| الصفحة الرئيسة للموقع | مذكرات القرضاوي |
|
الجــزء الثالث من مذكرات القرضاوي ( 1 - 10 )
مقدمة الجزء الثالث --- الحلقة الأولى --- الحلقة الثانية --- الحلقة الثالثة --- الحلقة الرابعة --- الحلقة الخامسة --- الحلقة السادسة ---- الحلقة السابعة --- الحلقة الثامنة --- الحلقة التاسعة ----- الحلقة العاشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا
وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه.
(أما بعد)
فهذا هو الجزء الثالث من مذكرات (ابن
القرية والكتاب) وملامح سيرته ومسيرته، التي أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل فيها
دروسا وعبرا، لمن قرأها، موصيا قارئي أن يقتبس مما يراه فيها من خير، وأن يتجنب ما
يلحظه من عثرات، ويلتمس لصاحبها المعذرة، ويدعو له بالمغفرة.
وأود أن أنبه هنا أن ما كان من جهد وعطاء
يجده القارئ في هذه السيرة، فالفضل في ذلك يرجع إلى واهبه سبحانه، ولا أقول إلا ما
قال سليمان عليه السلام حين أُحضِر إليه عرش بلقيس من اليمن -وهو في فلسطين- قبل أن
يرتد إليه طرفه: "قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ
أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ
رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ" [النمل: 40].
وما كان في هذه السيرة من قصور أو تقصير،
أو خطل في الرأي والتفسير، أو شرود في السلوك والعمل، فمرده إلى نفسي، ولا أقول إلا
ما قالت امرأة العزيز: "وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ
بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [يوسف: 53].
ولا يسعني إلا ما وسع أبانا آدم وأمنا
حواء حينما قالا: "رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا
وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [الأعراف: 23].
وتشمل هذه المذكرات من سنة 1965م، إلى
سنة 1978م. وقد وقعت فيها أحداث مهمة على المستوى الشخصي، وأحداث جسام على مستوى
الأمة.
فعلى المستوى الشخصي: رُزقت أبنائي
الذكور الثلاثة: محمدًا وعبد الرحمن وأسامة، ودخلت بناتي -كما دخل أبنائي بعد-
المدرسة، وظهر تفوق الجميع منذ الصغر، بحمد الله.
وحصلت على الدكتوراة من الأزهر بعد أن
كنت أيست منها. وانتقلت من المعهد الديني إلى جامعة قطر، وبدأت أخرج من قمقمي في
قطر، لأنطلق إلى آفاق العالم في قارات الدنيا، مدعوًّا من الجامعات والجمعيات
والمؤسسات، ومشاركًا في الندوات والمؤتمرات.
وعلى مستوى الأمة: حدثت نكبة حزيران
(يونيو) 1967، واحتلت إسرائيل ما بين القنطرة والقنيطرة، وحدث انقلاب النميري في
السودان، وقامت ثورة القذافي 1969، وحدثت مأساة أيلول الأسود، ومات جمال عبد
الناصر، وتولى السادات الحكم 1970، وقضى على مراكز القوى 1971، ووقعت حرب العاشر من
رمضان 1393هـ (6 أكتوبر 1973م) التي انتصر فيها جيش مصر على إسرائيل، وعبر القناة،
واجتاز خط بارليف، وزار السادات إسرائيل في سنة 1977، ووقَّع اتفاقية كامب ديفيد
1978م.
وبدأت الصحوة الإسلامية في الانطلاق
والظهور، وخصوصًا بين الشباب والفتيات، وبدأت البنوك الإسلامية، وبدأ الكتاب
الإسلامي يكتسح السوق.
أحداث كبرى وقعت في تلك المرحلة، سيجدها
القارئ في مواضعها عند حديثنا عنها إن شاء الله.
سائلاً الله تعالى أن يجعل خير أعمارنا
أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه. آمين.
يوسف القرضاوي
الدوحة في: شعبان 1424هـ ، أكتوبر 2003م
|
في هذه الحلقة، يعرض الدكتور
القرضاوي إلى بدايات المحنة الكبرى التي تعرض لها الإخوان في عام 1965م، على يد
النظام الناصري، ومحاولات السلطات المصرية استرجاعه من قطر لاعتقاله، كما تحدث
عن الحملة الإعلامية التي حشدت لها الحكومة المصرية جميع مؤسساتها لتشويه صورة
الإخوان والنيل منهم، ونبه أخيرًا على أمرين مهمين فيما يخص هذه المحنة.. وإلى
التفاصيل...
بعد قضاء شهر في مصايف لبنان
الجميلة، كان حافلاً بالحركة والنشاط، واللقاءات العلمية والدينية في مدينة
بيروت، كان لا بد من العودة إلى قطر، مع بداية العام الدراسي، الذي يبدأ عادة
في منتصف أيلول أو سبتمبر.
فكان لا بد أن يصيبنا رذاذ من محنة
إخواننا في مصر، فإن لم يصبنا وابل فطلّ. فقد حُجِز عشرة من إخواننا وزملائنا
الذين يعملون في قطر، للاعتقال مع من اعتقلوا من المصريين.
وكان الاعتقال هذه المرة أوسع دائرة
من أية محنة سبقت، فكل من اعتقل من قبل في عهد الثورة أو في عهد الملكية يجب أن
يعتقل، ولو كان اعتقاله خطأ، وكل من تحوم حوله شبهة من قريب أو بعيد، ولو بكيد
كائد، أو بلاغ كاذب، يجب أن يعتقل، ويتحقق من أمره فيما بعد، وقد لا تأتي (ما
بعد) هذه.
وكان من المفترض أن أكون أنا والعسال
في أوائل المعتقلين، وقد سئل إخواننا العشرة المعتقلون من قطر جميعًا عنا نحن
الاثنين، ولكن الله نجانا بفضله، ولم ننزل إلى مصر هذه الإجازة، وقد ذكرت السبب
المباشر الذي دفعني إلى عدم السفر إلى مصر، في الجزء السابق.
كان من المعتقلين العشرة سكرتير
المعهد الأخ أحمد المنيب حسين عبد الغفار، وكان لا بد من ملء مكانه بسرعة، حتى
تسير أمور المعهد الإدارية بانتظام، فاخترت أخًا كريمًا من إخواننا
الفلسطينيين، كنت قد تعرفت عليه في مناسبات شتى، فنُقل إلى المعهد، وظل يعمل في
سكرتيريته، حتى انتقلت من المعهد إلى الجامعة، وهو بالمعهد.
وقد كان من المعتقلين العشرة الأخ
الشيخ عبد اللطيف زايد مدرس العلوم الشرعية بالمعهد، وهو داعية ومربٍّ فاضل.
وكان عضدي الأيمن في العمل التربوي مع الطلاب، وكان منهم كذلك الأخ الأستاذ
رشدي عبد الغني المصري، مدرس اللغة العربية المتميز في مادته وطريقته وتحضيره
وأدائه. ومن حسن حظ المعهد أن أُفرج عنه بسرعة وعاد إلى عمله.
كما أُفرج عن الأستاذ رشدي ومجموعة
معه، منهم الأستاذ عبد الحليم محمد أبو شُقة، ومنهم الأستاذ عبد الحميد طه. وقد
كان الإفراج عنهم أمرًا خارقًا للعادة، فقد أفرج عنهم ولا زال الناس يعتقلون،
ويساقون إلى السجن الحربي من هنا وهناك.
أما الشيخ عبد اللطيف، ومعه الأستاذ
أحمد المنيب، وكذلك الأستاذ محمد المهدي البدري فقد بقوا، ولم يفرج عنهم إلا
بعد عدة سنوات، بعد نكبة حزيران (يونيو) 1967 بمدة طويلة.
وقد طلبت السلطات المصرية من حكومة
قطر عودتي إلى مصر، ولا سيما أن سنوات إعارتي الأربع إلى قطر قد انتهت، ومن حق
الدولة المعيرة أن تسترد معارها بعد انتهاء مدته. ولكن قطر -جزاها الله خيرًا-
رفضت طلب السلطات المصرية، وأخبرتهم أنها تعاقدت معي على العمل في وزارة
المعارف في قطر بعقد خاص.
ولما قيل للشيخ قاسم بن حمد آل ثاني
وزير المعارف رحمه الله: إنهم لن يجددوا لي جواز سفري، قال لمن حدثه: سنعطيه
جوازًا قطريًّا.
وانتهت هذه المحاولات بالإخفاق،
نتيجة لموقف قطر الشجاع، وتمسكها بي، واستعدادها لأن تمنحني جوازًا قطريًّا،
إذا فقدت الجواز المصري، وهذا ما حدث، فقد كنت أسافر بوثيقة قطرية تجدد كل سنة،
ثم في سنة 1969م أعطيت جوازًا قطريًّا كاملاً. وسنتحدث عن ذلك في حينه.
كانت هذه المحنة التي ابتُلي بها
الإخوان في مصر، من المحن الكبرى في تاريخهم الدعوي والحركي، وقد كانت محنة
ثقيلة وقاسية ومُرَّة على الإخوان، وذلك يرجع إلى عدة أمور:
أولاً: من ناحية الكم شملت أعدادًا
هائلة، أكبر من أية مرة مضت، حتى إن أجهزة أمن عبد الناصر ومخابراته ذكرت على
سبيل المباهاة أنها اعتقلت ثلاثين ألفًا من الإخوان في عدة ليال. فهي تعتبر هذا
من "الإنجازات" العظيمة (!) التي ينبغي أن تكافأ عليها المكافآت السخية!
ثانيًا: من ناحية الكيف، فقد جرى
فيها من أساليب التعذيب ووسائله الوحشية والحديثة، ما لم يجرِ في المحنتين
السابقتين في عهد الثورة، ولا في المحنة التي مضت في عهد الملك فاروق وحكومة
النقراشي وإبراهيم عبد الهادي.
فقد تعلّم المصريون أساليب استفادوها
من الروس والشيوعيين، الذين هم أئمة القمع والقهر والتعذيب في العالم. فقد
مورست أساليب لم تعرف من قبل، ومنها أساليب غير أخلاقية.
ومن ذلك اعتقال النساء وتعذيبهن، كما
حدث مع السيدة المؤمنة الصابرة زينب الغزالي، التي حكت عن تعذيبها في كتابها
"أيام من حياتي" ما يشيب له شعر الوليد، وما يندى له جبين كل إنسان مصري وعربي.
ثالثًا: أن هذه المحنة كانت مفاجئة
لجمهور الإخوان، فقد داهمتهم على غفلة، دون توقع منهم، ولا عمل قدموه يمكن أن
يؤاخَذوا عليه. فقد كان أكثرهم منصرفًا إلى عمله المعيشي اليومي، يتقنه ويتكسب
من ورائه: الموظف في وظيفته، والتاجر في تجارته، والزارع في زراعته، والمحترف
في حرفته، والطالب في جامعته، وبحسبه أن يؤدي فرائض الله، ويجتنب محارم الله،
ويتحرى الحلال، ويربي أولاده على طاعة الله، ويدع السياسة لأهلها، والدعوة
لربها، على نحو ما قال عبد المطلب لأبرهة: أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله
رب يحميه!.
كان هذا هو اتجاه جمهور الإخوان بعد
محنة 1954م ـ 1965م، وهو الكمون والسكون، حتى تتغير الأحوال، وتواتي الفرصة.
والتغيير حقيقة كونية، ودوام الحال من المحال، ومداولة الأيام سُنَّة قررها
القرآن: "وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" [آل عمران: 140].
ولكن الإخوان فوجئوا -برغم اعتزالهم
لأي نشاط سياسي أو حركي- بهذه الهجمة العامة التي لم تدع أحدًا له صلة بالإخوان
إلا امتدت يدها إليه، حتى بعض من ضعف إيمانهم، وتراخت عزائمهم، ولم يكتفوا
باعتزال النشاط الدعوي، بل أوسعوا الإخوان ذمًّا وتجريحًا، عسى أن يشفع ذلك
لهم، فلم يغنِ عنهم ذلك شيئًا، وشمت بهم من شمت ممن نالهم أذاهم وتطاولهم من
إخوانهم.
ولهذا ينظر الإخوان إلى هذه "المحنة"
الهائلة المريرة على أنها من جانب آخر كانت "منحة" ساقها الله تعالى للإخوان،
الذين أرادوا أن ينشغلوا بهمومهم المعيشية عن همومهم الدعوية، وأن يقول كل
منهم: نفسي نفسي، فشاء الله تعالى أن يريهم أن اعتزالهم لواجب الدعوة لن
ينفعهم، وأنها قد أصبحت مكتوبة على جبينهم، مقروءة في وجوههم، موصولة بحياتهم،
لا تنفصل عنهم، ولا ينفصلون عنها. فليحملوها بإرادتهم واختيارهم، بدل أن
يُحمّلوها رغم أنوفهم، ففي الحالة الأولى يؤجرون على كل ما يصيبهم في سبيلها،
وتجد أنفسهم السكينة والرَّوْح كلما مسهم قرح، أو نزل بهم بلاء، فهو في سبيل
الله. أما في الحالة الأخرى، فلا أجر فيها ولا مثوبة في الآخرة، ولا سكينة ولا
راحة في الدنيا.
ولقد فكرت وتأملت في سبب هذه المحنة
الهائلة التي فُتِحت فيها النار على جماعة الإخوان من كل جانب، وسلطت عليهم
آلات التعذيب الجهنمية، تحطمهم ماديًّا، وتحطمهم نفسيًّا، آلات تأكل من لحومهم،
وتشرب من دمائهم، وتهشم من عظامهم.
لقد قلت: إن جمهور الإخوان لم
يمارسوا أي نشاط، وهذه حقيقة لا ريب فيها، وقد كان بعضهم لم يزل في سجون عبد
الناصر يقضون المدد المحكوم عليهم فيها بالأشغال الشاقة بعيدًا في "الواحات"
بعد أن وقع ما وقع في "ليمان طرة" من مذبحة تحدثنا عنها في الجزء الثاني.
ولكن أجهزة عبد الناصر، أعلنت أنها
اكتشفت "تنظيمًا سريًّا" خطيرًا جدًّا، يقوده "سيد قطب" ومعه مجموعة من
الإخوان، منهم: الشيخ عبد الفتاح إسماعيل، ومحمد يوسف هواش، وعدد قليل آخر،
منهم شخص اشتروه بالإغراء، والتأثير بالوعد والوعيد، والعفو عنه من حبل المشنقة
-وهو علي عبده عشماوي- فخارت قوته، وانهزمت إرادته، فسقط في أيديهم فريسة سهلة،
وأمسوا يلقنونه ما يجب أن يقول، فيذعن لهم، ويصبح رجع الصدى لما يقولونه. وهذا
الطريق من وقع فيه، فقد وقع في حفرة لا ينجو منها إلا إلى حفرة أشد منها عمقًا،
ومن مضى فيه خطوة لم يستطع الرجوع عنها، ومن سقط السقطة الأولى ظل يسقط ويسقط،
إلى ما لا نهاية، فقد غدا لا يملك من أمره شيئًا، غدا مسيّرًا لا مخيرًا، زمامه
بيد غيره. لأن الذي يبيع نفسه للطاغوت، قد خسرها بالمرة، وهذا لون من الشرك
بالله، الذي ينحط به الإنسان إلى أسفل الدركات "وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ
فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ
الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" [الحج: 31].
هذا التنظيم المحدود العدد، المحدود
الإمكانية -الذي يقوم في الأساس على التوعية والتثقيف والإعداد الفكري والنفسي-
قد هوَّلت أجهزة عبد الناصر من أمره، وجعلت "من الحبة قبة"، و"من القط جملاً"،
كما يقول المثل. وأعتقد أن هذه الأجهزة هولت الأمر لعبد الناصر نفسه، وعرضت
عليه الأمر عرضًا يضخم الواقع أضعاف ما هو عليه، فكأنما يراه بمجهر مكبر
(ميكرسكوب). وذلك لتستخرج منه القرار المشئوم بإشعال تنور الأذى والعذاب.
وكثيرا ما تصنع الأجهزة الأمنية ذلك
للقادة السياسيين، فتضللهم، وتدفعهم دفعًا، ليشعلوا معارك حامية لا لزوم لها،
ولا فائدة منها.
والمشكِل في الأجهزة الأمنية أنها لا
ترتاح إلى مناخ الهدوء والاستقرار، فهي لا تبرز ولا تعمل ولا تتحرك بقوة إلا في
جو التوتر والسخونة، فإذا برد الجو اجتهدت أن توقِد تحته حتى يسخن وتشتد
حرارته.
وهي دائما تُشعِر الحاكم والقائد
السياسي بالخطر الواقع أو المتوقع، حتى يشعر أبدًا بحاجته إليهم، وأنهم الذين
يحمونه من تغير الجو الهادئ، إلى جو الريح العاصف، والرعد القاصف، والبرق
الخاطف، وأنهم الذين يعدون له في هذا الجو سفينة الإنقاذ، وطوق النجاة.
حاولوا أن يضفوا المبالغات على هذا
التنظيم المحدود، فقالوا: إنه كان يخطط "لنسف القناطر الخيرية"! وهل يفكر في
ذلك عاقل؟ وماذا يستفيد من ذلك إلا الهلاك والخراب؟ وإذا كان يريد أن يحكم
البلاد، فكيف يخربها قبل أن يستولي عليها؟
وقالوا: إنهم يريدون اغتيال "أم
كلثوم".. وهل يفكر في ذلك من له ذرَّة من عقل؟ وماذا ارتكبت أم كلثوم من جرائم
تستحق عليها القتل؟ وهل يقتل عاقل إنسانة يحبها جماهير الشعب المصري -بل العربي
كله- ويعرض نفسه لسخط عام دون حاجة لذلك؟!
المهم أن الحكومة كانت تملك من أجهزة
الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ما تستطيع به أن تغير الرأي العام إلى
صفها. ولا سيما أن الخصم لا يملك أية وسيلة إعلامية يستطيع بها أن يدافع عن
نفسه، ولو بأدنى دفاع.
ومن المعروف أن الصحف كلها في مصر قد
"أمّمت" وأصبحت ملك الدولة، فهي الناطقة باسمها، والمدافعة عنها، والمهاجمة
لخصومها، ولا يمكن أن يعيَّن رئيس تحرير، أو سكرتير تحرير، أو يظل في منصبه،
إذا شُك في ولائه للثورة ورجالها، ولو مثقال ذرة.
ولا توجد أية صحف معارضة، إذ لا يسمح
بوجود أي حزب أو قوى سياسية، غير الحزب الواحد الذي يحكم البلاد، وهو "الاتحاد
الاشتراكي". فلتقل الحكومة ما تشاء، فلن يعارضها أحد، ولن يسائلها أحد، والمثل
المصري يقول: هل يستطيع أحد أن يقول للغولة: عينك حمراء؟!
وقد بدأت هذه الجولة بالقبض على
الأستاذ محمد قطب يوم 30 يوليو سنة 1965، ثم القبض على الأستاذ سيد قطب في 9
أغسطس التالي، وانطلقت بعد ذلك جحافل عبد الناصر تلقي القبض على آلاف الإخوان،
وافتخر عبد الناصر فيما بعد بأنه قبض على ثلاثين ألفا في نصف ساعة!
وكان القبض على الإخوان المسلمين
بتهمة أنهم يدبرون مؤامرة للعدوان على عبد الناصر وقتله، ويذكر الأستاذ موسى
صبري -وهو كمسيحي لا يمكن أن يكون ضالعًا مع الإخوان- أن كل الثقات يؤكدون أن
قضية الإخوان التي أُعدم فيها سيد قطب كانت من اختراع شمس بدران، وزبانية
البوليس الحربي، وأنها مؤامرة وهمية، وأن التعذيب في هذه القضية هو قمة المأساة[1].
ويقرر الأستاذ محمد حسنين هيكل أن
المعتقلين في هذه القضية وصلوا إلى عدة آلاف، وأن زوار الفجر كانوا يجمعونهم
بغير رحمة، وقد تعرض الكثيرون منهم للتعذيب، وكان عبد الناصر يعرف ذلك، وقد
أشرت إلى ما كتبت في الأهرام آنذاك إلى زوار الفجر، وانتقدت أعمالهم، فاستاء
عبد الناصر مما كتبته في هذا الشأن، واتصل بي ليذكر أنني كنت قاسيًا فيما كتبت،
وأن شمس الدين بدران الذي كان يشرف على تحقيقات الإخوان المسلمين وقتها غضب
وقدَّم استقالته[2].
ويتحدث الرئيس أنور السادات عما أصاب
الإخوان المسلمين في هذا العام فيقول: هُيئ للسلطة الحاكمة في ذلك الوقت أن
الإخوان يتآمرون ليقوموا بثورة مضادة، وقد ذهب ضحية هذا التصور الكثيرون ممن
يحصون بالألوف، وصدرت ضد الكثيرين منهم أحكام، وظل الجميع في المعتقلات أو
السجون إلى أن صفيتُ العملية كلها، فأغلقتُ مباشرة بعد القضاء على مراكز القوى
في سنة 1971. أما المحكوم عليهم -سواء من الإخوان أو أية قضية سياسية أخرى- فقد
أطلقت سراحهم مباشرة بعد معركة أكتوبر سنة 1973م[3].
ويورد سامي جوهر في كتابه "الصامتون
يتكلمون" تفاصيل أوسع عن هذه الحركة الوهمية وعن التعذيب الذي ارتبط بها فيقول:
في سبتمبر سنة 1965 كانت أجهزة المباحث الجنائية العسكرية التابعة للمشير عامر
وعلى رأسها أحد أعوان شمس الدين بدران -وهو العقيد حسين خليل- ادعت أنها كشفت
مؤامرة يدبرها الإخوان المسلمون برئاسة سيد قطب، لقلب نظام الحكم بعد القيام
بعمليات تخريب وتدمير في مختلف أنحاء البلاد، وتم القبض على الآلاف وزُج بهم في
السجون، وبدأت عمليات تعذيب بشع لهم ليعترفوا بكل ما يملى عليهم[4].
وتأكيدا لما نقلناه عن هيكل بأن عبد
الناصر كان يعرف ما يجري من صور التعذيب، يؤكد موسى صبري أن عبد الناصر كان
يعلم بصور التعذيب قبل وقوعها وبعد وقوعها، وكان يحاط علما بأن البعض مات خلال
التعذيب!
وينقل موسى صبري عن صلاح الشاهد
واقعة نقلها صلاح الشاهد إلى جمال عبد الناصر. وخلاصتها أن سيدة فاضلة وقع
عليها تعذيب مرير، وجيء لها بوحش في صورة إنسان ليهتك عرضها... ويقول صلاح
الشاهد: إن عبد الناصر لما سمع منه تلك الشكوى نظر إليه بضيق شديد، وقال له:
مالكش دعوة بالحاجات دي. هو حد من أقاربك اتعذب. الحاجات دي يشوفها سامي شرف[5].
لم تكتف السلطات الحاكمة باعتقال
عشرات الآلاف من الإخوان، وإيداعهم في السجون المختلفة، وتعريضهم لألوان شتى من
التعذيب البدني والنفسي، ومحاكمة أعداد منهم أمام محاكم عسكرية، وإصدار أحكام
جائرة وقاسية على الكثيرين.. لم تكتف بذلك، بل سلطت أجهزة الإعلام المقروءة
والمسموعة والمرئية -وكلها تملكها- على جماعة الإخوان ودعوتهم وتاريخهم، لتفتري
عليهم الكذب، وتشوه صورتهم وسيرتهم، أمام الشعب، ولا سيما الأجيال الناشئة التي
لا ترى ولا تسمع إلا ما تريده الحكومة، ولا يملك الإخوان أن يردوا ولا أن
يكذبوا، ولا أن يدافعوا عن أنفسهم، فالحكومة هي الخصم وهي الحكم. وقد جعلت كل
السلطات في يدها، وهي سلطات عسكرية مائة في المائة، من الادعاء والتحقيق
والقضاء والتنفيذ.
وكنت أتابع هذه الحملة الظالمة،
وأراها تتعمد الكذب على البرآء، والتزوير في الوقائع، ولا أملك إلا أن أحَوْقل
وأسترجع، وأنشد قول الشاعر:
لي حيلة فيمن يســـــــمّ، وليس في
الكذاب حيلة
مـن كان يخلق مـا يقو ل، فحيلتي
فـيه قـليلة
وكان من أشد ما ساءني وآذاني: ما
رأيته في مجلة "منبر الإسلام" التي كانت تصدر من وزراة الأوقاف قديمًا، وكنت
أكتب فيها بتوقيع "يوسف عبد الله" وقد أمست تصدر الآن عن "المجلس الأعلى للشئون
الإسلامية" الذي يديره الضابط المعروف توفيق عويضة أمينه العام، والذي كانت
تعلو كلمته على كلمة وزير الأوقاف إذا تعارضتا.
أصدرت المجلة ملحقًا خاصًّا مثيرًا،
عنوانه: "رأي الدين في إخوان الشياطين"! وقد كتب فيه عدد من العلماء والمشايخ،
كنت أربأ ببعضهم أن ينساقوا في هذا التيار، ويُستخدَموا أدوات في أيدي الظلمة
الجبارين[6].
وقد قال تعالى: "وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ
النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ"
[هود: 113].
وجاء في حديث جابر بن عبد الله أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء!"
قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون بعدي، لا يهتدون بهديي، ولا يستنون
بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني، ولست منهم، ولا
يردون على حوضي"[7].
ولهذا كان السلف يحذرون من مجرد
الدخول على الظلمة، أو السلام عليهم، أو الدعاء لهم، وقال الحسن البصري: من دعا
لظالم بطول البقاء، فقد أحب أن يُعصَى الله في أرضه!.
ورأينا القرآن أشرك مع فرعون وهامان
جنودهما، فقال: "إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا
خَاطِئِينَ" [القصص: 8]. إذ لولا جنود فرعون، ما أمكنه التسلط على خلق الله،
وقهرهم والتجبر عليهم.
والجندية قد تكون بالسيف، وقد تكون
بالقلم، ولعل جندي القلم أشد خطرًا من جندي السيف؛ لأنه بعلمه يضلل الكثيرين عن
الحق، ويزين لهم الباطل.
رأيت من كتب كتابة علمية عن الحركات
السرية والباطنية في التاريخ، ولم يذكر كلمة عن الإخوان، وهو الدكتور أحمد
شلبي، وقد ذكر أنهم لاموه على ذلك، بل عنفوه.
ورأيت من كتب كتابة يقارب فيها
ويجامل، ويبدو أنه مضغوط عليه، وأنه تحت سياط الخوف كتب ما كتب. وكأنما يعتذر
بقول الله تعالى: "إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ"
[النحل: 106].
ورأيت من كتب طامعًا في رضا فرعون
وملئه عنه، ولم يجعل لله ولا للآخرة نصيبًا فيما يذكر، فهو يقول السوء، ويشيع
الزور، ويلبس الحق بالباطل، ابتغاء زينة الحياة الدنيا، ومتاعها الأدنى، وقد
قال تعالى: "مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ
إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ
الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا
فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 15، 16].
كم غلى صدري، وتقطع كبدي، وأنا أقرأ
لبعض هؤلاء الذين يلبسون لبوس علماء الدين، وحملة القرآن، وما لهم من الدين إلا
اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، ولا من العلم إلا قشوره، فليسوا من الراسخين في
العلم، ولكن من الذين في قلوبهم زيغ.
هؤلاء هم الذين قال فيهم الحسن
البصري: والله، لقد رأيناهم صورًا ولا عقول، وأجسامًا ولا أحلام، فَراش نار،
وذِبَّان[8]
طمع، يغدون بدرهمين، ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز!![9].
فويل لهؤلاء مما كتبت أيديهم، وويل
لهم مما يكسبون!
وأود أن أوضح هنا أمرين:
أحدهما: أن جماعة الإخوان التي
يرأسها الأستاذ الهضيبي وقتها، لم تؤسس هذا التنظيم، وليست هي المسئولة عنه،
وإنما يُسأل عنه العدد المحدود الذين دعوا إليه ونظموه.
ومن الظلم أن تحمَّل جماعة كبيرة
كالإخوان وزر فئة محدودة منها، لم تلتزم بخطها، ولم تأخذ إذنًا من مرشدها
العام.
كما أن جماعة الإخوان غير موجودة
قانونًا، ومحلولة رسميًّا، فلا يجوز أن يُنسَب إليها أي عمل، والأفراد ينبغي أن
يحملوا جزاء ما عملوا بصفتهم الفردية.
والثاني: أن هذه الأشياء التي ذكروها
في اتهام هذا التنظيم -إن افترضنا صحتها- لم يُنفَّذ منها شيء على أرض الواقع،
وقد قيل: إن بعضهم كتبها على ورقة، باعتبارها أشياء يفكر فيها، أو مقترحات قد
يعرضها على غيره، أو نحو ذلك.
والإنسان إنما يُسأل -شرعًا
وقانونًا- عما يعمله بالفعل، أو يشرع في عمله، ويأخذ في ذلك خطوات للتنفيذ. أما
أحاديث النفس وخواطرها، وما يدور بتفكيرها، فلا يحاسب عليها الدين، ولا يحاسب
عليها القانون.
وفي الحديث الصحيح: "إن الله عفا عن
أمتي ما حدثت بها أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم" رواه مسلم.
اقرأ في
الحلقة القادمة:
[5] -
وثائق 15مايو، ص 317، 318. وانظر موسوعة التاريخ
الإسلامي للدكتور أحمد شلبي (9/679-687).
[6] - من
الأسماء التي ساءني أن أراها في هذه القائمة: الشيخ
عبد الله المشد، والأستاذ أنور الجندي، والمعروف أنه من
الإخوان. ولكن يبدو أن الضغط كان شديدًا !.
[7]- رواه
أحمد واللفظ له، والبزار ورواتهما محتج بهم في
الصحيح، ورواه الترمذي (2256) وقال: حسن صحيح غريب.
[8] -
ذِبَّان: جمع ذبابة، وهي التي ينطقها العامة: دبّان،
بقلب الذال دالاً.
[9] - ذكره أحمد
في مسند النعمان بن بشير، تعليقًا على الحديث (18404). |
الحلقة الثانية:وقفة مع سيد قطب
وكان التعرض لهذا الموضوع مدخلا مناسبا
ليقف الشيخ في مذكراته وقفة تأملية لفكر الأستاذ سيد قطب، مستعرضا مراحل حياته،
وتطورات أفكاره خلالها، مناقشا هذه الأفكار، ناقدا ومحللا، متفقا ومختلفا.
الحقيقة أن سيد قطب وتنظيمه لم يحاكما من
أجل "الأعمال الخطيرة" التي ارتكبها، ولكن حوكم كلاهما من أجل "الأفكار الخطيرة"
التي اعتنقها أو دعا الناس إليها. ولو أنصفوا وامتلكوا الشجاعة لقالوا: إننا حاكمنا
الرجل -بل حكمنا عليه بالإعدام- من أجل أفكاره لا من أجل أعماله.
والعجيب أن الذي كان يحاكم أفكار سيد قطب
ضابط محدود الثقافة، قليل البضاعة من العلم والفكر، وإن كان لواء في الجيش. فإن كان
لا بد من محاكمة فكر سيد قطب فلتكوّن له لجنة من كبار العلماء والمفكرين، تناقشه
فيما ذهب إليه.
لقد أخطأ عبد الناصر ورجال أجهزته من شمس
بدران ووزارة الدفاع، وأجهزة المخابرات العامة، والمخابرات العسكرية وغيرهم، حين
ظنوا أن "الأفكار" تُحارب بالاعتقال والسجن والتعذيب والإعدام. إنما تحارب الفكرة
بالفكرة، والحجة بالحجة، واللسان باللسان، والقلم بالقلم، ولا تحارب الفكرة بالقوة،
ولا الحجة بالسجن، ولا اللسان بالسنان، ولا القلم بالسيف.
لقد حوكم سيد قطب على أخطر كتاب ألفه،
وهو كتاب "معالم في الطريق"؛ فهو الذي تتركز فيه أفكاره الأساسية في التغيير الذي
ينشده، وإن كان أصله مأخوذا من تفسيره "في ظلال القرآن" في طبعته الثانية، وفي
أجزائه الأخيرة من طبعته الأولى.
كان الكتاب قد طبع منه عدد محدود في
طبعته الأولى التي نشرتها "مكتبة وهبة"، ولكن بعد أن حُكم بإعدام سيد قطب، وبعد أن
كتبت له الشهادة أصبح الكتاب يطبع في العالم كله بعشرات الآلاف. وصدق ما قاله عليه
رحمة الله: "ستظل كلماتنا عرائس من الشمع لا روح فيها ولا حياة، حتى إذا متنا في
سبيلها دبت فيها الروح، وكتبت لها الحياة!".
فهم في الحقيقة لم يقاوموا أفكار سيد
قطب، بل ساهموا مساهمة فعالة في إذاعتها ونشرها!
|
أ. عبد القادر عودة |
ولكن المشكلة تكمن حين يحاكم العسكريون
المدنيين في تهم لا تتعلق بالجانب العسكري؛ فهذا ما تلجأ إليه الأنظمة الديكتاتورية
تحت شعار الأحكام العرفية أو أحكام الطوارئ؛ ليحكموا على خصومهم السياسيين أو
العقائديين بما لا ترضاه المحاكم المدنية.
وأكثر من ذلك أن يحاكم العسكريون كبار
رجال العلم والفكر والقانون، كما رأينا قائد الجناح جمال سالم يحاكم أمثال: حسن
الهضيبي، وعبد القادر عودة، ومحمد فرغلي.
ورأينا اللواء فؤاد الدجوي يحاكم سيد
قطب؛ فإن من العجب حقا أن يحاكم رجل عسكري -مهما تكن خبرته ومعرفته- رجلا في حجم
سيد قطب الأديب الناقد العالم المفكر!!
وفي نهاية المحاكمة التي راقبها الكثيرون
في كل مكان فوجئ الناس بالحكم على ثلاثة من المتهمين بالإعدام، وعلى آخرين بأحكام
متفاوتة.
وقد قوبل الحكم بالإعدام على سيد قطب
وصاحبيه بالدهشة والاستغراب والإنكار، بل الرفض والاحتجاج من أنحاء العالم العربي
والإسلامي، وقامت مظاهرات، وأرسلت برقيات، وحدثت وساطات لدى عبد الناصر، وكان
الكثيرون يتوقعون أن يستجيب لها؛ فلم يفعل، وسد أذنا من طين، وأذنا من عجين، كما
يقول المثل.
لقد شنق ستة من قادة الإخوان سنة 1954م
من أجل تهمة شروع في قتل عبد الناصر في ميدان المنشية، وإن كنا أثبتنا بالأدلة
القاطعة براءة جماعة الإخوان من هذه التهمة، وقول الكثيرين: إن هذه "تمثيلية" وليست
حقيقة، إلى آخر ما ذكرناه في الجزء الماضي. ولكن هناك في الظاهر تهمة شروع في قتل
رأس النظام.
أما هنا فلم يحدث قتل، ولا شروع في قتل،
فعلام يُعدَم هؤلاء؟ وبأي جريمة تُقطَع رقابهم؟!
وقد ذكروا هنا أمرا عجيبا ينبغي أن
نسجله؛ ذلك أن شمس بدران وحسين خليل مدير المباحث الجنائية عرضا على عبد الناصر
خلال محاكمة الشهيد سيد قطب الأحكام التي سيصدرها الدجوي، ومن بينها حكم الإعدام
على سيد قطب، واتفقوا مع عبد الناصر على تخفيف حكم الإعدام عليه إلى السجن، أو
العفو مع تحديد إقامته أو نحو ذلك؛ لينال عبد الناصر كسبا شعبيا يغطي كل ما قيل عن
التعذيب، وما سيُقال عن العقوبات التي ستفرض على الآخرين. ولكنهم فوجئوا بعبد
الناصر يصدق على حكم الإعدام وينفذه![1].
إن دم سيد قطب ورفيقيه سيظل لعنة على من
سفكوه بغير حق، وسيظل يطاردهم، حتى يثأر له القدر من الطغاة الظالمين، ويستجيب
لدعاء المظلومين الذي يرفعه الله فوق الغمام، ويفتح له أبوب السماء، ويقول الرب:
وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين.
سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمد
وللأمد انقضاء
فيمسكها إذا مـا شاء ربي ويرسلها
إذا نفذ القضاء
أما المسئول الأول عن دماء الإخوان
ومحنتهم في هذه المرة؛ فهو "وزارة الحربية" ووزيرها: شمس بدران، وإن شاركتها
الداخلية بالمساعدة في القبض والاعتقال وغيرها.
ولكن ما مدى مسئولية جمال عبد الناصر في
هذه المحنة وتبعاتها؟
لقد حاول بعض الناصريين أن يقلل من
مسئوليته ويخفف منها؛ لأنه في هذه الفترة من الزمن لم يكن هو الذي يحكم مصر في
الحقيقة والواقع، إنما كان الحاكم الحقيقي لمصر هو المشير عبد الحكيم عامر الذي جمع
السلطات كلها في يديه: العسكرية والمدنية، وأصبح لا يُبرَم أمر من الأمور إلا بعد
أن يمر على عامر، وبات عبد الناصر بمثابة الملك الذي يملك ولا يحكم، وكان عامر يفعل
ذلك بحكم نفوذه في القوات المسلحة، حتى قالوا: إن عبد الناصر عرض عليه مرة أن يعينه
نائبا لرئيس الجمهورية، ويدع الجيش والقوات المسلحة، ولكنه رفض؛ ليقينه أن من يملك
القوات المسلحة يملك البلد كله.
وهذا الذي قاله الكثيرون؛ أكده السيد
حسين الشافعي عضو مجلس قيادة الثورة في أحاديثه مع أحمد منصور في برنامج "شاهد على
العصر" الذي تقدمه قناة الجزيرة.
ومع تصديقي بهذه المقولة لا أعفي عبد
الناصر من مسئوليته التاريخية عن هذه المأساة؛ فهو الذي أعلن عنها من "موسكو"، وذكر
في خطابه الشهير هناك قائلا: إننا سنضرب بيد من حديد، وإننا لن نرحم هذه المرة.
كأنه قد رحم في المرة السابقة!
|
السيدة زينب الغزالي |
وهو -على كل حال- الرئيس المسئول دستوريا
وقانونيا عما تفعله حكومته، وهو الذي صدق على حكم إعدام سيد قطب، وهو الذي رفض أية
شفاعة فيه، وأصم أذنيه عن استغاثات العرب والمسلمين أن لا ينفذ حكم الإعدام، وأصر
على أن ينفذ في الرجل الأديب العالم المفكر الداعية الكبير حكم الإعدام.
فمهما يحاول محامو الناصرية أن يبرئوا
الرجل عن التبعة؛ فإن الثابت بيقين أنه مسئول عنها أمام الله سبحانه، وأمام الشعب،
وأمام التاريخ.
على أنا سنثبت عند حديثنا عن "النكسة" أن
المسئول عن كل تجاوزات عامر وانحرافاته هو عبد الناصر!
لا يشك دارس منصف ولا راصد عدل في أن سيد
قطب مسلم عظيم، وداعية كبير، وكاتب قدير، ومفكر متميز، وأنه رجل تجرد لدينه من كل
شائبة، وأسلم وجهه لله وحده، وجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين لا
شريك له. ولا شك في إخلاص سيد قطب لفكرته التي آمن بها، ولا يشك في حماسه لها،
وفنائه فيها، وأنه وضع رأسه على كفه، وقدم روحه رخيصة من أجلها.
ولا ريب أنه قضى سنوات عمره الأخيرة وهو
في السجن يجلي الفكرة، ويشرحها بقلمه المبدع، وبيانه العذب، وأسلوبه الأخاذ. كما لا
ريب أن كتبه تعطي قارئها شحنة روحية وعاطفية دافقة ودافئة ودافعة، توقظه من رقود،
وتحركه من سكون؛ لما فيها من حرارة وإخلاص.
وهذه الفكرة هي التي انتهى إليها تطوره
الفكري والعلمي، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، في مجال الأدب والنقد، وفي مجال الدعوة
والفكر.
ولا بد لمن يريد أن يفهم سيد قطب أن يحيط
بمراحل حياته وتطوره فيها، حتى يعرف حقيقة موقفه الذي انتهى إليه.
مرحلة الأدب والنقد
أول ما ظهر سيد قطب ظهر أديبا شاعرا، ثم
ناقدا أدبيا.
كان شاعرا رقيقا مرهف الحس، دافق
العاطفة، يحسبه الناقدون على "الاتجاه الرومانسي" في الشعر، وعده د. محمد مندور في
جماعة "أبولو" ذات الاتجاهات الرومانسية المعروفة.
ومن المعروف أنه كان في أدبه النثري
محسوبا على "مدرسة العقاد" وكان العقاد يمثل "المدرسة الليبرالية" والفكر الحر، ولم
يكن قد ظهر توجهه الإسلامي الذي اتضح في كتاباته الأخيرة.
وكان الذي يمثل "المدرسة الإسلامية" في
الأدب هو مصطفى صادق الرافعي. وكان بين الاتجاهين أو المدرستين صراع دامٍ؛ سلاحه
القلم، وميدانه المجلات الأدبية كالرسالة والثقافة وغيرهما، والكتب الأدبية، وقد
هاجم الرافعي العقاد في مقالات نشرت بعد ذلك في كتاب سماه "على السفود".
لم يكن سيد قطب في هذه المرحلة قد عرف
بتوجه إسلامي واضح، رغم أنه خريج "دار العلوم" وقد عاصر حسن البنا، وإن لم يتعرف
عليه وعلى دعوته إلا بعد استشهاده.
وقد ذكر الأستاذ محمود عبد الحليم في
كتابه "الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ"[2]
واقعة عن سيد قطب في هذه المرحلة، ما زلت في شك من أمرها، وهي: أنه كتب مقالة في
الأهرام تدافع عن "العرْي" وأنه من الحرية الشخصية للإنسان، على غرار ما يكتبه دعاة
الإباحية، وهذا نفس غريب على مسيرة سيد قطب، فلم يكن الرجل -على ما أعلم- في أي
فترة من حياته من دعاة التحلل. وأرجو من إخواننا من شباب الباحثين أن يحققوا
ويبحثوا في مدى صدق هذه الواقعة.
وقد توج هذه المرحلة من مراحل مسيرته
عملان كبيران من الأعمال الأدبية الأصيلة التي لم يقلد سيد قطب فيها أحدا، بل كان
فيها نسيج وحده.
أولهما: كتابه عن "أصول النقد الأدبي"
وهو -باعتراف مؤرخي الأدب العربي- عمل متميز، وإن لم يأخذ حقه من الظهور، ربما كان
سبب ذلك هو تحول صاحبه إلى الدعوة الإسلامية، وأمسى محسوبا على عالم الدعاة، لا على
عالم الأدباء والنقاد.
وثانيهما: عمله الأصيل المتميز في خدمة
القرآن، وإعجازه البياني، بمنهج لم يسبق له نظير، وهذا العمل يتمثل في كتابيه
الرائعين:
أ- التصوير الفني في القرآن.
ب- مشاهد القيامة في القرآن.
والكتاب الأول يجسد النظرية، والثاني
بمثابة التطبيق لها.
وهذان الكتابان يمثلان تمهيدا أو همزة
وصل للمرحلة القادمة؛ مرحلة الدعوة إلى الإسلام.
مرحلة الدعوة
الإسلامية
والمرحلة الثانية في حياة سيد قطب هي
مرحلة الدعوة إلى الإسلام؛ بوصفه عقيدة ونظاما للحياة يقيم العدالة الاجتماعية في
الأرض، ويرفع التظالم بين الناس، ويرعى حقوق الفقراء والمستضعفين بوسيلتين
أساسيتين، هما: التشريع القانوني، والتوجيه الأخلاقي.
وكان هذا التطور له مقدمات وعلامات،
منها: اهتمامه بقضية المظالم الاجتماعية في مصر، وسيطرة الإقطاع المتجبر في
الأرياف، والرأسمالية الاحتكارية المستغلة في المدن على الاقتصاد المصري، وضياع
الفلاحين والعمال -وهم جل المصريين- بين تجبر أولئك وتسلط هؤلاء.
وقد بدا هذا التوجه واضحا في مشاركته في
مجلة "الفكر الجديد" التي كانت تعنى بهذا الجانب الاجتماعي، والتي لم تدم طويلا،
وقد أشرنا إلى ذلك في الجزء الثاني من هذه المسيرة.
ولعل كتابيه السالفين في خدمة البيان
القرآني قد مهدا له الطريق؛ ليطل على "المضامين" الإصلاحية العظيمة التي اشتمل
عليها القرآن، وإن كانت دراسته أساسا تهتم بالشكل والأسلوب.
|
الشيخ محمد الغزالي |
ولا شك أن الشهيد سيد قطب قد استفاد من
كتب الغزالي، وإن لم ينقل منها بالحرف، وإنما اقتبس كثيرا من الأفكار. ولهذا جعل من
مصادره في الطبعة الأولى للكتاب: "الإسلام والأوضاع الاقتصادية" و"الإسلام والمناهج
الاشتراكية". ثم حُذفا بعد ذلك مع قائمة المصادر كلها.
استقبلت الأوساط الإسلامية كتاب
"العدالة" بالحفاوة والترحيب؛ باعتباره أول مولود لسيد قطب في عهده الجديد،
واستبشروا بأن التيار الإسلامي قد كسب كاتبا له وزنه الأدبي، وقلمه البليغ؛ فهو
يعتبر إضافة لها قيمتها إلى هذا التيار، تعوض الخسارة التي لحقت به بانضمام الشيخ
خالد محمد خالد إلى التيار العلماني؛ فكأن عدالة الأقدار عوضت عن خالد بسيد، وعن
كتاب "من هنا نبدأ" بكتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام".
|
الأستاذ حسن البنا |
وغمرت الإخوان خاصة فرحة بهذا القلم
الجديد الذي انضم إلى القافلة الإسلامية، وكأنه كان مكافأة لهم بعد خروجهم من
معتقلات الطور و"هايكستب" وسقوط وزارة إبراهيم عبد الهادي قاتلة حسن البنا، وصاحب
التاريخ الأسود، والعسكري الأسود!
ولم يكتفِ سيد قطب بهذا الكتاب بل أتبعه
بكتب أخرى: "معركة الإسلام والرأسمالية" و"السلام العالمي والإسلام"، ومقالات عدة
كتبها في مجلة "الدعوة" التي يصدرها الإخوان، ومجلة "الاشتراكية" التي يصدرها حزب
العمل، ومجلة "اللواء" التي يصدرها الحزب الوطني، ولكن هذه المقالات كانت كلها "تحت
راية الإسلام". وهي التي جمعت بعد ذلك تحت عنوان "دراسات إسلامية".
وفي هذه الفترة بدأ يكتب تفسيره الشهير
الذي لم يسمه تفسيرا، ولكنه رضي أن يسميه "في ظلال القرآن" وصدق في تسميته، فلم يكن
في طبعته الأولى يحمل الطابع الرسمي للتفسير، ولكنها وقفات عقل متدبر، وقلب حي،
ووجدان مرهف أمام القرآن، يلتمس عظاته، ويجلي إعجازه، ويبين حقائقه، وينبه على
مقاصده، وإن تغير ذلك في الأجزاء الأخيرة، وفي الطبعة الثانية للأجزاء الأولى، فقد
بدأ يهتم بالجانب التفسيري، حتى أحسب أنه أفرغ خلاصة تفسير ابن كثير في "ظلاله".
وفي هذه الفترة بدأ سيد قطب يقترب من
الإخوان، ويرى بعينيه نشاطهم والتزامهم، وما بينهم من رباط وثيق، وإخاء عميق، وما
يتميز به كثير منهم من وعي دقيق، وشعور رقيق، وكان المرشد العام الأستاذ حسن
الهضيبي يصطحبه معه في رحلاته، ليرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويحكم بعد ذلك بعقله،
ويختار لنفسه.
وقد اختار بملء إرادته الانضمام إلى دعوة
الإخوان، ولا سيما بعد أن خاب ظنه في رجال الثورة، الذين علق عليهم في أول الأمر
آمالا وأحلاما، فتبخرت وضاعت، كما تبخرت أحلام الشاعر العاشق الذي قال:
كأني من ليلى الغداة كقابض على
الماء خانته فروج الأصابع
وأحيل القارئ إلى ما ذكرته في الجزء
السابق عن سيد قطب وانضمامه إلى الإخوان، وتسلمه رئاسة قسم نشر الدعوة في الجماعة،
ورئاسة تحرير مجلتهم، إلى أن دخل معهم في محاكمات محكمة الشعب وحكم عليه بعشر
سنوات.
مرحلة الثورة الإسلامية
وهذه مرحلة جديدة تطور إليها فكر سيد
قطب، يمكن أن نسميها "مرحلة الثورة الإسلامية"، الثورة على كل "الحكومات
الإسلامية"، أو التي تدعي أنها إسلامية، والثورة على كل "المجتمعات الإسلامية" أو
التي تدعي أنها إسلامية، فالحقيقة في نظر سيد قطب أن كل المجتمعات القائمة في الأرض
أصبحت مجتمعات جاهلية.
تكون هذا الفكر الثوري الرافض لكل من
حوله وما حوله، والذي ينضح بتكفير المجتمع، وتكفير الناس عامة؛ لأنهم "أسقطوا
حاكمية الله تعالى" ورضوا بغيره حكما، واحتكموا إلى أنظمة بشرية، وقوانين وضعية،
وقيم أرضية، واستوردوا الفلسفات والمناهج التربوية والثقافية والإعلامية
والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية وغيرها من غير المصادر الإسلامية، ومن
خارج مجتمعات الإسلام.. فبماذا يوصف هؤلاء إلا بالردة عن دين الإسلام؟!
بل الواقع عنده أنهم لم يدخلوا الإسلام
قط حتى يحكم عليهم بالردة، إن دخول الإسلام إنما هو النطق بالشهادتين: أشهد أن لا
إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهم لم يفهموا معنى هذه الشهادة، لم يفهموا أن
"لا إله إلا الله" منهج حياة للمسلم، تميزه عن غيره من أصحاب الجاهليات المختلفة،
ممن يعتبرهم الناس أهل العلم والحضارة.
أقول: تكون هذا الفكر الثوري الرافض،
داخل السجن، وخصوصا بعد أن أعلنت مصر وزعيمها عبدا لناصر، عن ضرورة التحول
الاشتراكي، وحتمية الحل الاشتراكي، وصدر "الميثاق" الذي سماه بعضهم "قرآن الثورة"!
وبعد الاقتراب المصري السوفيتي، ومصالحة الشيوعيين، ووثوبهم على أجهزة الإعلام
والثقافة والأدب والفكر، ومحاولتهم تغيير وجه مصر الإسلامي التاريخي.
هنالك رأى سيد قطب أن الكفر قد كشف
اللثام عن نفسه، وأنه لم يعد في حاجة إلى أن يخفيه بأغطية وشعارات لإسكات الجماهير،
وتضليل العوام.
هنالك رأى أن يخوض المعركة وحده، راكبا
أو راجلا، حاملا سيفه "ولا سيف له غير القلم" لقتال خصومه، وما أكثرهم. سيقاتل
الملاحدة الجاحدين، ويقاتل المشركين الوثنيين، ويقاتل أهل الكتاب من اليهود
والنصارى، ويقاتل المسلمين أيضا، الذين اغتالتهم الجاهلية، فعاشوا مسلمين بلا
إسلام!
وأنا برغم إعجابي بذكاء سيد قطب ونبوغه
وتفوقه، وبرغم حبي وتقديري الكبيرين له، وبرغم إيماني بإخلاصه وتجرده فيما وصل إليه
من فكر، نتيجة اجتهاد وإعمال فكر -أخالفه في جملة توجهاته الفكرية الجديدة، التي
خالف فيها سيد قطب الجديد سيد قطب القديم.. وعارض فيها سيد قطب الثائر الرافض سيد
قطب الداعية المسالم، أو سيد قطب صاحب "العدالة" سيد قطب صاحب "المعالم".
ولقد ناقشت المفكر الشهيد في بعض كتبي في
بعض أفكاره الأساسية، وإن لامني بعض الإخوة على ذلك، ولكني في الواقع، كتبت ما كتبت
وناقشت ما ناقشت، من باب النصيحة في الدين، والإعذار إلى الله، وبيان ما أعتقد أنه
الحق، وإلا كنت ممن كتم العلم، أو جامل في الحق، أو داهن في الدين، أو آثر رضا
الأشخاص على رضا الله تبارك وتعالى.
ونحن نؤمن بأنه لا عصمة لأحد بعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وكل أحد غيره يؤخذ من كلامه ويرد عليه، وأن ليس في العلم
كبير، وأن خطأ العالم لا ينقص من قدره، إذا توافرت النية الصالحة، والاجتهاد من
أهله، وأن المجتهد المخطئ معذور، بل مأجور أجرا واحدا، كما في الحديث الشريف، سواء
كان خطؤه في المسائل العلمية أو العملية، الأصولية أم الفروعية، كما حقق ذلك شيخ
الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما.
وأخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه
المرحلة لسيد قطب، هو ركونه إلى فكرة "التكفير" والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من
ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من "الظلال" ومما أفرغه في كتابه "معالم في
الطريق" أن المجتمعات كلها قد أصبحت "جاهلية". وهو لا يقصد بـ "الجاهلية" جاهلية
العمل والسلوك فقط، بل "جاهلية العقيدة" إنها الشرك والكفر بالله، حيث لم ترضَ
بحاكميته تعالى، وأشركت معه آلهة أخرى، استوردت من عندهم الأنظمة والقوانين، والقيم
والموازين، والأفكار والمفاهيم، واستبدلوا بها شريعة الله، وأحكام كتابه وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا، ليس الناس في حاجة إلى أن نعرض
عليهم نظام الإسلام الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو السياسي، أو القانوني، ونحو ذلك؛
لأن هذه الأنظمة إنما ينتفع بها المؤمنون بها، وبأنها من عند الله. أما من لا يؤمن
بها، فيجب أن نعرض عليه "العقيدة أولا" حتى يؤمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد
رسولا، وبالشريعة حاكمة.
وهذا ما أشار إليه في كتابه "المعالم"
وفصله في كتاب "الإسلام ومشكلات الحضارة". وشبه مجتمعاتنا اليوم بمجتمع مكة في عهد
الرسالة، وأن الرسول لم يعرض عليه النظام والتشريع، بل عرض عليه العقيدة والتوحيد.
كما رأى عليه رحمة الله أن لا معنى لما
يحاوله المحاولون من علماء العصر لما سموه "تطوير" الفقه الإسلامي أو "تجديده" أو
"إحياء الاجتهاد" فيه؛ إذ لا فائدة من ذلك كله ما دام المجتمع المسلم غائبا، يجب أن
يقوم المجتمع المسلم أولا، ثم نجتهد له في حل مشكلاته في ضوء واقعنا الإسلامي.
وقد ناقشت أفكاره عن "الاجتهاد" وعدم
حاجتنا إليه قبل أن يقوم المجتمع الإسلامي، في كتابي "الاجتهاد في الشريعة
الإسلامية" وبينت بالأدلة خطأ فكرته هذه.
وكما ناقشت الشهيد سيد قطب في رأيه حول
قضية "الاجتهاد" ناقشته في رأيه في "الجهاد" وقد تبنى أضيق الآراء وأشدها في الفقه
الإسلامي، مخالفا اتجاه كبار الفقهاء والدعاة المعاصرين، داعيا إلى أن على المسلمين
أن يعدوا أنفسهم لقتال العالم كله، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون!
وحجته في ذلك آيات سورة التوبة، وما سماه
بعضهم "آية السيف" ولم يبال بمخالفة آيات كثيرة تدعو إلى السلم، وقصر القتال على من
يقاتلنا، وكف أيدينا عمن اعتزلنا ولم يقاتلنا، ومد يده لمسالمتنا، ودعوتنا إلى البر
والقسط مع المخالفين لنا إذا سالمونا، فلم يقاتلونا في الدين، ولم يخرجونا من
ديارنا، ولم يظاهروا على إخراجنا.
هذا ما تدل عليه الآيات الكثيرة من كتاب
الله مثل قوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ
مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى
يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ
الْكَافِرِينَ" [البقرة: 191،190]. "فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً"
[النساء: 90].
" فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ
وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانًا مُّبِينًا" [النساء: 91]. " وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ" [الأنفال: 61]. " لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ
لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"
[الممتحنة: 8].
والأستاذ سيد رحمه الله يتخلص من هذه
الآيات وأمثالها بكلمة في غاية السهولة أن هذه كان معمولا بها في مرحلة، ثم توقف
العمل بها، والعبرة بالموقف الأخير، وهو ما يعبر عنه الأقدمون بالنسخ، وقولهم في
هذه الآيات: نسختها آية السيف.
ولا أدري كيف هان على سيد قطب -وهو رجل
القرآن الذي عاش في ظلاله سنين عددا يتأمله ويتدبره ويفسره- أن يعطل هذه الآيات
الكريمة كلها، وأكثر منها في القرآن، بآية زعموها آية السيف؟ وما معنى بقائها في
القرآن إذا بقي لفظها وألغي معناها، وبطل مفعولها وحكمها؟!
ويقول الشهيد رحمه الله: إننا لا نفرض
على الناس عقيدتنا، إذ لا إكراه في الدين، وإنما نفرض عليهم نظامنا وشريعتنا،
ليعيشوا في ظله، وينعموا بعدله.
ولكن بماذا نجيب الناس إذا قالوا لنا:
إننا أحرار في اختيار النظام الذي نرضاه لأنفسنا، فلماذا تفرضون علينا نظامكم
بالقوة؟ إن كل شيء يجرعه الإنسان تجريعا رغم أنفه يكرهه وينفر منه، ولو كان هو
السكر المذاب، أو العسل المصفى!.
وما الحكم إذا كنا نحن -اليهود أو
النصارى أو الوثنيين- أصحاب القوة والمنعة، وأنتم الضعفاء في العدة أو الأقلون في
العدد؟ هل تقبلون أن نفرض عليكم نظامنا ومنهج حياتنا؟ كما هو شأن أمريكا اليوم،
وتطلعاتها للهيمنة على العالم؟.
ومما ننكره على الأستاذ سيد رحمه الله
أنه يتهم معارضيه من علماء العصر بأمرين:
الأول: السذاجة والغفلة والبله،
ونحو ذلك مما يتصل بالقصور في الجانب العقلي والمعرفي.
والثاني: الوهن والضعف النفسي،
والهزيمة النفسية أمام ضغط الواقع الغربي المعاصر، وتأثير الاستشراق الماكر مما
يتعلق بالجانب النفسي والخلقي.
|
الشيخ مصطفى المراغي |
|
الشيخ سيد سابق |
على أية حال، كانت هذه هي الأفكار
المحورية في هذه المرحلة من حياة سيد قطب، وفيها عدل من أفكاره واتجاهه تعديلا
جذريا، وأصبح ما كتبه قديما في "العدالة الاجتماعية" وغيرها، يمثل مرحلة من حياته،
ولا يمثل الخط الأخير الذي يتبناه ويدعو إليه، ويدافع عنه.
فقال له هذا الأخ من تلاميذه: إذن أنت
كالشافعي لك مذهبان: قديم وجديد، والذي تتمسك به هو الجديد لا القديم من مذهبك.
قال سيد رحمه الله: نعم، غيرت كما غير
الشافعي رضي الله عنه. ولكن الشافعي غير في الفروع، وأنا غيرت في الأصول!.
فالرجل يعرف مدى التغيير الذي حدث في
فكره. فهو تغيير أصولي أو "إستراتيجي" كما يقولون اليوم.
وهو على كل حال مخلص في توجهه، مأجور في
اجتهاده، أصاب أم أخطأ، ما دام الإسلام مرجعه، والإسلام منطلقه، والإسلام هدفه.
وأشهد أن الرجل في المرحلة الأخيرة من حياته، كان كله للإسلام، عاش للإسلام، ومات
في سبيل الإسلام! فرضي الله عنه وأرضاه، وجعل الفردوس مثواه، وغفر له ما نحسب أنه
أخطأ فيه، وأجره عليه أجر المجتهدين الصادقين. وغفر لنا معه أجمعين " رَبَّنَا
اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ
فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"
[الحشر: 10].
تحامل على سيد قطب في فكرة الحاكمية
ولقد اتهم بعض الكاتبين سيد قطب بأنه
تبنى فكرة "الحاكمية" التي أخذها عن المودودي، وجعلها من صلب عقيدة التوحيد، ورتب
عليها أحكاما خطيرة، منها أن الدولة التي تقوم على أساسها أشبه ما تكون بالدولة
الدينية، التي تقوم على الحكم بالحق الإلهي. وهذا تحامل ظالم على الرجل.
والحق أن فكرة الحاكمية أساء فهمها
الكثيرون، وأدخلوا في مفهومها ما لم يرده أصحابها. وأود أن أنبه هنا على جملة
ملاحظات حول هذه القضية:
1- الملاحظة الأولى: أن الحاكمية التي
ركز عليها سيد قطب والمودودي، هي الحاكمية بالمعنى التشريعي، ومفهومها أن الله
سبحانه هو المشرع لخلقه، وهو الذي يأمرهم وينهاهم، ويحل لهم ويحرم عليهم، وهذا ليس
من ابتكار المودودي ولا سيد قطب، بل هو أمر مقرر عند المسلمين جميعا؛ ولهذا حين قال
الخوارج لعلي: لا حكم إلا لله لم يعترض علي رضي الله عنه على المبدأ، وإنما اعترض
على الباعث والهدف المقصود من وراء الكلمة، فقال ردا عليهم: "كلمة حق يراد بها
باطل".
وقد بحث في هذه القضية علماء "أصول
الفقه" في مقدماتهم الأصولية التي بحثوا فيها عن الحكم الشرعي، والحاكم، والمحكوم
به، والمحكوم عليه.
فها نحن نجد إماما مثل أبي حامد الغزالي
يقول في مقدمات كتابه الشهير "المستصفى من علم الأصول" عن "الحكم" الذي هو أول
مباحث العلم، وهو عبارة عن خطاب الشرع، ولا حكم قبل ورود الشرع، وله تعلق بالحاكم،
وهو الشارع، وبالمحكوم عليه، وهو المكلف، وبالمحكوم فيه، وهو فعل المكلف...
ثم يقول: "وفي البحث عن الحاكم يتبين أن
لا حُكم إلا لله وأن لا حكم للرسول، ولا للسيد على العبد، ولا لمخلوق على مخلوق، بل
كل ذلك حكم الله تعالى ووضعه، لا حكم لغيره"[3].
ثم يعود إلى الحديث عن "الحاكم" وهو صاحب
الخطاب الموجه إلى المكلفين، فيقول: "أما استحقاق نفوذ الحكم، فليس إلا لمن له
الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الخالق، فلا حكم
ولا أمر إلا له، أما النبي صلى الله عليه وسلم، والسلطان والسيد والأب والزوج، فإذا
أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب من الله تعالى طاعتهم، ولولا ذلك
لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا كان للموجَب عليه أن يقلب عليه الإيجاب، إذ ليس
أحدهما أولى من الآخر، فإذن الواجب طاعة الله تعالى، وطاعة من أوجب الله تعالى
طاعته"[4].
وبهذا نعلم أن فكرة "الحاكمية" ليست من
اختراع سيد قطب ولا المودودي، بل هي فكرة إسلامية أصيلة، قررها علماء الأصول، واتفق
عليه أهل السنة والمعتزلة جميعا.
2- الملاحظة الثانية: أن "الحاكمية" التي
قال بها المودودي وقطب، وجعلاها لله وحده، لا تعني أن الله تعالى هو الذي يولي
العلماء والأمراء، يحكمون باسمه، بل المقصود بها الحاكمية التشريعية فحسب، أما سند
السلطة السياسية فمرجعه إلى الأمة، هي التي تختار حكامها، وهي التي تحاسبهم
وتراقبهم، بل تعتزلهم. والتفريق بين الأمرين مهم، والخلط بينهما موهم ومضلل، كما
أشار إلى ذلك الدكتور أحمد كمال أبو المجد، بحق.
فليس معنى الحاكمية الدعوة إلى دولة
ثيوقراطية، بل هذا ما نفاه كل من سيد قطب والمودودي رحمهما الله.
وحسبي هنا أن أذكر قول سيد قطب في
"معالمه": "ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال
بأعيانهم -هم رجال الدين- كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم
الآلهة، كما كان الحال فيما يُعرف باسم الثيوقراطية أو الحكم الإلهي المقدس!!
ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما
قرره من شريعة مبينة".
3- الملاحظة الثالثة: أن الحاكمية
التشريعية التي يجب أن تكون لله وحده، وليست لأحد من خلقه، ونادى بها المودودي
وقطب، هي الحاكمية "العليا" و"المطلقة" التي لا يحدها ولا يقيدها شيء، فهي من دلائل
وحدانية الألوهية، بل من مقومات التوحيد، كما بين القرآن في قوله تعالى: "
أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ
مُفَصَّلاً" [الأنعام: 114].
وهذه الحاكمية -بهذا المعنى- لا تنفي أن
يكون للبشر قَدْر من التشريع أذن به الله لهم. إنما هي تمنع أن يكون لهم استقلال
بالتشريع غير مأذون به من الله، وذلك مثل التشريع الديني المحض، كالتشريع في أمر
العبادات، والتشريع الذي يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، ويسقط ما فرض الله.
أما التشريع فيما لا نص فيه، أو في المصالح المرسلة، وفيما للاجتهاد فيه نصيب، فهذا
من حق المسلمين، ولهذا كانت نصوص الدين في غالب الأمر كلية إجمالية لا تفصيلية،
ليتاح للناس أن يشرعوا لأنفسهم، ويملئوا الفراغ التشريعي بما يناسبهم[5].
اقرأ في الحلقة
القادمة:
الإخوان في خارج مصر
كيف أنشئت رابطة العالم الإسلامي
القصيدة النونية "أشهر ما كتب
القرضاوي شعرا".
[2] - انظر: "الإخوان
المسلمون: أحداث صنعت التاريخ" لمحمود عبد الحليم "1/190-192". طبعة دار
الدعوة ـ الإسكندرية.
[4]المستصفى: "1/83"
طبع دار صادر ببيروت، مصورة عن طبة بولاق. وفي فواتح الرحموت: مسألة: لا حكم
إلا من الله تعالى، بإجماع الأمة لا كما في كتب بعض المشايخ، إن هذا عندنا، وعند
المعتزلة الحاكم العقل، فإن هذا مما لا يجترئ عليه أحد ممن يدعي الإسلام، بل إنما
يقولون: إن العقل معرف لبعض الأحكام الإلهية، سواء ورد به الشرع أم لا، وهذا
مأثور عن أكابر مشايخنا أيضا "يعني الماتريدية" "1/25" مع المستصفى.
الحلقة الثالثة: الإخوان
في خارج مصر
في هذه الحلقة يعرض الدكتور القرضاوي
لبعض نشاط الإخوان خارج مصر، سواء الذين وجدوا خارجها قبل المحنة، والذين اضطروا
للخروج من وطنهم فرارًا بدعوتهم من بطش السلطة، وكيف قاموا بحملة إعلامية ضخمة في
موسم الحج (1386هـ ـ 1966م) لشرح قضيتهم وفضح ممارسات النظام المصري آنذاك، مبينًا
موقف السلطات السعودية من هذه الحملة.
كما بين في هذه الحلقة أيضًا دور الإخوان
في إقناع المسئولين السعوديين بضرورة إنشاء رابطة العالم الإسلامي، ومساهمتهم في
وضع إهدافها وبيان طرائقها.
كما حدثنا عن فضيلة الشيخ مناع القطان،
والمكانة التي تبوأها في السعودية، ودوره كوسيط بين السلطات هناك والإخوان.
كما قص علينا رحلته مع أشهر قصائده
(النونية)، وكيف جمع متفرقها الذي تشعث في صدر الكثير من الإخوان الذين حفظوها.
ومما تناوله فضيلته في هذه الحلقة أيضًا
العلاقة بين الإخوان وحركة (فتح) الفلسطينية، وكيف أن هذه الحركة ولدت من رحم
الحركة الإسلامية ثم تمردت عليها وتبنت الاتجاه العلماني، مما تسبب في حدوث الجفوة
بينها وبين الإخوان.
كان الإخوان في داخل مصر ما بين معتقل في
السجن الحربي، أو في مزرعة طرة، أو في سجن القناطر، أو في سجن القاهرة (أرميدان) أو
في سجون الأقاليم والمحافظات.. وبين معتقل في بيته ممن لم يصبه الاعتقال، من غير
المعروفين، فهو في منزله أشبه بالسجين، لا يستطيع أن يتحرك، ولا أن يساعد أسرة أحد
من إخوانه؛ لأن الأجهزة له بالمرصاد.
وكان على الإخوان خارج مصر عبء لا بد لهم
أن يحملوه، دفاعًا عن إخوانهم، وتعبئة للرأي العام العربي والإسلامي والعالمي، ليقف
معهم، ويؤازرهم في شدتهم.
وكان على الإخوان المصريين ـ بالخصوص ـ
عبء أكبر من غيرهم، فعليهم أن يتحركوا على الصعيد السياسي، وعلى الصعيد الإعلامي،
ليعملوا شيئًا لنصرة إخوانهم، فقد نجاهم الله من هذه المحنة التي تصهر إخوانهم في
بوتقتها، فعليهم أن يشكروا الله على النجاة منها، بعملهم لمساعدتهم بكل وسيلة.
ولما كانت هذه المحنة سببا في إحياء
الجماعة ـ فكرا وشعورا ـ داخل مصر، فقد كانت سببا في إحياء الإخوان كذلك خارج مصر،
وتحرك الإخوة هنا وهناك للمّ الشمل، وجمع المساعدات المالية، ومحاولة توصيلها
لعائلات المعتقلين، رغم وعورة الطريق، وخطر المحاولة، ويقظة رجال المباحث، لأي طارق
يطرق هذه البيوت المنكوبة، ولم ينس الإخوان ما حصل في محنة 1954 من محاكمات لما
سموه (أجهزة التمويل) التي حكم على بعضهم فيها بعشر سنوات، وأكثر من ذلك.
ومع هذا، لا بد من المخاطرة، ولا يسعنا
بحال أن ندع زوجات إخواننا وأطفالهم وأبناءهم وبناتهم جياعا، كما تريد السلطات
المصرية أن تذل أسر الإخوان، ولا يذل الإنسان مثل الجوع، والجوع كافر، ومثل مد
الكريم يده إلى اللئيم يسأل القوت، ولا يقهر الأم شيء مثل أن ترى فلذات أكبادها
يتضورون من الجوع، وتصرخ بطونهم من الطوى، بين أيديها وهي لا تملك لهم شيئا!!.
أي شيطان لبس الإنسان، فجعله يقسو على
مواطنيه هذه القسوة؟ وهب أنه أذنب، فما ذنب أمه وأبيه وصاحبته وبنيه؟.
ما بالنا اليوم ننكر على إسرائيل ما
تفعله بأسر الفدائيين، حيث تُهدَم بيوتهم، وتدع أهليهم في العراء؟ على حين نجد 95%
من هؤلاء المعتقلين، ليس لهم في الثور ولا في الطحين، ولا في العير، ولا في النفير.
تجاوب الإخوان مع نداء الواجب، ولم يتخلف
عن ذلك إلا المهازيل الذين ترتعد فرائصهم فرقا من الطواغيت، وهم على بعد آلاف
الأميال! وهؤلاء كانوا قليلا، أو أقل من القليل، أو الذين آلوا على أنفسهم: أن لا
يتصلوا بالدعوة من قريب ولا من بعيد. والدعوة في غنى عن هؤلاء الذين ضنوا عليها
بأنفسهم وأموالهم، ورضوا أن يعيشوا حياة الفارغين من الطموح إلى مراتب العلا في
الدنيا، أو درجات النعيم في الأخرى، فأولى أن يخاطبوا بقول الحطئية:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد
فإنك أنت الطاعم الكاسي!
على أن المهم ليس مجرد جمع الأموال،
فالباذلون من الإخوان كثير، والحمد لله، ولكن المهم هو توصيلها إلى الأسر المحتاجة
والمستحقة للعون العاجل. وهي محفوفة بالمخاطر، مليئة بالأشواك، على نحو ما قال
الشاعر العاشق قديما:
كيف السبيل إلى سعاد، ودونها قمم
الجبال، ودونهن صنوف؟
والرجل حافية، ومالي مركب والدرب
وعر، والطريق مخوف
وهذه الأسر ليست مائة ولا ألفا، بل هي
ألوف مؤلفة في القاهرة والإسكندرية وسائر محافظات مصر في الصعيد والوجه البحري، حتى
العريش والواحات كان منها معتقلون. إنها في حاجة إلى شبكة كبيرة ممن لا يبالون ما
يصيبهم في سبيل الله، فإنهم إذا ضبطوا اتهموا بأنهم على صلة بدولة أجنبية، يقبضون
منها الأموال، ويوظفونها في تخريب البلاد، وإفساد العباد.
ولم تمنع المخاطرة من الاتصال بالإخوان
الذين نجوا من الاعتقال، الذين استطاعوا أن يوظفوا عددا من الأخوات المؤمنات
الصادقات في هذا الأمر، فقمن بدورهن خير قيام، على قدر الإمكان. فلا شك أن هناك
أسرا في مدن وقرى مختلفة من أنحاء مصر، لم يستطع أحد الوصول إليها، وظلت صابرة على
البأساء والضراء، تشكو إلى الله الرحمن الرحيم قسوة الإنسان على أخيه الإنسان، بل
قسوة المصري على أخيه المصري!
إلــى اللـه نشكو، إننا بمواطـن
تحكّم فـي آسادهن كلاب!
وقد صار هذا الناس ـ إلا أقلهم ـ
ذئابا على أجسادهن ثياب!
ولم تسلم أسرتنا من آثار هذه المحنة، فقد
كان شقيق زوجتي ـ الأستاذ سامي عبد الجواد ـ أحد المعتقلين، الذين سيقوا إلى مزرعة
طرة، ولقي فيها من المتاعب ما لقي، حتى اضطر إلى إجراء عملية جراحية، وهو في
المعتقل، عانى فيها ما عانى، وما زالت آثارها معه إلى اليوم.
ومما اتجه إليه الإخوان في الخارج: أن
يواجهوا النظام الناصري بحملة إعلامية مضادة، حيث يستحيل عليهم في داخل مصر أن
يردوا على إعلام عبد الناصر المسخر لتأييد كل ما تقوله السلطة من حق أو باطل.
اختار الإخوان أن تكون هذه الحملة في
موسم الحج، حيث يجتمع الحجيج من مصر، ومن الوطن العربي، ومن العالم الإسلامي، ومن
خارج العالم الإسلامي حيث تعيش الأقليات الإسلامية في آسيا وأفريقيا وأوروبا
والأمريكتين وأستراليا. فهذا الموسم هو الزمان المناسب والمكان المناسب لتنظيم هذه
الحملة ضد عبد الناصر، ونظام حكمه، القائم على البطش والقهر، وقمع المواطنين،
وإرهاب كل شخصية أو جماعة تحاول أن ترفع رأسها لتقول في أي مناسبة للثورة: لم؟
ناهيك بأن تقول: لا.
ووسيلته في ذلك: السجون والمعتقلات
والمشانق، وأدوات التعذيب الجنهمية، التي لم يعرفها المصريون قط في عهد الملكية
التي اتهمت بالفساد والانحراف والمظالم، ولما سقطت ظن الناس أنهم تخلصوا من الظلم
إلى غير رجعة، فوقعوا في ظلم أكبر وأضخم، لم يعرفوا له مثيلا من قبل.
وكان لا بد لتنظيم هذه الحملة الدعائية
الواسعة في موسم الحج من أمرين لا بد من الاطمئنان إليهما قبل الشروع في الإعداد
لها.
شرعية هذه الحملة
أول هذين الأمرين: مدى شرعية هذا العمل
في موسم العبادة العالمية (الحج). وكان الرأي السائد: أن القرآن ربط عبادة الحج
بـ(شهود المنافع) للمسلمين، فقال تعالى لإبراهيم: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا
وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام
معلومات) [الحج: 27، 28].
ومن هذه المنافع: أن يناصروا إخوانهم
المستضعفين في الأرض، الذين يجرّعون من كئوس الإيذاء، ويذوقون من ألوان الإهانة
والإذلال ما لا يكاد يحتمله بشر، وأن ينددوا بظالميهم المستكبرين في الأرض بغير
الحق، الذين ساموهم سوء العذاب (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)
[البروج: 8].
ولقد استفاد الرسول الكريم من موسم الحج
في السنة التاسعة، حين بعث أبا بكر أميرًا على الحجيج المسلمين، وبعث وراءه عليًّا
بسورة التوبة ليقرأها على الناس، ليحددوا موقفهم بعد أن أمهلتهم السورة أربعة أشهر.
ويعلن علي باسم رسول الله: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأن
يوفَّى لكل ذي عهد بعهده.
وفي حجة الوداع أعلن الرسول على الناس
بيانه العام الذي أكد فيه كرامة الإنسان، واحترام حقوق الإنسان وصيانة الدماء
والأموال والأعراض، وأبطل ما كان في الجاهلية من أوضاع كالربا وغيره، وقال للناس:
إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب.
فلا حرج إذن أن يُستخدَم الحج فيما فيه
مصلحة المسلمين، على أن يتم ذلك بالحكمة والرفق والأناة، دون إثارة أو مواجهة بين
الناس بعضهم وبعض، حتى لا تحدث فتنة بين المسلمين.
والأمر الثاني: أن توافق السلطات
السعودية على ذلك، وكانت العلاقات بين الإخوان والمملكة العربية السعودية في ذلك
الوقت علاقة تواصل ومودة وتفاهم وتعاون، وذلك في عهد الملك الراحل ـ رجل المواقف
العربية والإسلامية التي لا تُنسَى ـ فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله، ولا
ريب أن كل الذين تعاملوا مع هذا الرجل أثنوا عليه ثناء عاطرًا، من حيث فهمه ووعيه
ودينه وأمانته وشجاعته في تبني الحق والدفاع عنه.
سعي
الإخوان لإنشاء رابطة العالم الإسلامي في مكة
وكان الإخوان قد بدأت صلتهم تتوثق
بالمملكة من قبل في عهد الملك سعود، الذي استجاب للإخوان بإنشاء (رابطة العالم
الإسلامي) فقد كان الإخوان ـ وفي مقدمتهم سعيد رمضان، ومعه كامل الشريف، وعبد
الحكيم عابدين وغيرهم ـ هم الذين أقنعوا المسئولين بضرورة تأسيس هذه المنظمة
العالمية، وبيَّنوا أهدافها، ورسموا طرائقها، وقدموا مسوّدتها للمسئولين، ورشحوا
لهم أعضاءها من الشخصيات الإسلامية العالمية، التي تشترك مع الإخوان في الهم
الإسلامي العام، وفي الوعي بقضايا الأمة الكبرى، ووسائل النهوض بها، مثل: مولانا
أبو الأعلى المودودي من باكستان، ومولانا أبو الحسن الندوي من الهند، والدكتور محمد
ناصر من إندونيسيا، والشيخ محمد محمود الصواف من العراق، والشيخ حسنين مخلوف من
مصر، وغيرهم من رجال العلم والفكر والدعوة والجهاد.
وكان من الإخوان الذين وصلوا إلى المملكة
مبكرين عدد ممن يعملون في سلك التدريس، على رأسهم الأخ العالم الأزهري المتمكن
الشيخ مناع خليل القطان، خريج كلية أصول الدين، وزميلي في الدراسة وفي السكن، وقد
تخرج قبلي بسنتين، وأعير إلى المملكة سنة 1954، 1953 الدراسية، أي قبل محنة الإخوان
مع عبد الناصر بقليل، فنجاه الله منها، واختير للتدريس بالمعاهد والكليات الشرعية
بالرياض، قبل أن تُنشَأ جامعة الإمام محمد بن سعود، وتُضَم هذه الكليات إليها.
وقد حاز الشيخ مناع ثقة المشايخ وطلبة
العلم بالرياض، لأصالة جانبه العلمي، الذي تكون في رحاب الأزهر، ومرونة شخصيته،
وتمتعه بالأناة والحكمة في مواجهة الأمور، وثقة الإخوان به، ممن يعملون في المملكة
من أمثال الشيخ فتحي الخولي، والشيخ مصطفى العالم، وغيرهما ممن يعملون في مُدن
المملكة المختلفة في نجد والحجاز والمنطقة الشرقية.
وكان مما ساعد فضيلة الشيخ مناع على
احتلال مكانته: وجود عالم كبير من قريته نفسها (شنشور منوفية) سبق إلى المملكة،
ونال الاحترام والتقدير من كبار مشايخها، وأمسى مقدمًا فيهم، وبخاصة أنه سلفي
العقيدة، ومن رجال أنصار السنة في مصر، ولكنه كان رجلا ضليعا في العلم، حكيما في
الرأي، قويا في الدين، متينا في الخُلُق، يتميز بالاعتدال والتوسط في النظر إلى
القضايا، ومعالجة المواقف، هذا العالم الجليل هو الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله،
الذي تتلمذت عليه أجيال من أبناء المملكة، وكان عضوا في هيئة كبار علمائها، ولجنة
الإفتاء، وكانت مرتبته تلي مرتبة الشيخ ابن باز، وكان مهيبا محترما محبوبا مسموع
الكلمة من الجميع. لذا كانت معرفة الشيخ عبد الرزاق بالشيخ مناع، وقربه منه، وحسن
رأيه في الإخوان، مما مهد السبيل له لينال وضعه.
ولا غرو أن أصبح الشيخ مناع هو وجه
الإخوان، والممثل لهم أمام الجهات الرسمية السعودية، وأضحت له ثقة عندهم، فإذا أراد
الإخوان شيئا من الحكومة السعودية نقلها إليهم الشيخ مناع، عن طريق لقائه بالأمير
نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية، أو الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير الرياض، أو
الأمير أحمد بن عبد العزيز نائب وزير الداخلية. وكذلك إذا أرادت المملكة أمرًا من
الإخوان استدعت الشيخ مناعا، وأبلغته بما يريدون، أو فاوضوه فيما يطلب منهم، وقد
يرجئ الإجابة حتى يشاور إخوانه، ثم يرجع إليهم.
وفي عهد الملك فيصل رحمه الله ازدادت صلة
الإخوان به توثقا وقوة، وأضحى كثير من الإخوان مجندين لأنفسهم وجهودهم في تأييد
السياسة الإسلامية التي ينهجها الملك فيصل، وهي سياسة تتفق مع أهداف الإخوان، وربما
كان لهم دور في إغرائه بها، ودفعه إليها.
رأينا مثلا الدكتور توفيق الشاوي ـ
القيادي الإخواني المصري ـ يعمل في سبيل تأسيس البنك الإسلامي للتنمية، ويضع له
أسسه وقواعده القانونية.
ورأينا الشيخ محمد محمود الصواف ـ مؤسس
حركة الإخوان في العراق ـ يحمل رسائل من الملك فيصل إلى رؤساء أفريقيا في حركة ذكية
واعية، قادها فيصل بحكمة ومهارة، لتأليب أفريقيا على إسرائيل، وضمها إلى الجانب
العربي. والحق أن سياسة الملك فيصل هذه آتت ثمراتها بسرعة، وقاطعت معظم الدول
الأفريقية ـ خاصة الإسلامية منها ـ الكيان الصهيوني.
ورأينا إخوة من الأساتذة التربويين في
وزارة المعارف التي يقودها الرجل الفاضل الشيخ حسن عبد الله آل الشيخ، وقد شكلت
منهم لجان لتغيير المناهج التقليدية، إلى مناهج معاصرة، تراعي الأسس التربوية،
وتجمع بين الأصالة والتجديد، كما ألفت كتب حديثة في ضوء هذه المناهج لا تغفل
العقيدة الإسلامية، ولا القيم الإسلامية، كما لا تغفل روح العصر وتياراته في
المضمون والأسلوب.
الذي أقصد إليه هنا: أن المملكة في ذلك
الحين كانت مهيأة لتسمح للإخوان بحملتها في موسم الحج (1386هـ ـ 1966م). وكان هجوم
عبد الناصر على المملكة ورجالها وعلى الملك فيصل خاصة، مما أحدث قطيعة بين البلدين،
وتوترًا في العلاقة بينهما، وكان هذا من فضل الله على الإخوان ورحمته بهم، فهو
سبحانه إذا أراد أمرا هيأ له الأسباب، وأزال من طريقه الموانع.
قرر الإخوان في الخارج إصدار عدة كتب
تندد بسياسة عبد الناصر، ومظالم عهده، وخصوصا ما صنعه مع الإخوان، ممن علق على حبال
المشانق جهرة، ومن قتل تحت سياط التعذيب خفية، ومن قتل في السجون علانية، برصاص
الحراس، وهم أمانة تحت أيديهم، كما في مذبحة ليمان طرة الشهيرة، ومن عوِّق أو
شُوِّه أو أصيب بآفة في جسده، ومن ضاع مستقبله، ومن خسرت تجارته، ومن بارت زراعته،
ومن جاعت ذريته، وتعرضت لمحن شداد، ومن تركت الكرابيج الساخنة آثارًا باقية في
بدنه، وأنا واحد منهم.
وطفق الإخوان يهيئون هذه الكتب، ويحضرون
مادتها، ويستكتبون أهل الذكر والخبرة فيها، وظهر منها خمسة، بعدد صلوات اليوم
والليلة، كان أحدها (الوثيقة الخطيرة) التي وقع عليها وزير الداخلية، ومعه آخرون،
لمحاربة (تيار التديّن) في مصر، فهو الذي يفرخ هؤلاء الإسلاميين، الذين يعارضون
الثورة، ويقدمون الفكر البديل عنها، ولا يبالون بالتضحية في سبيلها. وكلما ضربت
الثورة جيلا من هؤلاء، وحطمت قوته، برز جيل جديد، يحمل اللواء، ويعلي البناء، ويجيب
النداء، ويقدم الفداء، ويتحمل البلاء.
ومن أين يأتي هذا الجيل؟ إنه يتولد من
رحم التيار الديني العام، لهذا لا بد من محاصرة هذا التيار من منبعه، ومحاولة
إضعافه، إن لم يكن احتواؤه.
وكان عليّ دور محدد، طلب مني في هذه
الحملة، وهو قصيدتي التي اشتهرت لدى الإخوان باسم (النونية) لأني قلت في مطلعها:
|
وتركت للأيام ما يعييني |
|
صوّرت فيها ما استطعت بريشتي |
وقد مر على قارئي الكريم فقرات من هذه
الملحمة في مناسباتها في الجزء الثاني من هذه المذكرات.
وكان عليَّ أن أكتب مقدمة لهذه القصيدة،
وأن أعلق على بعض أبياتها، وأُعَرِّف ببعض الأسماء التي ذُكرت فيها، مثل حمزة
البسيوني قائد السجن الحربي، وأمين السيد (صول) السجن، ومن حولهما من الجنود
وزبانية التعذيب.
ولكن كانت هناك مشكلة قبل ذلك كله، فقد
أنشأت هذه القصيدة في أواخر سنة 1955م، أي منذ عشر سنوات أو تزيد، وللأسف لم
أكتبها، وكنت معتمدًا على الذاكرة في حفظها، لأني كنت أخشى أن أكتبها، فتهاجم
المباحث منزلي لسبب أو لآخر، وتفتشه، فتجد القصيدة، وقد ذكرت فيما مضى أني استُدعيت
إلى المباحث ليسألوني عن هذه القصيدة خاصة.
وكان عليَّ بعد أن ذهبت إلى قطر أن
أكتبها، ولكن شغلتني شواغل العمل الجديد، والبلد الجديد، والشعور بالأمن، فلم أفكر
في هذه القصيدة، ولم يطلب مني أحد أن أكتبها، أو أنشدها. فنسيت الكثير منها. ولم
يعد ما أحفظه منها مترابطًا، بل هناك فجوات بين بعض القصيدة وبعض، وقديمًا قالوا:
حياة العلم مذاكرته. أما ترك العلم دون مذاكرته فهو على وشك النسيان، ولا سيما مع
طول الزمان، وقد قال شوقي: اختلاف النهار والليل ينسي.
وهنا كان عليّ أن أبحث عن الإخوة الذين
كانوا يحفظون القصيدة ممن كانوا معي في السجن الحربي، ومنهم أخوان كريمان من إخوان
طنطا، وهما: سعد زين العابدين سلامة، أصغر طالب كان في السجن الحربي، وكان في
الشهادة الثانوية، وزميله فؤاد قنديل، وكان في السنة الأولى في كلية الصيدلة، وكان
مشهورًا بقوة الذاكرة، وسرعة الحفظ، حتى إنه حفظ القرآن كله ـ وهو في السجن الحربي
ـ في أقل من سنة.
وقد علمت أن كلا منهما ـ سعدًا وفؤادًا ـ
قد غادرا مصر منذ سنوات إلى ألمانيا، واستقرا فيها، وأكملا دراستهما بها، وتزوجا من
ألمانيتين، بعد أن صمما أن لا يعودا إلى مصر، بعد تجربة السجن الحربي، إلا أن تتغير
الأوضاع فيها، وتهب على الناس رياح الحرية، التي ينعمون بها في بلاد الإفرنج، وقد
طعموا فيها من جوع، وأمنوا من خوف.
وبالسؤال والبحث عرفت عنوان الأخ سعد
وطلبت إليه أن يرسل إليَّ كل ما يحفظه من النونية، ويستعين بالأخ فؤاد، وبكل من
يعرف من نزلاء السجن الحربي.
وكان سعد ـ حفظه الله ـ عند العهد به،
فراسل إخوانه وهاتفهم هنا وهناك، وبعث إليَّ بنحو مائة وتسعين بيتًا من القصيدة،
وهي أكثر من ثلاثمائة في الأصل، وبإضافتها إلى ما أحفظه مما لم يرسلوه إليَّ أمكن
إعادة بناء القصيدة أو الملحمة، ولكن بقيت فيها فجوات اجتهدت أن أملأها بما يفيض به
الخاطر، وإن لم يكن ـ غالبًا ـ في قوة الأصل الذي ظهر في السجن متدفقًا كالسيل،
سلسًا عذبًا كالماء الزلال.
واكتملت القصيدة في نحو ثلاثمائة بيت،
وقدمت لها، وعلقت عليها بما يفي بالمقصود من نشرها. وإن تبين لي بعد ذلك أن بعض
الإخوة من زملائنا في السجن الحربي، يحفظ منها أبياتًا، لم تودع في القصيدة، وأذكر
أني كنت ليلة في الإسكندرية، وقام أحد الإخوة الدعاة الأستاذ محمد عبد المنعم وألقى
كلمة ضمنها أبياتًا كثيرة من النونية، مما لم يوجد فيما نشرته منها. وفي هذا الصيف
(صيف 2003) كنت مدعوًّا على غداء مع عدد من الإخوة، ففوجئت بالأستاذ أحمد أبو شادي،
وقد كان زميلاً لنا في السجن الحربي، ومن رواة القصيدة ينشد أبياتًا مهمة من
النونية، معظمها مما لم ينشر.
وقد أرسلتها إلى الإخوة في المملكة،
وراجعها عدد من الإخوان الشعراء، مثل الأستاذ محمد المجذوب الأديب السوري الشاعر
الداعية، وقد حوروا أشياء قليلة منها، فقد كان آخر القصيدة يشتمل على دعوات أناجي
فيها الله جل ثناؤه، وأسأله كشف الغمة، وتفريج الكربة التي نحن فيها. وكان منها:
|
ومن ابن عبد الناصر المفتون |
|
يا رب خلصنا من ابنَيْ سالم |
فرأى الإخوة تغيير البيت الأول من هذه
المناجاة، لما يشتمل عليه من أسماء أشخاص، وعدلوه إلى هذه الصيغة العامة:
يا رب خلص مصر من أعدائها وأعن على
طاغوتها الملعون
وأحسب أن هذا من صنع الأستاذ المجذوب
رحمه الله.
نشرت القصيدة ضمن كتاب اختار له الإخوة
عنوانًا، وهو (نافذة على الجحيم) يقصدون جحيم السجن الحربي، وما احتوى من عذاب
وأهوال جسام، ونشروا القصيدة تحت عنوان: (مشاهد من الجحيم).
أزعجت هذه الحملة الإعلامية المكثفة
السلطات المصرية، لما قدمته من حقائق ووثائق، وشهادات عدول، بأسلوب قوي مؤثر، وقد
وُزِّع منها عشرات الآلاف، على مختلف الحجيج من أنحاء العالم، وقد كان عبد الناصر
حريصًا على تحسين صورته في العالم، ويبذل إعلامه جهودا جبارة في ذلك، وتنفق عليه
الملايين بسخاء. ولكن هذه الحملة أبطلت سحر إعلامه، وألغت أثره.
إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل
السحر والساحر!
ولقد قال أحد الحكماء: تستطيع أن تخدع
بعض الناس كل الوقت، وتستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، ولكنك لن تستطيع أن تخدع
كل الناس كل الوقت!
كان من أبرز الأحداث التي وقعت في مطلع
سنة 1965: الإعلان عن حركة وطنية فلسطينية تقاوم المشروع الصهيوني، وتقوم بأعمال
عسكرية ضد إسرائيل، وشعارها: ثورة حتى النصر. وكان انطلاق هذه الحركة في
(1/1/1965م) حيث قامت بأول عملية لها.
وقد أطلقت الحركة على نفسها اسم (فتح)
إشارة إلى الحروف الأولى من كلمة: حركة التحرر الفلسطيني، بعد قلبها؛ لأن الحروف
تكوّن كلمة (حتف) فقرئت مقلوبة، لتتحول إلى (فتح) وإن كان فيها حتف الأعداء.
كان الشائع في الأوساط العربية المختلفة
أن الحركة ذات اتجاه إسلامي، ونسب إخواني، وإن لم تعلن عنه بوضوح، مراعاة للظروف
السياسية المحلية والعربية والدولية.
ومن المؤكد أن نصيب أبناء الحركة
الإسلامية الذين أنشئوا حركة فتح كان ملحوظا ومعروفا، ابتداء من زعيم الحركة ياسر
عرفات، الذي كانت صلته بالإخوان معروفة. وقد تحدثت عن شيء من ذلك، أثناء معارك
الإسلاميين مع الإنجليز في القناة.
وكان من هؤلاء أبو إياد (صلاح خلف) وأبو
جهاد (خليل الوزير) وهاني الحسن، وأبو يوسف (محمد يوسف النجار) الذي كان شعلة من
الحركة والسعي والنشاط، وكان يعمل بمكتب وزير معارف قطر، ومنهم أبو شاكر (رفيق
النتشة) وكان يعمل مديرا لمكتب الوزير الشيخ قاسم بن حمد، الذي أيد بقوة نضال فتح.
كما كان في قطر أبو مازن (محمود عباس) الذي كان يعمل مدير شئون الموظفين بوزارة
المعارف في قطر. وكمال عدواني، الذي كان يعمل في إحدى الدوائر في قطر.
والواقع أننا استبشرنا خيرا بتأسيس هذه
الحركة الجهادية، فأرض فلسطين المغتصبة لا يمكن أن تسترد بالكلام أو بالشعارات أو
بالمناورات، أو بالاستجداء من هيئة الأمم ومجلس الأمن، أو بالسعي لدى الدول الكبرى
مثل أمريكا أو روسيا، أو دول أوربا، فكلهم أعلنوا من أول يوم لقيام دولة إسرائيل
أنها خلقت لتبقى.
ومن قديم عرف الناس أن ما أخذ بالقوة لا
يسترد إلا بالقوة، وأن مقاومة السيف المسلول باللسان المعسول لا تُجدي، ولا يمكنها
أن تهزم باطلاً، أو تنصر حقًّا. ولقد ساهم الإخوان بأرواحهم وأعز أبنائهم في حرب
فلسطين 1948م، وقدموا من الشهداء عند الله ما يشهد لهم، وسجل لهم التاريخ ذلك بمداد
من نور، وشهد لهم كبار القادة العسكريين وغيرهم، وإن كان جزاؤهم في النهاية أن
اقتيد مجاهدوهم من الميدان إلى المعتقلات، وحلت جماعتهم، وقتل مرشدهم، وعطلت
دعوتهم، فكانوا هم القربان الذي قدم لإرضاء السادة في الغرب أمريكا وبريطانيا
وفرنسا!!.
لهذا كان التفكير في حركة جهادية يقوم
بها الفلسطينيون أنفسهم، دفاعا عن أرضهم وعرضهم ومقدساتهم، هو الأمر الواجب، والحل
العملي والضروري فأصحاب الأرض أولى الناس بالدفاع عنها. وعلى كل من حولهم من العرب
والمسلمين أن يناصروهم، ويساعدوهم بالمال والسلاح والخبرات العسكرية والفنية، حتى
ينتصروا على عدوهم، فالمؤمنون إخوة، والأمة الإسلامية أمة واحدة، والمسلمون يسعى
بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.
ومضت مدة من الزمن والعلاقات بين حركة
فتح والإخوان في قطر، على ما يرام، تفاهما وتعاونا وتناصحا، ثم أخذت العلاقات
يشوبها شيء من التعكير، بدأ يتسع شيئا فشيئا، حتى حدث بين الطرفين في قطر ما يشبه
الجفوة.
فقد لاحظ الإخوان في قطر أن حركة فتح بدأ
يغزوها اتجاه علماني، لا يبالي بالدين، ولا يركز عليه، ولا يستفيد منه. وظل هذا
الاتجاه يقوى بالتدريج، حتى بدا وكأنه الغالب على الساحة، وهو الموجه للفكر
والسياسة.
وأصبحنا نقرأ نشرات لفتح لا يذكر فيها
اسم الله، ولا تشم فيها رائحة لأي معنى رباني، بل بدت وكأنها تتعمد البعد عن الدين،
أو تعتبره تهمة تبرئ نفسها منها. وكأن هذا الاتجاه غلب على الجانب الإعلامي منها
فترة من الزمن.
وكان بعض المسؤولين في فتح يقول: نحن لا
يهمنا إلا من يحمل البندقية، وإن لم يركع لله ركعة واحدة، أو لم يصم رمضان، أو كان
ممن يشرب الخمر، أو يقترف الموبقات في نظر الدين، ما دام يشهر السلاح على العدو!.
ومن ناحية أخرى: أرادت فتح أن تدوس كل
شيء في طريقها، وأن تخضع الإخوان لإرادتها وسياستها، وظهر هذا الضغط على الإخوان
الفلسطينيين أكثر من غيرهم، ولكن الإخوان جميعا ـ فلسطينيين وغير فلسطينيين ـ رفضوا
الخضوع والانحناء، وسياسة ليّ الذراع، ولم يقبلوا أن يُسيَّروا أو يُسخَّروا لأي
أحد كائنًا من كان.
ومع هذه الجفوة بين الإخوان وفتح اقتضت
الحكمة أن لا يطفو هذا الخلاف على السطح، ويظهر للجمهور، تقديرا من الإخوان للموقف،
وحتى لا يشمت بهم العدو المتربص بالجميع، والذي يعنيه أن يكيد بعضهم لبعض، وأن يضرب
بعضهم بعضا، وهو قرير العين بما يحدث.
والحقيقة أن الإخوان لم يكن لهم ذنب في
هذه الجفوة، ولكن الطغيان جاء من قِبل فتح، التي غرتها الأماني، وزين لها الغرور
بالقوة البغي على أقرب الناس إليها، كما قال القرآن الكريم: (كلا إن الإنسان ليطغى.
أن رآه استغنى) [العلق: 7،6].
على أن هذه الجفوة بدأت تخف حدتها، بخروج
العناصر القوية في فتح من قطر، لتذهب إلى بيروت، وغيرها من العواصم، فقد غادر قطر
أبو يوسف النجار، وأبو شاكر النتشة، وأبو مازن وغيرهم.
زيارة موسى الصدر
للدوحة
كان من أبرز الأحداث في تلك السنة زيارة
الإمام موسى الصدر ـ رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان ـ إلى قطر، ضيفا
على الإخوة (الشيعة) في الدوحة، الذين رحبوا به غاية الترحيب، وكرموه أوفر التكريم،
وأقاموا له الولائم الكبرى في منازل أعيانهم وتجارهم الكبار، وقد حرصوا على دعوتي
ودعوة فضيلة الشيخ عبد المعز عبد الستار، لنشاركهم في الاحتفاء بالرجل وإكرام
وفادته. وقد استجبنا لدعوتهم، وشهدنا ولائمهم، وكانت فرصة لنتحدث مع الرجل الذي
اشتهر بعقله السياسي، أكثر مما اشتهر بعقله الفقهي. ومن المعروف أن في قطر أقلية
شيعية، منسجمة مع الأغلبية السنية، ولا توجد بين الفريقين أية مشكلات مقلقة، والحمد
لله.
وكنت أعرف بعضهم من قبل، ولم أكن أعرف
أنهم شيعة، بل بوصفهم تجارًا أو موظفين أو مواطنين قطريين يؤدون دورهم في المجتمع،
كما يؤدي غيرهم، يقومون بواجباته، ويأخذون حقوقهم، وصلاتهم بالحكام من آل ثاني طيبة
وحميمة.
وهذا يدل على أن الفتن التي تثار في بعض
البلاد بين السنة والشيعة، غالبا ما تكون أسبابها خارجية، تريد أن تضرب المسلمين
بعضهم ببعض، أو يكون هناك ظلم كبير وقع على أحد الفريقين، لا يمكن احتماله أو الصبر
عليه. وما عدا ذلك فالعلاقات تجري ما يرام.
وقد تحدثنا عن أهمية التقريب بين السنة
والشيعة، حتى لا ندع مجالا للذين يصطادون في الماء العكر، وينتهجون سياسة (فرق
تسد)، وأن نركز على (القواسم المشتركة) بين المذهبين، ونوسع قاعدتها ما أمكننا ذلك،
وأن يضع كل منا يده في يد أخيه في القدر المتفق عليه، ويسامحه فيما لا يمكن الاتفاق
عليه. وفقًا لقاعدة المنار الذهبية التي أطلقها العلامة المجدد السيد رشيد رضا رحمه
الله، وهي التي تقول: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه.
وكان مما تذاكرنا فيه: الأشياء الصارخة،
مثل: الشهادة الثالثة في الأذان: (وأشهد أن عليا أمير المؤمنين ولي الله) فمن
المؤكد أن هذه الشهادة لم تكن من جملة الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ولا على عهد الخلفاء الراشدين، حتى في عهد علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه.
وقد أقرني على ذلك، وقال: إن هذا هو
المعروف عند علمائنا، ولكن هناك أمور تصطدم بعواطف العامة، وتحتاج معالجتها إلى
الرفق والأناة والحكمة.
ومما تناقشنا فيه: (الحصاة) التي يضعها
الشيعة في قبلتهم عند كل صلاة، ويتحرون السجود عليها، ويشيع أنها من (طينة كربلاء).
وفي هذا رائحة تقديس للحجارة والحصى، وهو من رشحات الوثنية التي يرفضها الإسلام،
ويسد الذرائع إليها.
وكان من جوابه: أن تحري وجود هذه الحصاة
أو الطوبة ونحوها في موضع السجود مبنيّ على حكم شرعي عند الشيعة من أحكام الصلاة،
وهو أن السجود لا يجوز إلا أن يكون على الأرض أو شيء من جنسها، فلا يجوز السجود على
منسوج كالسجاجيد، أو ملبوس كالثياب، ونظرا لأن معظم المساجد اليوم مفروشة بالسجاد
أو الموكيت ونحوها، يجتهد الشيعة في حمل الحصاة معهم، ليسجدوا عليها، وليس من
اللازم أن تكون من كربلاء ولا من غيرها.
بقي الإمام موسى الصدر أيامًا في الدوحة
معززا مكرما، ثم غادرها عائدا إلى لبنان، وقد قيل يومها: إنه جاء طالبا المساعدة من
إخوانه تجار الشيعة، لينهض بأعمال المجلس الإسلامي الشيعي ومشروعاته في لبنان.
وقيل: إن إخوانه في قطر، لم يخيبوا ظنه، وأنه حصل على عدة ملايين من الروبيات.
والشيعة لا يرون زكاة عروض التجارة
واجبة، بل مستحبة، ولكنهم يرون وجوب الخمس في أرباح التجارة، وكل ما يأتيهم من دخل
يفيض عن حاجاتهم الأصلية لهم ولمن يعولونه طوال العام. أي أنهم يدفعون ضريبة عن
(صافي الدخل) مقدارها الخمس، أي عشرون في المائة (20%) فهم يفسرون بذلك قوله تعالى:
(واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين
وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى
الجمعان والله على كل شيء قدير) [الأنفال: 41].
وهم يدفعون هذا الخمس لمراجعهم الدينية،
الذين ينوبون عن الإمام في زمان غيبته. ومن المعلوم أن أهل البازار في (طهران)
كانوا هم الممولين الأساسيين لحركة الإمام الخميني.
لا جديد في هذه السنة
في قطر
وما عدا هذين الأمرين ـ ما يتعلق بفتح
وزيارة الصدر ـ في هذه السنة الدراسية (1965ـ1966) لم تقع في قطر أية أحداث غير
عادية، فقد مضت الأمور في المعهد الديني، وفي وزارة المعارف، وفي قطر كلها، على
السنن المعتادة، ولا أذكر شيئًا يلفت النظر حدث في تلك السنة. غير أن الدفعة
الثانية من طلاب المعهد قد دخلوا امتحان الشهادة الثانوية وكانت نسبة النجاح مائة
في المائة.
على الصعيد العائلي
وبالنسبة لعائلتي، فقد دخلت ابنتي الكبرى
إلهام المدرسة الابتدائية، وهي لم تكمل السنة السادسة، ولكن الوزارة كانت تسامح في
قبول مواليد سبتمبر وما بعده، وإلهام من مواليد سبتمبر 1959م، لم تكن هناك مشكلة في
قبولها.
ولكن المشكلة ظهرت بالنسبة لأختها سهام،
وهي أصغر منها بسنة (سبتمبر 1960) وقد تعلقت بشقيقتها، وأرادت أن تكون معها في
المدرسة، وجاء (باص) المدرسة ليحمل أختها، فأصرت على الركوب معها وبكت، فركبت
وانطلقت معها، ولكن مديرة المدرسة اعتذرت بأنها لا تستطيع أن تقبلها، لأنها دون
السن المطلوبة بكثير.
وهنا لم أجد بُدًّا من أن أكلم وزير
المعارف الشيخ قاسم بن حمد، راجيا منه أن يستثنيها، رعاية لظروف البنت ومشاعرها،
فاستجاب رحمه الله. وظلت البنت مع أختها طوال مراحل الدراسة الابتدائية والإعدادية
والثانوية والجامعية، حتى نجحتا بامتياز في كلية العلوم، الأولى في قسم الفيزياء،
والثانية في قسم الكيمياء، وعينتا معيدتين بالكلية، وتزوجتا معا في أسبوعين
متتاليين. وحصلتا على الدكتوراه من إنجلترا واحدة تلو الأخرى. والحمد لله رب
العالمين.
وكان أكبر ما يشغلني ويشغل إخواني في قطر، هو محنة الإخوان في مصر، وكثيرا ما كنا نجتمع لنتشاور فيما يجب عمله: أنا والإخوة عبد البديع صقر، وعز الدين إبراهيم، والشيخ عبد المعز عبد الستار، والشيخ علي جمَّاز، وغيرهم، حتى كثير من الإخوة الذين بعدوا عن الجماعة، عرضوا خدماتهم لمساعدة إخوانهم. فالأخوّة الحقة إنما تظهر عند الشدائد، أما في الرخاء والعافية، فكل يدعي أنه أخوك. وقد قال الإمام علي رضي الله عنه:
|
إذا الريح مالت مال حيث تميل |
|
ولا خير في ود امرئ متلون |
ولذا قال العرب في أمثالهم: إن أخاك من
واساك.
وكيف يطيب لنا عيش، أو يهنأ لنا نوم، أو
يهدأ لنا خاطر، والأخبار تصبّحنا وتمسّينا بما يقاسيه إخواننا في السجون من ألوان
العذاب، وما تعانيه أسرهم وذراريهم من بعدهم من ضيق وعسر، حتى كاد بعضهم يتكففون
الناس؟!
وقد قال الشاعر:
إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر
نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله
ليجمعك
اقرأ في الحلقة
القادمة:
القرضاوي يزور
القدس
إعدام سيد قطب
الحلقة الرابعة: إجازة في الخليل والقدس
في هذه الحلقة من مذكراته يحدثنا فضيلة الدكتور القرضاوي عن زيارته الثانية لفلسطين الحبيبة ومدنها المختلفة، ومنها المدينتان العزيزتان الخليل والقدس، وذلك في إجازة صيف عام 1966م، ويعرض لنشاطه وجولاته في تلك المدن، والمحاضرات التي ألقاها فيها، والعلماء والأصدقاء الذين التقى بهم. وكيف استقبل وهو هناك نبأ تنفيذ حكم الإعدام في الأستاذ سيد قطب، ورد فعله إزاء ذلك، الذي بثه في خطبة جمعة ألقاها في مدينة الخليل.
حين أوشكت السنة الدراسية أن تنتهي،
واقتربت إجازة الصيف بدأنا نفكر أين نقضي تلك الإجازة؟
لم يعد في طاقتي أن أقضيها في قطر، وقد
جربت ذلك في الصيف الماضي، فخارت قواي، ولم أستطع المواصلة.
وليس في الإمكان النزول إلى مصر، وقد
امتنعت عن النزول إليها في الصيف الماضي مع وجود احتمال شيء من الخطر؛ فكيف وقد نزل
الخطر، ووقعت الواقعة، وفار التنور، وظهر اسمي في الحملة الإعلامية، مع قصيدتي
النونية؟ لا يعقل أن يذهب أحد من الدار إلى النار!
لذا فكرنا في قضاء الإجازة في لبنان، كما
قضيناها في العام الفائت، ولا شك أنها كانت إجازة ممتعة وشائقة. ولكن زملاء لنا من
الإخوة الفلسطينيين أغرونا بأن نقضي إجازتنا في الضفة الغربية؛ "لتجدوا الجو
المنعش، والجوار المؤنس، والعيش الرخي، والنفس الإسلامي". واقتنعنا فعلا بما عرضوه
علينا، وكنا مجموعة أسر من قطر أسرتنا وأسرة الأخ الشيخ محمد العوضي العجرودي رحمه
الله، وأسرة الأخ سعد مرزوق، وكلنا قد ذهبنا إلى مدينة "الخليل". أما أسرة الأخ
الشيخ علي جماز فقد ذهبت إلى مدينة "البيرة" وسكنت في بيت الأخ سالم سمور.
وكنا قد اتفقنا مع الأخ الأديب الشاعر
محمد فوزي النتشة المدرس في قطر لنسكن في "فيلا" عندهم مكتملة المرافق، في منطقة
"الكروم" أي الأعناب، ومن استأجر بيتا هناك يقولون: استأجر "كرما"؛ لأنه لا يستأجر
البيت وحده، بل يستأجر البيت وما حوله من عنب وفواكه مختلفة، من فواكه الصيف
الجميلة، من التين والعنب و"الدُّرّاق" الذي نسميه في مصر "الخوخ"، والخوخ الذي
نسميه في مصر "البرقوق"، ويبدو أن أول من أدخله إلى مصر السلطان برقوق من سلاطين
المماليك.
وقد استمتعنا طوال الصيف بهذه الفواكه، نقطفها بأيدينا من أشجارها، من الصباح الباكر، وهي أقرب عهد بربها، لم تتعاورها الأيدي. وبعد انقضاء المدة قال لنا آل النتشة: إن العنب كله لكم، ويمكنكم أن تأخذوه معكم. قلنا لهم: لقد شبعنا من العنب والفاكهة والحمد لله، فقالوا: ولكنا نستطيع أن نحول هذا العنب إلى "زبيب" تحمل