الصعود الي الكواكب

مكتبة ندا النومس لعلوم القران غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

 

الصعود الي الكواكب
الشيخ/عبد العزيز بن عبد الله بن باز

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ: سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان زاده الله من العلم والإيمان، ومنحني وإياه الفقه في السنة والقرآن، آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:

فقد وصلني خطابكم الكريم المؤرخ في 8 / 10 / 1389 هـ وصلكم الله بهداه ونظمنا جميعا في سلك من خافه واتقاه وما تضمنه من التعقيب على مقالي المنشور في الصحف المحلية في شعبان من هذا العام المتعلق بالصعود إلى الكواكب كان معلوما، وقد تأملت ما ذكره فضيلتكم من أوله إلى آخره، فلم أجد فيه ما يقتضي الرجوع عما ذكرته في المقال المذكور، وقد اجتهد محبكم في هذه المسألة وتأمل الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب، وتحرر في ذلك إيضاح الحق نصحا لله ولعباده، ودفاعا عن كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام . لئلا يظن من صدق ما ادعاه رواد الفضاء من النزول على سطح القمر، أن القرآن والسنة قد أخبرا بما شهد الواقع بخلافه، فيحصل له بذلك الشك والريب في أخبار الله ورسوله،

والحق أن كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، لا يمكن أن يقع فيهما ما يخالف واقعا محسوسا أو معقولا صحيحا صريحا، فإذا وجد شيء يظن أنه من هذا الباب وجب أن يعلم أن ذلك غير صحيح، وإنما الخطأ جاء من اعتقاد العبد، أو سوء فهمه. لكونه ظن ما ليس واقعا واقعا، أو ظن ما هو شبهة معقولا صريحا صحيحا، أو ظن ما ليس صحيحا من السنة صحيحا، أو أخطأ فهمه لكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة، كما قال الشاعر:

وكم من عائب قولا صحيحا

 

وآفته من الفهم السقيم

والشواهد على هذا كثيرة، وقد نبه أبو العباس شيخ الإسلام: ابن تيمية ، وتلميذه العلامة: ابن القيم رحمة الله عليهما على هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتبهما كما لا يخفى،

والخلاصة:

أن المقصود من كتابة المقال السابق: بيان الحق وإزالة الشبهة، والترغيب في التثبت في الأمور، وعدم العجلة بتصديق أو تكذيب أو تكفير، إلا بعد وجود أدلة واضحة صحيحة ترشد إلى ذلك، فإن كان ما كتبته مصيبا للحق فالحمد لله والفضل له وحده، وإن كان خطأ فذلك مني ومن الشيطان، والله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم براء من ذلك، وإذا رأيتم إتمام الرأي، وإعادة قراءة المقال لقصد مزيد التثبت، في معرفة الحق بأدلته الواضحة، في هذه المسألة فهو مناسب، والحق ضالة المؤمن - كما ذكر فضيلتكم - متى وجدها أخذها)، وأسأل الله عز وجل أن يزيدني وإياكم من العلم والهدى، وأن يوفقنا جميعا لإصابة الحق في القول والعمل، وأن يكتب لمصيبنا في هذه المسألة وغيرها أجرين، ولمخطئنا أجر اجتهاده، وأن يعامل الجميع بعفوه، إنه جواد كريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

 

الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب

الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه. أما بعد:

فقد تكرر السؤال عما يدعيه بعض رواد الفضاء من الوصول إلى سطح القمر، وعما يحاولونه من الوصول إلى غيره من الكواكب، ولكثرة التساؤل والخوض في ذلك، رأيت أن أكتب كلمة في الموضوع تنير السبيل، وترشد إلى الحق في هذا الباب - إن شاء الله - فأقول: إن الله سبحانه وتعالى حرم على عباده القول بغير علم، وحذرهم من ذلك في كتابه المبين، فقال عز وجل: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (وقال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا )

وأخبر سبحانه: أن الشيطان يأمر بالقول عليه بغير علم، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (

وأمر سبحانه عباده المؤمنين بالتثبت في أخبار الفاسقين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (فالواجب على المسلمين عموما، وعلى طلبة العلم خصوصا: الحذر
من القول على الله بغير علم، فلا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، أو هذا جائز، وهذا ممتنع، إلا بحجة يحسن الاعتماد عليها، وإلا فليسعه ما وسع أهل العلم قبله، وهو الإمساك عن الخوض فيما لا يعلم وأن يقول: الله أعلم أو لا أدري، وما أحسن قول الملائكة عليهم السلام لربهم عز وجل: (
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
(

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم إذا سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء لا يعلمونه قالوا: الله ورسوله أعلم وما ذاك إلا لكمال علمهم وإيمانهم، وتعظيمهم لله عز وجل، وبعدهم عن التكلف، ومن هذا الباب وجوب التثبت فيما يقوله الكفار، والفساق وغيرهم، عن الكواكب وخواصها، وإمكان الوصول إليها، وما يلتحق بذلك، فالواجب على المسلمين في هذا الباب كغيره من الأبواب التثبت، وعدم المبادرة بالتصديق أو التكذيب، إلا بعد حصول المعلومات الكافية، التي يستطيع المسلم أن يعتمد عليها ويطمئن إليها، في التصديق أو التكذيب، وهذا هو معنى قوله سبحانه في الآية السابقة من سورة الحجرات:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا  (الآية، والتبين هو التثبت ، حتى توجد معلومات أو قرائن تشهد لخبر الفاسق ونحوه، بما يصدقه أو يكذبه، ولم يقل سبحانه: إن جاءكم فاسق بنبأ فردوا خبره . بل قال فتبينوا لأن الفاسق سواء كان كافرا، أو مسلما عاصيا، قد يصدق في خبره، فوجب التثبت في أمره وقد أنكر الله سبحانه على الكفار تكذيبهم بالقرآن بغير علم، فقال جل وعلا: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (وما أحسن ما قاله العلامة: ابن القيم رحمه الله
في قصيدته الكافية الشافية:

إن الدار برد شيء لم تحط

 

علما به سبب إلى الحرمان

وأعظم من ذلك وأخطر، الإقدام على التكفير أو التفسيق بغير حجة يعتمد عليها، من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن هذا من الجرأة على الله وعلى دينه، ومن القول عليه بغير علم، وهو خلاف طريقة أهل العلم والإيمان من السلف الصالح رضي الله عنهم وجعلنا من أتباعهم بإحسان، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )وقال صلى الله عليه وسلم : (من دعا رجلا بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه )أي: رجع عليه ما قال وهذا وعيد شديد يوجب الحذر من التكفير والتفسيق، إلا عن علم وبصيرة، كما أن ذلك وما ورد في معناه يوجب الحذر من ورطات اللسان، والحرص على حفظه إلا من الخير - إذا علم هذا -.

فلنرجع إلى موضوع البحث المقصود، وقد تأملنا ما ورد في الكتاب العزيز من الآيات المشتملة على ذكر الشمس والقمر والكواكب، فلم نجد فيها ما يدل دلالة صريحة على عدم إمكان الوصول إلى القمر أو غيره من الكواكب وهكذا السنة المطهرة لم نجد فيها ما يدل على عدم إمكان ذلك وقصارى ما يتعلق به من أنكر ذلك أو كفر من قاله، ما ذكره الله في كتابه الكريم في سورة الحجر، حيث قال سبحانه: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ )وقال تعالى في سورة الفرقان: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (وقال في سورة الصافات: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (

هذا الموضوع من ضمن منشورات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم "16" الطبعة الثانية عام 1395 هـ.

 

 
 
 

تصميم وتطوير:ادهام النومس

لمراسلتنا