الإلياذة والحضارة العربية

Facebook
Google
الاخبار العالميه
العلم و الايمان
كنانه

الصفحة الرئيسية أعلى الإلياذة والحضارة العربية العرب وطرائق الترجمةالإلياذة والحضارة العربية

الإلياذة والحضارة العربية

          ومن أمتع الصفحات التي كتبها البستاني في تاريخ الإلياذة عند العرب الصفحات التي تؤكد أن شعر هوميروس كان معروفا عند خاصة العلماء في بغداد لعهد العباسيين من الذين كانوا ينشدون الإلياذة بأصلها اليوناني وترجمتها السريانية, والظاهر أن الإلياذة كانت منتشرة بين الخاصة في بلاد الفرس والكلدان في زمن الدولة العباسية لأن ثاوفيلس الرهاوى الذي نظمها بالسريانية كان منجم المهدي ثالث خلفائهم. وينقل البستاني عن ابن أبي أصيبعة - في كتابه (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) - أن خَرْشَى جارية الرشيد الرومية تبنت إسحق المعروف بابن الحضيّ, وأدّبته بآداب الروم وقراءة كتبهم, فتعلم اللسان اليوناني علما كانت له فيه رئاسة, فكان يجتمع عنده أحبابه من الخاصة كي يستمعوا إلى معارفه, وإلى إنشاد الشعر اليوناني في بيته. وقد فعل ذلك حنين بن إسحق الذي روى عنه إنشاد شعر هوميروس في بيت ابن الحضى. وقد ذكر هوميروس المؤلفون العرب من أمثال ابن أبي أصيبعة, كما ذكره البيروني في كتابه (الآثار الباقية عن القرون الخالية), وكذلك الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل). وقد أكثر أبو الفرج الملطى المعروف بابن العبري من ذكر هوميروس في تاريخه, الأمر الذي يؤكد به البستاني أن هوميروس كان له شأن مذكور عند نقلة الكتب من بطانة الخلفاء, ولكن إلمام أدباء العرب بأقواله كان إلماما ناقصا, ظل منحصرا في أفراد معدودين من كبار الكلدان, أما منظوماته الشعرية فالثابت أنها لم تعرّب ولم يتول أحد ترجمتها فيما يؤكد البستاني.

          وأتصور أن وعي البستاني بمكانة الإلياذة من ناحية, وقيمة هوميروس في تاريخ الشعر العالمي من ناحية ثانية, وتقصير التراث الأدبي يالعربي في نقل آثار هذا الشاعر والتعريف به من ناحية أخيرة, كان دافعا أساسيا دفعه إلى التعريف بهوميروس وترجمة رائعته الإلياذة التي شغلت الدنيا والناس على امتداد القرون. وقد زاده اقتناعا بما عقد عليه العزم ما انتهى إليه من وجود الطابع الملحمي في الشعر العربي. ولذلك أفرد بابا في مقدمته للملاحم أو منظومات الشعر القصصي بما يماثل الإلياذة, فأشار إلى ضروب الشعر عند الإفرنج وقابل بينها وبين ملاحم الأعاجم والملاحم العربية من الشعر الجاهلي وجمهرة أشعار العرب, واستطرد من ذلك إلى إلقاء نظرة على جاهلية العرب وجاهلية اليونانية, وانتهى بمعارضة بين اللغة العربية واليونانية. مبرزا اتساع اللغة العربية وثروتها القديمة وكثرة مترادفاتها وتعدد المعاني فيها للفظ الواحد مع إيضاح فائدة ذلك. ولم تنسه هذه الحماسة للغته وفخره بماضيها ذكر حاضرها وإيراد أسباب الضعف في تأدية ما استحدث من المعاني العصرية.

الشاعر الأعمى

          ولم يفت البستاني أن يبدأ تقديمه بصورة متخيلة لهوميروس الشاعر اليوناني الأعمى, وانتهى إلى قبول رأي هيرودتس في تفسير أصل اسمه المركب من ثلاث كلمات بمعنى كفيف البصر, وهو تخريج حسن لأنه من الثابت أن بصر هوميروس كُفّ وهو لم يكد يتجاوز سن الشباب. وقد أشار إلى ذلك في أبيات من منظومته (الأوديسة) وقد ولد في ضاحية أزمير. ورعاه زوج أمه الذي تولى تعليم الصبي الذي سرعان ما تفوق على أستاذه. وشرع في قرض الشعر الذي حمله معه, وينشده خلال أسفاره, إلى أن ذاعت شهرته, خصوصا بعد أن نظم ملحمتيه الرائعتين (الإلياذة) التي تتحدث عن حرب طروادة بسبب الجميلة هيلانة, و(الأوديسة) التي تتحدث عن ترحال البطل اليوناني أوديسيوس خلال عودته إلى موطنه إيثاكا, عائدا من حرب طروادة, وغيبته الطويلة على زوجته الجميلة الوفية, بنيلوبي, التي أطمع غيابه الطامعون فيها, فقاومتهم بالحيل المختلفة, ومنها حيلة نسج ثوب عرس جديد, كانت تنقض في الليل ما نسجته منه في النهار.

          ولا ينسى البستاني أن يروي الروايات المختلفة عن شخصية هوميروس, مقارنا بين الأقوال المختلفة. ولا يغيب عنه ما انتهت إليه طائفة من الباحثين, في أواخر القرن الثامن عشر بزعامة وُلف الألماني, من الذين انتهوا إلى الشك في وجود هوميروس, وافتراض أن المتأخرين اخترعوا شخصيته اختراعا, ونحلوه القصائد التي تجمعت عبر الزمن, وتألفت منها ملحمتا الإلياذة والأوديسة. ويعلّق البستاني على هذا الرأي بقوله إن أفكار مدرسة وُلف انتشرت في بداية أمرها انتشار الشرر ثم ما لبثت أن خبت. ولم يكن البستاني يدري - حين كتب هذا الكلام - أن سيأتي عبقري كفيف آخر, هو طه حسين, يتابع ما فعله وُلف, فيطبق مذهب الشك على الشعر الجاهلي, ويذهب إلى أن أغلب هذا الشعر منحول, وأن أمرأ القيس شخصية مخترعة اخترعها العرب كما اخترع اليونان شخصية هوميروس, وكان طه حسين متأثرا في ذلك بأفكار المدرسة التاريخية التي تنتسب إلى ولف الذي تحدث عنه في بعض كتبه, وتأثر بمدرسته فانتهى إلى مثل ما انتهى إليه في كتابه (الشعر الجاهلي) الذي صدر بعد صدور ترجمة البستاني للإلياذة بثلاثة وعشرين عاما, ولا أعرف هل قرأ طه حسين ما كتبه البستاني عن انتحال شعر هوميروس ورفضه دعوى الانتحال أم لا. وظنّي أنه لم يطّلع على ما كتبه البستاني وإلا كان ذكره, أو لعله أغفله عمدا أو بلا وعي لأن البستاني من المناهضين لنظرية الانتحال في شعر هوميروس.

ضد الانتحال

          وأتصوّر أن شعور البستاني بأهمية هذا الموضوع هو ما دفعه إلى أن يفرد لما أسماه (الرأي الوّلفي) قسما خاصا, في معرض حديثه لنظرية انتحال (الإلياذة) في القرن الثامن عشر, وهو النظرية التي دعا لها بعض العلماء ممن أنكروا على هوميروس إنشاء (الإلياذة) وما يتبعها من سائر شعر هوميروس, وذهبوا إلى أنها قصائد متفرقة لشعراء كثيرين رواها الرواة, وعني بجمعها المشغوفون بمطالعة الشعر. وكان من نتيجة قولهم هذا أن هوميروس رجل وهمي خلقته مخيلات الشعراء, ويقول البستاني إن ذلك ما يُدعى في عرف الإفرنج (الرأي الوُلفي) نسبة إلى ولف العالم الألماني, وإن لم يكن هو السابق إلى نشر هذه النظرية, وإنما نسبت إليه لأنه كان أشد دعاتها, وتيسر له نشر اجتهاداته في زمن ثوران أفكار وانقضاض على كل كبير فيما يقول البستاني الذي يضيف أنه سبق وألف أفراد ذوو شأن في عالم الأدب فلم يكن لكلامهم شيء من الوقع. وقد بدأ الشك في نسبة الإلياذة والأوديسة إلى هوميروس في أواخر القرن التاسع عشر, فذهب كازوبون الفرنسي إلى إنكار وجود هوميروس وكون الإلياذة من نظم شاعر واحد, ولم يترك اجتهاده صدى كبيرا, وجاء بعده في الإنكار هيدلين قس أوبنياك فكان صدى إنكاره أعلى, الأمر الذي فتح باب الإنكار لموطنه بيرو والإنجليزيين وود وبنتلي, وتبعهم فيكو الإيطالي, فأربى بكتابته على من تقدمه فيما يقول البستاني الذي يؤكد أن صاحب القدح المعلى في هذا المضمار هو ولف الذي ما كاد ينشر مقدمته على الشعر الهوميري في أخريات القرن الثامن عشر حتى شاع في ألمانيا, وانتشر منها إلى أوربا.

الصفحة الرئيسية أعلى التالي

 

حقوق النشر محفوظة تم النشر في يناير 2018
للأستاذ المستشار / محمد عبد الغنى عبد الحميد سيد  | جمهورية مصر العربية

نمتلك المصادر الأجنبية التي تمت ترجمتها من معظم لغات العالم

بكل فخر برعاية


 

All rights reserved
Professor / Mohamed Abdelghany Abdelhamid Sayed

(Department of the educational - Arab Republic of Egypt)
We Have the foreign sources which have been translated

 from most of the world's languages