أصول تكشف شبهات المالكي في السنة والبدعة -2- كشف الشبهات  أصول تكشف شبهات المالكي في السنة والبدعة  - كشف الشبهات
 
 

 أصول تكشف شبهات المالكي في السنة والبدعة 

الأصل الأول : أن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية .

الأصل الثاني : أن أهل السنة والجماعة يعرفون بموافقة الكتاب والسنة وهدي الصحابة .

الأصل الثالث : أن أفراد أهل السنة والجماعة غير معصومين .

الأصل الرابع : أن أهل السنة يتفقون في الأصول وإن اختلفوا في بعض فروع هذه الأصول .

الأصل الخامس : أنه لا يوجد خطأ لأحد من أهل السنة إلا وقد رد عليه آخرون من أهل السنة  .

الأصل السادس : أن الرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح .  

الأصل السابع : أن الكلام في أئمة أهل السنة والجماعة هدم للإسلام .

الأصل الثامن : أنه لا اختصاص للحنابلة بعقيدة دون أهل السنة والجماعة .

الأصل التاسع : أن كتب العقيدة المسندة كغيرها من كتب الرواية .

الأصل العاشر : أن أهل البدع مذمومون بحسب قربهم وبعدهم عن الكتاب والسنة .

الأصل الحادي عشر : أنه لا يوجد باطل عند أحد من الناس إلا وهو مشوب بشيء من الحق .

الأصل الثاني عشر : أنه لا يوجد حق عند فرقة من الفرق إلا وهو موجود عند أهل السنة .

-----

من بدع المالكي وشبهاته التي نشرها في كتابه (قراءة في كتب العقائد) وغيره الدفاع عن أهل البدع والضلالات ، ورمي أئمة أهل السنة والجماعة بالظلم واتباع أهواء السلاطين والافتراء على الخصوم وغير ذلك ، والتحذير من كتب عقائد أهل السنة والجماعة ككتاب (السنة) لعبد الله بن أحمد و (السنة) للخلال و غيرهما ، والزعم بأن الخلاف بين الفرق الإسلامية خلاف محتمل لا يقتضي تبديعاً ولا تفسيقاً ولا تكفيراً .

وفي هذا الفصل سأذكر اثني عشر أصلاً تكشف شبهاته في هذه المسائل .

 

الأصل الأول :

أن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية

وسوف أذكر ها هنا أربع مقدمات :

المقدمة الأولى : إثبات تفرق الأمة وتغييرهم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم  .

المقدمة الثانية : إثبات أن هذا التفرق مذموم  .

والمقدمة الثالثة : إثبات أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين الفرقة الناجية  .

والمقدمة الرابعة : إثبات أن هذه الفرقة باقية في جميع الأعصار .

المقدمة الأولى :

إثبات تفرق الأمة وتغييرهم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم:

والدليل على حصول هذا التفرق من الشرع والواقع :

أما من الشرع :

فقد قال الله تعالى عن أهل الكتاب )وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .

وقال تعالى عنهم )وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) .

وقال تعالى أيضاً )إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ).

وقال تعالى )مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) .

والآيات التي تثبت تفرق أهل الكتاب وتفرقهم من بعد ما جاءتهم البينات وتذمهم على ذلك كثيرة جداً .

وقد ورد في السنة عدد من الأحاديث التي تثبت أن هذه الأمة ستسلك مسلك أهل الكتاب ؛ منها :

ما في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم . قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟. قال : فمن ؟.

وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع . فقيل : يا رسول الله ، كفارس والروم . فقال : ومن الناس إلا أولئك ؟.

وقد جاء في السنة أيضاً التصريح بتفرق هذه الأمة واختلافها بعده ، ومن ذلك :

ما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم : ألا هلم ، فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك . فأقول : سحقاً ، سحقاً ).

وفي الصحيحين نحوه هذا اللفظ أيضاً من حديث أنس وأبي سعيد وغيرهما رضي الله عنهم.

و في السنن عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا : يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع فأوصنا . قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة .

وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) وصححه الترمذي ، وروي من حديث ابن عمرو بن العاص (كلهم في النار إلا ملة واحدة) قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي . رواه الترمذي وحسنه .

وغير ذلك من النصوص .

وأما الواقع :

فيدل عليه ما نراه من تفرق هذه الأمة ، والعيان يغني عن البرهان ، فقد تفرقت الأمة إلى أشاعرة وماتريدية وزيدية وإباضية ورافضة ونصيرية وإسماعيلية ودروز وبهائية وقاديانية وغيرها من الفرق .

والمقدمة الثانية :

إثبات أن هذا التفرق مذموم :

فقد سبق ذكر الآيات التي تحذر من التفرق والاختلاف في الدين :

كقوله تعالى أيضاً )إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ).

وقوله تعالى )مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) .

وقوله تعالى)وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .

وسبق في حديث العرباض حثهم على ترك الاختلاف والتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين ، وحديث السبعين فرقة وفيها أخبر أنهم كلهم في النار إلا واحدة .

وسيأتي مزيد من الأدلة إن شاء الله تعالى في المقدمة الثالثة وفي الأصل الثاني.

المقدمة الثالثة :

إثبات أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين الفرقة الناجية وأنها أهل السنة والجماعة:

والدليل على ذلك من العقل واللغة والشرع :

أما من العقل:

فمن ثلاثة وجوه :

الأول : أنه لا يمكن أن يبين الله سبحانه لنا أمور الدنيا كالفرائض والمواريث ولا يبين لنا الحق فيما نعتقده ونؤمن به ، حتى يقال : إننا لا ندري أين الحق في هذا الاختلاف والتفرق لأن كل فرقة تدعي أن الحق معها وأن من خالفها فهو ضال ، لا شك أن هذا من باب سوء الظن برب العالمين وأنه لم يتم نعمته علينا .

الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته هم الذين خوطبوا بالوحي ، وهم الذين مدحهم الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة ، ووعدهم الله بالحسنى ، وهم الذين نشروا الإسلام ، ورووا السنن ، فعلم أن الحق معهم ، وأن من اتبعهم واهتدى بهديهم فهو على طريقهم وصراطهم لم يفرّق دينه ويفارق الجماعة ، وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة.

الثالث : أنه لا يوجد نص من الكتاب أو السنة أو أمر اتفق عليه الصحابة والتابعون وخالفه أهل السنة والجماعة ، بينما لا تجد فرقة من أهل البدع إلا وخالفت نصوصاً وأصولاً .

وأما من اللغة :

فلفظ : (الفرقة) و (التفرق) إنما يأتي بعد (اجتماع) ، فلا يقال : فارق فلان فلاناً إلا إذا كانا مجتمعين ثم تفارقا .

ومن المعلوم أن أول الفرقة حصلت بعد الفتنة في عصر الصحابة رضي الله عنهم ، فمن أراد الحق وتجنب الفرقة بقي على ما كان عليه المسلمون قبل حصول الافتراق ، وهذا ليس لغير أهل السنة والجماعة فإنهم هم الذين حرصوا على اتباع هدي الصحابة رضوان الله عليهم.

وأما من الشرع :

فقد دل على ذلك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة :

فمن الكتاب :

قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) وهذه الآية تدل على وضوح السبيل من وجوه :

الأول : أن الله سبحانه قد أكمل الدين ، فمن ابتدع فيه فزاد أو نقص فقد انحرف عن هذا الدين بحسب بدعته ، ومن بقي على ذلك الدين الكامل فهو على الصراط المستقيم ، وليس هناك جماعة متبعة غير مبتدعة في أمورها كلها غير أهل السنة والجماعة.

الثاني : أن الله قال (وأتممت عليكم نعمتي) ومن أعظم النعم معرفة الحق عند الاختلاف.

الثالث : أن الله قال (ورضيت لكم الإسلام دينا) والإسلام الذي رضاه هو ما أنزله على رسوله وعمل به الصحابة رضوان الله عليهم .

وقال تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) ، وهذه الآية تدل على أن إقامة الدين كله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق ، وأن من ترك بعضه أو غير بعضه فقد تفرق فيه ، ولم يقم بالدين كله غير أهل السنة والجماعة.

وقال تعالى (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) ، فدلت هذه الآية على أن الافتراق في الدين مذموم ، ولا يكون الحق إلا مع ترك الفرقة ، وذلك لا يكون إلا بالبقاء على الدين المنزل كما جاء .

وقوله تعالى ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ، وهذه تدل على أن البقاء على الصراط المستقيم هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن من خالفه أو خالف بعضه أو غيره فقد اتبع السبل ، وقد قال مجاهد : السبل : البدع والشبهات.

وقال تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) ، ومن المعلوم أن أولى الناس بالدخول في المؤمنين هم الصحابة رضي الله عنهم ، فمن شاق الرسول في بعض ما جاء به وخالف ما عليه الصحابة فهو داخل في الوعيد .

والآيات في هذا المعنى كثيرة .

وأما من السنة :

ففي الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم) .

وهذا ظاهر بأن خير الجماعات ما اهتدت بهدي القرن الأول ، وليس هذا لغير أهل السنة والجماعة .

وما ورد في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه السابق قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا : يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع فأوصنا . قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة .

فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحق عند الاختلاف يكون بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين.

وفي المسند عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ، ثم قال : هذا سبيل الله ، وخط عن يمينه وشماله ، ثم قال : هذه السبل ، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) .

فبين الرسول صلى الله عليه وسلم هنا أن البقاء على الصراط المستقيم وترك السبل – وهي البدع والشبهات – هو سبيل الله .

وروى ابن جرير أن رجلاً قال لابن مسعود : ما الصراط المستقيم؟. قال : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه ، وطرفه في الجنة ، وعن يمينه جوادّ ، وعن يساره جوادّ ، ثمّ رجال يدعون من مر بهم ، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار ، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة ، ثم قرأ ابن مسعود (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).

وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) وصححه الترمذي ، وروي من حديث ابن عمرو بن العاص (كلهم في النار إلا ملة واحدة) قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي . رواه الترمذي وحسنه .

فقد ذكر هنا الفرقة الناجية وأنها ما كانت على هديه هو وأصحابه ، وهذا موافق لما سبق من النصوص ، وأقوال الصحابة والتابعين في بيان هذا كثيرة جداً ، وفيما سبق كفاية لطالب الحق.

وسوف أنقل هنا كلاماً لرجلٍ لا يتهم بمحاباة أهل السنة ولا يقال إنه من غلاة الحنابلة أو من الحنابلة ، بل وليس مذهبه قريباً من مذهب السنة ، فهو فيلسوف من الفلاسفة وأعني به أبا الوليد ابن رشد حيث قال في كتابه (مناهج الأدلة في عقائد الملة) ص 181 – بعد كلام سبق عن تأويلات الفرق:

(وهذه هي حال الفرق الحادثة في الشريعة مع الشريعة ، وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلاً غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى ، وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشرع ، حتى تمزق الشرع كل ممزق ، وبعُد جداً عن موضوعه الأول ، ولما علم صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم أن مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال : "ستفترق أمتي على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" يعني بالواحدة : التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله ، وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح ، وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم : الخوارج ، ثم المعتزلة بعدهم ، ثم الأشعرية ، ثم الصوفية ، ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى).

المقدمة الرابعة :

إثبات أن هذه الفرقة باقية في جميع الأعصار :

إذا تبين لك من المقدمات السابقة أن التفرق مذموم ، وأن الجماعة التي على الحق واحدة ، فاعلم أنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها باقية في جميع الأعصار :

ويدل عليه ما رواه الشيخان عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)

وفي الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس ).

وفي مسلم عن ثوبان (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ).

وهذا يبين لك أنه لا يخلو زمان من هذه الطائفة ، ولتعلم أن الله سبحانه أجل وأعظم وأحكم من أن يجعل أمر هذه الطائفة ملتبساً فلا ندري أين هي ؟ ولا على أي هدي ؟ بل قد أقام الدلائل التي تبين ذلك كله كما سبق في المقدمة الثالثة .

وهذه الأحاديث تدل على أن الحق لايعدوا هذه الطائفة الظاهرة على الحق والقائمة بأمر الله ، وأن ماسواها من الطوائف قد تخطئ في شيء وتصيب في شيء ، لكن لايجوز أن يكون عند إحدى هذه الطوائف حق فات الطائفة الظاهرة جميعها ، وإن جاز أن يفوت الحق بعض أفرادها.

وبهذا يتبين بطلان مايلبس به المالكي من دعوى أن جميع الطوائف ـ بما في ذلك أهل السنة ـ عندهم حق وباطل ، فيجعل أهل السنة بمنزلة غيرهم ، ويجوِّز أن يكون ثمة حق فاتهم جميعاً ، وأصابه مخالفوهم ممن ضل الطريق .

الأصل الثاني :

أن أهل السنة والجماعة يعرفون بموافقة الكتاب والسنة وهدي الصحابة

اعلم أن الطريق لمعرفة من هم أهل السنة والجماعة هو عرض أقوالهم وأفعالهم وهديهم على الكتاب والسنة وهدي الصحابة ، فأي عالم عرف بتعظيم الكتاب والسنة وهدي الصحابة فهو من أهل السنة والجماعة ، ومن خالف شيئاً من ذلك ففيه من البدعة بحسب مخالفته – وإن كان لا يعد من أهل البدع إلا إذا خالفهم في أصولهم - .

لذلك فقد أجمع أهل العلم على الثناء على أئمة معروفين بالاتباع والاقتداء ، ووصفوهم بأنهم أئمة أهل السنة والجماعة كالإمام مالك وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه والشافعي وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري وأبي داود والترمذي ونحوهم رحمهم الله تعالى .

ومما يميز أهل السنة عن غيرهم ، أن مذهبهم لا يعرف له مؤسس ابتدعه ، وليس لنشأته بداية متأخرة عن عصر النبوة ، بل مذهبهم هو الأصل ، وعنه تفرقت سائر الفرق . وجميع النحل الضالة معروفة نشأتها وكيف أحدثت أقوالها ، ومن أول من قال بضلالاتها :

فالتشيع نشأ بالكوفة ، ومذهب الخوارج نشأ بحروراء ، ومذهب النواصب نشأ بالشام ، وجميع هذه المذاهب نشأت بعد الفتنة .

ومذهب المعتزلة أسسه واصل بن عطاء ، ومذهب الجهمية أسسه الجهم بن صفوان ، ومذهب الأشاعرة أسسه أبو الحسن الأشعري ، ومذهب الكلابية أسسه عبدالله بن سعيد بن كلاب ، ومذهب الكرامية أسسه محمد بن كرام ، ومذهب الزيدية أسسه إلى زيد بن علي .

وهكذا سائر الفرق ، لا تجد منها فرقة إلا وهي منسوبة إلى بلد ، أو مؤسس ، أو تاريخ نشأة.

وأما أهل السنة والجماعة ، فمذهبهم هو الأصل الذي انشقت عنه تلك الفرق ، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ في الوقت الفلاني , أو البلد الفلاني .

كما لايمكن أن ينسب مذهب أهل السنة إلى عالم مهما بلغت رتبته ، بل هو مذهب مبني على منهاج النبوة ، وماكان عليه الصحابة الكرام ـ رضي الله عنهم ـ .

وإذا تقرر هذا ، تبين لك مكر المالكي في نسبته أقوال أهل السنة إلى الحنابلة ، مع أنها معروفة قبلهم ، فهو يريد بهذا أن يجعل مذهب أهل السنة كغيره من سائر المذاهب والفرق الحادثة ، ليتسنى له بعد ذلك نقده ونقضه بحجة كونه اجتهاداً كغيره من اجتهادات الفرق الأخرى .

الأصل الثالث :

أن أفراد أهل السنة والجماعة غير معصومين

اعلم أننا إذا قلنا : إن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية ، وهم أهل الحق ، فلا يعني ذلك أن أفرادهم معصومون لا يقعون في الخطأ ، بل لا تكاد تجدا أحداً منهم إلا وقد أخطأ في مسائل ، ولا يضره ذلك ، فإن النقص صفة للبشر .

وذلك مثل الصحابة تماماً ، فإن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفوا في مسائل كثيرة ، وخالف بعضهم بعضاً في أمور ، وأخطأ بعضهم في الاجتهاد ، إلا أنهم لا يتفقون على خطأ ، وإذا اتفقوا على أمرٍ فقولهم هو الحق .

لذلك فخطأ الإمام من أهل السنة والجماعة مردود ، ولا ينسب هذا الخطأ لأهل السنة والجماعة ، كما أن الخطأ من الواحد من المسلمين لا ينسب للإسلام .

الأصل الرابع :

أن أهل السنة يتفقون في الأصول وإن اختلفوا في بعض فروع هذه الأصول

إن أهل السنة والجماعة تتفق أصولهم في التوحيد والإيمان ، ولكن قد يختلفون في بعض فروع هذه الأصول لاختلافهم في تحقيق المناط أو لاختلافهم في تصحيح حديث وتضعيفه ونحو ذلك .

مثال ذلك :

أن أصل أهل السنة في الأسماء والصفات معروف وهو الإيمان بجميع ما ثبت في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ، ثم إنهم بعد هذا قد يختلفون في مسائل معينة وردت لاختلافهم في كونها صفة – مثلاً – أو لا .

فمثلاً : لفظ (ساق) في قوله تعالى (يوم يكشف عن ساق) نكرة غير مضافة ، فلا يظهر من هذه الآية – بمجردها – أنها من آيات الصفات ؛ لذلك فسرها ابن عباس رضي الله عنهما بأنها : شدة الأمر .

ولما كان عند أبي سعيد رضي الله عنه من العلم بهذه الآية ما ليس عند ابن عباس رضي الله عنهما فإنه فسرها بتفسير آخر كما في الصحيحين حيث قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يكشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً .

فقول ابن عباس في الآية ليس من باب تحريف الجهمية في شيء ، بل قوله هو ظاهر الآية لولا ما دل عليه الحديث ، ولم يكن عنده علم بالحديث المفسر للآية ، فاختلافهما في الآية ليس بسبب الاختلاف في أصل الصفات .

وكذلك قوله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله ) قال مجاهد والشافعي : قبلة الله ، وجعلها ابن خزيمة من آيات الصفات ، وقول مجاهد والشافعي هذا ليس منازعة في أصل أهل السنة في الأسماء والصفات ، بل لأنهم لا يرون أن هذه الآية من آيات الصفات ، بل هي عندهم من قولهم : قصدت هذا الوجه أي : الجهة ، وقولهم هذا رجحه شيخ الإسلام رحمه الله.

وكذلك أصل أهل السنة في الإيمان معروف وهو أنه قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ثم إنه قد ورد عن الإمام مالك رحمه الله أنه أثبت الزيادة وتوقف في مسألة النقصان ، وليس قوله هذا موافقة منه لقول المرجئة الذين يرون الإيمان شيئاً واحداً ، بل لأنه ورد وصف الإيمان بالزيادة في النصوص الشرعية ولم يرد وصفه بالنقصان .

الأصل الخامس :

أنه لا يوجد خطأ لأحد من أهل السنة إلا وقد رد عليه آخرون من أهل السنة  

اعلم أنه ما من خطأ أخطأ فيه أحد من أهل السنة إلا ورد عليه آخر منهم ، سواء كان الخطأ في أصل أو في فرع أو في استدلال ، فأهل السنة لا يقرون أحداً على خطأ ، وإذا رأيتهم اتفقوا كلهم على قول فهو الحق .

والأمثلة على ذلك كثيرة :

فمن ذلك ما رواه الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما بإسناد صحيح عن شريح أنه أنكر قراءة (عجبتُ) - بالضم - ويقول : إن الله لا يعجب ، وإنما يعجب من لا يعلم . قال الأعمش : فذكرته لإبراهيم النخعي فقال : إن شريحاً كان معجباً برأيه ، وإن ابن مسعود كان يقرؤها بالضم وهو أعلم منه .

وورد عن أبي ثور رحمه الله أنه فسر قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله خلق آدم على صورته) أي على صورة آدم ، فرد عليه الإمام أحمد وغيره .

والأمثلة على ذلك كثيرة ، وبه يتأكد ما سبق تقريره من أنه لا يمكن أن يفوت الحق أهل السنة جميعهم ، ويكون هذا الحق عند فرقة من الفرق الحادثة المبتدعة دونهم! ، وسيأتي مزيد تفصيل في الأصل الثاني عشر إن شاء الله.

الأصل السادس :

أن الرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح  

وذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) والرد إلى الله الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول الرد إلى سنته – كما قاله المفسرون - .

وأما الأدلة على تقييد فهم الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح فكثيرة منها:

أولاً : أن الله سبحانه وتعالى يقول (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ، ومن المعلوم أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هم قومه الذين بعث إليهم ، فكان فهمهم له هو الفهم الصحيح .

ثانياً : أن الصحابة رضوان الله عليهم هم المخاطبون بالكتاب والسنة ابتداء ، وكثير من أسباب النزول كانت بسببٍ منهم .

ثالثاً : أن لسانهم وفهمهم للغة كان صحيحاً ، بخلاف من جاء بعدهم فقد فسد لسان العرب بسبب اختلاطهم بالأعاجم .

رابعاً : قول النبي صلى الله عليه وسلم - في حديث العرباض – (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ) ، وقوله عن الفرقة الناجية (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ، وقوله (خير القرون قرني ) ، وغيرها من النصوص التي تبين أن الحق مع الصحابة ، ولا يحصل اتباعهم في هديهم إلا إذا فهمنا الكتاب والسنة بفهمهم.

خامساً : أن الله سبحانه وتعالى أقر الصحابة على فهمهم للكتاب والسنة بالإجماع ، وفهمهم له كان واحداً – من حيث الجملة - ، ثم لما افترقت الأمة ادعت كل فرقة أن لها فهماً خاصاً هو الصواب ، ومن المعلوم أن أي فرقة من هذه الفرق لا تستطيع أن تأتي بدليل واحد تثبت فيه أن فهمها أقره الشارع .

فثبت بهذا أن فهم الصحابة قد قام الدليل الشرعي على اعتباره دون غيره.

سادساً : أن أحداً من الناس – بعد فساد لسان العرب – لا يستطيع فهم الكتاب والسنة بمجرد معرفته للسان قومه ، بل لا بد له من الرجوع إلى كتب الشروح والتفسير والغريب واللغة ، بخلاف ما كان عليه الصحابة – في الجملة – فإنهم كانوا يفهمون الكتاب والسنة على سليقتهم – وكثير منهم أميون – دون حاجة إلى مفسّر أو شارحٍ .

سابعاً : أن كل فرقة ضالة تدعي أنها تفهم الكتاب والسنة ، وأنها تستدل بالكتاب والسنة ، مع اختلافهم وتفرقهم ، ولو كان قول هؤلاء الضلال صحيحاً لم يحصل اهتداء بالكتاب والسنة مطلقاً ، ولا يكون الرجوع إليهما قاطعاً للتنازع بين الأمة ، ولا كان لقوله تعالى (فردوه إلى الله والرسول ) أي فائدة ، وهذا باطل .

الأصل السابع :

أن الكلام في أئمة أهل السنة والجماعة هدم للإسلام

فمن تكلم في أئمة أهل السنة والجماعة كالإمام مالك وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشعبة وسفيان الثوري وابن عيينة والأوزاعي ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان والشافعي وأبي عبيد وابن أبي شيبة وأحمد وابنه عبد الله وإسحاق والبخاري والترمذي وأبي داود وأبي حاتم وابنه وأبي زرعة وغيرهم رحمهم الله جميعاً (1)فقد أعان على هدم الإسلام – شعر أم لم يشعر .

وذلك أن الله سبحانه قد سخر هؤلاء لحمل دينه وحفظه وتبليغه للناس ، فهؤلاء هم الذين نقلوا لنا الشرائع ، والأحكام ، والتفسير ، والحديث ، والسنن ، والعقائد ، وهم أئمة الجرح والتعديل ، و أئمة التصحيح والتضعيف ، وهم أساطين الفقه والأحكام ، فمن قدح فيهم فقد قدح في دين الإسلام .

فأي مسلم يستطيع أن يؤدي عباداته لله من غير طريق هؤلاء ؟؟!! .

وأي مسلم له طريق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأحكامه من غير طريق هؤلاء ؟؟!!.

وأي مسلم له طريق لمعرفة الصحيح والضعيف من الحديث من غير طريق هؤلاء؟؟!! .

وأي مسلم يستطيع فهم كتاب الله من غير طريق هؤلاء ؟؟!! .

فمن قدح فيهم فهو رجل زنديق خبيث ، له خبيئة سوء ، إنما يريد هدم الإسلام وشرائعه عن طريق التشكيك في نقلته وحملته.

فإن قال : أنا لا أقدح في أي شيء من ذلك ، ولكني أقدح في كتبهم ورسائلهم في (الاعتقاد) .

فيقال له : فمن المعلوم أن أهم أمور المسلم وأعظمها هو اعتقاده وإيمانه بالله ، فإن فسد الاعتقاد فما دونه أعظم فساداً ، وإذا كانوا أصحاب اعتقادات باطلة ، يفتون بالهوى ، ويقتلون محاباة للسلاطين ، وينقلون الكذب نصرة لمذهبهم في الاعتقاد ، فكلامهم في الأحاديث الأخرى ونقلهم لها ، وكلامهم في الجرح والتعديل ، والتصحيح والتضعيف ، كله مبني على اعتقادهم أيضاً ، وإذا كان اعتقادهم فاسداً فلا ثقة في شيء مما نقلوه ، فيعود الأمر إلى ما قيل سابقاً بأن مثل هذا القول هدم للإسلام.

ولا يُشغب على هذا الأصل بجواز الخطأ على الواحد منهم ، فهذا أمر لاينكره عاقل ، فضلاً عن عالم ، لكن فرق بين تخطئة العالم بالدليل ، وبين التشكيك في حملة الشريعة بالظنون الفاسدة ، والتخرصات الكاسدة.

الأصل الثامن :

أنه لا اختصاص للحنابلة بعقيدة دون أهل السنة والجماعة

اعلم أن عقيدة أهل السنة قد ظهرت وعرفت قبل ظهور الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، فهي ما عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم ، وإنما رفع الله الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسبب قيامه بالسنة ونصرته لها فسمي إماماً لأهل السنة والجماعة ، ولم ينفرد بأي قول من الأقوال أو الاعتقادات دون من سبقه ، كيف وهو القائل (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام)!!.

فالجعد بن درهم كان قتله أيام خالد القسري في ولاية بني أمية قبل ولادة الإمام أحمد . والجهم بن صفوان كان قتله أيام بني أمية أيضاً قبل ولادة الإمام أحمد . وغيلان القدري كان قتله أيام هشام بن عبد الملك قبل ولادة الإمام أحمد . وعمرو بن عبيد إنما تكلم فيه معاصروه من التابعين وتابعيهم قبل ولادة الإمام أحمد . وكذلك القول في واصل بن عطاء ومعبد الجهني وبشر المريسي وغيرهم .

وكذلك تشنيع الأئمة على الأقوال المحدثة، كله محفوظ عنهم قبل الإمام أحمد رحمه الله ، فمسألة خلق القرآن والصفات والإنكار على الجهمية قد تكلم فيها من هم أشياخ الإمام أحمد وأشياخ أشياخه كوكيع وعبد الرحمن بن مهدي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد ومالك بن أنس وجرير بن حازم وعبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهم وهؤلاء كلهم قبل الإمام أحمد .

وتكلم فيها معاصرو الإمام أحمد كأبي عبيد وإسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة والبخاري والذهلي والدارمي وغيرهم ، وهم ليسوا حنابلة .

وتكلم فيها من جاء من بعد الإمام أحمد وليس من أصحابه كالدارقطني والسجزي وابن أبي زيد القيرواني والآجري وابن خزيمة والصابوني والإسماعيلي والأشعري وغيرهم .

وإنما أراد بعض الحمقى من أهل البدع كالمالكي وأذنابه أن يتكلم في عقيدة أهل السنة والجماعة فما وجد سبيلاً إلى ذلك إلا أن ينسب هذه العقيدة إلى الحنابلة .

الأصل التاسع :

أن كتب العقيدة المسندة كغيرها من كتب الرواية

اعلم أن كتب العقيدة المسندة ككتاب السنة لعبد الله بن أحمد والسنة للخلال والسنة لابن أبي عاصم وكتاب اللالكائي والآجري ونحوها شأنها في الرواية كغيرها من كتب الحديث والتفسير والسنن والآداب والتاريخ ونحوها من الكتب - التي لم يشترط فيها مؤلفوها الصحة – تجمع الأحاديث في الباب الواحد بالإسناد على اختلافها في الصحة والضعف ، وقد كان هذا هو الغالب في عرف أهل العلم ومسلكهم في التصنيف تلك الأزمان.

فمن أراد أن يحذّر من كتب العقيدة من أجل بعض الروايات التي لا تصح فيها فإنه يلزمه أن يحذّر أيضاً من كتب التفسير والسنن والآداب والمصنفات والمسانيد والمعاجم ونحوها من الكتب التي تسوق الأسانيد الصحيحة والضعيفة.

فإن قيل : إن كتب العقيدة لا يتسامح فيها بخلاف غيرها من الكتب .

فالجواب من وجهين :

الأول : أنه لا يتسامح في غيرها أيضاً ، فكتاب الله سبحانه أعظم الكتب ، وعلى تفسيره تؤسس العقائد والأحكام والآداب وغير ذلك ، ومع ذلك توجد بعض الأحاديث الضعيفة – بل والموضوعة – في ثنايا كتب التفسير ، والحق في هذا : أن يحذر من هذه الأحاديث دون الكتب !!.

الثاني : أنه ليس عند أهل السنة عقيدة ولا أصل قد أسس على حديث باطل ، وإنما تكون الأحاديث الضعيفة ونحوها من باب ذكر ما في الباب من أحاديث – وإن كان بعضها ضعيفاً - ، مثل نقل كلام الأئمة من التابعين ومن تبعهم في أبواب العقائد ، فهو ليس من باب التأصيل ، بل من باب الاستشهاد ، لذلك فأهل السنة والجماعة لا يضللون من نفى صفة لله سبحانه لأن الحديث المروي فيها لا يصححه ، وإنما يضللون من نفى ذلك بناء على شبه الجهمية المبنية على أقوالهم في : التجسيم والحشو والتشبيه !! .

إذا تبين لك هذا ، علمت أن دعوة المالكي إلى ترك كتب عقائد أهل السنة بهذه الحجة إنما يرمي وراءها إلى أمرين :

الأول : زعزعة ثقة المسلم بدينه وعقيدته ، فهو يحذر من عامة كتب عقائد أهل السنة لعدد محدود من الأحاديث الضعيفة !!.

والثاني : أنه سيتدرج – والله تعالى أعلم – بعد ذلك إلى التحذير من جميع كتب السلف ، ومنها الصحيحان – ، وقد‍ شكّك فعلاً – في مقابلته مع قناة الجزيرة – بأحاديث الصحيحين وذكر أن فيهما دساً وكذباً .

الأصل العاشر :

أن أهل البدع مذمومون بحسب قربهم وبعدهم عن الكتاب والسنة

اعلم إن من ابتدع وخالف السنة فهو مذموم بحسب مخالفته لها ، وهذا ثابت في الأدلة الصريحة الواضحة ، وأهل السنة والجماعة رضوان الله عليهم عندما يتكلمون في أهل البدع ويحذرون منهم ويشنعون عليهم ما فعلوا ذلك إلا امتثالاً للنصوص الشرعية ، والأدلة على ذلك كثيرة وهي على قسمين :

القسم الأول : ذم البدع :

ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم ، ويقول : أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) . وفي النسائي (وكل ضلالة في النار) .

وفي حديث العرباض بن سارية الذي سبق (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) .

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود .

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من رغب عن سنتي فليس مني) .

وغيرها من النصوص ، وهي تظهر أن البدع ضلالة ، وأن الضلالة في النار ، وأن البدعة مردودة على صاحبها.

القسم الثاني : ذم أهل البدع :

فإن إنكار البدع وذم أهلها والتحذير منهم أمر ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ، ولم يقم أهل السنة والجماعة بالإنكار على أهل البدع والتشنيع عليهم إلا اتباعاً لنبيهم صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ، فأهل السنة لا يقولون بشيء من تلقاء أنفسهم ، بل هم متبعون.

و أول بدعة حصلت في الإسلام هي بدعة الخوارج ، ولذلك ورد ذمهم الشديد في السنة النبوية ومن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم :

فمن ذلك ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر - وذكر الحرورية - فقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية .

وقد روي من أكثر من أربعين وجهاً ذم الخوارج –روى مسلم في صحيحه عشرة أوجه وخرج بعضها البخاري- ، وقد ورد في وصفهم (يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) ، وورد في وصف آخر (يقولون من قول خير الناس ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) ، وقال عنهم (شر قتلى تحت أديم السماء) ، وفي لفظ آخر (لئن لقيتهم لأقلتنهم قتل عاد) ، وفي آخر (شر الخلق والخليقة) ، وفي آخر (فإذا لقيتموهم فاقتلوهم) وغيرها من الألفاظ .

وروى الإمام أحمد وابنه عبد الله والطيالسي والترمذي وغيرهم من طرق عن أبي غالب – صاحب أبي أمامة- قال : لما أتى برؤوس الأزارقة فنصبت على درج دمشق ، جاء أبو أمامة فلما رآهم دمعت عيناه ، فقال : كلاب النار - ثلاث مرات - ، هؤلاء شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء ، وخير قتلى قتلوا تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء . قال : فقلت : فما شأنك دمعت عيناك ؟. قال : رحمة لهم ، إنهم كانوا من أهل الإسلام . قال : قلنا : أبرأيك قلت هؤلاء كلاب النار ؟. أو شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟. قال : إني لجرئ ، بل سمعته من رسول الله غير مرة ولا ثنتين ولا ثلاث . قال : فعد مراراً .

وفي مسند الإمام أحمد عن عاصم بن شميخ قال : فرأيت أبا سعيد بعدما كبر ويداه ترتعش يقول : قتالهم أحل عندي من قتال عدتهم من الترك.

فقد حذر منهم الرسول صلى الله عليه وسلم وحث على قتالهم – والقتال أعظم من اللعن والتحذير- مع وصفه لهم بشدة العبادة والقراءة ، واتفق الصحابة رضوان الله عليهم على قتالهم –هذا والخوارج خير من الروافض والقبوريين ونحوهم- .

ولما خرجت الغالية في وقت علي رضي الله عنهم قام بتحريقهم – كما في الصحيح - .

ولما خرج صبيغ يسأل عن المتشابه قام إليه عمر فنزع عمامته وقال : لو رأيتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك ، ثم ضربه بالعراجين ونفاه .

ولما خرجت القدرية في أواخر وقت الصحابة أنكر ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم عليهم ذلك :

فقد روى البيهقي وغيره عن مجاهد قال : أتيت ابن عباس برجلٍ ، فقلت : يا ابن عباس ، هذا يكلمك في القدر . قال : ادنه مني . فقلت : هو ذا ، تريد أن تقتله . قال : إي والذي نفسي بيده ، لو أدنيته مني لوضعت يدي في عنقه فلم يفارقن حتى أدقها .

وللبيهقي وغيره في رواية أخرى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال (أولئك شرار هذه الأمة ، فلا تعودوا مرضاهم ، ولا تصلوا على موتاهم ، إن رأيت أحداً منهم فقأت عينيه بأصبعيّ هاتين) .

وفي صحيح مسلم عن يحيى بن يعمر قال : أول من تكلم في القدر معبد الجهني . قال : فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حتى أتينا المدينة ، فقلنا : لو لقينا رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه عما أحدث هؤلاء القوم . قال : فلقينا عبد الله بن عمر وهو خارج من المسجد . قال : فاكتنفته أنا وصاحبي . قال : فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ . فقلت : يا أبا عبد الرحمن ، إن قوماً يقرؤون القرآن ، ويتقفرون العلم ، ويزعمون أن لا قدر ، وأن الأمر أنف . قال : فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم برئ وأنهم مني برءاء ، والذي يحلف به عبد الله لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً ما قبل ذلك منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره .

وروى الدارمي عن عمرو بن سلمة قال : كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة ، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد ، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال : أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد ؟. قلنا : لا . حتى خرج ، فلما خرج قمنا إليه جميعاً ، فقال له أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن ، إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته ، ولم أر والحمد لله إلا خيراً . قال : فما هو ؟. فقال : إن عشت فستراه . قال : رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة ، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصا ، فيقول : كبروا مائة فيكبرون مائة ، فيقول : هللوا مائة فيهللون مائة ، ويقول : سبحوا مائة فيسبحون مائة . قال : فماذا قلت لهم ؟. قال : ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك . قال : أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء .ثم مضى ومضينا معه ، حتى أتى حلقة من تلك الحلق ، فوقف عليهم ، فقال : ما هذا الذي أراكم تصنعون ؟. قالوا : يا أبا عبد الله ، حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح .

قال : فعدوا سيئاتكم ، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم ، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون ، وهذه ثيابه لم تبل ، وآنيته لم تكسر ، والذي نفسي بيده إنكم لعلي ملة هي أهدي من ملة محمد ، أو مفتتحو باب ضلالة.

قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير .

قال : وكم من مريد للخير لن يصيبه ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم . ثم تولى عنهم.

فقال عمرو بن سلمة : رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج.

فيظهر فيما سبق أنه لم تظهر بدعة على عهد الصحابة وعلموها إلا قابلوها بالإنكار ، فمن أراد أن ينهج صراطهم ويقتفي أثرهم فعل مثلهم (1).

الأصل الحادي عشر :

أنه لا يوجد باطل عند أحد من الناس إلا وهو مشوب بشيء من الحق

وذلك أنه لا ينفق الباطل المحض عند أحدٍ من العقلاء ، فإن النفوس مجبولة على رد الباطل ، لذلك لا بد لكل من أراد أن ينفق باطله أن يشوبه بشيء من الحق.

وهكذا البدع والضلالات فإنها لا بد أن يكون معها شيء من الحق ، فبهذا الحق تنفق عند أهلها ، وبهذا الحق يلبس أصحابها على الناس .

وذلك كبدعة الحرورية فإنها خرجت أولاً بسبب تحكيم الرجال في صفين فقالوا مقولتهم المشهورة : (لا حكم إلا لله) ، وهذا كما قال علي رضي الله : حق أريد به باطل. وهم مع ذلك من أشد الناس اجتهاداً وعبادة حتى قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم (يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم وصيامه عند صيامهم) .

وكبدعة الجهمية فإنها ظهرت –كما يزعم أصحابها - تنزيهاً لله أن يشبه شيئاً من المخلوقات .

وكبدعة القدرية فإنها ظهرت –كما يزعم أصحابها- تنزيها لله سبحانه أن يخلق أفعال العباد ويقدرها عليهم ثم يجازيهم بها .

وهكذا بقية البدع : فبدعة التشيع ظهرت لنصرة آل البيت ، وبدعة النصب ظهرت لنصرة عثمان .

لذلك فمن أراد من أهل الباطل أن يدافع عنهم فإنه يستدل بما معهم من هذا الحق الذي أرادوا به الباطل ، فيشبّه بذلك على الناس .

وإذا علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار) مع أن البدع لا تظهر إلا مشوبة بشيء من الحق ، وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما قال في الخوارج ، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة ، وأنهم كلاب النار ، وأمر بقتالهم وقتلهم ، وحذر منهم ، مع أنهم – في ظاهر أمرهم – ما قصدوا إلا الحق ، وما أرادوا إلا تعظيم كتاب الله وتعظيم حرماته ، وعلمت أن الصحابة صاحوا بأهل البدع الذين ظهروا في وقتهم من حرورية وقدرية وغيرهم – مع أن معهم شيئاً من الحق – ، علمت أن ما مع أهل البدع من الحق لا يزيل وصف الضلالة عنهم .

الأصل الثاني عشر :

أنه لا يوجد حق عند فرقة من الفرق إلا وهو موجود عند أهل السنة

اعلم أنه كما تقدمت الإشارة إليه فإنه لا تنفرد أي فرقة من الفرق بحق ليس عند أهل السنة ، كما أن أهل السنة لا يتفقون على باطل ، فما كان من حق عند فرقة من الفرق فهو موجود عند أهل السنة نقياً مما شابه من الباطل .

فحب أهل البيت الذي يزعمه الروافض والزيدية وغيرهم من فرق الشيعة موجود عند أهل السنة ، فهم يحبون أهل البيت ويجلونهم ويترضون عنهم ويتقربون إلى الله بحبهم والدفاع عنهم ، إلا أن حب أهل السنة لهم سالم من أباطيل الشيعة : كغلوهم فيهم أو تأليههم أو سبهم الصحابة الآخرين و نحو ذلك.

وحب عثمان ومعاوية الذي يزعمه النواصب ونحوهم موجود عند أهل السنة أيضاً ، إلا أنه سالم من أباطيل الناصبة : كسبهم أهل البيت أو وضع الأحاديث في فضائل معاوية أو غير ذلك .

وتنزيه الله سبحانه الذي تزعمه الجهمية موجود عند أهل السنة ، فهم ينزهون الله عن مشابهة المخلوقات ، ويثبتون صفاته بغير تحريف ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل ، إلا أنهم سالمون من أباطيل الجهمية كتعطيلهم الصفات.

وإثبات القدر الذي تزعمه الجبرية موجود عند أهل السنة ، فهم يثبتون القدر بمراتبه الأربعة التي دلت عليها النصوص : العلم والكتابة والمشيئة والخلق ، إلا أنهم سالمون من أباطيل الجبرية كنفيهم قدرة العبد ومشيئته .

وهكذا بقية الفرق ، فلا تجد حقاً عند فرقة من الفرق في مسألة أصلية ولا فرعية – دلت عليها النصوص – إلا وهي عند أهل السنة سالمة من أباطيلهم .

بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسة
العقيدة الصحيحة
   الشرك وأنواعه 
تحطيم البدع
 الردود العلمية
 الفرق والمذاهب
 فتاوى مهمة
قالوا عن الموقع
اربطنا بموقعك
من أفضل المواقع
صيد الفوائد
رسالة الإسلام
السلفيون
شمس الإسلام
المرشد
الموحدون

تحت المجهر

النصارى 

النصيرية

الرافضـة

الإباضيــة 

 الأحباش

العصرانيون