|
وصايا للزوج قبل عقد الزواج
إذا هممت بأمر ما فعليك بصلاة الاستخارة
واللجوء إلى الله كي يختار لك ما هو أصلح ، ولك في رسولك أسوة ، فقد استخار
الله وبيَّن لصحابته كيف يستخيرون.
والاستخارة لا ترجع إلى الزواج ذاته فهو خير محض ، ولكن ترجع
تعود إلى أمور منها وقت الزواج والزوجة التي اخترتها ، ومكان الزواج ، ما
يفعل فيه وينُفق عليه وغير ذلك مما يطلب فيه من الله الخير ، والله تعالى
سيختار لك ما تحب سواءً رأيت ذلك بعينك أم لم تره .
الاستشارة
:
وهي طلب المشورة والرأي السديد ، فيا من تريد الزواج
، عليك استشارة من تثق بعلمه وأمانته في كل ما تحتاجه في هذا المشروع الطيب
، ولك في رسولك قدوة حسنة ، فالله يقول له :
(وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ)(آل عمران/159) .
ومما قيل : " الاعتصام بالمشورة نجاة " ، وقيل : " إذا استشرت الناس
شاركتهم في عقولهم " .
فالمشورة ليست عيبـًا ولا ضعفـًا ، بل تفتح لك أبوابـًا لم تكن
تدري كيف ؟؟؟ ، وهي من شيم العقلاء ، ومن جانبها فقد استبد برأيه ، وقد قيل
: إذا أراد الله لعبدٍ هلاكـًا أهلكه برأيه .
والاستشارة والاستخارة ينبغي أن تجعلهما
نصب عينيك دائمـًا حتى تكون خطاك مسددة بإذن الله تعالى وهما مما هجره أكثر
الناس ، يقول ابن تيمية - رحمه الله - : " ما
ندم من استشار وما خاب من استخار " ، ويقول
أحدهم : " ما خاب من استخار الخالق وشاور المخلوقين " .
الدعاء
:
لا تغفل جانب الدعاء فهو خير ما يوصي به
مع الاستخارة والاستشارة ، والإلحاح فيه من أعظم العبادات ، لذلك ورد عنه -
صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ((الدعاء هو
العبادة)) .
فارفع يديك إلى من يستحي أن يرد يدي عبده صفرًا إذا سأله ، وهو
الذي يقول : (وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(غافر/60) .
وتحيَّن مواطن الإجابة وهي كثيرة أهمها :
- جوف الليل الآخر ووقت السحر .
- دبر الصلوات المفروضة .
- بين الأذان والإقامة .
- عند نزول المطر .
- آخر ساعة من عصر يوم الجمعة قبل الغروب .
- في السجود في الصلاة .
- بعد التشهد الأخير في الصلاة .
- شهر رمضان والليالي التي ترجى فيها ليلة القدر .
اختيار الزوجة :
الحياة الزوجية ليست ميدان تجارب ولا حقل تذوق ، ولا يلام الرجل
إذا أخذ يبحث عن شريكة حياته ، وإذا قلبت بصرك وجدت أن من أعظم مشكلات
الزواج وصعوباته وانحلاله ناجم عن التسرع في اختيار الزوجة دون بحث وتدقيق
، فبعضهم يختار زوجته بمجرد نظرة جمال ساحرة ، أو طمعـًا في مالها ، أو غير
ذلك ، والعلاقة التي يكون المقصد منها ذلك توشك أن تزول وتنتهي .
الصفات الحسنة في المرأة :
أول ما يتبادر إلى الذهن عند طرق هذا الموضوع هو حديثه - صلى
الله عليه وسلم - : ((تنكح
المرأة لأربع ، لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين
تربت يداك)) .
وقد سئل - صلى الله عليه وسلم - : أي النساء خير ، قال : ((التي
تسره إذا نظر ، وتطيعه إذا أمر ، ولا تخالفه في نفسها ولا ماله بما يكره))
.
وقد ورد في الحديث :
أربع من السعادة : المرأة الصالحة ، والمسكن الواسع
، والجار الصالح ، والمركب الهنيء .
يقول الغزالي - رحمه الله : " وليس أمره - صلى الله عليه وسلم -
بمراعاة الدين نهيـًا عن مراعاة الجمال ، ولا أمرًا بالإضراب عنه ، وإنما
هو نهي عن مراعاته مجردًا عن الدين ، فإن الجمال في غالب الأمر يرغب الجاهل
في النكاح دون الالتفات إلى الدين ، فوقع في النهي عن هذا " .
لكن الجمال ليس في العيون الزرقاء ولا الخضراء ولا السوداء ، ولا
العسلية ، ولا الكبيرة أو الصغيرة ، ولا ذات الرموش الطويلة أو القصيرة ،
إنما الجمال في العيون التي إذا ما نظرت إليك وأنت غاضب لم تعد غاضبـًا .
عرضت على المأمون جارية بارعة الجمال ، فائقة الكمال ، غير أنها
كانت تعرج برجلها ، فقال لمولاها : خذ بيدها وارجع ، فلولا عرج بها
لاشتريتها ، فقالت الجارية : يا أمير المؤمنين إنه في وقت حاجتك لن تنظر
إلى العرج ، فأعجبه سرعة جوابها وأمر بشرائها .
ومن الصفات المرغوبة : أن تكون الزوجة ولودًا - أي ليست عقيمـًا
- فقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ((تزوجوا
الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) .
وتعرف المرأة الولود من قرائن الحال في أسرتها وقريباتها ، وهذا
شيء ظني ، ولكن لابد أن يضع الزوج ذلك في باله .
أما الزواج من العقيم فهو نزوة عابرة أو مصلحة مؤقتة وسرور بزواج
من غير تبعات ، فعن معقل بن يسار قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه
وسلم - فقال : إني اصبت امرأة ذات حسب وجمال ، وإنها لا تلد أفاتزوجها ؟
قال : ((لا )) ثم أتاه الثانية فنهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،
ثم أتاه الثالثة ، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ((تزوجوا
الودود الولود)) .
ومن الصفات الحسنة : أن تكون الزوجة بكرًا ، فقد حث الإسلام على
البكر ، وهي التي لم توطئ بعد ؛ لأن البكر تحب الزوج وتألفه أكثر من الثيب
، وهذه طبيعة جُبِل الإنسان عليها - أعني الأنس بأول مألوف - .
وفي الحديث عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه
وسلم - قال : ((عليكم
بالأبكار ، فإنهنَّ أنتق أرحامـًا ، وأعذب أفواهـًا ، وأقل خبـًا ، وأرضى
باليسير)) .
وتزوج جابر - رضي الله عنه - ثيبـًا ، فقال له رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - : ((هلا
بكرًا تلاعبها وتلاعبك)) .
وقد مدح الله الأبكار وجعل هذه الصفة من صفات نساء الجنة قال
تعالى : (إِنَّا
أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً)(الواقعة/35 ،
36) .
يقول الغزالي - رحمه الله - : في البكر خواص لا توجد في الثيب ،
منها : أنها لا تحن أبدًا إلا للزوج الأول ، وأكد الحب ما يقع في الحبيب
الأول .
ومنها إقبال الرجل عليها ، وعدم نفوره منها ، فإن طبع الإنسان
النفور عن التي مسها غيره ويثقل عليه ذلك .
ومنها : أنها ترضى في الغالب بجميع أحوال الزوج ؛ لأنها أنست به
ولم تر غيره ، وأما التي اختبرت الرجال ومارست معهم الأحوال فربما لا ترضى
بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته .
ولا يعني كل ما سبق أن الثيب مذمومة -
إطلاقـًا - وليس حسنـًا أن نبالغ في ذمها إلى درجة التنفير منها ، فكم من
ثيب خير من بكر ، وخير مثال زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهات
المؤمنين ، كلهنَّ ثيبات ما عدا عائشة - رضي الله عنهنَّ جميعـًا - والله
تعالى يقول : (عَسَى رَبُّهُ إِنْ
طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ
مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ
تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً)(التحريم/5)
فقد قدم الثيب في هذه الآية على البكر .
وقد قيل في مدح الثيب : " أما الثيب فالمطبة المذللة ، واللهنة
المعجلة ، والنغية المسهلة ، والصناعة المدبرة ، والفطنة المختبرة ، ثم
إنها عجالة ، الراكب ، وأنشوطة الخطاب ، ونهزة المبارزة ، عريكتها لينة ،
وعقلتها هينة ، ودخلتها متبينة ، وخدمتها مزينة " .
وقد بارك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجابر - رضي الله عنه
- لزواجه من الثيب بعد أن علم - صلى الله عليه وسلم - أنه تم الزواج لتقوم
الزوجة برعاية أخوات جابر - رضي الله عنه - التسع .
ومن الصفات الحسنة في الزوجة الصغيرة ، ألا تكون صغيرة صغرًا
مفرطـًا ، ولعل ما يخطر بالبال أن يقول الزوج : لماذا لا أتزوج الصغيرة ؟
فيقال : المقصود عدم الزواج بالصغيرة صغرًا يظهر فيه الفرق الشاسع في العمر
كمن يكون عمره فوق الخمسين ، فيتزوج بنتـًا دون الخامسة عشرة مثلاً لما قد
يؤدي إليه من محاذير ومساوئ كثيرة خاصة في هذا الزمان الذي ضعف فيه الوازع
الديني عند الكثيرين .
قال ابن الجوزي - رحمه الله - : " وأبله البله الشيخ الذي يطلب
صبية ، ولعمر الحق إن كمال المتعة ، إنما يكون بالصبا ، ومتى لم تكن الصبية
بالغة ، لم يكمل بها الاستمتاع ! فإذا بلغت أرادت كثرة الجماع ، والشيخ لا
يقدر ! فإن حمل على نفسه ، لم يبلغ مرادها وهلك سريعـًا " .
فإن قيل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج عائشة أم
المؤمنين - رضي الله عنها - وعمرها ست سنوات وبنى بها وعمرها تسع سنوات ،
وكان عمره ثلاثة وخمسين ؟ فنقول : إن هذه الحال تخرج عن القاعدة لأسباب
منها :
أولاً : أن شخصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن مقارنتها بأي
شخصية أخرى ، ولذلك كانت عائشة سعيدة بهذا الزواج ، وقد خيرت قبل ذلك
فاختارت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ثانيـًا : أن غاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الزواج هي
زيادة الروابط بينه وبين أبي بكر - رضي الله عنه - .
ثالثـًا : قوة دين عائشة وعفتها ، فلا يمكن تصور وقوع محظور من هذا الزواج
.
وسئل أعرابي عن النساء ، فقال : " أفضل النساء أطولهنَّ إذا قامت
، وأعظمهنَّ إذا قعدت ، وأصدقهنَّ إذا قالت ، التي إذا غضبت حلمت ، وإذا
ضحكت تبسمت ، وإذا صنعت شيئـًا جودت ، التي تطيع زوجها وتلزم بيتها ،
العزيزة في قومها ، الذليلة في نفسها ، الودود الولود ، التي كل أمرها
محمود " .
ويروى أن العجفاء بنت علقمة السعدي وثلاث نسوة من قومها خرجن ،
فتواعدن بروضة يتحدثن فيها ، فوافين بها ليلاً في قمر زاهر وليلة طلقة
ساكنة ، وروضة معشبة خصبة ، فلما جلس قلن : ما رأينا كالليلة ليلة ، ولا
كهذه الروضة روضة ، أطيب ريحـًا ولا أنضر ، ثم أفضن في الحديث فقلن : أي
النساء أفضل ؟ قالت إحداهنَّ : الخرود الودود الولود ، وقالت الأخرى :
خيرهنَّ ذات الغناء ، وطيب الثناء ، وشدة الحياء ، وقالت الثالثة : خيرهنَّ
السموع الجموع النقوع غير المنوع ، وقالت الرابعة : خيرهنَّ الجامعة .
ومن الصفات الحسنة في الزوجة ما ذكرته
عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - عندما سئلت أي النساء أفضل ؟ فقالت :
" التي لا تعرف عيب المقال ، ولا تهتدي لمكر الرجال ، فارغة القلب إلا من
الزينة لبعلها ، ولإبقاء الصيانة على أهلها "
.
" مجلة " الأسرة " العدد : " 103 |