الأحاديث النبوية

الحياء من الإيمان

التمهيد :
الحياء زينة النفس البشرية ، وتاج الأخلاق بلا منازع ، وهو البرهان الساطع على عفّة صاحبه وطهارة روحه ، ولئن كان الحياء خلقاً نبيلاً يتباهى به المؤمنون ، فهو أيضا شعبة من شعب الإيمان التي تدفع صاحبها إلى الجنة ، كما قال رسول الله - - : ( الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة ) ، كما أنه شعار الإسلام ، كما يتضح في الحديث القائل : (إن لكل دين خُلقًا، وخُلُقُ الإسلام الحياء) ، لذلك علينا أن نحرص على هذا الخلق النبيل ، وأن نجعله شعاراً لنا ؛ حتى يكتمل إيماننا .
الحديث :
عن أبي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بن عمرو الأَنْصَارِيّ البَدْرِيّ - رضي اللهُ - عنه قال : قالَ رسُولُ الله -
- : " إِنَّ مما أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوةِ الأولى : إِذا لمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ ". رواه البخاري.
اللغويات :
الأَنْصَارِيّ : نسبة إلى الأنصار أهل المدينة الذين ناصروا الرسول - - ودعوته

- البَدْرِيّ : نسبة إلى غزوة بدر

- أدرك الناس : لحق ، بلغهم ، علموه

- من كلام النبوة : حكم الأنبياء وشرائعهم التي نزلوا بها

- تستح : تتحلّ بالحياء (الخجل ، الاحتشام) .
تعريف الحياء : هو الاحتشام والبعد عن كل ما يلام الإنسان على فعله مع الخوف من الله تعالى ، والالتزام بمكارم الأخلاق ، ومراعاة شعور الناس واحترامهم  .
الشرح :
إنك إذا أردت فعل شيء ، و كنت لا تستحي من الله ولا تراقبه فأعطِ نفسك مناها وافعل ما تشاء فإن الله سيجازيك أشد الجزاء .

س 1: ما أنواع الحياء ؟
جـ : الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه :
-
أحدها : حياؤه من الله تعالى و يكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره (نواهيه) .
-
الثاني : حياؤه من الناس و يكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح .
-
الثالث : حياؤه من نفسه و يكون بالعفة والطهارة حتى وهو منفرد مع نفسه .

س2: متى يكون الحياء مرفوضاً ؟
جـ : حياء الرجل في رد الظالم والظلم ، أو في طلب العلم فهو حياء في غير موضعه ودليل ضعف .

س3: ما أهم الدروس المستفادة من الحديث ؟
جـ : يرشدنا إلى أن الحياء خير كله ، ومن كثر حياؤه كثر خيره ، ومن قل حياؤه قل خيره . لا حياء في تعليم أحكام الدين ، ولا حياء في طلب الحق .

س4: ما واجب الآباء والمربين في المجتمع ؟
جـ : إن واجب الآباء والمربين في المجتمع أن يعملوا جاهدين على إحياء خلق الحياء ، وأن يسلكوا في سبيل ذلك الطرق التربوية المدروسة ، والتي تشمل مراقبة السلوك والأعمال الصادرة من الأطفال وتقويم ما يتناقض مع فضيلة الحياء ، واختيار الرفاق الصالحين وإبعاد رفاق السوء ، والتوجيه إلى اختيار الأطفال للكتب المفيدة ، وإبعادهم عن مفاسد الأفلام والمسرحيات ، والكلمات السوقية .

س5: ما تأثير قلة الحياء في هذا الزمن أو انعدامه عند بعض الناس ؟
جـ : كثرت المنكرات ، وظهرت العورات ، وجاهر الناس بالفضائح ، واستحسنوا القبائح ، وقلت الغيرة على المحارم أو انعدمت عن كثير من الناس ، بل صارت القبائح والرذائل عند بعض الناس فضائل ، وافتخروا بها .
التذوق :
(من كلام النبوة ) : تعبير يدل على تكامل الأديان .
( الحديث كله) : كناية عن عظمة الحياء ، وأثره الطيب .
( الحديث كله) : فيه إيجاز بالقصر ، غرضه : إثارة العقل وتحريك الذهن ، وإمتاع النفس .
(إِذا لمْ تَسْتَحِ) : جملة شرطية نفهم منها التنفير من الوقاحة و الحث على الاتصاف بخلق الحياء .
تعريف الإيجاز بالقصر : ويكون بتضمين العبارات القصيرة معاني كثيرة من غير حذف .
(فاصنع ما شئت) : أسلوب إنشائي / أمر ، غرضه : التهديد والتوبيخ الشديد و التخويف من سوء العاقبة ، وعلاقة (فاصنع) بما قبلها نتيجة .

" من توجيهات الرسول عليه السلام"

التمهيد :
هذا الحديث هو وصية جامعة مانعة موجزة لمبادئ الحياة كلها ، وصية فيها قواعد كلية في التعامل مع الله ، والتعامل مع النفس ، والتعامل مع الناس حرص الرسول -
- أن يقدمها لأمته ؛ ليرسم لهم الطريق الأمثل في الحياة .

الحديث :
عَنْ أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنْ رَسُول اللَّهِ -  - قال : (
اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ ، وأتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَة تَمْحُها ، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ .. ) رواه التِّرْمِذِيّ .

اللغويات :
اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ : أي اخشَ الله في كل مكان و أوان

- الحَسَنَة : وتكون بصلاة أو صوم أو صدقة أو استغفار .. إلخ

- تَمْحُها : تزيلها ، تدفعها × تثبّتها ، تبقيها

- خَالِقِ النَّاسَ : أي خالطهم وعاملهم

- بِخُلُقٍ حَسَنٍ : بالمعاشرة الطيبة و المعاملة الحسنة .

الشرح :
س 1: كيف تكون علاقة الإنسان بربه ؟
جـ : أن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله يراه ، وهي علاقة تقوم على الإتيان بجميع الواجبات والانتهاء عن سائر المنكرات والاستمرار على الطاعات .

س 2: كيف تكون علاقة الإنسان بنفسه ؟
جـ : بالإكثار من فعل الحسنات ( من صلاة أو صدقة أو استغفار أو تسبيح أو غيرها) ، فكلما اقترف ذنباً - ولو صغيراً - بادر بالحسنة ؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات ، ولا يمحو الشر إلا الخير (الحسنة) .

س 3: كيف تكون علاقة الإنسان بالناس ؟ أو كيف يكون خلق المسلم حسناً ؟
جـ : هو أن يفعل معهم ما يحب أن يفعلوه معه أي يعاملهم معاملة حسنة ، فيحسن إلى مسيئهم ، ويصل من قطعه ، ويعفو عمن ظلمه .

س4 : ما ثواب أن نكون من المتقين ؟
جـ : ثواب المتقين هو :
1 - حُب الله (
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (من الآية 76 - آل عمران)
2 - أن نكون في حماية الله (
أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (من الآية 123 - التوبة)
3 - حياة ميسرة فيها هدوء البال (
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) (من الآية 4 - الطلاق)
4 - تكفير السيئات والأجر من الله (
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً) (من الآية 5 - الطلاق)
5 - يجعل الله له مخرجاً (
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) (من الآية 2 - الطلاق)
6 - الرزق (
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (من الآية 3 - الطلاق)
7 - الجنة (
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (من الآية 133 - آل عمران)
8 - النجاة من العذاب (
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) (من الآية 72 - مريم)

ما يرشدنا إليه الحديث :
1 - وضع الأسس الصحيحة لعلاقة الإنسان بربه ونفسه ومجتمعه .
2 - الحرص على سعادة الفرد في الدنيا و في الآخرة .
3 - تكوين الروابط الاجتماعية لنهضة المجتمع .
4 - الخلق الحسن أساس قوة الأمم .
5 - مراقبة الله وخشيته سراً وعلانية .

التذوق :
(اتَّقِ اللَّهَ - أتْبعِ - خَالِق) : أساليب إنشائية / أمر ، غرضها : النصح والإرشاد .
(السَّيِّئَةَ - الحَسَنَة ) : محسن بديعي / طباق .
(تَمْحُها) : نتيجة لما قبلها .

( أقوال في التقوى ) :
التقوى: أن يجدك الله حيث أمرك ، ولا يجدك حيث نهاك .
قال ابن مسعود: التقوى أن يطاع الله فلا يُعصى ويذكر فلا يُنسى ، وان يشكر فلا يُكفر.
روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار .
كتب عمر إلى ابنه عبد الله - رضي الله عنهما - : أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل فإنه من اتقاه وقاه ، ومن أقرضه جزاه ، ومن شكره زاده ، واجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك .

"دعوة إلى الحب و التعاون "


التمهيد :
هذا الحديث يبين الثواب المترتب على إعانة المؤمن وتنفيس كربته في الدنيا و الآخرة ، فمن أعظم ما يفرج كربات العبد يوم القيامة سعي العبد في الدنيا في فك كربات المكروبين ، ومساعدة المحتاجين ، والتيسير على المعسرين وإقالة عثرات المخطئين .
الحديث :
عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ -  - قالَ : (
مَنْ نَفّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدّنْياَ نَفّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسّرَ على مُعْسِرٍ يَسّرَ الله عَلَيْهِ في الدّنْيَا وَالآََخِرَةِ ، ومَنْ سَتَر مُسْلِمِاً سَتَرَه الله في الدّنْيَا والآَخِرَةِ ، والله في عَوْنِ العَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ) . رواه مسلم .
اللغويات :
نَفّسَ عن مُؤْمِنٍ : كشف عنه وأزال وفرج

- كُرْبَةً : شدة وضيق وأزمة ج كرب

- الدّنْيا : الحياة الحاضرة ج دنا ، مؤنثها أدنى

- يَسّرَ : سهل عليه وأزال عسرته × عسّر

- مُعْسِرٍ : معدم ، فقير × موسر

- سَتَر مُسْلِمٍاً : حجب عيوبه عن الناس ، ولم يفضحه

- عَوْنِ : مساعدة

- ما كان : أي ما دام

- في عون أخيه : أي في قضاء حاجته .

الشرح :
س1 : إلامَ يدعو الحديث الشريف ؟
جـ : يدعو الحديث الشريف إلى ضرورة التضامن الاجتماعي ، و نشر جسور التعاون بين أفراد الأمة ؛ حتى ينتشر الحب ، ويسعد المجتمع ويرقى ، ويرضى الله عنا .

س 2: ما المقصود بـ (كُرَبِ الدّنْياَ) ؟
جـ : المقصود بالكرب الكرب المالية والبدنية والأهلية والفردية والجماعية التي يعجز الإنسان عن ردها .

س3 : كيف يكون التيسير على كل من : (المدين - المريض - المظلوم) ؟
جـ : على المدين الذي لا يجد مالاً يسدد به دينه بإمهاله أو إعفائه منه أو بمساعدته في تسديده .
- على
المريض بمساعدته بإحضار طبيب أو دواء ينقذ حياته .
- على
المظلوم برفع الظلم عنه والوقوف بجانبه .

س 4: متى يكون الستر محموداً ومطلوباً ؟
جـ : لا يكون الستر محموداً إلا إذا كان فيه مصلحة و لم يتضمن مفسدة ، فمثلا المجرم إذا أجرم لا نتستر عليه إذا كان معروفاً بالشر و الفساد ، ولكن الرجل الذي يكون مستقيماً في ظاهره ثم فعل ما لا يحل فهنا قد يكون الستر مطلوبا ؛ فالستر ينظر فيه إلى المصلحة ، فالإنسان المعروف بالشر و الفساد لا ينبغي ستره ، والإنسان المستقيم في ظاهره ولكن جرى منه ما جرى هذا هو الذي يجب ستره .

س 5: علل : ختام الحديث بـ(والله في عَوْنِ العَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخيه) .
جـ : ليدل على ضرورة الاستمرار على هذا الخلق الجميل خلق معاونة المحتاجين .

التذوق :
(نفّس) : لفظة توحي بالارتياح الشديد .
(مُؤْمِنٍ - كُرْبَةً - مُعْسِرٍ - مُسْلِمِاً) : نكرات للعموم و الشمول .
(سَتَر مُسْلِمِاً) : كناية عن المحافظة على عزة المسلم ، وفيها استعارة مكنية تصور فعل الخير بثوب يستر ويمنع الفضيحة .
(أَخيهِ) : توحي بقوة العلاقة بين المؤمنين ، وبالتالي ضرورة التعاون بينهم
(نَفّسَ - كُرْبَةً) ، ( الدّنْياَ - الْقِيَامَةِ ) ، (يَسّرَ - مُعْسِرٍ ) ، (الدّنْياَ - وَالآََخِرَةِ) : محسن بديعي / طباق .
(الله في عَوْنِ العَبْدِ) : كناية عن رضا الله على العبد الذي يساعد الآخرين .

س1 : لماذا علق الرسول - - أجوبة الشرط على أفعالها في هذا الحديث ؟
جـ : وذلك حثاً للناس على فعل الخير ومعاونة المكروبين والوقوف إلى جانب الضعفاء المحزونين .

تذكر : كل جواب شرط في الحديث نتيجة لما قبله .

( أقوال في الحياء ) :
قال صالح بن عبد القدوس :
- إِذا قَلَ ماءُ الوَجهِ قََلَ حَيــــاؤُهُ وَلا خَير في وَجه إِِذا قََلَ ماؤُه
- حَياؤُكَ فَاحفَظه عَلَيكَ فَإِنَّما يَدلُ عَلى فَضلِ الكَريم حَياؤُه

قال بعض البلغاء :
حياة الوجه بحيائه كما أن حياة الغرس بمائه .

قال بعض الحكماء :
من كساه الحياء ثوبه لم يرَ الناس عيبه .

قال الفضيل بن عياض :
خمس علامات من الشقوة : القسوة في القلب , وجمود العين , وقلة الحياء ، والرغبة في الدنيا , وطول الأمل.
 

عودة إلى الصفحة السابقة

عودة إلى صفحة البداية