيام بيني وبينهم، وحصلت على الدكتوراة التي كنت نسيت في وقت من الأوقات أن أنالها من مصر، وقضيت أوطارا كثيرة في هذه الفترة القصيرة، بعد هذا كله كان لا بد من العودة إلى قطر، لمباشرة عملي الجديد في كليتي التربية.

رأى المسئولون في قطر أن يبدءوا عملهم الجامعي لهذه السنة الدراسية (1973، 1974) بإنشاء كليتَي التربية بأقسامها المختلفة: العلمية والأدبية، وبهذا تكون الكلية كأنما هي نواة لجامعة مكتملة.

ففي الأقسام العلمية تجد: قسم الفيزياء، وقسم الكيمياء، وقسم الحيوان، وقسم النبات، وقسم الجيولوجيا، وعلوم البحار، وقسم الرياضيات.

وفي الأقسام الأدبية: نجد قسم الدراسات الإسلامية، وقسم اللغة العربية وقسم اللغة الإنجليزية، وقسم الجغرافيا، وقسم التاريخ، وقسم الاجتماع، وقسم علم النفس، وأقسام التربية المختلفة.

ونظرا لأن دولة قطر دولة محافظة، ولا يوجد فيها اختلاط في التعليم بين البنين والبنات، فمدارس البنات كلها مؤنثة من التدريس إلى الإدارة إلى التوجيه، كلها تقوم بها المرأة، حتى الرئاسة العامة لتوجيه البنات تقوم عليها امرأة.

ومن هنا كان التفكير من أول الأمر: أن تنشأ الدراسة الجامعية بكليتين: إحداها للطلاب، والأخرى للطالبات.

ولم يكن الوقت يسعف بانتظار بناء خاص يشاد لهذه الغاية، فرُئي الاستفادة من مدرستين ابتدائيتين جديدتين أنشئتا في مدينة خليفة الشمالية للبنين والبنات فحولتا لتكونا كليتين للبنين والبنات، وهما متقاربتان في المسافة، فيسهل التنقل بينهما للمدرسين؛ إذ كان معظم المدرسين من الرجال، وكانت توجد بعض الدكتورات، مثل الدكتورة كوثر عبد الرسول أستاذة الجغرافيا، والدكتورة صفاء الأعسر أستاذة علم النفس زوجة الدكتور كاظم عميد الكلية، والدكتورة زينب في الفيزياء.

وكان الدكتور كاظم عميد الكلية -أو قل: عميد الكليتين- يحسن اختيار الرجال، فاختار عددا من الأساتذة الأقوياء الأمناء في التخصصات العلمية والأدبية، مثل الدكتور محمد فتحي سعود في الأحياء، والدكتور كمال البتانوني، والدكتور حسين أبو ليلة في الفيزياء، والدكتور عمر عبد الرحمن في الكيمياء، والدكتور ماهر حسن فهمي، والدكتور عبد العزيز مطر في اللغة العربية، وغير هؤلاء ممن قامت على كواهلهم جامعة قطر.

وكان معي في قسم الدراسات الإسلامية مدرس واحد هو: الدكتور أحمد يونس سكر رحمه الله، وهو متخصص في الفقه، وفي كل سنة تنمو الكلية، وينضم إلينا أساتذة جدد، من أمثال الدكتور جابر عبد الحميد في علم النفس، والدكتور عبد العزيز بيومي في علم النبات، والدكتور محمد نصار، والدكتور عبد العظيم الديب في الدراسات الإسلامية، ولم تزل الكلية تنمو رويدا رويدا، حتى صدر القرار الأميري بأن تصبح جامعة مكتملة، تشمل أربع كليات: كلية للشريعة والدراسات الإسلامية، وكلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وكلية للعلوم، بالإضافة إلى كلية التربية.

ماذا كنت أدرس؟

كنت في السنوات الأولى أدرس لجميع طلاب الكلية وطالباتها: الثقافة الإسلامية، كما أدرس لطلاب الأدبي العام وطالباته: فقه السيرة النبوية.

كما كنت أدرس للطلاب المتخصصين والطالبات المتخصصات في الدراسات الإسلامية معظم المواد، كنت أدرس لهم التفسير والحديث والعقيدة، والفقه وأصول الفقه، حتى أشرفت على الدفعة الأولى من طالبات قسم الدراسات الإسلامية مقرر (التربية العملية) في السنة الثالثة، والسنة الرابعة، فلم يكن أساتذة التربية قد اكتملوا بحيث يسدون في تخصص التدريس، فكلفوني أن أنهض بعبء الإشراف على الطالبات، وفعلت ذلك، فكنت أزور معهن مدارس البنات، وأكلف إحداهن بتحضير درس نموذجي؛ لتلقيه في الفصل وتناقشها زميلاتها بعد ذلك، لتعرف نقاط القوة، ونقاط الضعف في درسها.

ولقد أفادتني بالفعل دراستي القديمة في إجازة التدريس، فقد درسنا هناك أصول التربية، وطرق التدريس العامة، وطرق التدريس الخاصة، والتربية العملية، وأذكر أني حصلت فيها على 50 من 50 في السنة الأولى، وفي السنة الثانية.

لهذا تفوقت الطالبات

ولقد لاحظت -كما لاحظ غيري من الأساتذة- تفوق الطالبات على الطلاب، وكان هذا شائعا في جميع الأقسام العلمية والأدبية، كما كان ظاهرا بوضوح عندنا في الدراسات الإسلامية، والعجيب أني وجدت هذا موجودا ومعترفا به في كل أقطار الخليج.

ترى ما السر في هذا؟ وأين ما يقال عن تفوق الرجل على المرأة في الذكاء؟ وأن مخ الرجل أثقل وزنا من مخ المرأة، إلى آخر ما يقوله البيولوجيون في هذا المجال؟

وأود أن أذكر بحكم ملاحظتي وتجربتي: أن هناك أسبابا ثلاثة رصدتها، ورأيتها وراء تفوق الطالبة القطرية في الجامعة.

الأول: أن جميع الطالبات المتفوقات يدخلن جامعة قطر، حيث لا يتاح لهن الابتعاث إلى الخارج، كما هو الشأن في كثير من الطلبة المتفوقين في الثانوية، حين يذهبون على نفقة الدولة في بعثات خارجية، إلى البلاد العربية، وإلى أوروبا، وربما إلى أمريكا، أما البنات فلا تسمح ظروفهن الاجتماعية بمثل هذا الابتعاث.

والثاني: أن الطالبات أكثر استقرارا في الجامعة من الطلاب، فالطالبة تأتي من الصباح، وتبقى في الكلية، ولا تغادرها حتى تنتهي دراستها، أما الطالب فمعه سيارته، يحضر المحاضرة، ويركب سيارته، ويمضي هنا وهناك، فهو في الجامعة ساعة المحاضرة فقط، كما أنهن في بيوتهن أكثر لزوما للبيت وقرارا فيه من الأولاد، وهذا مما يساعد على المراجعة والمذاكرة.

والثالث: أن البنات أكثر حرصا على الدراسة، والتنافس بينهن أشد، وحب التفوق على الأخريات أقوى وأشد، وهذا عامل نفسي مهم في دفعهن إلى المزيد من الاجتهاد والتحصيل.

حرب العاشر من رمضان

وكان من أهم ما حدث في هذا العام وفي شهر رمضان المبارك: ما فاجأنا وفاجأ العالم كله من حدث اهتزت له القلوب طربا، وابتسمت له الثغور فرحا، ولهجت به الألسنة ثناء، وسجدت الجباه من أجله لله شكرا.

إنه الحدث الذي عوضنا عما فوجئنا به من قبل في الخامس من حزيران (يونيو) 1967، والذي خسرت به الأمة ما خسرت، وكسبت إسرائيل ما كسبت، وضاعت به -إلى اليوم- القدس والضفة والقطاع والجولان، بالإضافة إلى سيناء التي استردتها مصر فيما بعد.

وهذا الحدث الذي أحيا الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، بل الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط، هو: حرب العاشر من رمضان، وأنا أحب دائما أن أسميها معركة العاشر من رمضان، وليس السادس من أكتوبر؛ لأن شهر رمضان ونفحاته وبركاته وإمداداته التي هبت نسماتها على الجنود والصائمين والمصلين كان له أثره في تحقيق النصر، وإمداد المقاتلين بشحنة إيمانية دفعتهم إلى البذل والفداء، أما أكتوبر، فليس له أي إيحاء أو دخل في هذا النصر.

ما زلت أذكر هذا اليوم المشرق، وقد خرجت من درس العصر في مسجد الشيخ خليفة، فإذا الأنباء المبشرة تستقبلني، وإذا الهواتف تدق ولا تتوقف، للاتصال بي من هنا وهناك، مهنئة بما وقع، شاكرة لله تعالى، الذي صدق وعده، وأعز جنده، وهزم الظالمين وحده.

في أول الأمر خفت أن نكون مخدوعين، كما خدع كثيرون أيام نكبة 5 يونيو 1967، فقد كانت القاهرة تذيع الأكاذيب على الناس، وتخدرهم بأخبار لا أساس لها: طائرات إسرائيلية تسقط بالعشرات، والحقيقة أن طائراتنا هي التي ضُربت في مدرجاتها، ولم تطر حتى تسقط، ولكن كانت الشواهد كلها تؤكد أن هذه حقيقة وليس حلما، وأنه واقع وليس من نسج الخيال.

ألا ما أحلى مذاق النصر، وخصوصا بعد تجرع مرارة الهزيمة المذلة من قبل! وللأسف طالت هزائم الأمة في معارك شتى، وذرفت الدموع كثيرا على هزائمها، حيث لم تغنِ الدموع، وآن لها أن تجد مناسبة تفرح بها بعد حزن، وأن تضحك بعد طول بكاء.

لقد عبر الجيش المصري القناة، صنع قناطر أو جسورا للعبور عليها، مكونة من أجزاء، تُركب في الحال، ويوصل بعضها ببعض، فتكون جسرا فوق الماء تعبر فوقه المصفحات والمجنزرات والدبابات إلى البر الآخر، وقد بدأ بالعمل فيها منذ سنوات، ثم بدأت تجربتها، والتدريب عليها منذ شهور، في تكتم وسرية بالغة، وهذا عمل مصري خالص، لم يشترك فيه خبراء أجانب، ولهذا حفظ السر، ولم يبح به أحد.

بعد عبور القناة بسلام وأمان ونجاح، اقتحمت القوات المصرية ما عُرف باسم خط بارليف، الذي أقامته إسرائيل؛ ليكون حاجزا ترابيا بعد الحاجز المائي، وكانت العدة قد أعدت لتخطيه بإحكام ومهارة.

وكان كل شيء مُعدا بجدارة وأناة وحكمة، ولم يكن هناك شيء مرتجل، وقام كل سلاح بدوره: سلاح المهندسين، وسلاح الفرسان والمدرعات، وسلاح الطيران، كل قام بما هيئ له، وما كلف به.

وقد اختير التوقيت المناسب لبدء المعركة، وكان رمضان هو الوقت الملائم نفسيا وروحيا، لما يمد به الجنود من نفحات، وما يعطيهم من شحنة روحية، وكان أكتوبر مناسبا، من حيث المناخ، وليس فيه حرارة الصيف، ولا برد الشتاء.

وكان الوقت مناسبا من ناحية أخرى: أنه يوم الغفران، أو عيد الغفران عند اليهود، فلننتهز غفلتهم وانهماكهم في الاحتفال بالعيد، لنفاجئهم بضربتنا، كما فاجئونا بضربتهم في يونيو 67.

ولا يقال: كيف نباغتهم ولا ننذرهم؟ فمثل هذه الحرب لا تحتاج إلى إنذار ولا إبلاغ؛ لأنها حرب دفاع للمحتل، وهي مستمرة معه لم تتوقف.

وأهم من هذا كله: الروح المعنوية التي كان يحملها المقاتل المصري.. إنها روح الإيمان؛ الإيمان بالله تعالى، وأنه ينصر من نصره، والإيمان بأننا أصحاب الحق، والحق لا بد أن ينتصر، والباطل لا بد أن يزهق " وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا". [الإسراء: 81].

فرق بين حربَين

وفرق كبير بين هذه الحرب وحرب يونيو 67، فقد كان العنصر الإيماني والروحي مغيبا عنها تماما؛ لذلك لم يحالفها النصر.

كانت كلمة السر في حرب 67: (بر بحر جو)، ولكن الواقع يقول: إنهم لم ينتصروا في بر ولا بحر ولا جو، ولم يكن الذنب ذنب الجيش وجنوده، ولكن ذنب القادة الذين جروهم إلى حرب لم يخططوا لها، ولم يعدوا لها العدة، ولم يأخذوا لها الحذر، كما أمر الله.

لقد ترك الجنود أسلحتهم، وتركوا دباباتهم ومصفحاتهم، لم يحاولوا أن يشعلوا فيها النار بعد أن تركوها، حتى لا يغنمها العدو ويستفيد منها؛ لأن هم كل واحد منهم كان هو النجاة بنفسه، واللياذ بالفرار.

لقد اعتمدوا على الآلات، فلم تغنِ عنهم الآلات، واتكلوا على السلاح فلم ينجدهم السلاح؛ لأن السلاح لا يقاتل بنفسه، إنما يقاتل بيد حامله، ويد حامله إنما يحركها إيمان بهدف، وإيمان برسالة، وهذا لم يعبأ به الجنود.

يقول أبو الطيب:

وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا        إذا لم يكن فوق الكرام كرام!

ويقول الطغراني في لاميته:

وعادة السيف أن يزهى بجوهره      وليس يعمل إلا في يدي بطل!

ماذا تجدي خيل بغير خيال، وفرس بغير فارس، وسيف صارم بغير بطل؟!

فلا عجب أن كانت الهزيمة الثقيلة المذلة في 67، فهذه نتيجة منطقية لمقدمتها، كما قال العرب: إنك لا تجني من الشوك العنب، وصدق الله إذ يقول: " وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا " [الأعراف: 58].

سُئل الرئيس حسني مبارك، عندما كان نائبا للرئيس السادات في 27-9-1975، سأله بعض الصحفيين: ماذا أخذنا من دروس 67 في الإعداد لقتال 6 أكتوبر؟ قال: باختصار.. في 67.. لا تخطيط.. لا إعداد.. لا تدريب.. لا تنسيق بين العمل السياسي، والعسكري. اهـ.

وأهم من ذلك: أننا لم نزود جنودنا بالإيمان، في حين تجتهد إسرائيل أن تزود جيشها بتعاليم التوراة، وتوجيهات التلمود، ونصائح الحاخامات.

وكان من ثمرات محنة 67: أنها أيقظت في الناس المعنى الديني، والضمير الديني، والرجعة إلى الله، وبدأت حركة إيمانية قوية في القوات المسلحة، وكان الحرص على إقامة الصلاة، وقام وعاظ الأزهر بدورهم في التنبيه والإحياء، وكان هناك شعور عام بالحاجة إلى الله، والدعاء بنصر الله، فلا غرو أن كان شعار المعركة (الله أكبر).

إن الجندي المصري في 73 هو نفسه في 67 من حيث الشكل والمظهر، ولكنه غيره من حيث الباطن والجوهر، إن الإنسان إنما يقاد من داخله، لا من خارجه، ولا يقود الناس في بلادنا شيء مثل الإيمان، ولا يحركهم محرك مثل الإيمان.

وهذا ما لم تفهمه قيادة 67، فقد عزفوا على منظومة القومية، ومنظومة الاشتراكية، ومنظومة الثورية، فلم تحرك ساكنا، أو تنبه غافلا في الجندي المصري، أو الجندي العربي عموما.

ولكنك إذا حركته بـ(لا إله إلا الله والله أكبر).. إذا رفعت أمامه المصحف، إذا قلت: يا ريح الجنة هبي، إذا ذكرته بالله ورسوله، وذكرته بالأبطال العظام: خالد وأبي عبيدة وسعد وطارق وصلاح الدين وقطز وعبد القادر الجزائري، وعمر المختار -فقد خاطبت جوانيته، ودخلت في أعماقه، وأوقدت جذوته، وحركت حوافزه، وبعثت عزيمته، وهنا لا يقف أمامه شيء، إنه يصنع البطولات، ويتخطى المستحيلات؛ لأنه باسم الله يتحرك، وباسم الله يمضي، وعلى الله يتوكل: "وَمَنْ يَتَوَكلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ" [الطلاق: 3]، " وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " [آل عمران: 101].

الحضارة العربية بين الأصالة والتجديد

في هذه السنة الدراسية (73-74م) دعت الجامعة اللبنانية في بيروت إلى مؤتمر كبير، يدور حول موضوع أساسي ومهم، هو: "الحضارة العربية بين الأصالة والتجديد"، وكان يشتمل على عدة محاور علمية وأدبية ودينية وفلسفية واقتصادية واجتماعية، ودعت للمشاركة فيه عددا من كبار الباحثين والمفكرين، وممثلين عن الجامعات العربية في الوطن العربي.

وكانت كلية التربية في قطر ممن دعي إلى هذا المؤتمر، وكنت قد قرأت الدعوة، ووجدت من عناصر البحث: الفقه الإسلامي، فأعددت بحثا عن "الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد".

وكانت الكلية قد رشحت لهذا المؤتمر الزميل الكريم والصديق العزيز الدكتور ماهر حسن فهمي رئيس قسم اللغة العربية، وأستاذ الأدب العربي، وقد أعد هو الآخر بحثا حول تخصصه في (الأدب العربي)، وكان الدكتور ماهر من خيرة من عرفت من أساتذة الأدب العربي، وسعدت بزمالته زمنا طويلا في رحاب جامعة قطر، حتى أحيل إلى التقاعد، ثم توفي في حادث سيارة رحمه الله.

وقد فوجئ الدكتور كاظم عميد الكلية بأني أعددت بحثا للمؤتمر، وكأنه أحرج بأنه لم يرشحني، فقلت له: لا عليك، فإني أستطيع أن أذهب على حسابي، قال: بل تذهب على حساب الجامعة، ويذهب د. ماهر على حساب الدولة.

وسافرت أنا والدكتور ماهر، وحضرنا المؤتمر الذي استمر عدة أيام، وكان مؤتمرا حافلا بالشخصيات العلمية الفكرية، وبالبحوث الأصيلة والمجددة، وبالحوارات الحية.

وكان أول ما نوقش في المؤتمر هو: عنوان المؤتمر ذاته، وهل حضارتنا عربية أم إسلامية؟ ودار نقاش طويل يحتد حينا، ويخف حينا حول هوية الحضارة.

وكان الرأي الذي تبنيته وأعلنته: أن حضارتنا عربية وإسلامية معا، فهي عربية بحكم أن آثارها مكتوبة باللغة العربية، وأن أهم عنصر في تأسيسها وإقامتها كان هو العنصر العربي، حتى إن مؤرخا مثل "غوستاف لوبون" المفكر الفرنسي المعروف، حين أرخ لهذه الحضارة آثر أن يسمي كتابه "حضارة العرب" مع أنه في الواقع والغالب يتحدث عن حضارة المسلمين.

وهي كذلك حضارة إسلامية، بحكم الدوافع والبواعث والفلسفة التي دفعت إلى إنشائها وإعلائها، فهي بواعث إسلامية لأهداف إسلامية، منبثقة عن تصور إسلامي ونظرة إسلامية للإنسان والعالم والدين والدنيا.

وهي إسلامية كذلك بحكم العناصر التي شاركت فيها، فلم يكن العرب وحدهم، هم الذين صنعوا هذه الحضارة، بل شاركهم فرس وأفغان وهنود وروم ومصريون وأتراك وأفارقة، ومن أجناس شتى.

وهي إسلامية أيضا بحكم الرقعة التي قامت فيها الحضارة، فقد وسعت العالم الإسلامي كله، بما فيه بلاد العرب والعجم، فنجد معالم الحضارة الإسلامية في سمرقند، كما نجدها في الهند، كما نجدها في إستانبول، مثلما نجدها في دمشق وبغداد والقاهرة والمغرب.

وكان المحور الثاني الذي أخذ حظا من النقاش، هو: الأصالة والتجديد، وما المراد بهما؟ ولم يكن مصطلح "الأصالة والمعاصرة" قد شاع في ذلك الوقت، كما عرف بعد ذلك.

وكان الاتجاه العام للمؤتمر أن الأصالة والتجديد لا يتقابلان، حتى نقول: بين الأصالة والتجديد، فكأننا مخيرون بينهما، مع أن كلا منهما مطلوب، فنحن نريد تجديدا في ظل الأصالة.

والواقع أننا بقينا تلك الأيام في جو علمي وفكري حي، وكانت أياما خصبة ومثمرة، وقد ألقيت فيها بحثي عن الفقه بين الأصالة والتجديد، وبينت أوجه التجديد الذي ينبغي أن تدخل في الفقه من ناحية الشكل، ومن ناحية الموضوع، وقد نشرت البحث بعد ذلك في رسالة خاصة تحمل هذا العنوان نفسه.

ثم عدنا إلى الدوحة، وإن كنت لم أحصل من الجامعة على ثمن التذكرة، كما وعد د. كاظم، ولكن ما كسبته من المؤتمر كان أغلى وأعظم من ذلك.

 

الحلقة السابعة عشرة.. عرفت حسن الهضيبي

الإفراج عن الأستاذ الهضيبي

أفرج السادات عن المعتقلين السياسيين، وكانوا -كلهم أو جلهم- من الإخوان، وأغلق أبواب المعتقلات، وحُسب ذلك في سجل حسناته ومنجزاته بلا شك.

لكنه لم يقف هذا الموقف من المسجونين الذين حكمت عليهم محاكم الشعب بمُدد، منها ما طال ومنها ما قصر، منها ما كان حكمه عشر سنوات، أو خمسة عشر عاما، وقد أنهى المدة وخرج. ومنها ما كان محكوما عليه بعشرين سنة، أو خمس وعشرين سنة "أشغال شاقة مؤبدة". وكان المفروض أن يفرج عن هؤلاء في مناسبات كثيرة؛ لأنهم قضوا نصف المدة أو ثلاثة أرباع المدة، كما يفرج عن المجرمين العاديين، لكنهم لم يفعلوا ذلك، بل ربما أنهى بعضهم مدة العقوبة، وخرج من السجن إلى المعتقل.

هؤلاء المحكوم عليهم تركهم السادات في سجونهم في الواحات أو في غيرها، رغم أنه يعلم: من هو القاضي الذي حكم عليهم، وما قيمة حكمه في ميزان العدالة. وهو جمال سالم.

فقد قال عنه السادات: كان جمال سالم -رحمه الله- حاد المزاج، عصبيا إلى حد غير طبيعي، غير متزن في جميع نواحي شخصيته، فلما وجد الناس منصرفة عنه بدأ يثير المعارك هنا وهناك، وفي كل مجال.

وقد اندفع مرة في مجلس الثورة ضد محمد نجيب، وأعلن أنه سيقوم بقتله، وتخليص المجلس منه، وعلى المجلس أن يحاكمه بقتله.

وكان من المنتظر من الرئيس السادات وقد مكن الله له في الأرض أن يرد الاعتبار إلى هؤلاء المسجونين الذين حكمت عليهم محكمة يرأسها جمال سالم! لكن لم يحدث هذا الإفراج إلا بعد حرب العاشر من رمضان 1393هـ= 6-10-1973م، وإن كانت معاملتهم قد تحسنت كثيرا في عصر السادات عن العصر السابق الكئيب الذي اشتهر بظلمه وظلامه. ويبدو أن السادات لم ينس أنه كان عضو اليمين في محكمة جمال سالم!

ولكن مما يذكر للسادات أنه لم يمهل الأستاذ الهضيبي حتى يفرج عنه مع سائر المسجونين في قضايا الإخوان.

ففي شهر يوليو من سنة 1971 صدر قرار الإفراج عن الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين الذي أفرج عنه بعفو صحي. واستقبل الإخوان ذلك بالفرح والاستبشار، وزاره الكثيرون مهنئين ومجددين للبيعة والعمل لتبصير الأمة، وإحياء الدعوة، وخدمة الإسلام.

وفاة الأستاذ الهضيبي

وفي موسم الحج "سنة 1392هـ = 1972م" خرج الأستاذ الهضيبي لأداء شعيرة الحج إلى بيت الله الحرام، لينضم إلى الآتين من كل فج عميق "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ" [الحج: 28].

وكان من المنافع المشهودة في ذلك الموسم أن لقيه الإخوان الذين قدموا من أقطار شتى من أنحاء العالم، وسرّ الأستاذ بهم، وسروا به، وانسكبت دموع الأعين؛ فرحا بلقاء الإخوة بعضهم لبعض، ولقاء القائد للجنود، في البلد الحرام، والشهر الحرام.

ولم يقدر لي أن أذهب إلى الحج في هذا الموسم؛ إذ لم يكن لديّ علم بأن الأستاذ على نية السفر إلى الحج، وهكذا قدر الله أن لا أرى المرشد في الحج، ولا ما بعد الحج حتى وافاه الأجل بعد رجوعه في شهر أكتوبر. وأوصى بأن يُدفَن في "مقابر الصدقة" وهو مَن هو مكانة ومنزلة في المجتمع عامة، وفي الإخوان خاصة.

مقارنة بين البنا والهضيبي

تحدثت عن الأستاذ حسن الهضيبي بمناسبة اختياره مرشدا عاما للإخوان، بعد وفاة مرشدهم الأول حسن البنا، وذكرت كيف عرَّف الأستاذ البنا إخوانه بالهضيبي، حين قدمه في "سجل التعارف الإسلامي" ضمن الشخصيات الإسلامية التي يعرِّف بها القراء في كل عدد من "مجلة الشهاب" التي كان الإمام البنا يصدرها في سنة 1948م، وصدر منها خمسة أعداد.

وكان كبار الإخوان المعروفون قد تنازعوا فيما بينهم: أيهم يقود الجماعة، ولم يتفقوا على واحد منهم؛ فكان اختيار الأستاذ الهضيبي هو الذي حسم النزاع، ووحد الوجهة، ووجدت السفينة ربانا يقودها باسم الله مجراها ومرساها، وإن بقي في بعض النفوس ما بقي، مما لا يسلم منه البشر.

وكانت شخصية الأستاذ الهضيبي مختلفة تمام الاختلاف عن شخصية الأستاذ البنا، التي تتلمذ عليها الإخوان، وعايشوها، وأخذوا عنها طوال عشرين عاما، عاشها الإمام الشهيد مرشدا ومربيا وموجها للجماعة.

كانت شخصية البنا شخصية المعلم الداعية الذي يجيد الخطبة إذا خطب، والمحاضرة إذا حاضر، والمقالة إذا كتب، والتأليف إذا ألَّف، والحديث إذا حدَّث. وكان يأسر سامعه بحسن حديثه، وحلو نكاته. وهو الذي شد هذه الجموع إلى الله، وجنَّدهم لخدمة الإسلام.

وكانت شخصية الهضيبي شخصية القاضي الذي يستمع كثيرا، ويتكلم قليلا، فإذا تكلم كان كلامه حكما صارما، يجب على الآخرين الإذعان له، وينفذه بكل دقة، ولم تكن لديه مؤهلات الخطابة والمحاضرة والتصنيف.

كان البنا ذا ثقافة واسعة، تكونت لديه من الدراسة في دار العلوم، ومن قراءاته الخاصة الطويلة والمتنوعة؛ فهو عالم متبحر في علوم اللغة العربية وآدابها، وفي العلوم الشرعية: العقيدة والفقه والأصول والتفسير والحديث والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وله إلمام جيد بالعلوم الاجتماعية.

وكان الأستاذ الهضيبي حقوقيا متميزا، متفوقا في علم القانون وفروعه، قارئا جيدا في علم الفقه، ولا سيما في "المحلى" لابن حزم.

كان حسن البنا رجلا "شعبيا" قريبا من الناس، يلقاه العامل والفلاح وابن القرية الفقير، فلا يشعر بأنه يكلم إنسانا من طبقة فوق طبقته، بل يندمج معه، ويحس بأنه من البنا، وأن البنا منه.

وكان حسن الهضيبي -بحكم منصبه ودرجته الإدارية والمالية ورتبة "البكوية" التي يحملها- رجلا "أرستقراطيا" كما يقولون، لا تكلفا منه، ولا تعاليا على أحد، لكن هكذا شاءت له الأقدار أن يكون!

كان البنا صاحب قلب حي، وعاطفة جياشة، وكان إذا لقي الإخوان كل أسبوع في "حديث الثلاثاء" يبدأ حديثه بما يسميه "عاطفة الثلاثاء" يوقد فيها جذوة الإيمان والربانية في الصدور، وشعلة الحب والأخوة في القلوب. فإن الحب في الله من أوثق عرى الإيمان.

وكان الهضيبي صاحب عقل يقظ، يزن الأمور والأشخاص والأحداث والمواقف بميزان دقيق، ولم يكن للعواطف عنده كبير اهتمام بحكم تكوينه ومسار حياته.

كان أقرب الناس إلى حسن البنا في الجماعة مكوّنين من طبقات شتى، من علية القوم، ومن أواسط القوم، ومن فقراء القوم، كما يظهر في تكوين مكتب الإرشاد العام الذي يقود الجماعة.

وكان أقرب الناس إلى حسن الهضيبي من كانوا في مثل طبقته، من العِلْية غالبا، وإن لم يبعد الآخرين أو يطردهم، ولكن كما قيل: شبيه الشيء ينجذب إليه، وإن الطيور على أشكالها تقع. هذه سُنة ماضية.

واختلاف ما بين الشخصيتين للمرشدين الأول والثاني كان له أثر -على المدى الطويل- في أنفس بعض الإخوان. وربما كوَّن بعضهم لنفسه فكرة غير صحيحة عن المرشد الثاني، وأنه رجل متكبر أو متعال على غيره.

لقاءاتي مع الهضيبي

وأنا لم أختلط بالأستاذ الهضيبي كثيرا؛ فقد كنت طالبا في كلية أصول الدين وفي تخصص التدريس أيام ولايته، لكني لقيته عدة مرات من قريب، ووجدته رجلا سهلا سمحا، قريبا، على غير ما يُظَن به.

أول ما لقيته كان في مدينة المحلة الكبرى، وقد أقام الإخوان له حفلا كبيرا، كنت من المتحدثين فيه، وكنت شابا متحمسا؛ فكانت كلمتي معبرة عني، وعن شخصيتي في ذلك الوقت.

وعندما تحدث هو بعد خطباء الحفل قال: أنا لا أحسن الخطب الحماسية مثل الشيخ القرضاوي، ولكني أنصحكم بكذا وكذا أو بكذا. فكانت كلماته أشبه بتعليمات محددة.

ودعاه رجل المحلة الأول -رجل البر والخير- عبد الحي باشا خليل في بيته، فذهبنا معه، وكان موضع التجلة والاحترام من هؤلاء الأعيان.

وكذلك ذهبنا معه في اليوم التالي لزيارة مصنع المحلة، فكان الجميع يحترمونه ويقدرونه.

وزارنا في المحلة مرة أخرى، ومعه سيد قطب، وعبد الحكيم عابدين، فتعرفت به أكثر.

وذهبت معه مرتين قبل الثورة إلى مدينتين من مدن مصر: مرة إلى مدينة كفر الشيخ، ومرة إلى مدينة السويس. وكان معه في كلتا الزيارتين الشيخ أحمد حسن الباقوري؛ فقد كان قريبا منه. وكان الإخوة في قسم نشر الدعوة يريدون أن أحضر مع المرشد والباقوري لأكملهما؛ فكلاهما يحدث الخاصة، ولا يخاطب الجماهير. وكأن الأستاذ المرشد استراح إلى ذلك، فكان يرحب بوجودي.

وفي عودتنا من رحلة السويس كنت رفيقهما في السيارة التي حملتهما، وقد اقتربت أكثر من الأستاذ الهضيبي، واستمعت إلى بعض نكاته، ومنها نكات يعدها بعض الناس خارجة! ويبدو أن الأستاذ الهضيبي -من خلال هاتين المرتين- كوَّن عني فكرة حسنة.

ففي أوائل الثورة في شهر أغسطس أُبلغت بأن الأستاذ المرشد يريدني أن أذهب لزيارة الإخوة في سوريا والأردن، أنا والأخ محمد علي سليم من إخوان الشرقية. وقد تحدثت عن تفاصيل هذه الرحلة في الجزء الأول من هذه المذكرات. وبعد عودتي كتبت له تقريرا عن الرحلة، ولما لقيته في مناسبة بعدها قال لي: قد قرأت تقريرك عن رحلتك إلى بلاد الشام، واهتممت به، وخصوصا ما كتبته عن "حزب التحرير".

وعندما أنشأ عبد الناصر "هيئة التحرير" لتكون سنده الشعبي، بدلا من الإخوان، وبدأت تُحدث تحديا وصدامات في بعض البلدان، أرسلني الأستاذ المرشد لأجوب مدن الصعيد كلها من الفيوم إلى أسوان؛ لألقى الإخوان، وأحثهم على أن يتمسكوا بدعوتهم، ولا يذوبوا في أية جماعة أخرى، وألا يصطدموا بأحد يريد أن يجرهم إلى الصدام بوسيلة أو بأخرى.

وفعلا قمت بهذه الرحلة، وكانت من أخصب الرحلات، وأكثرها بركة.

وعندما اعتُقلنا في المرة الأولى في عهد الثورة في يناير 1954م، وأخذنا إلى العامرية، ثم نقلونا -أنا وخمسة من الإخوان- إلى السجن الحربي أنزلونا في سجن رقم 4، وكان فيه الأستاذ الهضيبي وكبار الإخوان، وكانوا يغلقون الزنازين في أول الأمر علينا، ثم فتحوها لنا. فكنا نصلي جماعة. وهنا أمرني الأستاذ أن أؤم الإخوان، وقد أطلت في بعض الصلوات الجهرية، فنصحني أن لا أطيل، مراعاة للكبير والمريض وذي الحاجة.

ثم نقل الأستاذ وكبار الإخوان إلى عنبر الإدارة، وكان هذا آخر عهدي به، حتى إني لم أحضر اللقاء الكبير الذي أقيم في المركز العام يوم خروج الإخوان من السجن الحربي، بعد أن اصطلحوا مع عبد الناصر؛ فقد كنت المعتقل الوحيد الذي تأخر الإفراج عنه يوما واحدا، كما حكيت في الجزء الثاني من هذه المذكرات.

حتى إني حين اعتقلت في المرة الثانية بعد حادث المنشية بقيت فترة في حجز مباحث المحلة الكبرى التي تولت التحقيق معي؛ فلم أصل إلى السجن الحربي إلا يوم خروج الأستاذ الهضيبي منه بعد أن صدر الحكم عليه وعلى ستة معه بالإعدام!

وقد تحدثت في الجزء الماضي عن الخلاف الذي حدث بين الأستاذ الهضيبي وجماعة من الإخوان القدامى، على رأسهم الأستاذ البهي الخولي، والمشايخ: الغزالي وعبد المعز عبد الستار وسيد سابق ومحمد جودة وآخرون، وأني كنت -أنا وأخي 

العسال والدمرداش وآخرون- أقرب إلى صف المشايخ؛ لاعتبارات ذكرتها هناك. فلما وقعت الواقعة انضممنا إلى ركب الجماعة، وحوكمنا مع من حوكموا، وعُذبنا مع من عذبوا، ونرجو أن يكون ذلك في ذات الله تعالى، وأن لا نُحرم أجره عند الله.

رأيي في الهضيبي

لا يختلف اثنان من الإخوان حتى من المعارضين في أن الأستاذ الهضيبي مسلم عظيم، وأنه من الذين أخلصوا دينهم لله؛ فليس من المتاجرين بالدين ولا بالدعوة، ولا يريد من وراء عمله للإسلام جزاء ولا شكورا، وأنه رجل نظيف لا يماري أحد في نظافته، وأنه لم يسع إلى قيادة الإخوان، لكن الإخوان هم الذين سعوا إليه، وأنه لم يستفد لنفسه ولا لأسرته من وراء الدعوة شيئا ماديا قط، إلا ما أصابه من لأواء في سبيل الله، وأنه رجل صلب لا يداهن في دينه، ولا يجامل أحدا في أمر الدين، وهو يقول الحق ولا يخشى فيه لومة لائم، وأنه أوذي في الله مع كبر سنه فما وهن ولا ضعف ولا استكان، ولا طأطأ رأسه لمخلوق، وأنه كان يعامل عبد الناصر ورجال الثورة بعزة واستعلاء، معاملة الند للند، والسيد للسيد، اعتزازا منه بأنه يمثل دعوة الإسلام.

ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي جعلت بعض الإخوان يقولون: إن موقف الأستاذ الهضيبي من رجال الثورة عامة، ومن عبد الناصر خاصة هي التي ولّدت هذه الجفوة بين الطرفين التي انتهت إلى خصومة، وانتهت إلى صراع بين الطرفين. ويقولون: لو كان حسن البنا في موقف حسن الهضيبي لكان له موقف آخر، ولاستطاع برفقه وتلطفه ولين طبعه أن يجذبهم إلى ساحته، وأن يأخذهم بالتي هي أحسن، وأن يهتدي بقول الله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" [آل عمران: 159]، ولكنه نفر منهم ونفروا منه، وأغلظ عليهم وأغلظوا له، وساء ظنه بهم، فساءت ظنونهم بالجماعة.

هكذا رأيت بعض الإخوان يفكرون، وسمعتهم يتكلمون، فهل هذا المنطق مسلّم؟ ومن يدري ماذا كان سيفعل حسن البنا لو كان حيا، فهذا علمه عند الله، ولا يملك أحد أن يقوّل غيره في ذلك ما لم يقل.

على أن الذي يبدو لي من تسلسل الأحداث ومما أظهره عبد الناصر من أفكار وتوجهات أن الرجل لم يكن يريد لأحد -لا الإخوان ولا غيرهم- أن يشاركه في الحكم، ولو بالمشورة والتسديد. وقد أعلن في الأيام الأولى للثورة أنها مستقلة ولا وصاية لأحد عليها.. وقال بصراحة للإخوان: إنه يريد أن يضغط على زر فتتحرك مصر من الإسكندرية إلى أسوان، ويضغط على زر آخر، فتتوقف مصر من الإسكندرية إلى أسوان!

كان في إهاب (جلد) عبد الناصر "دكتاتور" يريد أن يستبد بالأمر، ولا يكون لأحد معه رأي ولا قول، إلا ما كان يسير في ركبه، ويدور في فلكه. ومثل هذا الطاغية المتجبر في الأرض لا يمكن أن ينسجم مع أي رجل ينصح له، أو يقول له كلمة حق، أو يأمره بمعروف، أو ينهاه عن منكر، سواء كان حسن البنا أم حسن الهضيبي.

بين الهضيبي والغزالي

وربما تساءل بعض الإخوة هنا عن موقف الشيخ الغزالي وما كان من خصومة بينه وبين الأستاذ الهضيبي، اشتد لهيبها بعد فصل الشيخ من الجماعة، فأطلق لقلمه العنان، فقال ما قال.

وكان ذلك من آثار الفتنة التي بذر عبد الناصر بذورها بين الإخوان بعضهم وبعض. ومما هيج الشيخ أكثر، واستثار غضبه أن بعض المتحمسين من الإخوان تحداه، وهدده بالقتل إن تكلم أو كتب.

ومع هذا حين تبين له طغيان عبد الناصر، وسوء موقفه من الإسلام، ومن دعوة الإخوان، وسمع ما سمع عن التنكيل والتعذيب الذي تجرع مرارته إخوانه في السجون والمعتقلات، وعن صلابة الأستاذ الهضيبي وثباته في وجه الجبابرة، وأنه لم يحن لهم رأسا، ولم يوطئ لهم ظهرا.. غيَّر موقفه من المرشد الهضيبي ونوه بموقفه، وأشاد بإيمانه ورجولته. وحين أفرج عنه، سارع بالذهاب إلى منزله، ليهنئه ويصافحه ويعانقه بحرارة وإخلاص، وقد قابله المرشد بنفس الحرارة، وروح الأخوة التي كانت دائما إحدى السمات الأولى المميزة لعلاقات الإخوان بعضهم ببعض.

بعد أن كتب الغزالي ما كتب من مقالات -في فترة الغضب بعد فصله من الجماعة- رأى أن يطوي بعضها فلا ينشره في كتاب، ونشر بعضها ثم حذفه، بعد أن هدأت نفسه، واستجابت لنصح بعض إخوانه.

وأبقى بعض الأشياء -على ما فيها من آثار الحدة والغضب- للتاريخ، ومع هذا عقب في إحدى الحواشي عليها بقوله: "في هذه الصفحات مرارة تبلغ حد القسوة، وكان يجب ألا يتأدى الغضب بصاحبه إلى هذا المدى، بيد أن ذلك -للأسف- ما حدث. وقد عاد المؤلف إلى نفسه يحاسبها وتحاسبه في حديث أثبته آخر هذا الباب".

ثم عاد آخر الباب إلى الحديث عن الأستاذ الهضيبي -رحمه الله وأكرم مثواه- فقال: "إنه ما ادعى لنفسه العصمة، بل من حق الرجل أن أقول عنه: إنه لم يسع إلى قيادة الإخوان، ولكن الإخوان هم الذين سعوا إليه، وإن من الظلم تحميله أخطاء هيئة كبيرة مليئة بشتى النزعات والأهواء.

ومن حقه أن يعرف الناس عنه أنه تحمل بصلابة وبأس كل ما نزل به، فلم يجزع ولم يتراجع، وبقي في شيخوخته المثقلة عميق الإيمان، واسع الأمل، حتى خرج من السجن.

الحق يقال، إن صبره الذي أعز الإيمان، رفعه في نفسي، وإن المآسي التي نزلت به وبأسرته لم تفقده صدق الحكم على الأمور، ولم تبعده عن منهج الجماعة الإسلامية منذ بدأ تاريخنا.. على حين خرج من السجن أناس لم تُبق المصائب لهم عقلا.

وقد ذهبت إليه بعد ذهاب محنته، وأصلحت ما بيني وبينه، ويغفر الله لنا أجمعين" أ.هـ.

وكان مما هز الشيخ الغزالي وقدره من مواقف للأستاذ الهضيبي أنه أوصى في مرض موته أن يدفن في مقابر الصدقة التي يدفن فيها الفقراء والغرباء! وهو مَن هو منزلة ومنصبا وجاها. فهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الرجل من الله بمكان أي مكان! ولم يكن من عبّاد المظاهر التي فتنت الكثيرين، ولا أزكيه على الله.

رحم الله حسن الهضيبي وغفر له، وأجره أجر المجتهدين على ما أخطأ فيه، وجزاه عن دينه وأمته خير ما يجزي الدعاة الصادقين الذين صبروا وصابروا ورابطوا، والذين أوذوا في أنفسهم وأهليهم وإخوانهم، "فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [آل عمران: 146- 148].

أداء فريضة الحج

وفي سنة 1393هـ (1973م) جاءتني دعوة من لجنة التوعية بالحج، وكانت قد تكونت عن طريق وزارة الحج والأوقاف، أو طريق الرئاسة العامة للإفتاء والبحوث والدعوة والإرشاد، لا أذكر.

المهم أنني استجبت للدعوة، وكنت لم أحج من سنة 1384هـ (1964م)، وكان الوقت مناسبا بالنسبة للجو؛ فقد كان في فصل الشتاء، وهو مما يغري الناس بالإقبال على الحج، لأن جو مكة دائما أقرب إلى الحر.

وقد كان معي وفد إعلامي مسافر من قطر، يمثل الإذاعة والتلفزيون. وكنا نسافر على ثلاث مراحل: من الدوحة إلى الظهران، وفيها نتمم إجراءات الجوازات، وندخل المملكة، ومن الظهران إلى الرياض، ثم من الرياض إلى جدة. فكانت الرحلة إلى جدة تستغرق حوالي يوم كامل، خصوصا أننا ننتقل في الظهران من مطار إلى آخر، أي من الطيران الخارجي أو الدولي إلى الطيران الداخلي، وهذا يقتضي أن نتسلم حقائبنا ونحملها إلى المطار الآخر.

مشكلة في مطار الظهران

وفي مطار الظهران حدثت مشكلة، فبعض الإخوة من وفد قطر الإعلامي كانوا فلسطينيين يحملون "وثائق سفر" قطرية، فتوقفوا معهم وقالوا: نريد جوازاتكم الأصلية، وقالوا لهم: ليس معنا جواز أصلي. قالوا: أنتم فلسطينيون، فلا بد أن معكم جوازا آخر.. وقال الإخوة: لا بد أن نتصل بالدوحة، ونبحث عن حل للمشكلة مع القوم.

وجاء الدور عليّ، فنظر المسئول عن الجوازات في الجواز الذي معي، وهو جواز قطري، وقال: أين جوازك الأصلي؟

قلت له: هذا جوازي الأصلي!

قال: ألست أنت الشيخ يوسف القرضاوي الذي نشاهده في التلفزيون ونترقب برنامجه بشغف؟

قلت: بلى، أنا هو.

قال: ألست مصريا؟

قلت: أنا الآن قطري.

قال: ولكنك مصري، ونريد جوازك الأصلي.

قلت: يا أخي، لقد اختلط عليك الأمر، الإخوة الذين أوقفتهم من الفلسطينيين يحملون "وثائق سفر" صالحة لسفرة واحدة أو لمدة سنة. أما أنا فأحمل "جواز سفر" كاملا. فلأكن مصريا أو أستراليا أو من أي جنس كان!! أنت تتعامل مع الأوراق. أمامك ورقة رسمية صادرة من قطر، ومن صاحب العظمة حاكم قطر. ودعك من أنك تعرفني أحمل جنسية أخرى من قبل. وهذا جواز زرت به بلاد العالم كلها، ولم يوقفني أحد كما أوقفتني أنت، لأنك تعرفني وتشاهدني في التلفزيون!

قال: وهل دخلت به المملكة من قبل؟

توقفت قليلا، ثم تذكرت، وقلت: نعم، دخلت به المملكة من قبل، ومن هذا المطار نفسه! وفعلا نظروا في الجواز فوجدوا فيه ختم دخول المملكة من الظهران. وقال الرجل: أنا آسف. أنا والله من المعجبين بك، والمتابعين لبرنامجك.

قلت له: متابعتك هذه ضرتني ولم تنفعني، وكادت تعطلني بلا مبرر، ولو كنت شخصا عاديا لمر بسلام.

وكانت الطائرة قد كادت تطير، وتدعني، ولكن الله سلَّم، وأدركتها في آخر لحظة، وانتقلت إلى الرياض، لننزل فيها فترة من الزمن، لنذهب منها إلى جدة، ومنها إلى بلد الله الحرام مكة المكرمة، لأداء العمرة، ثم التحلل منها متمتعا بالعمرة إلى الحج.

جدال فقهي في الحج

وقد انضممت إلى العلماء الذين دُعوا إلى ما دُعيت إليه، وكان منهم الشيخ محمد الراوي وقد قدم من الرياض، والشيخ محمد السيد الوكيل وقد قدم من المدينة، وبعض الإخوة من مشايخ السعودية وغيرهم. وكنا نقوم بإلقاء محاضرات لتوعية الحجيج، في خيم كبيرة، خصوصا في أيام منى.

وكان بيني وبين الإخوة من مشايخ السعودية جدل لا ينقطع حول بعض مسائل الحج؛ فأنا من دعاة التيسير عموما، وفي مسائل الحج خصوصا، ولا سيما في هذه السنين التي يشتد فيها الزحام في موسم الحج، حتى ليبلغ الحجاج مليونين أو أكثر في بعض السنين، وهذا يقتضي منا التيسير على عباد الله، ورفع الحرج عنهم، فما جعل الله في هذا الدين من حرج، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عن أمور كثيرة مما يتصل بالحج، فما سئل عن أمر قُدِّم ولا أُخِّر، إلا قال: "افعل، ولا حرج".

وهذا الزحام الهائل هو الذي حفز الملك فيصل بن عبد العزيز -رحمه الله- أن يتنازل هو ومن حوله عن الحج في أحد الأعوام، مخالفا سنة من سبقوه؛ ليؤثر الحجاج الوافدين، وليكون قدوة لغيره من أهل المملكة.

وكان من أهم النقاط التي احتد فيها الجدل مسألة الرمي قبل الزوال، وأنا أفتي بمشروعيته، وقد أفتى بذلك من فقهاء التابعين عطاء وطاووس، كما أفتى بذلك أبو جعفر الباقر من أئمة آل البيت. وأفتى بذلك بعض علماء الشافعية المتأخرين. وأفتى به من المعاصرين الشيخ عبد الله بن زيد المحمود في قطر، والشيخ مصطفى الزرقا في سوريا.

وهذا ما دفعني أخيرا أن أخرج كتابا حول الحج بعنوان "مائة سؤال عن الحج والعمرة والأضحية" ضمنته ما أراه من رخص وتيسيرات في أمر الحج، مثل النفرة من عرفة قبل الغروب، كما هو مذهب الشافعية، والبقاء في مزدلفة بمقدار الصلاة والتقاط الحصى، ورمي جمرة العقبة من بعد منتصف ليلة العيد، وعدم المبيت بمنى لمن يشق عليه ذلك، ورمي الجمار قبل الزوال في الأيام كلها.

وهو ما أصبح كثيرون من العلماء يميلون إليه ويفتون به، ممكن كانوا يعارضونه، وإنما ألجأهم إليه ما لمسوه من ضرورات الناس وحاجاتهم. والضرورات تبيح المحظورات، فكيف بأمور أجازها بعض الفقهاء في غير ضرورة ولا حاجة؟!

نهاية السنة الدراسية 73، 74م

انتهت السنة الدراسية 1973-1974م، وامتحنا طلاب كلية التربية وفق الفلسفة التعليمية الجديدة، لا سرية ولا كنترول، ولا شيء من ذلك. فالامتحانات مستمرة طوال السنة في فصليها الدراسيين، هناك امتحانات سنوية، وامتحانات تحريرية، وتكليف ببحوث ينجزها الطلاب بأنفسهم، وإن كنت لاحظت أن بعض الطلاب يستعينون بآخرين يكتبون لهم البحوث من ألفها إلى يائها، وكثيرا ما يُعرَف هذا بسؤال الطالب في بعض ما كتب في بحثه، فإذا هو لا يعرف عنه شيئا، كمثل الحمار يحمل أسفارا!!.

ومن الطرائف أن الدكتور إبراهيم كاظم عميد الكلية كان يقول في اجتماعاته مع الأساتذة: إن الامتحان لا يخصص له وقت معين، إنما يكون في المحاضرة الأخيرة؛ يقصد في وقت المحاضرة الأخيرة.

لكن زميلي في قسم الدراسات الإسلامية الدكتور أحمد سكّر فهم أن الامتحان في آخر محاضرة فقط؛ يعني أن الطلبة لا يمتحنون ولا يسألون في كل ما أخذوه مدة الفصل الدراسي، ولكن في المحاضرة الأخيرة، وأبلغ الطلبة ذلك، ووضع الأسئلة على هذا الأساس، وأخذ جميع الطلبة درجة "أ" أي امتياز!!

وفي هذا العام حصلت ابنتاي "إلهام" و"سهام" على الشهادة الإعدادية، وتهيأتا لدخول المرحلة الثانوية، وانتقلت "علا" إلى السنة الثانية الإعدادية، أما أسماء فلا تزال في المرحلة الابتدائية، وأما محمد فقد نجح في السنة الأولى الابتدائية، وكان ترتيبه الأول، وقد أدخلته مدرسة أبي بكر الصديق، بجوار المعهد الديني.

بِتْنا نحنّ إلى قطر

بعد أن قضينا الإجازة الصيفية في مصر، واستمتعنا برؤية الأهل والأقارب والأحباب، وودعنا "أم الدنيا" كما يسمونها، وعدنا إلى قطر، وقد بتنا نحِن إلى قطر، ونشتاق إليها؛ فقد أصبحت لنا وطنا ثانيا، وكيف لا، وقد ولد فيها خمسة من أولادي، واثنتان من بناتي، قدمتا إلى قطر، وإحداهما لم تكمل السنة، والأخرى لم تكمل السنتين؟

والإنسان بطبيعته المدنية والاجتماعية يألف المكان وأهله، كما يألفه المكان وأهله، والمرء المؤمن تقوم بينه وبين البيئة من حوله ألفة وصلة ودودة، حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد: "هذا أحد جبل يحبنا ونحبه!"، فانظر كيف عبر عن الجبل أنه يحبهم، كأن له قلبا تصدر عنه مشاعر الود، وعواطف الحب كالإنسان! وقد عدنا إلى قطر قبل أن تنتهي الإجازة تماما لأتهيأ لرحلة مهمة إلى بلاد الشرق الأقصى. وهي بلاد سأزورها لأول مرة، فما أشوقني إلى رؤيتها والتعرف عليها!.

اقرأ في الحلقة القادمة:

 

 

الحلقة الثامنة عشرة.. زيارة الشرق الأقصى

الرفيق قبل الطريق  

قبل أن تنتهي الإجازة الصيفية وفي أغسطس سنة 1974 قمت بأول زيارة لبلاد الشرق الأقصى: ماليزيا، وأندونيسيا، وسنغافورة، وهونج كونج، والفلبين، وكوريا الجنوبية، واليابان. وقد استغرقت هذه الرحلة حوالي ثلاثة أسابيع من (23/8 إلى 12/9) من هذه السنة، كما هو مسجل في جواز سفري القطري الذي سافرت به.

كانت الزيارة بتكليف من الشيخ خليفة أمير البلاد -حفظه الله- وكان ذلك بطلب من المسلمين في جنوب الفلبين أن نزورهم، ونزور معاهدهم ومدارسهم ومؤسساتهم، فقام وفد من قطر مكون من فضيلة الشيخ عبد الله الأنصاري، ويوسف القرضاوي، والأستاذ سيد أبو يوسف موجه اللغة الإنجليزية مترجمًا لنا، وقد أمر الشيخ خليفة لكل منا بخمسة آلاف ريال للإنفاق منها على الإقامة والمعيشة.

والحق أنها كانت رحلة نافعة وممتعة من وجوه عدة، فهذه أول مرة يتاح لي أن أزور تلك الديار، وفيها بلاد إسلامية مثل ماليزيا وأندونيسيا، وبلاد فيها أقلية إسلامية كبيرة وأصيلة مثل الفلبين، وبلاد فيها أقليات إسلامية حديثة مثل كوريا واليابان.

وقد قال الأقدمون: الرفيق قبل الطريق، وكان رفيقاي في هذه الرحلة الطويلة: الشيخ الأنصاري والأستاذ أبو يوسف، وهما نعم الرفيقان.

فلقد عرفت الشيخ الأنصاري من قبل، وازددت معرفة به في هذه الرحلة الطويلة، فقد قيل: إنما سُمِّي السفر سفرًا؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومن لم تستطع أن تعرفه وتسبر أغواره في الحضر، أمكنك أن تعرفه في السفر، والشيخ الأنصاري رحمه الله كان رجلاً سمحًا سهلاً كريمًا رقيقًا رفيقًا، ييسر ولا يعسر، ويبشر ولا ينفر، ويجود ولا يبخل، ولا تصدر منه كلمة تجرح شعور صاحبه، ولا تصرف يؤذيه.

كذلك كان رفيقنا الأستاذ سيد أبو يوسف، فهو رجل حيي كريم مستقيم في قوله وفعله، نقي في ظاهرة وباطنه، ليس مهذارًا ولا ثرثارًا، ولكن يتكلم بحساب، ويتصرف بحكمة، "وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا" [البقرة: 269].

ومن نعمة الله على المرء في سفر كهذا: أن يرزق بمثل هذه الرفقة الطيبة.  

المبيت في كراتشي

كانت أول محطة نزلنا بها هي كراتشي، فقد بتنا بها، واستقبلنا هناك سفير قطر في باكستان: الأستاذ مبارك الكواري، وقد صحبنا إلى بعض المحلات لنشتري منها بعض التحف والهدايا، وفعلاً اشترينا بعض الأشياء، ورآها معنا بعض الإخوة الباكستانيين، فقالوا: إنكم اشتريتموها بضعف ثمنها أو أكثر، ولو نزلتم (السوق) لوجدتموها رخيصة جدًّا، فتعلمنا أن لا نمشي مع (السفراء) في قضية الشراء؛ لأنهم يشترون من المحلات (الفاخرة) والأولى أن نذهب مع أهل البلد، فأهل مكة أدرى بشعابها وأسواقها.

وتكفلت السفارة أن تبعث الأشياء التي اشتريناها إلى الدوحة، فليس معقولاً أن نحملها معنا طوال هذه الرحلة، وجلها أشياء خشبية ثقيلة.  

ساعات في مطار بانكوك

ومن كراتشي امتطينا طائرة أوصلتنا إلى مطار (بانكوك) عاصمة (تايلاند) وهو بعيد عن المدينة؛ ولذا لم نفكر في النزول إلى المدينة، رغم أننا ظللنا أكثر من أربع ساعات.

وظللنا نتجول في المطار، وكان مطارًا متواضعًا -ولم يكن بفخامة مطار بانكوك الحالي- ورأينا فيه بعض الهدايا التي يمكن أن تُشترَى، وقد اشتريت منها فصًّا من الأحجار الكريمة يسمى (عين القط) أهديته بعد العودة لزوجتي.

وصلينا الظهر والعصر في المطار قصرًا وجمعًا، ثم ركبنا الطائرة الماليزية، لتوصلنا إلى (كوالالمبور) عاصمة ماليزيا.  

كيف دخل الإسلام ماليزيا؟  

وجدنا (كوالالمبور) مدينة فخمة، فيها بنايات شاهقة، وشوارع نظيفة وواسعة، وأسواق على الطراز الأوربي، وبنوك وفنادق وغيرها من مظاهر الحضارة والمدنية، ولكن فهمنا من مرافقنا من الماليزيين: أن هذه العمارات والمتاجر الكبرى والمصارف والفنادق والمطاعم والأماكن السياحية وغيرها، أكثر من ثمانين في المائة منها يملكها الصينيون والهندوس، والعنصر الملاوي (المسلم) الذي هو أصل هذه البلاد وصاحبها لا يملك إلا أقل من عشرين في المائة.

كانت هذه البلاد تعرف قديمًا باسم بلاد (الملايو) والأصل في أهلها: أنهم مسلمون سُنيون، على مذهب الإمام الشافعي، وكان لنا زملاء في الأزهر الشريف من الملايو، وهذه البلاد لم يدخلها جيش مسلم، ولا وصلتها الفتوحات الإسلامية المعروفة تاريخيًّا، وإنما دخلها الإسلام عن طريق التجار الذين جاءوا من اليمن، وخصوصًا من حضرموت والجنوب، يبيعون ما لديهم من بضائع، ويشترون ما عند القوم من سلع تتميز بها بلادهم، وكان هؤلاء التجار أمثلة حسنة لأخلاق الإسلام، وأدب المسلم، في تعامله مع الله، وتعامله مع الناس، فرأى الناس فيهم الطهارة والنظافة والخشوع لله، والمسارعة إلى الصلوات وأوقاتها، مع الالتزام بالصدق في القول، والإحسان في العمل، وحب الخير للناس، والرحمة بالضعفاء، وبذل المعروف، وإغاثة الملهوف، والعدل مع من تحب ومن تكره، وتقديم العون لمن يحتاجه من خلق الله، مسلمًا أو غير مسلم، لا يريد مكافأة ولا محمدة من أحد "إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا" [الإنسان: 9].

رآهم الناس كذلك، فأحبوهم، وسألوهم: من أنتم؟ ومن علمكم هذه الفضائل؟ فقالوا: نحن مسلمون، علمنا الإسلام! قالوا: وكيف نصير مسلمين؟ قالوا: تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وبذلك تدخلون في الإسلام، ثم تؤدون أركان الإسلام الأربعة من الصلاة والزكاة والصيام كل سنة في شهر رمضان، والحج مرة في العمر، وبعد ذلك تحبون للناس ما تحبون لأنفسكم، وتفعلون الخير ما استطعتم، وتتجنبوا الشر ما استطعتم، وبذلك تصبحون مسلمين، لكم ما لنا وعليكم ما علينا.

وبهذه السهولة دخل الناس في دين الله أفواجًا، في بلاد الملايو، وفي جاوة وسومطرة وغيرها من الجزر، التي توحدت وسميت بعد باسم (أندونيسيا) فهكذا دخلت (الملايو) في دين الإسلام، وأصبحت عضوًا في الأمة الإسلامية، وفي الجسم المسلم.

ولكن الإنجليز حينما احتلوها -في عصر الاستعمار- جلبوا عناصر للعمل من خارج الملايو، معظمهم من الصينيين، وبعضهم من الهندوس، فزاحموا أهل البلاد الأصليين، وظلوا يكثرون ويكثرون حتى قاربت نسبتهم نسبة أهل البلاد الأصليين في العدد، وأخطر من ذلك: أنهم بمهارتهم وتضامنهم، أضحوا يملكون معظم ثروة البلاد بأيديهم، فهم يملكون التجارة والصناعة، وأهل البلاد يشتغلون بزرع المحاصيل التي يشتريها منهم الصينيون. وقد ظلوا مدة من الزمن على جنسيتهم الأصلية من صينية وهندية، ولكن الإنجليز ضغطوا على تكنو عبد الرحمن رئيس وزراء (الملايو) التي غير اسمها، لتصبح (ماليزيا) فصدر في عهده قراران خطيران:

أولهما: فصل جزيرة سنغافورة عن ماليزيا، لتمسي دولة مستقلة، لتكاثر العنصر الصيني بها.

ثانيهما: منح الجنسية للصينيين والهنود المقيمين في البلاد بعد عشرين سنة، على أن يبقى الجيش والقوات المسلحة في أيدي الماليزيين.

وما أسرع ما مرت العشرون سنة، وحصل الوافدون على الجنسية الماليزية، فاكتسبوا قوة جديدة، بالإضافة إلى قوتهم الاقتصادية والعلمية.

بقينا يومين وبعض يوم في ماليزيا، تعرفنا فيها على أهم معالمها، ولقينا بعض الوزراء، وأحدهم دعانا إلى بيته على غداء، ولا أذكر اسمه، كما لقينا بعض العلماء، وبعض الشخصيات الإسلامية، وممن زرناهم في ذلك الوقت: الشاب الذكي المتحمس الطموح: أنور إبراهيم مؤسس جماعة (الشبيبة المسلمة) في ماليزيا، ويطلق عليها اسم (أييم) وكان خارجًا من قريب من السجن، وكان لقاؤنا به طيبًا ومثمرًا، وكان أساسًا لأخوة وصداقة لا تزال ممتدة إلى اليوم، فك الله أسره، ورد كيد خصومه في نحورهم، وأعاذه من شرورهم.

كما زرنا الجامعة الوطنية، وغيرها. ثم ودعنا ماليزيا إلى أندونيسيا.  

غارة تنصيرية على أندونيسيا

وبعد ماليزيا استقللنا الطائرة الأندونيسية إلى جاكرتا عاصمة أندونيسيا، أكبر دولة إسلامية في العالم، والمسافة قريبة، بين جاكرتا وكوالالمبور.

ومما أذكره: أننا سألنا المضيّفة التي تخدمنا في الطائرة وهي أندونيسية: هل أنت مسلمة؟ قالت: لا، ولكن عائلتي مسلمة! فقلنا في أنفسنا: لا حول ولا قوة إلا بالله، معنى ما تقوله هذه الفتاة أن التنصير أخرجها من دينها، وسلخها من أسرتها.

وكان معنا مضيّف رجل، فسألناه نفس السؤال: أأنت مسلم؟ فقال: لا، ولكني متزوج مسلمة!.

وهذا زواج باطل في نظر الإسلام، فإن المسلمة لا يجوز ابتداء أن تتزوج غير مسلم، ولو كان كتابيًّا، "لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ". (الممتحنة: 10).

وكان قد زارنا في قطر: الأخ عز الدين بليق، صاحب (دار الفتح) للنشر في لبنان، وحدثنا عن الأخطار التي تواجهها أندونيسيا -التي زارها من قريب- من قِبَل التنصير الأوربي والأمريكي، الذي أجلب بخيله ورجله، على أندونيسيا، أكبر بلد إسلامي الآن في العالم، بعد انفصال باكستان الشرقية عن باكستان الغربية، وهم يضعون الخطط لتنصير أندونيسيا وتغيير هويتها، وتغليب المسيحيين فيها على المسلمين في (خمسين سنة) ووفروا لذلك ميزانيات هائلة، وقرروا قرارات بعضها معلن، وبعضها مكتوم، لمسلمين عن ذلك غافلين؛ لذا ألف أخونا عز الدين كتابًا بعنوان (أنقذوا أندونيسيا يا مسلمون)!

وكان للإرساليات التبشيرية -أو التنصيرية- الغربية أكثر من خمسين مطارًا في أندونيسيا، فالمسلمون من أهل البلاد يتنقلون بين الجزر بالقوارب، والمنصرون ينتقلون بالطائرات، فمن المعلوم أن أندونيسيا تتكون من ألوف الجزر، بعضها كبير وبعضها صغير.

ولاحظنا أنهم نجحوا في تحويل بعض المسلمين والمسلمات إلى دينهم بالفعل، في حين لا يطمعون في البلاد العربية، التي قنعوا فيها بزعزعة إيمان المسلم بدينه، وتشكيكه في مسَلَّماته العقدية، وإن لم يدخل في النصرانية.

كان الذي استقبلنا في المطار ورحب بنا هو الدكتور محمد ناصر، رئيس وزراء أندونيسيا الأسبق، ورئيس حزب (ماشومي) السابق، والذي تفرغ الآن هو وعدد من إخوانه ومحبيه وتلاميذه، للعمل الدعوي، والوقوف في وجه تيار التبشير أو التنصير، ومقابلة تخطيطه الماكر الهدام بتخطيط مثله وعلى مستواه في الفكر والوعي، إذا لم يمكن أن يكون مثله في الإمكانات المادية الهائلة.

أنشأ د. ناصر (المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية) لإحياء الإيمان في أنفس الشعب الأندونيسي في جاوة وسومطرة وغيرهما من الجزر، والقيام بتوعية إسلامية شاملة، وتثقيف إسلامي مركز، حتى يملك المسلم (مناعة) ذاتية تقيه من التأثر بأية دعوة هدامة، تريد أن تنزعه من ذاته، وتخلعه من هويته.

وبالإمكانات القليلة المحدودة التي لا تساوي شيئًا، بالنسبة لما تملكه قوى التنصير: استطاع الدكتور ناصر ومن معه أن يقفوا في وجه العاصفة، وأن يشعروا المهاجمين أن حصون المسلمين منيعة، وأنها لا يمكن أن تسقط بسهولة.

وقد اجتمعنا مع المجلس الأعلى، وشددنا على أيديهم، ووعدناهم بمد يد المساعدة الممكنة ماديًّا وأدبيًّا.

وقلنا: يا سبحان الله، كانت أندونيسيا مستعمرة من هولندا، وكانت أندونيسيا أكثر من خمسين مليونًا، وهولندا نحو خمسة ملايين.

ولكن جرى على المسلمين ما جرى، حتى باتت بلادهم في وقت من الأوقات ترزح تحت نير الاستعمار الغربي، أو الشرقي، ولم ينج من الاستعمار إلا السعودية واليمن.  

الإسلاميون يزرعون والعلمانيون يحصدون

وقد كان الإسلام -كالعادة- هو المحرك الأول للبلاد الإسلامية كلها لمقاومة الاستعمار، كما هو معلوم لكل مسلم. فالإسلام يفرض على أبنائه فرضًا عينيًّا: أن يجاهد مع المجاهدين، لقتال الاستعمار المحتل، حتى يطردوه من دار الإسلام، ومن قتل في هذه المعركة فهو شهيد حي عند الله.

وكما هي العادة التي أصبحت وكأنها قانون: نجد أن الإسلاميين يزرعون، والعلمانيين يحصدون، فهم دائمًا يسرقون الثروات من أهلها، ويرثون وحدهم غنائمها، ويمسي الإسلام غريبًا، وهو صاحب الدار!.

هذا ما حدث في تركيا، وما حدث في أندونيسيا، وما حدث بعد ذلك في الجزائر، وما حدث في بلاد شتى.

المهم أنا وجدنا النصارى متمكنين من هذا العهد (عهد سوهارتو) بعد أن كان الشيوعيون هم الممكَّنين في عهد (سوكارنو) فقد طردوا الشيوعيين ليحل محلهم المنصرون. وقد لقينا بعض المسئولين، فكان يحدثنا همسًا، مخافة أن تكون هناك أجهزة تسجيل وتنصت، ترصد ما يقوله، وتنقله إلى السادة المتحكمين، وهكذا أصبح المسلمون في ديارهم لا يملكون حرية التعبير ولا حق الكلام، وبعضهم يُعَدّ من المسؤولين والمشاركين في السلطة، فما بالك بغيرهم؟!  

غيبة العلماء عن الوعي بالعصر  

ولم يكن كثير من علماء الدين على المستوى المأمول الذي يواجهون به هذه الحملة الصليبية الغازية إلا قليلاً منهم، ممن تفتَّح أفقه على الدعوات التجديدية والإصلاحية المعاصرة، ومن هؤلاء: الجمعية المحمدية التي لها مدارس ومنشآت كثيرة زرنا بعضها، ومنهم قليل ممن تعرفوا على دعوة الشيخ حسن البنا ممن درسوا في مصر، أو في غيرها من العالم العربي.

ومَن عدا هؤلاء كانوا يعيشون في الماضي السحيق، ويقرءون في الكتب الصفراء، ولا يعرفون عن حاضرهم، ولا عن حاضر الأمة شيئًا، ولعله لا يحس بما يبيته له دعاة التنصير من مكايد ودواهٍ وحباء، وهو لا يدري.  

غياب فقه الأولويات

وأذكر ما قاله لنا وزير الشئون الدينية حين قابلته مع الشيخ الأنصاري رحمه الله، أن إحدى القبائل الوثنية الكبرى أرادت الدخول في الإسلام، فاتصل زعماؤها ببعض كبار مشايخ الدين في منطقتهم، وعرضوا عليهم رغبتهم في الدخول في دين المسلمين، فماذا يطلب منهم في ذلك؟ فقالوا لهم: مطلوب منكم شيء واحد حتى يكون إسلامكم مقبولاً؟.

قالوا: وما هو؟

قال المشايخ: أن تختتنوا!!

قال ممثلو القبيلة: وهل هذا أمر لازم؟

قالوا: هو من شعائر الإسلام، والفارق بين المسلم وغير المسلم!!

وهنا قال القوم: نشاور أهلينا في ذلك، وذهبوا ولم يعودوا، خشية من هذه المذبحة الجماعية!

فتصوَّر هذا الفقه الأعوج، الذي يضع العقبات في طريق من يرغب في الإسلام، ولقد دخل الألوف وعشرات الألوف أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، فما رأيناهم اشترطوا على الناس أن يختتنوا، أو يكشفوا على الناس، ليروا من اختتن ومن لم يختتن!

وكما قال الرسول الكريم: بني الإسلام على خمس... لم يكن منها الاختتان!

فانظر يا أخي إلى المنصرين الذي جاءوا من أمريكا وأوربا وأستراليا: كيف يقدمون المغريات للناس ليدخلوهم إلى النصرانية؟ وكيف يضع مشايخنا المعوقات أمام الناس ليصدوهم عن الإسلام؟!

وشيء آخر عرفته من الإخوة هناك، وهو: أني وجدت الكتاب المقدس عند النصارى (العهد القديم والعهد الجديد) في كل حجرة في الفندق الذي ننزل فيه، ألم يكن الأولى أن نضع لهم مصحفًا معه ترجمة، قيامًا بواجبنا نحو الإسلام؟

فقال لي الإخوة: إن المشايخ لم يجيزوا ذلك؟ لأن المصحف لا يمسه إلا المطهرون، وهؤلاء نجس فلا يجوز لهم مس القرآن!!.  

زيارة المدرسة الشافعية والطاهرية

ومن مزايا أندونيسيا: أن فيها مدارس دينية كبيرة تعلم طلابها وطالباتها اللغة العربية، تعلمهم القرآن والتفسير والحديث وعلومه، والعقيدة والفقه، واللغة العربية، وغيرها.

منها: المدرسة الطاهرية، والمدرسة الشافعية، وكل من المدرستين تكاد تكون جامعة، ففيها دراسات من الحضانة إلى المرحلة العالية، وكثير من خريجيها يذهب إلى الأزهر في القاهرة.

وقد حضرنا حفلاً في إحدى المدرستين، ألقت فيه التلميذات بصوت مؤثر: النشيد الديني المعروف:

طلـع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعـا لله داع

وقد تأثر الشيخ الأنصاري، وتأثرت معه بهذا النشيد، حتى ذرفت أعيننا الدموع.

ومما أذكره: أن أحد العلماء وقف يقدمني، وكان أكثر ما أدهشني أنه قال: أقدم لكم العالم الجليل، والداعية الكبير.. صاحب كتاب (درس النكبة الثانية: لماذا انهزمنا وكيف ننتصر؟) وقد ترجم إلى الأندونيسية، كما تُرجم الحلال والحرام، والإيمان والحياة. وغيرها...

وعجبت أن الذي أهمه هذا الكتاب الصغير، ولم يقدمني بأني مؤلف (فقه الزكاة) أو غيره من الكتب، وعرفت من ذلك أن الكتاب الصغير قد يؤثر أحيانًا في نفس القارئ ما لا يؤثر فيه الكتاب الكبير.

ومن الطريف أن جاكرتا فيها منطقة يسكنها يمنيون من قديم ما زالوا يحتفظون بلغتهم العربية، ويتزوجون فيما بينهم، وقد ذهبنا إليهم وتناولنا طعام الفطور عندهم، وكنا كأنما نعيش في قرية بالقرب من تعز أو صنعاء!.  

سنغافورة.. المضيق المفصول

وأخذنا طريقنا إلى (سنغافورة) وكانت إحدى (المضايق) البحرية التي كان يهيمن عليها المسلمون، مثل (باب المندب) و(جبل طارق) و(البسفور) و(الدردنيل) ويسميه الأتراك (البوغاز) وقد كانت سنغافورة -كما قلنا- جزءاً من بلاد الملايو، وهي بلاد إسلامية، فلما كثر فيها الصينيون، سعوا إلى فصلها عن ماليزيا؛ ليتخذوا منها دولة نموذجية مستقلة، يقوم اقتصادها على الصناعة والسياحة، وتقوم سياستها على الديمقراطية، وتراعي بشدة: النظافة والنظام والانضباط، ولا تسمح بأي خلل في هذه النواحي.

والمسلمون يكوِّنون فيها أقلية كبيرة، ولها مدارسهم وجوامعهم وجمعياتهم ومؤسساتهم الخاصة، وقد زرنا الجمعية الإسلامية هناك، وتعرفنا على عدد من أعضائها وأطلعونا على أنشطتهم، فسررنا بها.

ولليمنيين خاصة جالية مرموقة، وقد صحبونا إلى مدرسة لهم تسمى (مدرسة الجنيد).  

استقبال رائع في الفلبين

بعد سنغافورة ولينا وجهنا شطر (الفلبين) ونزلنا على عاصمتها (مانيلا) وقضينا فيها يومين، زرنا فيها بعض الجهات والمؤسسات الإسلامية في المدينة، وقابلنا بعض المسئولين الذين اهتموا بنا وبزيارتنا اهتمامًا غير عادي، وكان ذلك في عهد الرئيس ماركوس طاغية الفلبين المعروف، وقد عرفوا أنا نقصد الجنوب الذي يسكنه المسلمون، فهيئوا لنا طائرة عسكرية خاصة، تنقلنا إلى أقرب مطار لمدينة (مراوي ستي) إحدى عواصم الجنوب الإسلامي، وهي المقصودة بالزيارة.

وبالفعل ركبنا الطائرة العسكرية ووصلنا إلى المطار، وكان الناس في استقبالنا بأعداد كبيرة، وقد طوقونا بالورود والزهور على عادة أهل تلك البلاد في تكريم الضيوف.

ووصلنا إلى (مراوي ستي) لنجد المدينة، وكأنما خرجت عن بكرة أبيها تستقبلنا، فالمسلمون هناك يحسون باليتم والضياع، حتى يأتيهم ضيف مسلم كبير، فيلتفون حوله، وكأنما يقولون لخصومهم: نحن لسنا وحدنا، نحن جزء من أمة كبرى، تملأ الأرض من المحيط إلى المحيط!

كان المسلمون في الفلبين هم أول من وجَّه لنا الدعوة لنقوم بهذه الزيارة، فهم المقصودون أولاً وبالذات؛ ولذا وجب أن نبقى معهم أطول مدة ممكنة، لنتعرف على أحوالهم، وأوضاعهم وحاجاتهم ومشكلاتهم، ونجتهد أن نساهم ما أمكننا في حلها.  

نبذة تاريخية عن الفلبين

وكان المسلمون قديمًا هم الذين يحكمون هذه البلاد، حتى جاء الأسبان، بما يملكون من عتاد حديث، وأسلحة غير الأسلحة التقليدية التي في أيدي المسلمين، ووقعت الحرب بين الفريقين، وانتهت إلى أن لاذ المسلمون بالجنوب واستقروا فيه، وأصبحت لهم الغلبة عليه، والتمكن في أرضه، والأسبان هم الذين أطلقوا على هذه البلاد اسم (الفلبين) نسبة إلى فليب أحد ملوكهم، ولم يكن هذا اسمها التاريخي.

وقد وقعت بين المسلمين وبين (ماجلان) الرحالة الاستعماري المعروف معركة قتل فيها (ماجلان).

وفي العصر الحديث أرادت الدولة المركزية في (مانيلا) أن تخضع المسلمين في الجنوب لها، ورفض المسلمون أن يدينوا لها بالولاء والطاعة؛ لأنهم لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من الدولة، ولا يجوز للمسلم أن يذعن لغير المسلم، والله تعالى يقول: "وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً" [النساء: 141].

أصدرت الدولة في منتصف القرن الماضي قانونًا يفرض على كل مالك أرض أن يسجلها رسميًّا، وإلا اعتُبرت أرضًا لا مالك لها، فيجوز للدولة أن تأخذها وأن تعطيها للآخرين. ورفض المسلمون هذا القانون، وانتهزت الدولة المركزية الفرصة لتُهجِّر من نصارى المناطق الأخرى مَن يستولي على هذه الأرض بقوة السلاح، ومعه قوة الشرطة، وقوة القانون.

وهذا ما دعا المسلمين في تلك المناطق إلى أن يحملوا السلاح؛ ليدافعوا عن أملاكهم ووجودهم وأرضهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.

وزاد الطين بلة أن المسلمين رفضوا أن يدخلوا مدارس الدولة، وأن يتعلموا في جامعاتها، إلا قليلاً منهم، فترتب على ذلك أن أصبح المسلمون لا يعملون في دوائر الحكومة المختلفة؛ لأنهم لا يملكون مؤهلات أي عمل في الحكومة.

وأصبح للمسلمين تعليمهم الخاص، الذي تقوم عليه المدارس والمعاهد العربية الكثيرة في الجنوب الإسلامي، وهي مدارس تعلم طلابها وطالباتها العلوم الشرعية والعربية على الطريقة التقليدية القديمة التي هجرها الأزهر وغيره من المعاهد الدينية، واختاروا طرقًا أيسر منها وأقرب في تعلم النحو والصرف والبلاغة، وغيرها من العلوم.

ولا يتعلم هؤلاء اللغة الإنجليزية وهي ضرورية للناس في هذا البلد، كما لا يتعلمون العلوم الطبيعية والرياضية، فلا يعرفون شيئًا عن الفيزياء والكيمياء والأحياء، والهندسة والجبر وغيرها، كما لا يدرسون شيئًا عن الجغرافيا أو التاريخ.

إن هذه المدارس -وهي بالعشرات بل بالمئات- بمناهجها وكتبها ومدرسيها، تعيش خارج العصر، وكأنما هم أهل الكهف، حين خرجوا من نومهم، فوجدوا دنيا غير الدنيا، ولكن هؤلاء لم ينهضوا من نومهم، ولم يخرجوا من كهفهم بعد!.

هذا هو واقع القوم الذين ذهبنا إليهم والذين دعونا إلى زيارتهم، وقد نزلنا ضيوفًا على محافظ المدينة، فقد كان القوم حريصين على أن نظل تحت أعينهم، خوفًا من أن نتصل بالمجاهدين الذين يقضون مضاجعهم والذين يطالبون بحكم فدرالي، يستقلون به في هذه المنطقة.  

نصائحنا للمدارس العربية في الفلبين

بدأنا زيارة المدارس العربية، التي احتفت بنا احتفاء لا نظير له، وجلسنا مع مديريها ومع مدرسيها ومدرساتها، وقدمنا لهم من النصائح ما نرى أنه أساس لهم.

وكان من هذه المدارس: ما أسسته جمعية (إقامة الإسلام) التي أسسها الشيخ أحمد بشير رحمه الله، وقد زارنا في قطر وفي المعهد الديني أكثر من مرة.

وكان من نصائحنا لهذه المدارس ورجالها: أن تكون لها رابطة أو اتحاد، يجمع بينها، ينشئ جمعية عمومية، وينتخب مجلس إدارة، يقوم على تهيئة ما يلزمها من طلبات، ويرتب أولوياتها، ويعمل على تطوير مناهجها وكتبها، وإدخال ما هو ضروري من العلوم والمواد الدراسية.

قالوا: إن هذا التطوير يحتاج إلى مبان تصلح له، وهذه ليست عندنا، ويحتاج إلى معلم، ونحن لا نملك هذا المدرس، وتحتاج إلى إدارة تديرها، وهذه ليست عندنا.

فقلنا لهم: إذا اتحدتم، وحددتم مطالبكم، وطلبتم المساعدة من بعض البلاد العربية والإسلامية، يمكنها أن تقدم إليكم العون، ولو بالتدريج.

كان أهل الخير في قطر يثقون بالشيخ الأنصاري، ويدفعون له مبالغ عند زيارته لبلاد المسلمين، يفوضونه في إنفاقها، وكان الشيخ كلما زرنا مدرسة دفع إليها مبلغا، وكلما عرفت المدارس الأخرى ذلك تزاحموا على الشيخ يريدون نصيبهم من هذا الخير الذي ساقه الله إليهم، وقد ظهر عدد من المدارس لا حصر له، وخصوصا الصغيرة منها، وقلت للشيخ رحمه الله: هذا أمر لا نهاية له بهذه الطريقة، لا بد أن نكلف من ثقاتهم المأمونين العارفين بقيمة هذه المدارس ومدى عطائها، ومدى حاجتها، ونعطيهم المبالغ، ونكلفهم صرفها على مستحقيها بما يرون، والعهدة عليهم، وهم أعلم بقومهم منا.  

محاضرة في جامعة مندناو

وكان أبرز مؤسسة في مدينة (مراوي) هي (جامعة مَنْدِناو) التي يفترض أن يكون للمسلمين فيها نصيب الأسد، باعتبارها في منطقة إسلامية، ولكن المسلمين ـ كما ذكرنا ـ لا يتعلمون في المدارس الحكومية – الابتدائية والإعدادية والثانوية - التي تؤهلهم للقبول في هذه الجامعة، لذا لم ينالوا حظهم منها كما ينبغي، وفي هذه الجامعة: معهد الملك فيصل للدراسات الإسلامية، وقد دعيت لإلقاء محاضرة فيه، قام بعض الإخوة المصريين الذين يعملون هناك بترجمتها، وكان لها وقع حسن في نفوس الأساتذة والطلاب.

وقد كرمتنا الجامعة وأعطتنا شهادات تقدير للشيخ الأنصاري، والأستاذ سيد أبو سيف، ولي.

كما زرنا جمعية (أنصار الإسلام) التي أسسها الزعيم المسلم الفلبيني (أحمد ألونتو) الذي كان عضوا لمجلس الشيوخ هناك، وكان صديقا للدكتور إبراهيم كاظم عميد كلية التربية، والذي حصل فيما بعد على جائزة الملك فيصل في خدمة الإسلام.

وقد أنشأ (ألونتو) جامعة سماها (الجامعة الإسلامية) وقد زرناها مع الشيخ الأنصاري، ودعيت لإلقاء محاضرة فيها على طلابها.

وظللت طوال هذه الأيام في جنوب الفلبين أتحدث في كل مدرسة نذهب إليها، وكان معنا أكثر من مترجم، يتناوبون واحدا بعد الآخر، حتى تعب المترجمون، وبحت أصواتهم، وأحمد الله أن بقيت سليما لم يصبني شيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.  

المسلمون في كوريا الجنوبية

ومن جنوب الفلبين، نقلتنا الطائرة العسكرية إلى مانيلا لنبيت فيها ليلة، اشترينا فيها بعض التحف الخشبية الفلبينية، وبعض اللوحات المزينة بصدف البحر، ثم غادرنا (مانيلا) إلى مدينة (سول) عاصمة كوريا الجنوبية، ونزلنا في فندق (هَيَاتْ)، ولما سألناهم عن معنى هذا الاسم، قالوا: لا نعرف له معنى، لأنه من غير لغتنا، قلنا لهم: إن أصله عربي، وهو (حياة).

ومن الطريف: أن بعض الفنادق في البلاد العربية نقلت هذا الاسم، وتسمت به منطوقا كما هو بالهاء لا بالحاء، ولما سألناهم، قالوا: هذا اسم لا نعرف أصله، فقد جاءنا من بلاد الشرق الأقصى!!

كان همنا في زيارة كوريا هو: زيارة جامع كوريا ومركزها الإسلامي، الذي ساهمت دولة قطر في إنشائه، وغدا محور النشاط الإسلامي.

وكوريا بلد بوذي، لكن دخله الإسلام بعد الحرب العالمية الثانية، حين وقعت الحرب بين الكوريتين، وأرسلت بعض البلاد جنودا من جيوشها لحماية كوريا الجنوبية من خطر الزحف الشيوعي، الذي تمتلكه كوريا الشمالية.

وكان من البلاد التي شاركت بجنودها هناك: تركيا، وكان في الجيش التركي: جنود مسلمون ملتزمون بأداء الصلاة في أوقاتها، وكان الكوريون ينظرون إليهم، وهم يؤدون الصلوات كل يوم خمس مرات بانتظام، وكثيرا ما يصلونها جماعة بأذان وإقامة، ثم يقفون صفا متراصا خلف إمامهم، وكان هؤلاء الجنود في غاية النظافة والاستقامة في القول والعمل والأدب مع الناس، فسألهم الناس عن هذا العمل الذي يلتزمون به كل يوم، فقالوا: هذه صلاتنا نحن المسلمين فرضها الله علينا خمس مرات في اليوم والليلة، لتكون صلة بين المرء وربه.

وسألوهم عن الإسلام، فشرحوه لهم بإيجاز: إنه إيمان بالله الواحد، وبدار يجزى فيها الناس بعد الموت، ثم عمل الصالحات، وفعل الخيرات، فأعجب كثيرون بهذا الدين، وأعلنوا أنهم مسلمون، وتكاثروا يوما بعد يوم، حتى أمسوا نحو عشرين ألفا في ذلك الوقت.

وكان من هؤلاء: المسلم الغيور النشيط (الحاج صبري) الذي سافر إلى البلاد العربية، ليعرّف بمسلمي كوريا، ويلتمس لهم المعونة، وخصوصا لإقامة مسجدهم ومركزهم الإسلامي.

وقد التقينا بعدد من المسلمين الجدد، والقائمين على النشاط هناك، وألقينا بعض الدروس في المسجد، وزرنا قرية لهم أسلم أهلها، وأقاموا مدرسة لتعليم أطفالهم بجوارهم.

وأخذونا إلى المناطق الجبلية والمتميزة التي يرتادها السائحون، لنأخذ حظنا منها، وزرنا جامعة كوريا، وألقيت فيها محاضرة على طلاب قسم اللغة العربية، وقد أُهدي كل عضو في الوفد القطري فصا من الحجر الكريم الذي تمتاز به كوريا، وهو حجر (التوباس).

كما اشترينا بعض الحرير الطبيعي الذي تشتهر به كوريا.  

اليابان من الهزيمة للنصر  

ومن سول في كوريا، استقللنا الطائرة إلى طوكيو عاصمة اليابان، هذه الدولة التي هُزمت في الحرب العالمية الثانية، وألقت عليها أمريكا قنبلتين ذريتين على مدينتين من مدنها: هيروشيما وناجازاكي، وقتلت عشرات الألوف، وتركت آثارها الضارة على آخرين أضعاف من قتلوا، ولكن اليابان التي هزمت في الحرب: انتصرت بعد ذلك في ميدان آخر هو: ميدان الصناعة والتكنولوجيا.

فأضحت منتجاتها تغزو أسواق أمريكا وأوربا، وأصبحت تملك اقتصادا قويا ينافس ـ إن لم يفق ـ أعظم اقتصادات العالم.

لقد بدأت اليابان نهضتها العلمية والصناعية تقريبا مع مصر، في عهد محمد علي، وإن شئت الدقة قلت: إن مصر سبقتها بقليل، فانظر أين مصر اليوم، وأين اليابان؟ وهل هناك وجه للشبه أو المقارنة؟ نزلت في فندق غاية في الفخامة، وفيما يقدم من خدمات متطورة، ولكنه غال جدا، والحياة في اليابان تكوي السائحين كيا، لشدة غلائها، أحسبها أغلى بلد في العالم.

لذا لم نبق فيها كثيرا، وبخاصة أن رحلتنا طالت، فاتصلنا بالمركز الإسلامي، وجاءنا الأخ الكريم والصديق العزيز الدكتور صالح السامرائي، الذي عاش في اليابان مدة طويلة، وحصل على الدكتوراه منها، وهو الآن مدير المركز الإسلامي بها.

زرنا المركز الإسلامي، ورتب لنا لقاء مع المسلمين في طوكيو، حيث تعاشينا معهم، ثم تحدثنا إليهم، ثم وجهوا إلينا أسئلتهم، وأجبناهم عنها، وكان ممن لقيناه: الدكتور علي السمني، أستاذ اللغة العربية وهو من مصر ويقيم في اليابان من فترة طويلة.

وزرنا المسجد الذي بناه الأتراك، الذين هاجروا قديما من تركيا، وزرنا بعض البلاد الأخرى، التي نسيت اسمها بطول الزمن، وكان فيها الأخ المسلم الياباني د.خالد كيبا.

ودعانا بعض الإخوة اليابانيين للغداء عندهم، فرأينا بيوتهم المتواضعة، والصغيرة والبسيطة، في بنائها وفي أثاثها ومحتوياتها، والتي ينتفعون فيها بكل جزء من المنزل، وكل شبر فيه، وترى الحجرة تستخدم للجلوس، فإذا جاء وقت الطعام تحولت بسهولة إلى حجرة طعام، وبقليل من التحوير تنقلب إلى حجرة نوم.

وقد هيأ لنا إخواننا زيارة بعض الأماكن السياحية، فهكذا يحاول إخواننا في كل بلد أن يوفروا لنا حظا من ذلك، وإن قلَّ، ترويحا لنا من عناء السفر، ومتاعب اللقاء والكلام المستمر في كل مكان ننزله، وهو شعور مشكور منهم، وجزاهم الله خيرا.

كما هيأوا لنا زيارة لبعض المتاجر الكبرى التي كان فيها تنزيلات، لنشتري بعض ما يلزمنا، وخصوصا من (اللؤلؤ الياباني) الشهير، فاشترينا نحن الثلاثة: الشيخ الأنصاري وأبو يوسف وأنا ما رأيناه مطلوبا لنا، ويروق أسرنا، فالمفروض بعد هذه الغيبة أن يعود كل منا إلى أهل بيته بما يسرهم، وهذا من أدب المسلم مع أهله.

هونج كونج المحطة الأخيرة

ثم بدأنا طريق العودة، لنزور مدينة (هونج كونج) الشهيرة، وهي آخر محطة لنا في رحلتنا، وقد أخرناها، لنخفف من طول الطريق في العودة.

وهونج كونج ـ كما هو معلوم ـ مدينة صينية يديرها الإنجليز، وقد جعلوا منها قلعة صناعية وتجارية تنافس أعظم مدن العالم، وعواصمه التجارية.

والإسلام قد دخل الصين من القرن الأول الهجري، فلا غرابة أن يكون في هذه الجزيرة مسلمون، على أن من المسلمين فيها مهاجرين جاءوا من بلاد شتى، وكان فيها ـ على ما أذكر ـ مسجدان زرناهما كليهما وتحدثنا فيهما، وهم يحاولون أن يبنوا مسجدا كبيرا في منطقة حية من المدينة.

وكان فيها قنصل مصري نشيط، سهل لنا كثيرا مما نحتاج إليه، وقد دعانا إلى بيته، وأكرم وفادتنا، ولما جاء وقت الصلاة أردنا أن نصلي، فجاء بسجادة وفرشها لنا متجهة إلى القبلة، وبعد أن بدأنا الصلاة، رأتنا زوجته، فقالت: إن القبلة على عكس ما تصلون، وخجل الرجل خجلا شديدا، وقال الشيخ الأنصاري: يا سبحان الله، رجل مسلم لا يعرف أين القبلة في بيته؟! معنى هذا: أن الرجل لم يصلِّ يومًا في هذا البيت، وتعرف القبلة امرأته! بارك الله فيها، وهداه الله!.

وزرنا مدرسة إسلامية لهم، وتعرفنا بأحد الإخوة المسلمين، وهو الأخ: يوسف يو.

ثم ودعنا (هونج كونج) لنركب الطائرة، في طريق العودة إلى الدوحة عن طريق كراتشي، ودعونا بأدعية السفر ووصلنا الدوحة في أمان الله والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اقرأ في الحلقة القادمة: