أحيانا
أقف أمام مصارع الصالحين لأطيل التفكير! قد أفكر في حقارة الدنيا التي
غادرها هؤلاء الرجال على نحو مزعج، وأسلوب خشن غليظ وأقول: لو كان لها
عند الله مقدار ما هان فيها أولياؤه وسفكت دماؤهم بهذه الطريقة
الهمجية!
أو أقول: ما أشدّ ظهور الحق لدى بعض الناس، وخفا ءه لدى بعض آخر! حتى أرى البعض يموت فداء لما يعرف وأرى آخرين يميتون غيرهم غضبا لما يعرفون!
ونحن نعلم أن اليوم الذى يقتل فيه شهيد هو يوم ميلاده في ساحة الخلد، وانتقاله الى جنة النعيم! ومع ذلك فان سخطنا لا يخف عن المجرمين الذين سفكوا دمه وأباحوا حرمته..
ولى أصحاب رفع الله قدرهم فاستشهدوا وسبقوا سبقا بعيدا، ولى أساتذة قضوا سحابة عمرهم مجاهدين ثم توج جهادهم بتمزيق أجسادهم في سبيل الله ، انّهم الآن سعداء بما قدّموا، وقد أقرأ لهم الآن أو أقرأ عنهم ثم أغوص في لجج عميقة من الفكر، ما أغلى حياة الشهداء ، وما أغبى الذين ظلموهم.
ما الذى أثار هذه المشاعر في نفسي؟ كلام قرأته لعثمان بن عفّان وهو يحاور قتلته قبل أن يتمكنوا منه! قال لهم: "ان وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلىّ في القيود فضعوهما"!
ولما رأى اصرارهم على قتله قال: لم يقتلونني وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم امرئ مسلم الا في احدى ثلاث، رجل كفر بعد ايمانه، أو زنى بعد احصانه، أو قتل نفسا بغير نفس، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا اسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا مذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، ففيم يقتلونني؟
وجاء زيد بن ثابت الى عثمان يقول له: هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: ان شئت كنّا أنصارا لله مرتين؟ فقال عثمان: أما القتال فلا..!!
ان عثمان كان غيبا في نبله وايثاره السلام ورفضه المقاومة الدامية كما كان غريبا في حياته و سخاوة نفسه ودماثة أخلاقه وحبه لربّه!!
ووثب الغوغاء والسفلة على الرجل الذي تستحى منه
الملائكة فقتلوه وهو يتلو القرآن الكريم.
قال محمد بن سيرين: لما أحاطوا بعثمان، ودخلوا عليه ليقتلوه قالت امرأته: ان تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحي الليل بركعة يجمع فيها القرآن!
ان كلمات عثمان قبل أن يموت، وبلاءه الطويل في خدمة الاسلام، وجرأة الرعاع عليه دون أى احترام لسابقته،ان ذلك كلّه أثار في نفسي الاحتقار للدنيا،
والازدراء للغوغاء والنقمة على خصوم الحق..
كما جدد مشاعر الولاء والتقدير لكل شهيد ختم الله حياته بالموت في سبيله، فأحيياه أولا وأحياه آخرا.
الشيخ محمد الغزالي
من كتابه الحق المرّ